أزمة مضيق هرمز: هل يعد المرور العابر قاعدة ملزمة للدول؟

أزمة مضيق هرمز: هل يعد المرور العابر قاعدة ملزمة للدول؟

من الملاحظ أن الجدل الدائر اليوم في الدول العربية حول نظام المرور العابر في المضائق الدولية محصور في نقاش قانوني تقني محض، يقتصر على اتفاقية قانون البحار لعام 1982. وهذا الطابع التقني الضيق هو الذي دفعنا إلى اتخاذ قرار بكتابة مقال للرأي العام حول المقاربة القانونية التي ينبغي من خلالها فهم النظام القانوني الخاص بالملاحة في مضيق هرمز. فالنقاش التقني، في حدود قانون البحار، لا يوفّر أرضية قانونية صلبة لفهم ذلك النظام. ولذلك، ينبغي تحويل النقاش إلى العلاقة المعقّدة بين السيادة الوطنية، من جهة، والطبيعة العمومية أو الجماعية للقانون الدولي المعاصر، من جهة أخرى. ويبرز هذا الجدل، المبني على تلك العلاقة، بوضوح في الحالة الإيرانية، خصوصاً أن إيران ترفض منذ عقود الإقرار الكامل بنظام حرية الملاحة في مضيق هرمز، ما يطرح سؤالاً قانونياً مركزياً: هل يُعدّ المرور العابر قاعدة ملزمة لجميع الدول، أم أنه يظل قابلاً للاعتراض والخروج عليه وفقاً للقواعد الحاكمة لتكوين العرف الدولي ونشوئه؟

تميل الإجابة التقليدية السائدة في الأدبيات القانونية إلى اعتبار المرور العابر قاعدة مستقرة، بل تكاد تدرجه ضمن المسلّمات غير القابلة للنقاش. غير أن هذا الطرح، على الرغم من تماسكه الظاهري، يخفي إشكاليات نظرية عميقة تتصل بطبيعة القاعدة العرفية وحدود إلزامها، خصوصاً في مواجهة الدول التي لم تقبلها صراحة أو ضمناً.

أولاً: مصدر الإلزام وأزمة العرف في نظام المرور العابر

أول ما ينبغي التأكيد عليه في هذا السياق هو أن نظام المرور العابر، كما ورد في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، لا يكتسب إلزاميته تجاه الدول إلا من أحد مصدرين لا ثالث لهما: إما القبول الاتفاقي من خلال التصديق على الاتفاقية، أو القبول العرفي من خلال توافر عنصري الممارسة العامة والاعتقاد بإلزامية تلك الممارسة. وبالنسبة إلى إيران، فإنها لم تصادق على الاتفاقية، الأمر الذي ينفي عنها، من حيث الأصل، أي التزام تعاهدي مباشر بأحكامها المتعلقة بنظام المرور العابر. ولذلك، فإن أي محاولة لإخضاعها لهذا النظام لا يمكن أن تستند إلا إلى القول إنه ارتقى إلى مرتبة قاعدة عرفية عمومية أو عالمية.

الحجة التي تتمسك بالطابع الجماعي للملاحة الدولية لا تكفي وحدها لإضفاء الطابع الإلزامي على القاعدة في مواجهة دولة معترضة؛ فالقانون الدولي لا يقوم على المصلحة المجردة وحدها، وإنما يشترط القبول والتراضي لنشوء العرف الدولي واكتمال أركانه

غير أن هذا الانتقال من النطاق التعاهدي إلى النطاق العرفي يثير مشكلة قانونية دقيقة تتصل بطبيعة نشوء العرف الدولي ذاته. فالعرف، في بنيته الكلاسيكية، لا يقوم على مجرد شيوع الممارسة أو اتساع نطاقها الجغرافي، بل يفترض اقتران هذه الممارسة بالاعتقاد بإلزاميتها كقانون (opinio juris)، أي شعور الدول بأن سلوكها ليس مجرد ممارسة اختيارية أو مفروضة بحكم الضرورة، وإنما التزام قانوني واجب الاتباع. وتأسيساً على ذلك، فإن السؤال لا ينبغي أن ينصب على مدى انتشار ممارسة المرور العابر في المضائق الدولية، بل على مدى اعتقاد الدول بأنها ملزمة به قانوناً، حتى في مواجهة اعتراض صريح ومُصِرّ من بعض الدول المعنية.

