معاينة كيف تهدّد الحرب الحالية اقتصاد قناة السويس؟

الصورة: Unsplash/Samuel Hanna

اقتصاد الممرّات
كيف تهدّد الحرب الحالية اقتصاد قناة السويس؟

خلال الحرب العراقية – الإيرانية (1980 – 1988)، تعرّضت سفن تمر عبر البحر الأحمر إلى حوادث عدّة. تم تفجير بعضها عبر ألغام زرعت من مجموعات جهادية، ما أوقف حركة الملاحة في قناة السويس، إلى حين انتهاء كاسحات ألغام فرنسية وبريطانية تم استدعائها من مصر والسعودية من تمشيط المياه واستعادة الحركة الملاحية، كما شهد عام 1984 تعطل نقل النفط الخليجي عبر قناة السويس، ما سبب خسائر تجاوزت 30% من الإيرادات السنوية للقناة. 

سنوياً يمر 30% من حاويات الشحن العالمية عبر قناة السويس، فضلاً عن شاحنات الطاقة، ما يمثل 12% إلى 15% من حجم التجارة العالمية عبر القناة المرتبطة بعلاقة تكاملية تاريخية مع مضيق هرمز، والمسؤول عن مرور 20% من النفط العالمي يومياً، فضلاً عن مرور البضائع التجارية متجهة إلى أوروبا عبر البحر الأحمر ثمّ خليج السويس، ما يجعل من إغلاق مضيق هرمز، أزمة جديدة أمام القناة التي تأثرت بشدّة إثر حرب الإبادة على غزّة، بعد عمليات الإسناد التي نفذتها قوات «أنصار الله» في البحر الأحمر، ما أدى  إلى خفض حركة مرور السفن من 30 إلى 50%، وخسائر قدرّت بمليارات الدولارات. 

كيف تهدّد الحرب الحالية اقتصاد قناة السويس؟

البحر ساحة حرب

تعتمد التجارة العالمية على عدد محدود من الممرات البحرية، ما يجعلها نقطة ارتكاز استراتيجية لإضعاف العدو والنصر في المعارك، مثلما حدث عام 1956، بعد تأميم قناة السويس والهجوم على مصر من فرنسا وبريطانيا وإسرائيل. استخدم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر ورقة إغلاق القناة للفوز في معركة تختّل فيها موازين القوى لصالح العدّو. وبفضل المقاومة الشعبية، والسيطرة على شريان التجارة الأهم عالمياً، سرعان ما حسمت المعركة، وهو ما يتكرر حالياً مع طهران التي تستخدم الإغلاق الكلي أو الجزئي، حسبما تفرض التصعيدات بين الجانبين، لمضيق هرمز، ما يمنحها أوراق ضغط جيوستراتيجيّة، تعوض الفارق الهائل في القوة مع العدوين الأميركي والإسرائيلي. 

تحوّل إيران ميزتها الجغرافية إلى أداة ضغط اقتصادي عالمي، فبعد التهديد الإيراني للسفن في مضيق هرمز، أوقفت شركات الشحن الكبرى، بما فيها ميرسك، هاباغ لويد، سي إم إيه سي جي إم، رحلاتها عبر المضيق، وفي الأسبوع الثاني من الحرب، تفاقم الوضع بقرار ميرسك تعليق خدمة FM1 التي تربط الشرق الأقصى بالشرق الأوسط، وخدمة ME11 التي تعمل بين أوروبا والشرق  الأوسط عبر قناة السويس والبحر الأحمر، فيما أعيد إطلاق خدمة ME11 لاحقاً، بعدما وصفت بأنها تُقلل أوقات العبور بشكل ملحوظ. 

فيما تتجه أنظار العالم تجاه خطر نقص إمدادات الطاقة عبر المضيق، فإنّ خطراً آخر لا يقل تهديداً ممثلاً في تعطيل إمدادات البتروكيماويات والمنتجات المكررة الأساسية لعملية الصناعة العالمية، والتي يعد مضيق هرمز نقطة عبور أساسية لمرورها، بحسب تقرير مؤسسة أبحاث السياسات الاقتصادية، فإنّ منطقة الشرق الأوسط هي المزود الرئيسي لما يقرب من نصف صادرات البولي إيثيلين العالمية، والتي يعتمد أكثر من 80% من صادراتها على العبور من هرمز، فيما قفزت أسعار البولي بروبيلين في الصين 6% بعد يوم واحد فقط من الإعلان عن توقف ناقلات النفط عن الحركة. 

