الصورة: الأهرام
الحرب (غير) البعيدة
الاقتصاد المصري يواجه هشاشته
تراجع الجنيه المصري أمام الدولار بنسبة تقارب 10% منذ اندلاع الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، ليتجاوز عتبة 52 جنيهاً للدولار، مسجّلاً أدنى مستوى في تاريخه. وجاء ذلك متزامناً مع ارتفاع أسعار الطاقة بنحو 20% خلال الأسبوع الأول من الحرب، ما يعكس انتقال تداعيات الحرب مباشرة إلى كلفة المعيشة، ويزيد الضغوط على مائدة المواطن المصري التي تقلّصت بالفعل خلال السنوات الماضية، منذ بدء تطبيق إجراءات التقشّف عام 2016.
في موازاة ذلك، أشار تقرير داخلي لوزارة المالية إلى تراجع الصادرات المصرية بنسبة 77% في الأيام التي أعقبت اندلاع الحرب مباشرة، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، مع انخفاض حاد خصوصاً في الصادرات إلى السعودية والإمارات. ويحذّر محللون من أنّ استمرار الحرب قد تفاقم الضغوط على مصادر الدخل الأساسية الأخرى، بما في ذلك السياحة، وإيرادات قناة السويس، وتحويلات العاملين في الخارج.
لحظات حرجة لاقتصاد مُنهك
تواجه مصر منذ سنوات ضغوطاً متزايدة نتيجة تضخّم الدين الخارجي، ما يقيّد قدرتها على إدارة الاقتصاد الداخلي، ويجعل شروط التمويل الخارجي واستدامته أمراً بالغ الأهمية، خصوصاً في ظلّ الاضطرابات الجيوسياسية وعدم استقرار الأسواق منذ اندلاع الحرب.
مع تفاقم الأزمة واحتمال طول أمد الحرب، قد تجد الحكومة نفسها مضطرة إلى خفض إضافي لقيمة الجنيه مقابل الدولار، للحفاظ على احتياطيات النقد الأجنبي وإثبات الجدارة الائتمانية
ومع تفاقم الأزمة واحتمال طول أمد الحرب، قد تجد الحكومة نفسها مضطرة إلى خفض إضافي لقيمة الجنيه مقابل الدولار، للحفاظ على احتياطيات النقد الأجنبي وإثبات الجدارة الائتمانية. غير أنّ هذا الخيار يحمل كلفة مباشرة، تتمثّل في ارتفاع أعباء خدمة الدين بالعملة المحلية، إلى جانب تسارع معدلات التضخم، التي تراجعت مؤخراً إلى نحو 13%، ما يعيد إنتاج حلقة مفرغة بين تدهور العملة وارتفاع الأسعار.
في هذا السياق، تلقّت الحكومة دفعة تمويلية بقيمة 2.3 مليار دولار من صندوق النقد الدولي في 25 شباط/فبراير 2026، عقب استكمال المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج «تسهيل الصندوق الممدد» وآلية «المرونة والاستدامة». إلا أنّ أي تعثّر في تدفّقات التمويل الخارجي يبقى عامل خطر إضافي على اقتصاد لم يتعافَ بعد من الصدمات المتلاحقة.
وقد تجاوز الدين الخارجي 170 مليار دولار، أي ما يفوق 40% من الناتج المحلي الإجمالي. ومع نهاية الربع الأول من العام، تواجه مصر استحقاقات دين تتجاوز 28 مليار دولار، تليها نحو 13 مليار دولار في الربع الثاني، ليصل إجمالي المدفوعات المستحقة حتى نهاية أيلول/سبتمبر إلى نحو 50.8 مليار دولار.
وعلى الرغم من إعلان البنك المركزي ارتفاع احتياطات النقد الأجنبي إلى أكثر من 51 مليار دولار بنهاية كانون الأول/ديسمبر الماضي، فإنّ هذا المستوى لا يغطي سوى نحو 5 أشهر من الواردات، ولا سيّما الغذائية منها، والتي باتت مهدّدة مع اتساع رقعة الحرب.
يتأثر ميزان المدفوعات المصري بثلاثة مصادر رئيسية: أسعار الطاقة، وعائدات السياحة، وتحويلات العاملين في الخارج، الذين يُقدّر عددهم بنحو 14 مليوناً، معظمهم في دول الخليج. وقد بلغت تحويلاتهم ذروتها العام الماضي عند 41.5 مليار دولار، مقارنة بـ29.6 مليار دولار في 2024، بزيادة تفوق 40%.