وهنا يبرز تساؤل مركزي لا يمكن تجاوزه: هل توافرت هذه القناعة القانونية على نحو عام ومتجانس لدى جميع الدول، بما في ذلك تلك التي أعلنت، منذ نشأة النظام، تحفظها عليه أو رفضها له؟ أم أن ما يبدو من انتظام في الممارسة يخفي وراءه تفاوتاً في دوافع الامتثال، بين اعتقاد حقيقي بالإلزام، من جهة، وامتثال مفروض بحكم موازين القوة أو الضرورات الوظيفية للنظام الدولي، من جهة أخرى؟ ذلك أن الخلط بين الامتثال القائم على القناعة والامتثال الناتج عن الإكراه أو الضرورة يفضي إلى تضخيم ظاهر الممارسة على حساب الركن المعنوي للعرف، أي الاعتقاد بإلزاميتها؛ وهو ما يهدد بتقويض الأساس النظري للعرف ذاته. 

يزداد هذا التساؤل وجاهة في ضوء ما أكدته اجتهادات القضاء الدولي، ولا سيما محكمة العدل الدولية، بشأن الدور المركزي لركني العرف المادي والمعنوي، أي الممارسة والاعتقاد بإلزاميتها، في تكوين العرف الدولي، ورفضها الاكتفاء بأحدهما دون الآخر. ومع ذلك، فإن هذه الاجتهادات، على أهميتها، لم تتناول بصورة حاسمة مدى انطباق نظام المرور العابر على الدول التي تعترض عليه منذ نشأته، ولم تحسم، بالتالي، ما إذا بلغ هذا النظام درجة من الرسوخ تجعله ملزماً حتى في مواجهة الاعتراض الدؤوب. كما لم يصدر عن المحكمة الدولية لقانون البحار ما يحسم هذه المسألة بصورة قاطعة، سواء من حيث الطبيعة العرفية للنظام، أو من حيث مدى إلزاميته للدول غير المصادقة على الاتفاقية أو المعترضة عليه.

في ضوء ذلك، لا يمكن التعامل مع القول بعرفية المرور العابر بوصفه مسلّمة قانونية راسخة، كما يردد غالبية مرتادي الفضائيات العربية تحت مسمى «خبير في القانون الدولي» أو «محلل استراتيجي». بل ينبغي النظر إليه كادعاء قانوني قابل للنقاش، يتوقف ثبوته على التحقق الدقيق والمنضبط من توافر ركني العرف، ولا سيما ركن الاعتقاد بالإلزام في سياق حالات الاعتراض الصريح. وعند هذه النقطة تحديداً، يغدو ضرورياً تحليل أثر مبدأ «المعترض الدؤوب»، باعتباره آلية قانونية قد تقوّض، في ظروف معينة، الادعاء بعمومية القاعدة العرفية، أو تحدّ، في الأقل، من نطاق انطباقها الشخصي.

ثانياً: المعترض الدؤوب والتحوّل من المرور البريء إلى المرور العابر

في هذا الإطار، يكتسب مبدأ «المعترض الدؤوب» (Persistent Objector) أهمية حاسمة في تحديد النطاق الشخصي لانطباق القواعد العرفية، إذ يقرّر هذا المبدأ أن الدولة التي تعترض بصورة واضحة ومستمرة على قاعدة عرفية وهي قيد التكوين، وتدأب على ذلك، لا تكون ملزمة بها، ما لم تكن هذه القاعدة قد ارتقت إلى مرتبة القواعد الآمرة في القانون الدولي. ويقوم هذا الاستثناء على فكرة أساسية مفادها أن الإلزام العرفي، بخلاف الإلزام الاتفاقي، يفترض قدراً من القبول الضمني أو السكوت المعبّر عن الرضا، وهو ما ينتفي في حالة الاعتراض الصريح والدؤوب. وبالنظر إلى أن نظام المرور العابر لا يرقى إلى مصاف القواعد الآمرة، فإنه يظل، من حيث المبدأ، قابلاً لإثارة مسألة الاعتراض، الأمر الذي يفتح المجال، من الناحية النظرية، لتطبيق هذا المبدأ في الحالة الإيرانية.