ارتفعت كذلك العقود الآجلة للميثانول بأكثر من 10%، غير ما ترتب على أزمة منشآت الغاز المسال في قطر من فقدان ثلث إمدادات الهيليوم العالمية، التي كانت تتصدرها قطر بلا منازع، تليها روسيا والجزائر، غير أنّ فقدان تلك النسبة من الهيليوم سرعان ما خيّم بظلاله على الاقتصاد العالمي، باعتبار هذا الغاز ركيزة أساسية لصناعة أشباه الموصلاّت وأجهزة التصوير الطبي، فيما ذكر تقرير لوكالة أسوشيتد برس عن تبعات نقص إمدادات الهيليوم في آسيا، خصوصاً كوريا الجنوبية المتربعّة على عرش صناعة رقائق الذاكرة عالمياً، والمعتمدة على 65% من إمدادات الهيليوم عبر قطر، ما يهدّد في تقلص الإنتاج بشكل كبير، فيما لا تزال 200 حاوية من الهيليوم تبلغ تكلفة الواحدة منها مليون دولار عالقة في المنطقة، من دون فائض يذكر في مناطق أخرى. 

كيف تهدّد الحرب الحالية اقتصاد قناة السويس؟

أصداء المضيق في السويس

من أصل 20 مليون برميل نفط يومياً يمرّون عبر مضيق هرمز، يتجه 5 إلى 6 مليون برميل يومياً منهم نحو الاتحاد الأوروبي عبر قناة السويس، ما يعني أنّ 25% من كميّة النفط المتجهة نحو أوروبا لن تمر عبر القناة، الأمر الذي دفع الأوروبيين إلى رفع الحظر عن النفط الروسي، بعد أكثر من 3 سنوات من بداية الحرب على أوكرانيا. 

ربما لم تظهر انعكاسات إغلاق هرمز على قناة السويس بشكل واسع، مقارنة بما حدث خلال عامي 2024-2025، لكن يظل التهديد قائماً، ليس تجاه القناة فحسب، بل تجاه كل من أوروبا وأفريقيا، إذ يتم شحن أكثر من 60% من البضائع الصينية إلى الاتحاد الأوروبي عبر قناة السويس، في دولة صناعية كبرى مثل ألمانيا، تعد قناة السويس أهم نقطة مرور لوارداتها من خارج الاتحاد الأوروبي، ففي عام 2023 بلغت نسبة وارداتها عبر القناة 9.8، فيما جاء مضيق باب المندب في المرتبة الثانية بنسبة 9.4%، فيما لم تتجاوز النسبة في مضيق هرمز 1%، حيث تحصل ألمانيا على 97% من إجمالي واردتها من معادن الميكا الخام، فضلاً عن 30% من احتياجاتها من لوحات الدوائر المطبوعة المستخدمة في الإلكترونيات، عبر قناة السويس، الأمر الذي يدفعها إلى إعادة تقييم المخاطر وتكاليف وجدوى مسارات الشحن البديلة.

الأمر نفسه في أفريقيا، التي تعتمد دول شرقها بشكل أساسي على قناة السويس في تجارتها الخارجية، حيث يمر 31% من تجارة جيبوتي عبر قناة السويس، فيما نصيب كينيا 15%، وتنزانيا 10%، ويبقى النصيب الأكبر من نصيب السودان، بحسب آخر البيانات المتاحة حولها لعام 2023، قبل اتساع رقعة الحرب، إذ يمر 34% من تجارتها الخارجية عبر القناة من ميناء بورتسودان على البحر الأحمر، والتي يمثل الذهب غير المصنّع وحده 20% من صادراتها، متجهاً بشكل أساسي إلى الإمارات، إمّا عبر الجو أو من خلال الموانئ البحرية، فيما تشكل المواشي الحيّة 13% إجمالي صادرات السودان تتجه بشكل أساسي نحو موانئ دبي، وفي المرتبة الثالثة تأتي السعودية التي تستقبل الذهب والمعادن والمواشي السودانية، عبر الشحن البحري من قناة السويس.

