رأس الحكمة

الاقتصاد المصري: ماذا بعد اهتزاز خزائن الخليج؟

تقف مصر اليوم أمام خطر اقتصادي متصاعد، مع تزايد انكشافها على التدفقات المالية الخليجية التي باتت مهدّدة بفعل الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، وما قد يرافقها من ارتدادات على اقتصادات الخليج. لا يأتي هذا الخطر من فراغ، بل هو حصيلة مسار تراكمي تعمّق منذ عام 2013، حين أُعيد تشكيل العلاقة الاقتصادية مع دول الخليج على نحو جعل الاقتصاد المصري أكثر ارتباطاً بمصادر التمويل والاستثمار القادمة منها.

تاريخياً، ارتبط الاقتصاد المصري بالخليج عبر تحويلات العمالة، التي شكّلت رافداً أساسياً للعملة الأجنبية ومصدراً مستقراً نسبياً للدخل. غير أنّ هذه العلاقة شهدت تحوّلاً نوعياً بعد عام 2013، إذ لم تعد تقتصر على التحويلات، بل توسّعت لتشمل تدفقات مالية مباشرة عبر منح وقروض وودائع ساهمت في دعم الاستقرار النقدي، قبل أن تتكرّس لاحقاً في شكل استثمارات مباشرة في قطاعات استراتيجية مثل العقارات والطاقة والبنية التحتية.

وقد أسهمت هذه التدفقات في تخفيف حدّة الأزمات الاقتصادية والمالية التي أعقبت الاضطرابات السياسية، لكنها في الوقت نفسه أعادت تموضع الاقتصاد المصري ضمن شبكة إقليمية أكثر حساسية لتقلبات الخليج وأكثر انكشافاً عليها. ومع تصاعد التوترات الأخيرة، بدأت آثار هذا الترابط بالانتقال سريعاً إلى الداخل المصري، كاشفةً حدود النموذج القائم على الارتهان للتدفقات الخارجية في مواجهة الصدمات الإقليمية.

1. ​​كيف تتأثّر اقتصادات الخليج؟

لا تتوافر بيانات دقيقة حول حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية لقطاع النفط في دول الخليج، إلا أنّ المؤشرات المتاحة تشير إلى اضطراب واسع في منظومة الإنتاج. فقد علّقت قطر إنتاجها من الغاز المسال في مطلع آذار/مارس، فيما تعرّضت منشآت الطاقة في الإمارات لاستهدافات متكرّرة، وأعلنت السعودية خفض إنتاجها النفطي. وفي هذا السياق، لا يبدو أنّ ارتفاع أسعار النفط سينعكس بالضرورة على عوائد مرتفعة كما في أزمات سابقة، إذ يتوقف ذلك على عاملين أساسيين: استمرار تدفّق الصادرات عبر مضيق هرمز، واستعادة القدرة الإنتاجية في المنشآت المتضرّرة. ومع استمرار الغموض حول حجم الأضرار، تتزايد احتمالات تراجع الإيرادات الحكومية، خصوصاً أنّ موازنات دول الخليج تعتمد بنسبة تتراوح بين 60% و90% على عائدات النفط.

تتجه اقتصادات المنطقة نحو تباطؤ حاد في النمو، إذ خفّض البنك الدولي توقعاته من 4.4% إلى 1.3% لعام 2026، في ظل تداعيات الحرب. وتتفاوت حدّة التأثر بين الدول، حيث تتحمّل قطر والبحرين والكويت الكلفة الأكبر، بينما تبدو السعودية وعُمان أقل تأثراً نسبياً، وإن ظلتا عرضة لضغوط مالية وتراجع في وتيرة النشاط الاقتصادي. ويعني ذلك كلفة مرتفعة وفترة زمنية طويلة لاستعادة مستويات الإنتاج السابقة، ما يضيف مزيداً من الضغط على الإيرادات العامة. فعلى سبيل المثال، قد تحتاج قطر إلى ما بين ثلاث إلى خمس سنوات لاستعادة قدرتها على إنتاج 17% من طاقتها في الغاز الطبيعي.

