معاينة كيف يحرّك ترامب المضاربات في الأسواق؟

كيف يحرّك ترامب المضاربات في الأسواق؟

عبارة واحدة صادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب كافية لتغيير الرهانات في الأسواق العالمية. فترامب، بصفته رئيس دولة عظمى وأكثر القوى العسكرية فتكاً، لم يعد مُحرّكاً للسياسة والحرب فحسب، بل مُحرّكاً للمضاربات، يمنح البعض مكاسب ويكبّد آخرين خسائر.

افتتحت أسواق الطاقة اليوم على سعر يصل إلى 100.2 دولار، بحسب بيانات Trade Economics، لكن بعد ساعات قليلة، خرج ترامب بتصريح لافت على منصّته «سوشيل تروث»، يعلن فيه أن الولايات المتحدة الأميركية ودولة إيران أجرتا خلال اليومين الماضيين «محادثات جيدة ومثمرة للغاية» بشأن التوصل إلى حل كامل وشامل (...) وأنه أصدر تعليماته إلى وزارة الحرب بتأجيل جميع الضربات العسكرية ضد محطات الطاقة والبنية التحتية للطاقة الإيرانية لمدة 5 أيام. 

ما هي إلا دقائق حتى بدأت أسعار النفط بالتراجع نتيجة انخفاض توقّعات المخاطر على الإمدادات، ووصلت عند الساعة الخامسة مساءً إلى 86.4 دولارات، أي بتراجع بنسبة 13.9%. 

كيف يحرّك ترامب المضاربات في الأسواق؟

وبالتوازي، تحرك الذهب، كملاذ آمن، بشكل معاكس، وارتفعت أسعاره من 4,111 دولاراً للأونصة خلال التداولات المبكرة من صباح الإثنين إلى نحو 4,455 دولاراً عند الخامسة مساءً، أي بنسبة 8.3%. 

كيف يحرّك ترامب المضاربات في الأسواق؟

ليست المرّة الأولى!

طبعاً، ما حصل اليوم ليس حادثاً معزولاً، بل نموذجاً مكثفاً لطريقة تفاعل الأسواق مع خطابات ترامب القادرة على إعادة تسعير المخاطر خلال دقائق. ففي 9 آذار/مارس الجاري، مثلاً، تكرّر المشهد نفسه ولكن على نطاق أكثر حدّة. ففي اتصال هاتفي مع مراسل قناة CBC أعلن ترامب يومها: «أعتقد أن الحرب قد انتهت تماماً، إلى حد كبير. ليس لديهم أسطول بحري، ولا اتصالات، وليس لديهم قوة جوية». وبعد أن كانت أسعار خيارات الشراء لمؤشر S&P 500 قد وصلت إلى أدنى مستوى لها عند 0.02 دولار للعقد الواحد، وأصبحت شبه عديمة القيمة، شهد السوق انعكاساً حاداً، وتم تداول العقود نفسها بسعر 4.95 دولار، أي بزيادة بلغت 24,650%. وبمعنى عملي، فإن استثماراً بقيمة 1,000 دولار في تلك اللحظة تحوّل إلى 247,500 دولار خلال نحو 80 دقيقة فقط.

إلى ذلك، أشار متعاملون في السوق إلى عملية شراء أكثر من 9,000 عقد خيار شراء SPY 675 بسعر 0.12 دولار للعقد الواحد، بتكلفة إجمالية تقارب 112 ألف دولار. ومع ارتفاع المؤشر إلى 678.27 دولاراً، قفزت قيمة هذه العقود إلى أكثر من 4.50 دولار، محقّقة أرباحاً تجاوزت 3,650% خلال ساعات، أي ما يعادل أكثر من 4.2 مليون دولار.

لا يقتصر التأثير على سوق الأسهم فقط. ففي الفترة نفسها، كانت أسعار النفط قد تجاوزت 119 دولاراً للبرميل. لكن بعد تصريحات ترامب «المتفائلة»، انخفضت أسعار النفط بنحو 10% خلال ساعة.  