في الواقع، تتأسس الحجة الإيرانية على أمرين متلازمين: الأول هو عدم التصديق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بما ينفي أي التزام تعاهدي بهذا النظام؛ والثاني هو الاعتراض المستمر على نظام المرور العابر، سواء على مستوى الخطاب الرسمي أو في الممارسة العملية المرتبطة بتنظيم المرور في المضائق الواقعة ضمن نطاقها البحري. فإذا أمكن إثبات أن هذا الاعتراض ظلّ دؤوباً ومتسقاً منذ نشوء القاعدة، فإن ذلك يتيح الدفع بعدم انطباقها على إيران، استناداً إلى الطبيعة الرضائية التي يقوم عليها العرف الدولي، لا خروجاً عليها.

ولكي يكون استدعاء مبدأ المعترض الدؤوب في هذا السياق ممكناً، لا بد من توافر شرطين: أولهما أن يكون الاعتراض قد نشأ عندما كانت القاعدة قيد النشوء، لا بعد اكتمالها؛ وثانيهما أن يتسم هذا الاعتراض بالوضوح والاستمرارية، بحيث لا يُفهم منه أي قبول لاحق أو تراجع ضمني. وهنا يثور تساؤل مؤداه: هل كان نظام المرور العابر قد بلغ درجة الاكتمال كعرف دولي في مرحلة مبكرة تمنع الاحتجاج اللاحق بالاعتراض عليه، أم أنه لا يزال قاعدة عرفية في طور الترسخ بما يسمح بالتمسك بهذا المبدأ؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تعيدنا إلى المشكلة السابقة المتعلقة بمدى اكتمال ركني العرف، خصوصاً أن مبدأ المعترض الدؤوب لا يتحدد أثره إلا في ضوء طبيعة القاعدة ذاتها ومدى رسوخها.

ولا يقف الأمر عند حدود التحليل الشكلي لشروط الاعتراض، بل يشمل كذلك تحليل التحوّل البنيوي الذي شهدته قواعد الملاحة في المضائق الدولية. فقبل اعتماد نظام المرور العابر، كان النظام السائد هو «المرور البريء»، الذي يمنح الدولة الساحلية سلطة أوسع في تنظيم المرور داخل بحرها الإقليمي، بما في ذلك تقييم طبيعة المرور ومدى توافقه مع مقتضيات أمنها ونظامها العام. وقد جاء نظام المرور العابر باعتباره تحوّلاً نوعياً في هذا التوازن، إذ قيّد سلطة الدولة الساحلية ووسّع نطاق حرية الملاحة، فأصبح المرور في المضائق أقرب إلى حق شبه مطلق، لا يخضع إلا لقيود محدودة ذات طابع تنظيمي.

ونحن لا ننظر إلى هذا التحوّل كمجرد تطوير تقني لقواعد قائمة، بل نرى أنه يمثّل إعادة صياغة للعلاقة بين السيادة والحرية في المجال البحري. فمن نظام كان يسمح بإخضاع المرور لرقابة الدولة الساحلية إلى نظام يحدّ من هذه الرقابة لمصلحة حرية العبور، نكون أمام انتقال يمسّ جوهر الاختصاص الإقليمي ذاته. وبالنتيجة، فإن القول إن هذا التحوّل قد ترسّخ عرفياً يفترض وجود قبول واسع وواضح بهذا التقييد الجديد للسيادة، لا مجرد امتثال عملي قد تدفع إليه عوامل غير قانونية.

وفي هذا السياق، يمكن لإيران أن تدفع بأن الانتقال من المرور البريء إلى المرور العابر لم يكن، في حقيقته وجوهره، تعبيراً عن إجماع قانوني مستقر، بل جاء نتيجة توازنات دولية فرضت ذاتها في مرحلة معينة. ولعل من شأن هذا الدفع أن يضعف الادعاء القائل إن هذا النظام قد بلغ، وفق اتجاه فقهي معتبر، درجة من الرسوخ تجعل الاحتجاج عليه محل تضييق، وإن لم يكن ممتنعاً بصورة مطلقة. وعلى هذا الأساس، لا يصح القول إن مبدأ المعترض الدؤوب مجرد استثناء تقني فحسب، بل أضحى كذلك أداة تحليلية تكشف حدود عمومية القاعدة، وتعيد طرح السؤال حول ما إذا كان المرور العابر يمثّل قاعدة عرفية مكتملة، أم نظاماً قانونياً لا يزال يستمد جزءاً من فاعليته من ممارسة مفروضة بحكم الواقع، أكثر مما يستمدها من كونه التزاماً مجمعاً عليه عالمياً.

