معاينة كيف تؤثّر الحرب على الاقتصاد العالمي؟

كيف تؤثّر الحرب على الاقتصاد العالمي؟

ارتفعت أسعار النفط اليوم بنسبة ناهزت 9% لتقترب من حاجز 73 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى تسجله منذ أكثر من 8 أشهر1، ويأتي هذا الارتفاع بعد التصعيد الخطير في الشرق الأوسط إثر الضربات المشتركة التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. ويبدو أنّ مضيق هرمز بات في حكم المغلق فعلياً، وهو شريان حيوي يمر عبره نحو خُمس شحنات النفط العالمية وكميات ضخمة من الغاز الطبيعي، على الرغم من تأكيدات طهران الرسمية على بقائه مفتوحاً. بدأت شركات الشحن في تغيير مسارات سفنها بعيداً من المنطقة، وسارعت شركات التأمين إلى رفع علاوات التأمين بشكل حاد لمواجهة المخاطر المتزايدة.

اتفقت مجموعة أوبك بلس، يوم الأحد، على زيادة الإنتاج بمقدار 206,000 برميل يومياً في شهر نيسان/أبريل، لتنهي بذلك فترة ثبات استمرت لـ3 أشهر. غير أنّ هذه الزيادة جاءت أقل بكثير من نطاق (411,000 إلى 548,000 برميل يومياً) الذي كان قيد الدراسة سابقاً. ومن ثمّ، فمن المستبعد أن تُحدث هذه الخطوة فارقاً ملموساً في مواجهة الاضطرابات قصيرة المدى في إمدادات النفط. وعلى الرغم من ارتفاع أسعار النفط الخام حالياً، لا تزال بعيدة تماماً من المستويات القياسية التي بلغتها إبان طفرة أسعار الطاقة في مرحلة ما بعد الجائحة.

كيف تؤثّر الحرب على الاقتصاد العالمي؟

يجب أن يتحقّق أمران قبل أن تقفز أسعار النفط إلى 100 دولار للبرميل أو أكثر. أولاً، لا بد من تعطّل كبير وطويل الأمد لحركة المرور عبر مضيق هرمز، بالنظر إلى أنّ المضيق ينقل نحو برميل واحد من كل 5 براميل نفط في العالم. ثانياً، يجب أن تبدأ الهجمات الصاروخية والمسيّرات في ضرب منشآت إنتاج النفط. وحتى الآن، جرى تجنّب هذه المنشآت في أنحاء الشرق الأوسط بعناية شديدة - بما فيها المنشآت الإيرانية2.

كيف تؤثّر الحرب على الاقتصاد العالمي؟

إذا تحقق هذان العاملان، فقد يتجاوز سعر برميل النفط 100 دولار. لكن لا يجب إغفال أنّ إنتاج النفط العالمي وإمداداته يتجاوزان الطلب العالمي بكثير بسبب التباطؤ النسبي في النمو الاقتصادي العالمي والتحول المتزايد نحو الطاقة المتجدّدة. ففي العام الماضي، ارتفع استهلاك الوقود السائل عالمياً بحسب التقديرات بمقدار 1.1 مليون برميل يومياً، وقد يرتفع بمقدار 1.2 مليون برميل يومياً هذا العام. لكن سيستمر نمو إنتاج النفط العالمي في تجاوز معدلات الاستهلاك، لتزداد بالتالي مخزونات النفط بمقدار 3.1 مليون برميل يومياً عام 2026.

كيف تؤثّر الحرب على الاقتصاد العالمي؟

على الرغم من أنّ الصين تعتمد في تأمين جزء كبير من احتياجاتها النفطية على الشرق الأوسط (لا سيما السعودية)، دأبت على بناء مخزوناتها الاستراتيجية لمواجهة هكذا أحداث، وتحسباً للمخاوف من العقوبات الأميركية. وبناءً عليه، فالصين في وضع جيد يُمكّنها من التعامل مع أي نقص في الإمدادات؛ إذ لا يزال بإمكانها اللجوء إلى زيادة وارداتها النفطية من روسيا ومن أميركا الجنوبية، وقد زادت إمداداتها من هناك في السنوات الأخيرة لتجنب الاعتماد على الشرق الأوسط. أما الولايات المتحدة، فتمتلك وفرة في المخزونات الاستراتيجية، فضلاً عن إنتاجها المحلي بطبيعة الحال. لكن الوضع قد يتأزم في مناطق عديدة من الجنوب العالمي وشرق آسيا (اليابان وكوريا)، وكذلك أوروبا بالعموم (حيث انقطعت إمدادات النفط الروسي)، إذا استمر هذا الصراع لفترة طويلة.