هل يمكن تفسير ذلك كتلاعب؟ 

تعكس هذه الأمثلة نمطاً واضحاً: تصريحات سياسية، تتبعها تحرّكات حادة وفورية في الأسواق المالية والطاقة.

لا يوجد دليل قاطع يثبت أن هذه التصريحات تشكّل تلاعباً مباشراً ومقصوداً بالأسواق، خصوصاً أن إثبات مثل هذا السلوك من قبل رئيس دولة يُعد سابقة قانونية خطيرة في النظام الأميركي. ومع ذلك، فإن نمط التزامن بين التصريحات والتحركات الحادة في الأسواق، وحجم الأرباح المتحققة خلال فترات زمنية قصيرة، يجعل من الصعب التعامل مع الأمر باعتباره مجرد صدفة أو عفوية خطابية.

إحدى القراءات الممكنة هنا، هي أن هذه التصريحات تندرج ضمن إدارة نشطة لتوقعات السوق، في سياق حرب تبدو تكاليفها الاقتصادية غير محسوبة بالكامل منذ بدايتها. ففي لحظات ارتفاع أسعار النفط، يتحول الضغط على المستهلك الأميركي إلى عبء سياسي مباشر، ما يستدعي تدخلاً سريعاً لتهدئة الأسواق. 

لكن هذه القدرة على التهدئة لا يمكن فصلها عن القدرة المعاكسة: أي رفع منسوب القلق وعدم اليقين عند الحاجة. وهنا تحديداً، تتحوّل التصريحات السياسية إلى عامل مؤثر بذاته في حركة الأسواق، لا مجرد انعكاس لها. وفي بيئة كهذه، يصبح «عدم اليقين» مادة خام تُنتج فرصاً استثنائية للمضاربين القادرين على التحرك السريع.

وتكتسب هذه القراءة وزناً إضافياً عند النظر إلى ما تحقق من أرباح في فترات زمنية وجيزة. تشير المعطيات المتداولة إلى أن تصعيداً استمر 12 ساعة فقط في عام 2025، ساهم في تحقيق مكاسب ضخمة قُدّرت بنحو 400 مليار دولار، استحوذ أغنى 1% من السكان في الولايات المتحدة على ما يقارب نصفها. كما أن الولايات المتحدة، وفق تقديرات مراكز بحثية، حصدت نحو 377 مليار دولار من أرباح الوقود الأحفوري في سياق الحروب السابقة، توزّعت بشكل غير متكافئ، حيث ذهبت الحصة الأكبر إلى الفئات الأكثر ثراءً، مقابل هامش ضئيل للطبقات الدنيا.

ضمن هذا السياق، لا يبدو مستبعداً أن تتحوّل التقلّبات الحادة، الناتجة عن تصريحات مماثلة، إلى بيئة مثالية لشبكات مالية قادرة على التقاط هذه التحولات وتحويلها إلى أرباح سريعة. وهنا، لا يعود السؤال محصوراً في نية التصريح بحد ذاته، بل في البنية الأوسع التي تجعل من هذه التصريحات ذات أثر قابل للاستثمار. 

في المقابل، يقدّم بعض المحللين تفسيراً أقل حدّة، مفاده أن ترامب يتعامل بحساسية عالية مع أسعار الطاقة، وأن تصريحاته تهدف بالدرجة الأولى إلى تجنب صدمات تضخمية داخلية قد تنعكس سلباً على شعبيته السياسية. إلا أن هذا التفسير، وإن بدا منطقياً، لا ينفي في الوقت نفسه أن هذه القدرة على «تهدئة السوق» يمكن أن تُستخدم أيضاً في الاتجاه المعاكس، أي في لحظات أخرى لرفع التوقعات أو إعادة تشكيلها.

بعبارة أخرى، حتى في غياب دليل قاطع على وجود تلاعب متعمد، فإن النتيجة العملية تبقى واحدة: تصريحات سياسية متقلبة، وأسواق شديدة الحساسية، وبيئة تتيح تحقيق أرباح استثنائية خلال زمن قياسي — أرباح تتركز، في الغالب، لدى الفئات الأكثر قدرة على الوصول السريع إلى المعلومات واتخاذ القرار.