ثالثاً: حرية الملاحة بين القانون والطموحات الإمبراطورية

من المزالق الكبرى التي ينزلق إليها كثيرون، حتى من المتخصصين، اعتبار مبدأ حرية الملاحة قاعدة قانونية يمكن تحديد معناها ودلالتها بذاتها وبصورة مستقلة عن سياقها التاريخي. وتعود هذه المثلبة إلى أن المبدأ لم يتكوّن ابتداءً كقاعدة محايدة، بل جاء ثمرة مباشرة لصراع على طرق التجارة وإعادة توزيع السيطرة البحرية. فالصياغة الكلاسيكية لهذا المبدأ، كما قدّمها هوغو غروشيوس في كتابه «البحر الحر»، لم تكن تعبيراً عن وعي قانوني عالمي مجرد، بقدر ما كانت أداة قانونية موجّهة لخدمة مصالح الإمبراطورية الهولندية وشركة جزر الهند الشرقية، في مواجهة احتكار إسبانيا والبرتغال للملاحة والتجارة.

وفي هذا السياق، لم يكن القول إن «البحر مشترك بين الجميع» تقريراً لواقع قانوني قائم، وإنما كان محاولة لإنتاج واقع جديد يعيد توزيع حق الوصول إلى المناطق البحرية وفق موازين قوة ناشئة. فالقول بحرية البحر العام كان بمثابة وسيلة لإعادة تشكيل المناطق البحرية وفق رؤية قانونية قابلة للتعميم، إذ جرى تقديم مصلحة خاصة على أنها مبدأ عام مقرر لمصلحة «الجنس البشري».

وإذا كانت هذه اللحظة التأسيسية قد ارتبطت بمحاولة كسر احتكار قائم، فإن تطور هذا المبدأ لاحقاً لم يخرج عن هذه الغاية، بل أعاد إنتاجها في سياقات مختلفة. فحرية الملاحة، كما تطورت في قانون البحار المعاصر، لم تعد مجرد أداة لفتح المناطق البحرية، بل أصبحت إطاراً معيارياً يُستخدم لضبط العلاقة بين الدول الساحلية والمجتمع الدولي، بما يضمن استمرار انسياب التجارة والطاقة في النظام العالمي.

تتأسس الحجة الإيرانية على أمرين متلازمين: الأول هو عدم التصديق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بما ينفي أي التزام تعاهدي بهذا النظام؛ والثاني هو الاعتراض المستمر على نظام المرور العابر

ولا ينبغي فهم هذا التحوّل باعتباره انتقالاً من مبدأ مسيّس إلى قاعدة محايدة، بل بوصفه إعادة صياغة مستمرة للوظيفة ذاتها في إطار أكثر تعقيداً. ففي الحالة المعاصرة، ولا سيما في مضيق هرمز، يجري طرح مسألة حرية الملاحة على أساس أنها مصلحة جماعية عليا تبرر تدخل القوى الكبرى لضمانها، حتى في مواجهة اعتراض الدول الساحلية، لا باعتبارها حقاً قانونياً مجرداً. وفي هذا السياق، تتجلى مفارقة بنيوية جديرة بالانتباه، مؤداها أن المبدأ الذي نشأ لمواجهة الاحتكار تحوّل إلى أداة لتقييد قدرة بعض الدول على ممارسة سيادتها.

وتزداد هذه المفارقة وضوحاً إذا نظرنا إلى الكيفية التي يُمارَس بها المبدأ عملياً. فبرامج حرية الملاحة التي تنفّذها الولايات المتّحدة، وما يصاحبها من حضور عسكري دائم في المضائق الحيوية، لا تكتفي بحماية ممارسة قائمة، بل تؤدي دوراً حاسماً في تثبيتها ومنع قيام أي ممارسة مخالفة قد تؤدي إلى إعادة تشكيل القاعدة. وبذلك، بات إنفاذ القاعدة بالإكراه المادي، على النحو الذي تمارسه الولايات المتّحدة، جزءاً من عملية تكوين القاعدة القانونية ذاتها، من خلال فرض نمط معين من السلوك، ثم تقديمه لاحقاً باعتباره دليلاً على وجود عرف دولي مستقر.