كيف تهدّد الحرب الحالية اقتصاد قناة السويس؟

جغرافيا  الخطر

بعد اليوم الأول من الهجمات الأميركية – الإسرائيلية الأولي ضد إيران، علقّت MSC Mediterranean Shipping Company جميع الحجوزات المتجهة إلى الشرق الأوسط من جميع أنحاء العالم، فضلاً عن شركات أخرى لا تقّل أهمية اتخذت إجراءات مشابهة مثل Hapag-Lloyd وCMA CGM، التي أعادت توجيه سفنها نحو رأس الرجاء الصالح، في رحلة أطول وأكثر كلفة، لكنها ذات مخاطر أمنية أقل، بغض النظر عن التكاليف الاقتصادية، تتمثّل كلفة أخرى ربما لم يلتفت إليها العالم الأول الراعي الرسمي لحلول أزمات المناخ، الانبعاثات الكربونية الضخمة، والأثر البيئي الذي تحدثه تلك الرحلات الطويلة، إذ تطلق السفينة الواحدة التي تغيّر مسارها حول رأس الرجاء الصالح 5,400 طن إضافية من ثاني أكسيد الكربون، ما يعادل إجمالي الانبعاثات السنوية لـ 1174 سيارّة، وهذا للسفينة الواحدة. 

مثل هذا الإعلان ضربة كبيرة لقناة السويس، التي لم تتعافَ بعد من أزمتها المستمرة منذ سنتين، حيث بلغت خسائر القناة خلال عامي 2024-2025، 12 مليار دولار، بتراجع بلغ 60% من إجمالي الإيرادات السنوية، تصل تلك النسبة إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، لكن ما تمثله من آثار أخرى كان وقعه أكثر عنفاً على الاقتصاد، إذ تعد القناة المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية، وأحد أهم عوامل الاحتياطي الأجنبي في الموازنة العامة، ما ترتب عليه انخفاض الاحتياطي من النقد الأجنبي الذي تدر قناة السويس 25% منه، حيث بلغ أدنى مستوياته في 2023، ليقفز مدفوعاً بزيادة تحويلات المصريين في الخارج بنسبة 40% خلال عام 2025، وذلك بعد أزمة نقديّة تجاوز فيها سعر الدولار مقابل الجنيه في السوق السوداء حاجز الـ 70 جنيه.  

كيف تهدّد الحرب الحالية اقتصاد قناة السويس؟

تسببت الأزمة في صدمة على مستوى الاقتصاد الكلي، ما دفع البنك الدولي تصنيف مصر كأكبر متأثر مالي بسبب الأزمة، إذ تراجعت معدلات النمو بمقدار 2.5% نتيجة تراجع حجم التجارة المارة عبر القناة، ما زاد الضغط على ميزان المدفوعات، ورفع العجز في الحسابات الختامية، فضلاً عما تسبب به من أكبر أزمة تضخم خلال العقد الجاري، وتراجع في ثقة المستثمرين على الرغم من كل التسهيلات المقدّمة لهم قانونياً ومالياً، وخروج مليارات الأموال الساخنة من البلاد، لكن تدفق المليارات من الاستثمار الخليجية هو ما أنقذ الموقف آنذاك، إذ عمل على تسكين الوضع، لكنه لن يتمكّن من تدارك الهشاشة الهيكليّة للاقتصاد المصري، المعتمد بشكل أساسي على احتياطيات النقد الأجنبي من قناة السويس، وبينما تعد الدول المتضررة من إغلاق القناة على بناء استراتيجيّات جديدة لتقليل المخاطر الناجمة عن التجارة البحرية، يجدر بالحكومة المصرية العمل على تنويع مصادر الدخل القومي بالعملة الأجنبية، لتجنب هشاشة اقتصاد القناة الآخذ في التزايد بفعل التحولات الجيوسياسيّة في المنطقة.