هذه الركائز الأساسية مرشّحة للتأثر المباشر بالحرب، وقد بدأت أولى التداعيات مع ارتفاع أسعار الطاقة، وسط توقعات بمزيد من الزيادات إذا طال أمد الحرب. وفي محاولة للحد من الأثر، أعلنت الحكومة إجراءات تقشّفية، من بينها تقليص ساعات العمل وفرض إغلاقات مبكرة للأنشطة الاقتصادية، وهو ما ينعكس بدوره على وتيرة النشاط الاقتصادي.
وعلى الرغم من نجاح مصر خلال العامين الماضيين في احتواء موجة التضخم التي بلغت ذروتها عند 38% في أيلول/سبتمبر 2023، قبل أن تنخفض إلى 24% ثم تواصل التراجع، فإنّ هذا التحسّن ارتكز إلى تدفّقات استثمارية خارجية، لا سيّما عبر صفقات كبرى مع الإمارات وقطر والسعودية، أبرزها صفقة «رأس الحكمة» بقيمة 35 مليار دولار مطلع 2024.
لكن مع اتساع نطاق الحرب نحو الخليج، وخصوصاً الإمارات، التي تُعدّ من أبرز المستثمرين في مصر، تزداد المخاوف من تراجع تدفّقات التمويل والاستثمار الخارجي، ما يهدّد أحد أهم أعمدة الاستقرار الاقتصادي في البلاد.
أزمة طاقة تتشكّل
تتّجه مصر نحو أزمة طاقة متفاقمة، في ظلّ الارتفاع الحاد في أسعار النفط وتراجع إمدادات الغاز. فقد أشار الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال الإفطار السنوي للقوات المسلحة، إلى أنّ استهلاك البلاد من المنتجات النفطية يبلغ نحو 20 مليار دولار سنوياً، فيما تستورد الحكومة 28% من احتياجاتها من البنزين و45% من الديزل، ما يضع ضغوطاً كبيرة على الموازنة، تتضاعف مع ارتفاع سعر خام برنت من نحو 63 دولاراً إلى أكثر من 110 دولارات للبرميل خلال أقل من أسبوعين من اندلاع الحرب.
مع اتساع نطاق الحرب نحو الخليج، وخصوصاً الإمارات، التي تُعدّ من أبرز المستثمرين في مصر، تزداد المخاوف من تراجع تدفّقات التمويل والاستثمار الخارجي
تُشكّل هذه التطورات ضربة مباشرة للاقتصاد، خصوصاً أنّ الموازنة العامة للسنة المالية 2025–2026 بُنيت على سعر تقديري للنفط عند 75 دولاراً للبرميل، ما يوسّع الفجوة التمويلية في بند الطاقة، ويدفع نحو احتمال رفع الأسعار داخلياً، لا سيّما إذا استمر إغلاق مضيق هرمز. كما ينعكس هذا الارتفاع على كلفة النقل وسلاسل الإمداد، بما يضغط على أسعار السلع والخدمات.
في موازاة ذلك، تتبلور أزمة غاز مقلقة. فقد وقّعت مصر في كانون الثاني/يناير الماضي مذكرة تفاهم مع «قطر للطاقة» لاستيراد 24 شحنة من الغاز الطبيعي المسال خلال الصيف، ضمن احتياجات سنوية تُقدّر بنحو 203 شحنات بكلفة تصل إلى 10 مليارات دولار، وفق الأسعار ما قبل الحرب. غير أنّ تعثّر إمدادات الغاز، سواء بسبب الأضرار التي لحقت بمنشآت رأس لفان أو نتيجة إغلاق مضيق هرمز، يدفع القاهرة إلى اللجوء للسوق الفورية، حيث الأسعار أعلى بكثير من العقود طويلة الأجل.
وقد بدأت انعكاسات الأزمة بالظهور محلياً، مع ارتفاع أسعار غاز الطهي بنسبة 22%، وزيادة سعر الديزل—المستخدم على نطاق واسع في النقل—بنحو 17%، ما يضغط مباشرة على أسعار الغذاء. وكانت نسبة التضخم الغذائي قد بلغت 4.6% في شباط/فبراير، قبل أن يرتفع معدل التضخم العام إلى 13.4% مقارنة بـ11.9% في كانون الثاني/يناير.
تتفاقم الضغوط أيضاً مع احتمالات تراجع إمدادات الغاز من إسرائيل، ولا سيّما من حقلي «تمار» و«ليفياثان»، ما قد يخفّض التدفقات إلى مصر بنحو 1.1 مليار قدم مكعب يومياً. وبحسب تصريحات رئيس الحكومة، قد تتجاوز فاتورة استيراد الغاز مليار دولار إضافي في ظلّ الحرب.