ومن هذه الناحية بالذات، يمكن القول إن حرية الملاحة لم تنتقل من كونها أداة إمبراطورية إلى قاعدة قانونية خالصة، بل ظلّت، من خلال تحوّلات مختلفة، مرتبطة ببنية القوة التي تتيح إنفاذها وتعميمها. فكما استخدمت الإمبراطورية الهولندية مبدأ «حرية البحر» لتوسيع مجالها التجاري، تستخدم القوى البحرية المعاصرة، وبالأخص الولايات المتّحدة، مبدأ «حرية الملاحة» لضمان استمرارية نظام اقتصادي عالمي يعتمد على انفتاح المضائق البحرية.

ولا تهدف القراءة الجينالوجية لحرية الملاحة إلى نفي طابعها القانوني، بل تسعى إلى نقد الادعاء بعموميتها وعالميتها، من خلال الكشف عن الشروط التاريخية والمادية التي أسهمت في تشكيلها وتثبيتها. فالجدل حول المرور العابر في مضيق هرمز ليس مجرد خلاف حول تفسير قاعدة قانونية، بل مثال حي على الكيفية التي يتقاطع فيها القانون مع القوة في إنتاج الشرعية الدولية، حيث لا تستمد القاعدة من الرضا المعبّر عنه تعاهدياً أو عرفياً، بل من القدرة على فرض نمط معين من الممارسة، ثم إعادة تقديمه باعتباره تعبيراً عن مصلحة جماعية عالمية.

نستنتج من كل ما سبق أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بطبيعة مبدأ حرية الملاحة ذاته فحسب، بل ترتبط بالكيفية التي يُعاد من خلالها إنتاجه وفرضه في الواقع الدولي، وهو ما يقود مباشرة إلى مشكلة بنيوية وقانونية أعمق تتعلق بهندسة الشرعية بوساطة القوة.

رابعاً: بين فرض الأمر الواقع وادعاء العمومية: كيف تُهندَس شرعية المرور العابر؟

نصل هنا إلى النقطة الأكثر حساسية في هذا الجدل، وهي أن النزاع حول المرور العابر يتعلق، في حقيقته، بالكيفية التي تُنتَج بها الشرعية ذاتها في النظام الدولي، وليس بتفسير قاعدة قانونية وتحديد نطاقها فحسب. فالحجة القانونية الإيرانية، على الرغم من رصانتها النظرية ووجاهتها القانونية، تواجه اعتراضاً في الفقه الدولي التقليدي، وتصطدم، قبل ذلك، بواقع الإنفاذ عبر الإكراه المادي الذي تمارسه القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتّحدة، من خلال استخدام القوة العسكرية أو التهديد بها تحت عنوان حماية حرية الملاحة. فالمسألة برمتها تتعلق ببنية دولية تجعل القوة وسيلة لتعضيد التفسير القانوني الأكثر ملاءمة لمصالحها وتكريسه، ومنع أي مسار بديل لنشوء قاعدة مخالفة أو حتى لبلورة اعتراض قانوني فعّال عليها.

تكمن خطورة هذا السلوك في أنه يفرض المرور العابر بالقوة، من جهة، ويقطع الطريق على اكتمال العناصر القانونية التي قد تسمح بمراجعة هذه القاعدة أو الحد من عموميتها، من جهة أخرى. فمن خلال هذا السلوك، تمنع الولايات المتّحدة، بالقوة أو بالتهديد بها، إيران والدول الأخرى المؤيدة لموقفها من المساهمة في تكوين ممارسة مخالفة مستقرة قد تتراكم بمرور الزمن لتشكّل سنداً عرفياً مضاداً. فموقف الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتّحدة، يهدف إلى الحيلولة دون أن يتطور الاعتراض الإيراني من مجرد موقف سياسي أو قانوني إلى نمط ممارسة مستمر قد يغذّي حجة «المعترض الدؤوب». ولهذا السبب، تعمد الولايات المتّحدة وحلفاؤها من القوى الكبرى إلى إعادة ضبط الميدان مسبقاً، بحيث تبقى الممارسة الوحيدة الظاهرة والمعترف بها هي تلك التي تؤكد القاعدة المراد تكريسها.

