هل بدأت أزمة النفط الحقيقية الآن؟
13 مليون برميل من النفط في اليوم انقطعت عن الأسواق العالمية منذ بدء الحرب الأميركية على إيران، وهو ما يوازي نحو 13% من الاستهلاك العالمي. وعلى الرغم من ذلك، لم تنهَر الأسواق، ولم تقفز الأسعار إلى مستويات كارثية كما كان متوقعاً. فكيف حصل ذلك؟ ولماذا قد تبدأ الأزمة الفعلية الآن؟
1. 13 مليون برميل في اليوم خرجت من السوق
لم يشهد العالم تاريخياً انقطاعاً بهذا الحجم في إمدادات النفط. فمع اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران وإغلاق مضيق هرمز وفرض قيود على حركة السفن، توقف ما يقارب 11.5 مليون برميل نفط في اليوم من إنتاج السعودية والإمارات والعراق والكويت وقطر والبحرين. ثم أضيفت الصادرات الإيرانية المعطلة بفعل الحصار الأميركي على الموانئ، لترتفع الكمية المعطّلة إلى نحو 13 مليون برميل في اليوم بين نفط خام ومشتقات نفطية. وهذا الرقم يوازي حوالي 13% من إمدادات النفط العالمية.
بحلول أيار/مايو، بلغت الخسائر التراكمية نحو 782 مليون برميل، مع توقعات بتجاوز المليار برميل خلال أسابيع، بحسب بيانات «كبلر». وهذا يعني أن العالم يواجه أكبر صدمة فعلية في سوق النفط الحديث، لا مجرد أزمة أسعار أو مضاربات.
2. العالم لم يعوِّض النقص بل أخَّر الانفجار!
خلال الشهرين الماضيين، حاولت الدول احتواء الصدمة عبر سلسلة إجراءات استثنائية، تمثّلت في تخفيض عمل المصافي، وفرض قيود على صادرات المشتقات النفطية، كما تدخلت وكالة الطاقة الدولية عبر أكبر عمليّة ضخ تاريخية من الاحتياطيات الاستراتيجية بلغت حوالي 400 مليون برميل، أو حوالي 3 مليون برميل في اليوم، بالإضافة إلى إعفاء النفط الروسي والإيراني العائم في البحر من العقوبات المفروضة.
غير أن هذه الإجراءات لم تعوض البراميل المفقودة فعلياً، فما حصل كان إعادة توزيع للكمّيات المتبقية لتفادي الانهيار السريع للأسواق. بمعنى آخر، لم يحل العالم الأزمة بل أجّل آثارها فقط.
3. النفط العائم استُنزف، والدور الآن على المخزونات البرية
في الأسابيع الأولى، أدّت المخزونات الاستراتيجية مع النفط المخزّن في الناقلات دور «خط الدفاع الأول». فقد جرى إعفاء جزء من النفط العائم من العقوبات لتسهيل استخدامه سريعاً في الأسواق الأكثر تضرراً. لكن هذه الكميات استُنزفت تقريباً بحلول نيسان/أبريل.
الآن، بدأت الأسواق تعتمد على المخزونات البرية، أي الاحتياطات الموجودة داخل الدول والشركات. وخلال شهري آذار/مارس ونيسان/أبريل فقط، انخفضت هذه المخزونات بحوالي 250 مليون برميل، أي نحو 4 ملايين برميل يومياً بحسب وكالة الطاقة الدولية، التي تتوقّع أيضاً أن تنخفض هذه المخزونات بمعدل 8.5 مليون برميل يومياً خلال الربع الثاني من عام 2026، وأن تحدث أكبر عمليات السحب في شهري أيار/مايو وحزيران/يونيو، للحفاظ على أسعار النفط حول 100 دولار للبرميل.
وهذا يعني أن العالم بدأ يستهلك احتياطاته الثابتة للحفاظ على الأسعار الحالية ومنع انفلاتها. وهنا تظهر المشكلة الأخطر: فكلما انخفضت هذه المخزونات، تقل قدرة الأسواق على امتصاص أي صدمة إضافية.
4. العالم يقترب من «الحد الأدنى التشغيلي»
يقدّر مصرف JP Morgan أن استمرار السحب من المخزونات العالمية بالمعدلات الحالية من دون أن يفتح المضيق، فقد يدفع الأسواق إلى ما يسمى «الحد الأدنى التشغيلي» بحلول أيلول/سبتمبر. وهو الحد الأدنى من النفط اللازم لتشغيل خطوط الأنابيب ومحطات التكرير والبنية التحتية النفطية بكفاءة. وعند هذه المرحلة، لا تعود المشكلة مرتبطة فقط بالأسعار، بل بقدرة النظام الطاقوي نفسه على الاستمرار بالعمل بشكل طبيعي.
وحتى في حال إعادة فتح مضيق هرمز، فإن الأزمة لن تنتهي سريعاً. فالسفن العالقة، والاختناقات اللوجستية، والأضرار التي أصابت المنشآت، ستُبقي الضغوط قائمة لأشهر طويلة. وتشير تقديرات شركات الطاقة إلى أن بعض المنشآت الخليجية المتضررة قد لا تعود إلى كامل قدرتها قبل عام 2027.
5. الدخول في مرحلة تراجع الطلب العالمي وبدء الركود
حين تعجز الأسواق عن زيادة الإمدادات، يصبح خفض الطلب هو الحل الوحيد المتبقي. وهذا ما بدأت مؤشراته بالظهور بالفعل.
خفّضت شركات طيران عدة رحلاتها نتيجة التقنين في وقود الطائرات، كما ارتفعت تكاليف النقل والسفر عالمياً، وبدأت الدول الأكثر هشاشة تواجه صعوبة أكبر في استيراد المشتقات النفطية.
وتتوقع وكالة الطاقة الدولية انخفاض الطلب العالمي خلال عام 2026 بنحو 420 ألف برميل في اليوم، مع تسجيل الربع الثاني أكبر تراجع سنوي في الاستهلاك منذ سنوات. أما الدول الأكثر عرضة للضرر، فهي الاقتصادات الآسيوية والأفريقية المستوردة للطاقة، والتي تفتقر إلى قدرات إنتاجية أو تكريرية محلية تخفف من وقع الأزمة.
6. الأزمة لم تعد أزمة مضيق فحسب
السؤال اليوم لم يعد ما إذا كانت الأسواق قادرة على امتصاص الصدمة الحالية، بل كم من الوقت تستطيع الاستمرار قبل أن يتحوّل نقص النفط إلى أزمة اقتصادية عالمية أوسع.
لقد تمكّنت الأسواق خلال الأسابيع الماضية من شراء الوقت عبر استنزاف الاحتياطات. لكن مع بدء تراجع المخزونات البرية، يصبح العالم أمام مرحلة مختلفة يصبح فيها انخفاض الاستهلاك العالمي جزءاً من آلية التوازن نفسها. وهنا تحديداً، قد تكون أزمة النفط الحقيقية قد بدأت فعلاً مسبّبة أزمة ركود اقتصادي أشمل.