بالتوازي، بدأت هذه الصدمة تنعكس على سلوك صناديق الثروة السيادية، مع اتجاه بعض الدول إلى إعادة تقييم استثماراتها الخارجية، بما يشمل احتمال تأجيل أو إلغاء التزامات قائمة، وسحب جزء من الاستثمارات، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق لاحتواء الخسائر.

ويمتد أثر هذا التحوّل مباشرة إلى الاقتصاد المصري، المرتبط بشكل وثيق بالتدفّقات الخليجية. فمن جهة، يهدد تراجع الاستثمارات أحد أهم مصادر التمويل الخارجي، ومن جهة أخرى، تتصاعد المخاطر على سوق العمل الخليجي، حيث يعمل ملايين المصريين، ما ينعكس على حجم تحويلاتهم التي تمثل نحو 5.6% من الناتج المحلي الإجمالي. ومع احتمال تقلّص هذه التحويلات أو عودة جزء من العمالة، تتزايد الضغوط على الاقتصاد المصري، في وقت يعاني فيه أصلاً من هشاشة في مصادر النقد الأجنبي.

2. تحويلات المصريين في خطر

يمتد دور دول الخليج في الاقتصاد المصري إلى أحد أهم مصادر العملة الأجنبية: تحويلات المصريين العاملين في الخارج. فمنذ مطلع الألفية، تصدّرت دول الخليج هذه التحويلات، التي ارتفعت من نحو 1.5 مليار دولار في العام المالي 1999–2000 إلى أكثر من 4.1 مليارات دولار بعد أقل من عقد، مع تحوّلات لافتة في توزيعها بين الدول، حيث برزت الكويت منذ عام 2004 كمصدر رئيسي إلى جانب السعودية والإمارات. وقد بلغت التحويلات من الكويت وحدها نحو 1.79 مليار دولار بين عامي 2007–2008، ما شكّل نحو 20% من إجمالي التحويلات الواردة إلى مصر، مقابل 1.38 مليار دولار من الإمارات و959.4 مليون دولار من السعودية.

ومع التوسع المستمر في أعداد العمالة المصرية في الخليج، والتي تُقدّر اليوم بما بين 7 و8 ملايين عامل يتركّز أكثر من نصفهم في السعودية والإمارات والكويت، واصلت هذه التحويلات نموها لتبلغ ذروتها في عام 2025 متجاوزة 40 مليار دولار، وهو أعلى مستوى في تاريخها. وقد شكّلت هذه التدفقات ركيزة أساسية في دعم الاستقرار النقدي، وأسهمت في تخفيف حدة الأزمات الاقتصادية، لا سيما في أعقاب تداعيات الحرب الروسية–الأوكرانية.

على مدى عقود، تميّزت هذه التحويلات بكونها أحد أكثر مصادر النقد الأجنبي استقراراً مقارنة بالصادرات أو السياحة أو الاستثمارات الأجنبية، كما أدّت دوراً محورياً في تقليص عجز الحساب الجاري ودعم صافي الأصول الأجنبية. إلا أنّ هذا الاستقرار بات مهدّداً اليوم، مع الانكماش الذي تواجهه اقتصادات الخليج بفعل الحرب، وما يرافقه من ضغوط على أسواق العمل وتراجع في الطلب على العمالة الأجنبية.

ويضع هذا التحوّل نحو 8 ملايين مصري أمام احتمالات ضاغطة تتراوح بين فقدان الوظائف أو تراجع الأجور، ما ينعكس مباشرة على حجم التحويلات. وفي حال تحقق هذا السيناريو، تواجه مصر أزمة مزدوجة: تراجع أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، بالتوازي مع ضغوط إضافية على سوق العمل المحلي نتيجة عودة العمالة.

إلى أين يهاجر العمّال المصريون؟

3. الريع وتدفقات الفوائض المالية 

قد يؤدي تراجع الإيرادات الدولارية الناتج عن اضطراب تصدير النفط والغاز في الخليج إلى ضغوط على العملات المحلية، ويدفع الحكومات إلى تأجيل مشاريع البنية التحتية الضخمة، لا سيما في دول مثل السعودية وقطر. كما يُتوقع أن يتجه الإنفاق العام نحو الأولويات العسكرية والأمنية في أعقاب الحرب، على حساب الاستثمار التنموي، ما ينعكس تباطؤاً في النمو وارتفاعاً في معدلات البطالة، خصوصاً في القطاعات المعتمدة على العمالة الأجنبية.