لم يكن القول إن «البحر مشترك بين الجميع» تقريراً لواقع قانوني قائم، وإنما كان محاولة لإنتاج واقع جديد يعيد توزيع حق الوصول إلى المناطق البحرية وفق موازين قوة ناشئة

وتجدر الإشارة إلى أن هذا الإنفاذ المادي يتخذ دائماً صورة دفاع عن مصلحة جماعية عليا، هي مصلحة الملاحة الدولية وانسياب التجارة والطاقة. ولا ريب أن لهذه الحجة وزناً حقيقياً في عالم متداخل اقتصادياً. إلا أن المشكلة لا تكمن في وجود هذه المصلحة الجماعية في ذاتها، وإنما في طريقة استخدامها لتجاوز المشكلة القانونية. فبدلاً من إثبات توافر أركان العرف الدولي، يُصار إلى تحويل «الوظيفة العالمية للمضيق» إلى أساس شبه بدهي لتجريد الدولة الساحلية من حقها في الاعتراض، كما لو أن مجرد أهمية الملاحة يكفي وحده لإنتاج الإلزام. وهنا بالذات، تتحول العمومية من وصف قانوني يحتاج إلى تأسيس إلى ادعاء سياسي غايته الإكراه والإقناع في آن واحد.

نخلص من التحليل السابق إلى أن الحجة التي تتمسك بالطابع الجماعي للملاحة الدولية لا تكفي وحدها لإضفاء الطابع الإلزامي على القاعدة في مواجهة دولة معترضة؛ فالقانون الدولي لا يقوم على المصلحة المجردة وحدها، وإنما يشترط القبول والتراضي لنشوء العرف الدولي واكتمال أركانه. فالمصلحة الجماعية قد تفسّر الاتجاه نحو تعميم قاعدة ما، لكنها لا تغني عن ضرورة التحقق من أن هذه القاعدة اكتملت بالفعل من حيث الممارسة والاقتناع بالإلزام، ولا تبرر تجاوز اعتراض دولة لم تقبل بها تعاهدياً، وتحتج بأنها اعترضت عليها عرفياً منذ نشأتها. وبخلاف ذلك، يصبح الحديث عن «عمومية» القاعدة مجرد توظيف للقانون في خدمة موازين القوة، ويغدو القانون ذاته أداة لتبرير ما يفرضه الأمر الواقع، بدلاً من أن يكون معياراً مستقلاً للحكم عليه.

يمثّل المرور العابر في مضيق هرمز، بالمعنى المذكور أعلاه، مثالاً كاشفاً وحياً على الكيفية التي تُهندَس بها شرعية الأمر الواقع في القانون الدولي، إذ يُستعاض عن الإقناع القانوني الكامل بإنفاذ مادي متواصل مبني على القسر والإكراه، ثم يُقدَّم هذا الإنفاذ باعتباره دليلاً على رسوخ القاعدة. فالقوة هنا تعمل داخل القانون من خلال إعادة تشكيل شروط تكوينه وتكريسه وتفسيره. ولا نخطئ إذا قلنا إن أخطر ما في هذا المسار أنه يحوّل النزاع القانوني ذاته إلى نزاع غير متكافئ، تُحدَّد فيه النتائج مسبقاً من خلال التحكم بالممارسة المادية وبالخطاب الذي يعرضها كتعبير عن مصلحة عمومية عالمية. وهنا تحديداً، يصير مشروعاً أن نتساءل عما إذا كنا إزاء قاعدة قانونية عرفية مستقرة، أم إزاء قاعدة يجري استكمالها بالقوة ثم تسويقها لاحقاً باعتبارها عرفاً راسخاً.

خاتمة: بين القانون كقاعدة والقانون كعملية إنتاج للشرعية

يكشف النقاش الدائر الآن حول نظام المرور العابر أكثر من خلاف تقني حول تفسير قاعدة من قواعد قانون البحار؛ فهو، في جوهره، خلاف أعمق يتعلّق بطبيعة القانون الدولي ذاته وحدود ادعائه العمومية أو العالمية. فلا تدور القضية حول ما إذا استوفت قاعدة معينة شروطها الشكلية فحسب، وإنما تدور كذلك حول الكيفية التي تتشكل بها هذه القواعد في بيئة دولية تتداخل فيها الممارسة مع القوة، والاقتناع القانوني مع الضرورات الوظيفية.