ولا تقتصر تداعيات نقص الغاز وارتفاع تكلفته على قطاع الطاقة فحسب، بل تمتد إلى قطاعات إنتاجية حيوية، أبرزها صناعة الأسمدة، التي تعتمد بشكل أساسي على الغاز الطبيعي. وتُعدّ مصر من بين أكبر 10 مصدّرين للأسمدة عالمياً، وقد بلغت صادرات هذا القطاع نحو 9 مليارات دولار العام الماضي، أي ما يقارب ربع إجمالي الصادرات. وبالتالي، فإن أي اضطراب في إمدادات الغاز لا يهدد عائدات التصدير فقط، بل يمتد أيضاً إلى الأمن الغذائي الداخلي.
موائد المصريين في خطر
ربما لم تدخل مصر دائرة الاستهداف العسكري المباشر، إلا أنّ التداعيات الاقتصادية للحرب سرعان ما انعكست على أسعار الغذاء خلال أسبوع واحد فقط. ويأتي ذلك في بلد يعيش أكثر من ثلث سكانه، البالغ عددهم نحو 108 ملايين نسمة، تحت خط الفقر. وقد بلغ تضخم الغذاء في شباط/فبراير 4.6%، مقارنة بـ3.7% في الفترة نفسها من العام الماضي، وذلك قبل أن تظهر آثار الحرب بالكامل على المؤشرات.
تعثّر إمدادات الغاز، سواء بسبب الأضرار التي لحقت بمنشآت رأس لفان أو نتيجة إغلاق مضيق هرمز، يدفع القاهرة إلى اللجوء للسوق الفورية، حيث الأسعار أعلى بكثير من العقود طويلة الأجل
وباعتبار مصر مستورداً صافياً للغذاء، فإنّ الصدمة تتضاعف. فإلى جانب ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين واضطراب سلاسل الإمداد وإغلاق الممرات البحرية، تبرز فاتورة الاستيراد كأحد أكبر التحديات، ليس فقط للموازنة العامة، بل للأمن الغذائي في بلد يعاني أصلاً من هشاشة معيشية واسعة.
تُعدّ مصر من أكبر مستوردي القمح عالمياً، وهو مكوّن أساسي في النظام الغذائي. وتبلغ احتياجاتها السنوية نحو 23 مليون طن، تُغطّي الواردات حوالى 60% منها. وقد بدأ القطاع يواجه صدمة جديدة، إذ ارتفع سعر طن القمح المحلي بأكثر من 12% خلال الأسبوع الأول من الحرب، بعد سنوات من التأثر بتداعيات الحرب الروسية–الأوكرانية.
كما ارتفعت كلفة الشحن إلى 24 دولاراً للطن، مقارنة بـ21 دولاراً سابقاً، فيما لم تتجاوز الكميات المستوردة حتى أوائل آذار/مارس 9.5 ملايين طن، أي أقل من نصف الاحتياجات. وبحلول تموز/يوليو، يُفترض أن ترتفع الواردات إلى 13 مليون طن لسدّ الفجوة، بزيادة تقارب 8% عن المتوسط.
ولا تقتصر الضغوط على القمح، إذ تُقدّر احتياجات استيراد الحبوب في تموز/يوليو المقبل بنحو 22.6 مليون طن (+7%)، فيما تبلغ واردات الذرة نحو 9.5 ملايين طن (+8%)، مدفوعة بالطلب على الأعلاف، خصوصاً لقطاع الدواجن، أحد أكثر القطاعات حساسية لتقلبات الأسعار.
تشمل فاتورة الاستيراد الأساسية الحبوب والزيوت النباتية، إلى جانب الذرة وفول الصويا كمدخلات إنتاج، وتتجاوز كلفتها السنوية 16 مليار دولار. ومع استمرار الحرب، يُتوقع أن ترتفع هذه الكلفة بنسبة لا تقل عن 5%، ما يفاقم الضغوط التضخمية إلى مستويات قد تتجاوز بكثير تقديرات عام 2026.
في المقابل، لن يسلم الإنتاج المحلي من التأثر، إذ أدّى ارتفاع أسعار الغاز إلى زيادة سعر اليوريا بنحو 20% ليصل إلى 585 دولاراً. وعلى الرغم من أنّ مصر تحتل موقعاً متقدماً عالمياً في إنتاج الأسمدة، فإن تعطّل جزء من الإنتاج العالمي، إلى جانب تعثّر شحنات تُقدّر بأكثر من مليون طن عالقة في الخليج بعد إغلاق مضيق هرمز، يهدّد عائدات هذا القطاع الذي يمثّل نحو ربع قيمة الموازنة العامة.