وتتباين قدرة دول الخليج على امتصاص الصدمة؛ فالسعودية تمتلك هامشاً نسبياً بفضل تنوع منافذ التصدير، بينما تبقى الكويت أكثر هشاشة لاعتماد صادراتها بشكل كبير على مضيق هرمز. في المقابل، تواجه الإمارات وقطر ضغوطاً مركّبة نتيجة استهداف منشآتهما الحيوية، إلى جانب اعتمادهما الكبير على قطاعات الاستثمار والسياحة.

أمام هذه الضغوط، يتجه دور صناديق الثروة السيادية نحو تحوّل محتمل: من أدوات للتوسّع والاستثمار الخارجي إلى أدوات لتمويل العجز الداخلي. وقد يستتبع ذلك اللجوء إلى تسييل بعض الأصول أو السحب من الاحتياطيات، بما يحمله من خسائر محتملة، خصوصاً إذا طال أمد الأزمة. وبهذا، ينتقل نموذج الفوائض النفطية من كونه رافعة للتوسع الإقليمي إلى آلية دفاعية لاحتواء أزمة داخلية، في ظل ارتهان قطاع الطاقة للاستقرار الجيوسياسي. 

تُدير صناديق الثروة السيادية الخليجية أصولاً تُقدّر بنحو 3.7 تريليونات دولار، ما يمنحها ثقلاً محورياً في توجيه الاستثمارات الإقليمية. وخلال عام 2022، كثّفت هذه الصناديق—ولا سيما في السعودية والإمارات وقطر—استثماراتها في السوق المصرية عبر صفقات استحواذ بلغت نحو 22 مليار دولار، شملت قطاعات استراتيجية مثل الطاقة والأسمدة والبتروكيماويات والموانئ والخدمات المالية.

وقد تزامن هذا التوسع مع تراجع قيمة الجنيه المصري بنحو 35%، ما جعل الأصول المحلية أكثر جاذبية وأقل كلفة للمستثمرين الخليجيين. وهكذا، انتقل الدعم من نمط قائم على الودائع والمساعدات إلى نمط يقوم على الاستحواذ على الأصول، في محاولة لاحتواء الأزمة وتأجيل الانهيار، لكنه في الوقت نفسه أعاد تشكيل ملكية قطاعات حيوية من الاقتصاد.

في موازاة ذلك، دفعت التزامات مصر مع صندوق النقد الدولي نحو تسريع برنامج الخصخصة، بهدف رفع مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد من 30% إلى 65% بحلول عام 2025. وشهد عام 2022 طفرة في صفقات الاندماج والاستحواذ، تجاوز عددها 60 صفقة، أي ضعف ما سُجل في عام 2021، وتوّجت بصفقات كبرى مع مستثمرين خليجيين، أبرزها صفقة «رأس الحكمة» بقيمة 35 مليار دولار، التي أسهمت في وقف التدهور على المدى القصير.

غير أنّ هذا التدفق المالي الضخم لم ينعكس في معالجة الاختلالات الهيكلية. ففي مقال نُشر قبيل حرب الأيام الـ12 بين إيران وإسرائيل بعنوان «الخاسرون في الشرق الأوسط الجديد»، أشارت الإيكونوميست إلى تزايد استياء بعض الحلفاء الخليجيين من السياسات الاقتصادية المصرية، التي دفعت الدين العام إلى نحو 90% من الناتج المحلي الإجمالي، في ظل توجيه الموارد نحو مشاريع بنية تحتية وعاصمة إدارية دون عوائد إنتاجية كافية. ويأتي ذلك رغم تلقي مصر ما لا يقل عن 45 مليار دولار منذ عام 2013، من دون أن يقترن هذا الدعم بإصلاحات بنيوية تعالج اختلالات الاقتصاد.

