الصورة: Unsplash/Ian Simmonds
ماذا لو أُقفل باب المندب إلى جانب هرمز؟
في ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز والتهديدات بتوسّع الحرب على إيران، يلوح سيناريو إغلاق باب المندب مثل كابوس في الأفق، ويضع الاقتصاد العالمي أمام صدمة مزدوجة. إذ يمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من تدفقات الطاقة العالمية، فيما يمرّ عبر باب المندب وقناة السويس نحو 12% من التجارة العالمية.
لا يكتسب هذين الممرين أهميتهما من اعتبارات الكفاءة في النقل فقط، بل أيضاً من تركّز القوة في عدد محدود من الممرات الاستراتيجية الخاضعة لنفوذ الدول التي تقع على ضفافها. ويُفسّر ذلك لماذا لم تُبنَ طرق بديلة أو خطط طوارئ جدية، على الرغم من المخاطر المعروفة مسبقاً.
لن يضيف إغلاق المضيقين صدمة شحن إلى صدمة طاقة فحسب، بل سيُفاقم كلٌّ منهما أثر الآخر، فيرفعان أسعار الوقود والشحن والتأمين وكلفة التسليم في الوقت نفسه، ويُسرّعان تحوّل صدمة الحرب إلى تضخم واضطراب صناعي وركود تضخمي.
الأهمية الاستراتيجية لباب المندب
يمثل باب المندب البوابة الجنوبية لممر البحر الأحمر، وهو الشريان الرئيسي الذي ينقل السلع من شرق آسيا إلى أوروبا عبر قناة السويس. في عام 2023، مرّ عبر البحر الأحمر 1.32 مليار طن من البضائع، أي ما يعادل 12% من التجارة العالمية.
كما مرّ عبر المضيق متوسط يومي بلغ 8.7 ملايين برميل من النفط ومشتقاته، إضافة إلى 4.1 مليارات قدم مكعب يومياً من الغاز الطبيعي المسال المنقول بحراً.
وقد ازدادت أهمية المضيق أكثر عندما تعطّل هرمز. فبإمكان السعودية إعادة توجيه جزء من نفطها الخام عبر خط الأنابيب الشرقي-الغربي إلى البحر الأحمر، بقدرة استيعابية تبلغ حوالي 4 ملايين برميل يومياً، لكن ذلك ينقل نقطة الاعتماد غرباً باتجاه باب المندب.
يُعد هذا الممر أيضاً حيوياً لاقتصادات الخليج من جهة الاستيراد. فهذه دول تعتمد بشدة على الواردات، وتعتمد على الشحن عبر البحر الأحمر في الغذاء وسلع أساسية أخرى، ويصبح هذا الاعتماد أكثر حرجاً عندما يكون هرمز مغلقاً.
تعطيل باب المندب عام 2024
أظهرت أزمة باب المندب كيف يمكن تعطيل مضيقاً بحريّاً من دون إقفاله رسمياً. فعندما بدأت حركة أنصار الله اليمنية استهداف السفن العابرة للمضيق في كانون الأول/ديسمبر 2023، إسناداً لغزّة، كان الأثر الأساسي والمباشر هو تحويل طريق الملاحة إلى منطقة خطر. ارتفعت نتيجة ذلك كلفة تأمين مخاطر الحرب على الرحلات في البحر الأحمر من نحو 0.7% من قيمة السفينة إلى حوالى 1%. قد يبدو ذلك ارتفاعاً متواضعاً، لكن تُرجم هذا الارتفاع بالنسبة إلى الحاملات البحرية الكبيرة إلى مئات آلاف الدولارات من الكلفة الإضافية لكل شحنة في قطاع الشحن الذي يعمل أصلاً على هوامش ربح ضيقة. هكذا أصبحت السفن العابرة عبر باب المندب غير مربحة، فضلاً عن المخاطر الأمنية على الطواقم وقلق شركات النقل من تحمّل مسؤوليّة أي حدث أمني.
استجابت شركات الشحن كما لو أن الممر قد أُغلق فعلاً. ففي أول شهرين من عام 2024، انخفضت التجارة عبر قناة السويس بنسبة 50%. وبحلول منتصف شباط/فبراير، كانت حمولة الحاويات العابرة عبر السويس قد تراجعت بنسبة 82%. وبنهاية عام 2024، قدّر البنك الدولي أن حركة المرور عبر السويس وباب المندب انخفضت بنحو 75% عن مستوياتها التاريخية. كما تراجعت تدفقات الطاقة عبر المضيق، فانخفضت إلى النصف تقريباً لتبلغ نحو 4 ملايين برميل يومياً في 2024.
البديل البحري لباب المندب هو رأس الرجاء الصالح عند أقصى جنوب أفريقيا. أضاف هذا الالتفاف 10 أيام أو أكثر إلى كثير من الرحلات، ورفع كلفة استهلاك السفن للوقود بنحو 40%.
تأثرت التجارة الأوروبيّة بشكلٍ خاص لأن قناة السويس تنقل نحو 60% من صادرات الصين إلى أوروبا. وقد ارتفعت أسعار الشحن من شنغهاي إلى روتردام وجنوى إلى أكثر من ضعف مستوياتها بالمقارنة مع نهاية 2023.
كما أدت الرحلات الأطول إلى نقص في الحاويات، لأنها بقيت في البحر مدة أطول بدل أن تعود إلى التداول في المرافئ. ومع امتداد فترة ملاحة السفن، تأخرت جداول الإستيراد والتصدير، واضطرت الشركات إلى استنفاذ مخزوناتها المتراكمة، وتأخرت مواعيد الدفع.