كيف تهدّد الحرب الحالية اقتصاد قناة السويس؟

التبعيّة الهيكلية في اقتصاد غير متكافئ

تعد قناة السويس نموذج لاقتصاد الريع الجغرافي، في الوقت الذي تفرض الدولة سيادتها الكاملة على القناة باعتبارها أصل استراتيجي، تفتقد لأي تحكم في إمكانية تشغيله، الواقع غالباً لحسابات خارج حدود الجغرافيا، تتركز في التحالفات الدولية لشركات الشحن البحري، مثل Maersk و MSC و CMA CGM، هي المتحكم الفعلي في حركة الملاحة وفقاً لتقييم المخاطر وكلفة التأمين وأسعار الوقود، ومع تصاعد الاضطراب في حركة الملاحة، تتعالى الأصوات المنادية بضرورة تعزيز التعاون الدولي لتأمين التجارة البحرية، ففي الوقت الذي شهدت فيه القناة اضطرابات محدودة بعد 2011 مقارنة بالوضع الحالي، وافق البرلمان الألماني في نيسان/أبريل 2019، على ضمان بقيمة 2.3 مليار يورو لبيع 6 فرقاطات من طراز ميكو A200 للبحرية المصرية، والتي يمكن استخدامها لتعزيز دفاعات القناة، التي تنقل 8% من نفط العالم، 12% من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعل مسألة أمنها بالغ الأهمية لأوروبا. 

وعلى الرغم من ذلك، فإنّ هذا التأمين الذي يعني عسكرة لطرق الملاحة، ما زال تحدياً يواجه البحرية المصرية، لا سيّما بعد توسيع القناة عام 2015، ما زاد من صعوبة تلك المهمّة لمضاعفة المساحة التي يتعيّن الدفاع عنها، فضلاً عن زيادة عدد  السفن العابرة. تدرك الحكومة المصرية هشاشة الاعتماد على قناة السويس في اقتصاد هش بطبيعته، ما جعل الكثير من الاقتصاديين يشددون على ضرورة خلق موارد للنقد الأجنبي تقلل من تلك الاعتمادية، لا سيّما في وقت مليء بالاضطرابات الجيوسياسيّة التي تكشف عن هشاشة الاقتصاد لا تخلقه من العدم. 

كشفت قدرة الشركات على تحويل مسارات السفن خلال العامين الماضيين نحو رأس الرجاء الصالح، عن أنّ اعتبارات الأمن أهم من التكلفة والوقت، في الوقت الذي استطاعت فيه تقليل الاعتماد على القناة، أصبح سيناريو التهميش مطروحاً، صحيح أنّ القناة بالغة الأهميّة في التجارة البحرية لفرادة موقعها الجغرافي وتقصير المسافات بين آسيا وأوروبا، غير أنّ تلك الأهميّة تتراجع في زمن الحروب والإضطرابات، ما يفقد القناة جزءاً هاماً من أهميتها وحصتها في التجارة، ويؤكد على أنّ استقرارها الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن استقرار المحيط الإقليمي، ما يهدد بأمرين أولهما؛ أن تتحول القناة لساحة وجود عسكري بهدف تأمين التجارة، إذا ما طال أمد الحرب، ما يعني أن تتحول القناة إلى جزء رئيسي من توازنات القوى، والأمر الثاني ولا يقل خطورة، أن تتعمقّ الأزمة الاقتصادية ويعاد توزيع الخسائر نحو الداخل، بين فقدان الدولة لأهم إيراداتها، وتحميل المواطن والفئات الأكثر هشاشة ضريبة الحرب من خلال التضخم وضغط العملة، بعد عقد كامل من ضغط اقتصادي مستمر، ما يهدد الاستقرار السياسي برمتّه. 

بدائل محتملة وخطر محقق 

دفع حادث جنوح سفينة ايفرغرين في قناة السويس عام 2021، العديد من الباحثين إلى إعادة تقييم مخاطر القناة على الاقتصاد العالمي، فيما استغلّت موسكو الحادث للترويج لطريق بحر الشمال الراغبة في تطويره وجعله بديلًأ عن قناة السويس، حيث تبلغ مسافة الملاحة عبره نحو ميناء في شمال غرب أوروبا إلى الشرق الأقصى 40% أقصر مقارنةً بالمسافة عبر القناة، ما يُسهم في زيادة كفاءة استهلاك الطاقة التشغيلية للسفن بأكثر من الضعف، فضلاً عما يتيحه انحسار الجليد في القطب الشمالي، من إمكانيات لفتح ممر في بحر الشمال، بعدما زاد متوسط خلو المياه من الجليد، وبحلول عام 2050، من المتوقع أن تصل رحلات ممر بحر القطب الشمالي، التي تمر بشكل رئيسي عبر الممر الشمالي الشرقي، إلى 12,218 رحلة، وبحلول عام 2100 من المتوقّع زيادة تدفق السفن عبر الممر الشمالي الغربي، ما يجعل الملاحة متاحة على مدار العام، ما سيعمل على إعادة توجيه مسارات الشحن نحو القطب الشمالي لخفض التكاليف. 