في المحصلة، يعمّق هذا النموذج القائم على استقطاب الفوائض الخليجية مقابل الأصول من هشاشة الاقتصاد المصري، إذ يربط استقراره بتدفقات خارجية متقلبة، ويجعله أكثر عرضة للصدمات، خصوصاً مع أي تراجع في السيولة الخليجية أو إعادة توجيه أولوياتها الاستثمارية.

الاستثمارات السعودية والإماراتية في مصر

4. تسارع العجوزات 

يتجه عجز الحساب الجاري في مصر نحو الاتساع مجدداً، مدفوعاً بتزايد الضغوط الخارجية وخروج استثمارات الأجانب من أدوات الدين، التي قُدّرت بنحو 8 إلى 9 مليارات دولار منذ شباط/فبراير الماضي. ووفق التقديرات، قد يرتفع العجز إلى نحو 3.4% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المالي الحالي، مع احتمالات بلوغه مستويات أعلى تقارب 4.4% في حال استمرار الضغوط، ما يضع المالية العامة أمام تحديات متصاعدة ويعزّز الاتجاه نحو إجراءات تقشفية إضافية.

بالتوازي، تتصاعد الضغوط التضخمية بشكل ملحوظ. فقد أدى ارتفاع أسعار الوقود وتراجع قيمة الجنيه إلى تسارع التضخم، الذي تجاوز 14.7% وفق الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، مع ترجيحات بمزيد من الارتفاع في ظل زيادات أسعار الكهرباء. ويأتي ذلك في سياق ارتفاع كلفة الواردات بنحو الثلثين منذ اندلاع الحرب، بحسب تصريحات رئيس الحكومة، ما يفاقم الأعباء على الموازنة ويضغط على القدرة الشرائية.

في المقابل، يشكّل تراجع إيرادات قناة السويس مصدر ضغط إضافي على موارد النقد الأجنبي، إذ انخفضت بنحو 38% خلال الربع الأول من العام. وتعتمد الدولة على هذه الإيرادات لتغطية جزء من التزاماتها الخارجية، فيما تشير التقديرات إلى خسائر قد تتجاوز 3.5 مليارات دولار، أي ما يقارب 1% من الناتج المحلي الإجمالي. ورغم احتمال تراجع هذه الخسائر في حال استمرار الهدنة، بعد عودة نحو 1,000 سفينة إلى مسارها عبر قناة السويس، فإن مصير الإيرادات يبقى معلقاً على مسار التوترات الإقليمية.

وقد انعكس هذا التراجع في اتساع عجز الحساب الجاري خلال الأشهر الأخيرة، مدفوعاً باتساع الفجوة بين الواردات والصادرات، في ظل ارتفاع فاتورة الاستيراد وتراجع تدفقات النقد الأجنبي. وبالفعل، أعلنت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية ارتفاع العجز خلال الربع الأخير من العام المالي 2025–2026 إلى نحو 6.2 مليارات دولار، مقارنة بـ3.24 مليارات في الربع الثالث، بزيادة بلغت 91.8%. ويعود هذا التفاقم إلى اتساع الفجوة التجارية، مع ارتفاع الواردات بنسبة 6.3% إلى 31.97 مليار دولار، مقابل 30.08 ملياراً سابقاً، وتراجع الصادرات بنسبة 8.6% إلى 18.7 مليار دولار.

ومع تآكل ثقة المستثمرين في أدوات الدين طويلة الأجل، تتجه الحكومة نحو مزيد من الضبط المالي عبر خفض الإنفاق ورفع الدعم، بما يتماشى مع التوجهات التقشفية القائمة. في المحصلة، لا يقتصر أثر هذا العجز على المؤشرات الكلية، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية، حيث تتحمّل الفئات الأكثر هشاشة الكلفة الأكبر، في ظل تآكل الدخول وارتفاع الأسعار، ما يعمّق الطابع البنيوي للأزمة الاقتصادية.

    منى يسري

    صحافية مصرية وباحثة سابقاً في مركز دال للإنتاج الإعلامي والأبحاث، درست الاقتصاد السياسي، ومهتمة بالعلوم الاجتماعية وقضايا السيادة الغذائية.