لا يبدو المرور العابر، في هذا الإطار، مجرد تطور طبيعي لقواعد الملاحة، بل يشكّل نموذجاً كاشفاً لتحوّل أوسع في بنية القانون الدولي، إذ لم يعد الإلزام العرفي يستمد حصراً من التراضي، وبات يرتبط، في حالات عديدة، بقدرة بعض الفاعلين على فرض نمط معين من الممارسة، ثم إعادة تقديمه بوصفه تعبيراً عن مصلحة جماعية أو ضرورة عالمية. وهنا تتراجع الحدود الفاصلة بين ما هو قانوني وما هو واقعي، ليصير القانون في بعض صوره أقرب إلى عملية مستمرة لإنتاج الشرعية، لا مجرد انعكاس لها.

ومن ثم، فإن المشكلة الفعلية لا تكمن في التنازع بين مبدئي السيادة وحرية الملاحة، وإنما في التوتر بين تصورين مختلفين لمصدر الإلزام: تصور يفترض أن القاعدة لا تُلزم إلا إذا نشأت على أساس التراضي أو القبول بها، وتصور آخر يرى أن انتظام الممارسة، مدعوماً بضرورات النظام الدولي وبالقدرة على إنفاذه، يكفي لتحويل القاعدة إلى التزام فعلي، ثم إلى التزام قانوني عرفي لاحقاً. وفي هذا السياق، تغدو مسألة «عمومية» القاعدة محل تساؤل مشروع، لا من حيث وجودها الظاهري، وإنما من حيث الأساس الذي تقوم عليه ومدى استقلاله عن موازين القوة.

والخلاصة أن النقاش حول المرور العابر لا ينبغي أن يُختزل في تحديد ما إذا كانت إيران ملزمة بهذه القاعدة أم لا، وإنما ينبغي فهمه بوصفه جزءاً من جدل أوسع حول حدود القانون الدولي ذاته: هل هو نظام معياري قائم على التوافق الحر، أم إطار ديناميكي تتشكل قواعده نتيجة تلاقي القانون مع القوة؟ تتعدى الإجابة عن هذا السؤال تحديد مصير نظام المرور في مضيق هرمز وحده، وترسم أيضاً ملامح العلاقة المستقبلية بين الدولة والنظام القانوني الدولي في عالم تتزايد فيه الفجوة بين القاعدة كما تُصاغ شكلاً والقاعدة كما تُفرض واقعاً.

1- الموسى، محمد خليل، موسوعة تاريخ القانون الدولي: القانون الدولي والإمبراطورية عند هوغو غروشيوس، عمّان: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2023.

2- Akehurst, M., “Custom as a Source of International Law,” British Yearbook of International Law, Vol. 47, 1974–1975.

3- Anghie, A., Imperialism, Sovereignty and the Making of International Law, Cambridge University Press, 2005.

4- Churchill, R. R. and Lowe, A. V., The Law of the Sea, 3rd ed., Manchester University Press, 1999.

5- Crawford, J., Brownlie’s Principles of Public International Law, 9th ed., Oxford University Press, 2019.

6- ICJ, Anglo-Norwegian Fisheries Case (United Kingdom v. Norway), ICJ Reports, 1951.

7- ICJ, North Sea Continental Shelf Cases (Federal Republic of Germany v. Denmark; Federal Republic of Germany v. Netherlands), ICJ Reports, 1969.

8- Koskenniemi, M., From Apology to Utopia: The Structure of International Legal Argument, Cambridge University Press, 2005.

9- Mutua, M., “What Is TWAIL?”, American Society of International Law Proceedings, 2000.

10- Rothwell, D. R. and Stephens, T., The International Law of the Sea, 2nd ed., Hart Publishing, 2016.

11- United Nations Convention on the Law of the Sea (UNCLOS), 1982.

12- U.S. Department of Defense, Annual Freedom of Navigation Report to Congress for Fiscal Year 2023, Washington, D.C., 2024.

    محمد خليل الموسى

    أستاذ في القانون الدولي.