كيف تؤثّر الحرب على الاقتصاد العالمي؟

يبرز عاملٌ آخر يسهم في كبح جماح أسعار النفط ومنع انفجارها ألا وهو تدفق النفط الفنزويلي إلى الأسواق. إذ مُنِحَت التراخيص لشركات تجارية أميركية لتصدير النفط. فجزء كبير من الشحنات التي كانت تتجه سابقاً إلى الصين يذهب الآن إلى مرافئ في منطقة الكاريبي قبل بيعها لمصافي الساحل الأميركي على الخليج. ومن المرجح أن يعود إنتاج النفط في فنزويلا قريباً إلى مستويات ما قبل فرض العقوبات الأميركية.

يأمل ترامب ويتوقع اشتباكاً خاطفاً ينتهي إلى إسقاط النظام الإيراني أو إجبار قادته الحاليين على الإذعان للشروط الأميركية. حينئذ ستعود أسعار النفط إلى مستوياتها «الطبيعية» - «سيناريو فنزويلا» عملياً. لكنّ إيران ليست فنزويلا. يشير تاريخ «التدخلات» الإمبريالية الأميركية والإسرائيلية في الشرق الأوسط إلى فوضى طال أمدها، وهذه المرة في بلد يقطنه 90 مليون نسمة. فما من معارضة منظّمة للنظام داخل إيران، ويبدو القادة الجدد للنظام، حتى الآن، عازمين على الرد والانتقام لفترة طويلة قادمة.

إذا طال أمد الحرب، فسوف تتسبّب في استمرار ارتفاع أسعار النفط، وعلى الرغم من التوازن الإيجابي للعرض والطلب على المدى الطويل، قد ينعكس ذلك في صورة معدلات تضخم أعلى في الاقتصادات الكبرى. فمعدل تضخم أسعار المستهلك في الولايات المتحدة، وهو الذي لا يزال يتجاوز المعدل المستهدف من قبل الفيدرالي والمقدر بـ 2% سنوياً، قد يصل بدلاً من ذلك إلى 4%. كما أنّ ارتفاع أسعار الطاقة بمثابة ضريبة على الاستهلاك والاستثمار، وهو ما قد يُفقِد النمو الاقتصادي بضع نقاط أساس على مدار العام.

إنّ صراعاً طويل الأمد من شأنه أن يلحق ضرراً جسيماً بالنمو في منطقة الشرق الأوسط. فدول الخليج سوف تخسر حركتها السياحية المربحة، وقد تضطر شركات الطيران إلى تجنّب المنطقة في رحلات العبور العالمية (الترانزيت). وبذلك، ستنتهي أيام الرخاء ونمط الحياة المترف للأجانب هناك.

حتى الآن، لا تزال الأسواق المالية الأميركية على حالها، باستثناء وصول أسعار الذهب إلى مستويات قياسية جديدة (الأصل الآمن في الأزمات). ولكن تجدر الإشارة أيضاً إلى أنّ الدولار قد ارتفع مقابل العملات الأخرى، في مؤشر إضافي على أنّ كل الحديث عن الزوال الوشيك للدولار محض أماني حالمة. فماذا تقول هذه الضربة «الاستباقية» غير المبررة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران عن قوة المقاومة لدى مجموعة بريكس بلس؟

نُشِر هذا المقال في 2 آذار/مارس 2026 على مدونّة مايكل روبرتس، وتُرجِم إلى العربية ونُشِر في «صفر» بموافقة مسبقة من الكاتب.

  • 1

    ملاحظة من المحرر:
    بعد كتابة المقال، ارتفعت أسعار النفط بنسبة 13% لتتجاوز 82 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى لها منذ كانون الثاني/يناير 2025. 

  • 2

    ملاحظة من المحرّر
    بعد كتابة المقال، أعلنت قطر تعليق إنتاج الغاز الطبيعي المسال يوم الإثنين، وأغلقت السعودية مصفاة رأس تنورة، أكبر مصفاة نفط محلية، بعد غارة بطائرة مسيرة، في حين أدّت الضربات الإسرائيلية والأميركية والردود الإيرانية إلى إغلاق احترازي لمنشآت النفط والغاز في الكثير من حقول الشرق الأوسط. 

علاء بريك هنيدي

مترجم، حاصل على ماجستير في المحاسبة، وشارك في تأسيس صحيفة المتلمِّس. صدر له ترجمة كتاب ديفيد هارفي «مدخل إلى رأس المال» عن دار فواصل السورية، وكتاب جوزيف ضاهر «الاقتصاد السياسي لحزب الله اللبناني» عن دار صفصافة المصرية، وكتاب بيتر درَكر «الابتكار وريادك الأعمال» عن دار رف السعودية، وكانت أولى ترجماته مجموعة مقالات لفلاديمير لينين عن ليف تولستوي صدرت ضمن كراس عن دار أروقة اليمنية. كما نشر ترجمات عدّة مع مواقع صحافية عربية منها مدى مصر، وإضاءات، وذات مصر، وأوان ميديا.