في نهاية المطاف، يتحمّل المواطن العبء الأكبر لهذه الضغوط. ففي ظلّ حيّز مالي ضيّق وقدرة محدودة على امتصاص الصدمات، تتراجع القدرة على دعم الإنفاق الاجتماعي. وقد بدأت الحكومة بمحاولة احتواء الأزمة عبر توحيد سعر الخبز السياحي (غير المدعوم)، بعد ارتفاع سعر طن القمح من 14 إلى 16 ألف جنيه. لكن مع استمرار الضغوط، يبقى السيناريو الأرجح إمّا ارتفاع الأسعار، أو تراجع الجودة—وهو نمط متكرّر في مواجهة موجات التضخم في السوق المصرية.
الكشف عن هشاشة أعمق
كشفت الحرب الروسية–الأوكرانية سابقاً هشاشة الاقتصاد المصري وسرعة انكشافه أمام الصدمات، حين قفز تضخم الغذاء إلى أكثر من 73%، واقترب التضخم السنوي من 40%. واليوم، ومع اتساع رقعة الصراع، تعود المخاوف نفسها، لكن بحدّة أكبر، إذ تتجاوز السيناريوهات المحتملة مسألة التضخم إلى خطر اضطراب توفر الغذاء نفسه، لا سيّما في دول مثل مصر ولبنان وفلسطين.
إلى جانب ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين واضطراب سلاسل الإمداد وإغلاق الممرات البحرية، تبرز فاتورة الاستيراد كأحد أكبر التحديات، ليس فقط للموازنة العامة، بل للأمن الغذائ
تعكس هذه التطورات خللاً بنيوياً عميقاً في نموذج اقتصادي يعتمد بشكل كبير على الاستيراد، بحيث يتحوّل أي اضطراب في سلاسل الإمداد أو ارتفاع في أسعار الطاقة إلى صدمة مباشرة تكشف نقاط الضعف، وتدفع شرائح أوسع نحو الفقر.
وبالعودة إلى مؤشرات الفقر، بلغت النسبة الرسمية 29.7% عام 2019، قبل أن تتوقف الدولة عن نشر بيانات الدخل والإنفاق. لاحقاً، قدّر البنك الدولي ارتفاع معدل الفقر إلى 32.5% في 2022، مع توقعات بوصوله إلى نحو 35.7% في تموز/يوليو 2023، ما يعكس اتجاهاً تصاعدياً مقلقاً.
تشير التقديرات الراهنة إلى أزمة غذاء تلوح في الأفق، تتدرّج حلقاتها من ارتفاع أسعار الطاقة، إلى زيادة تكاليف الشحن والتأمين، وصولاً إلى صعود أسعار الغذاء عالمياً. ويؤدي ذلك إلى تضخّم فاتورة الاستيراد، والضغط على العملة المحلية، لينتهي الأمر بتضخم غذائي يلتهم ما تبقّى من القدرة الشرائية.
وتتّضح ملامح الأزمة عند النظر إلى الأجور. فقد بلغ الحد الأدنى للأجور 7,000 جنيه في كانون الأول/ديسمبر الماضي—وهو أعلى مستوى تاريخي—وكان يعادل نحو 147 دولاراً، قبل أن يتراجع إلى حوالى 131 دولاراً خلال أشهر قليلة فقط، بفعل انخفاض قيمة الجنيه، فيما تبلغ نسبة البطالة نحو 6.2%.
على مستوى سوق العمل، تتوزّع العمالة بشكل هش: أكثر من 50% في القطاع الزراعي، ونحو 28.2% في الصناعة (بين منتظمة وموسمية)، فيما يعمل قرابة 3 ملايين شخص في قطاع السياحة، أي نحو 7.5% من إجمالي العمالة. وقد تجاوزت إيرادات السياحة 16 مليار دولار، مع توقعات ببلوغ 17 ملياراً بحلول 2026، غير أنّ هذه التوقعات تواجه مخاطر جدّية، مع تراجع الحجوزات الأوروبية بنسبة تصل إلى 80%، وتوقف الحجوزات الأميركية بعد رفع تصنيف المخاطر، إضافة إلى اضطراب الرحلات الآتية من آسيا نتيجة توترات الخليج.
في اقتصاد عالمي مترابط، لا تبقى الحروب محصورة بجغرافيتها. فقد بدأت آثارها بالفعل: ارتفاع في أسعار الطاقة، تراجع في قيمة العملة، زيادة في كلفة المعيشة، وضغوط على قطاعات حيوية قد تخلّف موجات بطالة جديدة. وفي المحصّلة، تتجه الأزمة نحو تعميق الفجوة الاجتماعية: موائد أكثر فقراً للبعض، وانعدامها بالكامل لدى آخرين.