حادث جنوح السفينة، ثمّ اندلاع الحرب في المنطقة منذ أكثر من عامين، يدفع الأوروبيين والأميركيين إلى إعادة النظر في مسار البحر الشمالي، بعد إعادة تقييم المخاطر والخسائر التي يتكبدّها الاقتصاد العالمي، فيما تدفع روسيا للترويج وتطوير بنيته التحتيّة وتقديمه كبديل أفضل وأكثر استدامة لقناة السويس، إلّا أنّ مخاطر أخرى جرى تقييمها تتعلّق بما سيخلقه هذا التحول من تفاوتات جغرافيّة في الانبعاثات البحرية العالمية، حيث تتوجه الانبعاثات الكربونية تجاه الشمال الأوروبي والأمريكي وشرق آسيا والصين، ويتوقّع حدوث زيادات تتراوح بين 30 و 50 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون على طول الممرات المائية الرئيسية، ما يمثل زيادة تتراوح من ضعفين إلى خمسة أضعاف في الانبعاثات مقارنة بما قبل تحويل المسار، فيما ستشهد شمال أوروبا زيادة انبعاثات بأكثر من ستة أضعاف، من 5.30 مليون طن 39.37 مليون طن، ويتوقع حدوث نفس النمط في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، في المقابل متوقع انخفاض الانبعاثات الكربونية لقناة السويس نتيجة تحويل مسار الشحن بعيداً. 

تدفع الحرب الحالية، علاوة على تغيّر المناخ وزيادة إمكانيّة الاعتماد على القطب الشمالي، تصبح حركة الملاحة البحرية مرشّحة لإعادة هيكلة شبكات التجارة العالمية، وإعادة توزيع الفرص الاقتصادية بصورة شديدة عدم التكافؤ، حيث تتمتّع دول مثل فيتنام وكوريا الجنوبية وروسيا نمواً تجارياً متسارعاً، من خلال وصولها لبحر الشمال، فيما تفقد مصر، المصدر الوحيد للعملات الأجنبية، نتيجة انخفاض حركة المرور في القناة، على المدى المتوسط والطويل، والذي تزداد توقعّات حدوثه، لا سيّما في إطار العمل المكثف على استراتيجيّة تصفير الانبعاثات الكربونية لحركة المرور في القطب الشمالي، وبخلاف المقاربات التقليدية التي تعتمد على الاستبدال التدريجي للوقود أو تقليل الانبعاثات ضمن مسارات محدودة، تقوم هذه الاستراتيجية على انتقال جذري نحو ناقلات طاقة خالية من الكربون، مثل الهيدروجين الأخضر والكهرباء والطاقة النووية في النقل البحري، إذ تمنح هذه الاستراتيجية أولوية جغرافية لمنطقة القطب الشمالي ابتداءً من عام 2040، نظراً لحساسيتها المناخية المرتفعة. ويسهم هذا التوجه في الحد من تسرب الانبعاثات إلى بيئات بحرية هشّة.

في النهاية، لا تخلق الحروب الأزمات بقدر ما تكشف هشاشة الواقع، وقد استمر الاقتصاد المصري على مدى أكثر من عقد، يتلقى ضربات، تكشف طبقات متتالية من هشاشته، فيما توجه الحرب الحالية، واستراتيجيات مواجهتها عبر بدائل الممرات المائية في المنطقة، هشاشة أعمق، ممثلة في تجاوز الأصل الاستراتيجي الأهم في الاقتصاد، والمورد الجيواستراتيجي الذي يجعل من البلاد لا عباً إقليمياً ودولياً هاماً لا يمكن تجاوزه، فضلاً عما يظهره من عواقب التبعيّة الاقتصادية، والاعتماد على الريع والاستثمار وغيرها من أدوات لا تخلق نمواً مستداماً، ولا اقتصاد قادر على تحمل أبسط الأزمات.