أثرت هذه الأكلاف الإضافية والتأخيرات سلبيّاً على الاقتصاد الأوروبي. فكانت قطاعات البناء والسيارات والكيماويات والآلات من بين الأكثر تعرضاً، لأنها تعتمد بشدة على الواردات الوسيطة من آسيا والمحيط الهادئ. وعلّقت شركات مثل تسلا وفولفو وسوزوكي بعض إنتاجها في أوروبا بسبب تأخر وصول هذه المكونات.
كما امتد الأثر إلى الغذاء، إذ تعتبر قناة السويس شريان حيوي لنقل الحبوب. انخفضت شحنات القمح بنحو 40% في النصف الأول من كانون الثاني/يناير 2024، إلى 0.5 مليون طن فقط.
كما أثبت تعطيل باب المندب أنه طويل الأمد. ففي أواخر كانون الثاني/يناير 2025، كانت أكبر شركتي شحن، Maersk وHapag-Lloyd، ما تزالان تتوقعان عدم عودة قريبة للملاحة في البحر الأحمر، وحذّرت Hapag-Lloyd من أنه حتى بعد إعادة فتح الطريق، فإن إعادة جداول الملاحة إلى وضعها الطبيعي سوف يتطلب 4 إلى 6 أسابيع إضافية.
آثار إغلاق مزدوج
من المتوقع أن ينتج الإغلاق المزدوج لمضيقي هرمز وباب المندب صدمة أكبر بكثير من مجرد جمع أزمة الشحن في البحر الأحمر عام 2024 إلى التعطيل الحالي في هرمز. فهذان المضيقان هما الشريانان المركزيان للاقتصاد العالمي، أحدهما لطاقة الخليج وأسمدته والآخر لممر التجارة بين آسيا وأوروبا. لطالما نُظر إلى إغلاقهما المتزامن بوصفه أحد سيناريوهات حرب عالمية، لأنه يزامن بين نقص الطاقة وشلل التجارة. وسينتج عن ذلك صدمة تعزّز نفسها بنفسها، يجرِّد فيها إغلاق كل مضيق آليات التكيف التي كان يمكن أن تخفف من وطأة إغلاق الآخر.
1. صدمة طاقة أشد: يضرب هرمز النظام من نقطة توافر الطاقة. فهو ينقل عادة نحو 20 مليون برميل يومياً من السوائل النفطية، أي قرابة خُمس الاستهلاك العالمي، بينما لا يمكن إعادة توجيه سوى جزء صغير من هذا الإنتاج عبر الأنابيب. ثم يأتي باب المندب ليزيل أحد المنافذ الرئيسية لما يمكن إعادة توجيهه من طاقة الخليج، بما في ذلك التدفقات المتجهة غرباً عبر منفذ السعودية على البحر الأحمر. يرفع ذلك أسعار النفط والغاز الطبيعي المسال، لكن الأثر لا يتوقف عند هذا الحد. ينعكس ارتفاع أسعار النفط مباشرة على ارتفاع سعر وقود السفن والطائرات والبتروكيماويات والأسمدة والمواد الأولية الكيميائية. وفي حال إغلاق المضيقين، سوف يتعرض الاقتصاد العالمي لنكستين في آنٍ معاً، أولاً عبر ندرة إضافيّة لطاقة الخليج، وثانياً عبر ارتفاع كلفة نقل السلع والطاقة التي سيتعين جلبها من مصادر أبعد وعبر طرق ملاحة أطول.
2. التفاف بحري أطول: يزيل إغلاق باب المندب أقصر ممر بحري بين آسيا وأوروبا ويدفع الحركة إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح. وقد أظهرت أزمة البحر الأحمر بالفعل ما يعنيه ذلك عملياً: الرحلات تطول 10 أيام أو أكثر وتنكمش قدرة الشحن الفعلية للأساطيل على الرغم من أن عدد السفن لا يتغير. في صدمة مزدوجة، يصبح الوضع أشد لأن تعطيل هرمز سوف يرفع سعر الوقود البحري في اللحظة نفسها التي يجبر التفاف السفن على حرق كميات أكبر منه. عندها لن تعكس أسعار الشحن المسافة فقط، بل ندرة الوقود ووقت السفينة والتأمين أيضاً. كما سوف يقدم الشحن الجوي إغاثة أقل مما قدمه في 2024، لأن سعر وقود الطائرات يرتفع مع ارتفاع أسعار النفط، وهو ما نشهده اليوم. سيؤول ذلك إلى انكماشٍ أشد في ربحية التجارة طويلة المسافة، وفي الحد الأقصى قد تُعلّق بعض المسارات التي تبقى مفتوحة مادياً لكنها تفقد ربحيّتها التجارية.
3. اختناق سلاسل الإمداد: تعني الرحلات الأطول عودة أبطأ للحاويات، وجداول تسليم أقل موثوقية، ومخزونات عالقة في البحر، ودورات دفع متأخرة. عندها يحتاج المصدّرون والمستوردون إلى سيولة أكبر لتمويل بضائع بيعت لكنها لم تُسلَّم بعد. أظهرت أزمة البحر الأحمر في 2024 بسرعة كيف يتحول هذا إلى مشكلة في الاقتصاد الحقيقي، عبر نقص الحاويات، وتأخّر وصول الشحنات، وتعطّل الإنتاج. في حال الإغلاق المزدوج، ستُعصر آسيا الشرقية من جهتين. فهي تعتمد بشدة على طاقة الخليج ومدخلاته البتروكيماوية للحفاظ على قدرتها التنافسية في الإنتاج، كما تعتمد أيضاً على ممر البحر الأحمر والسويس لنقل حصة كبيرة من هذه السلع إلى الأسواق الأوروبية. هذا يعني أن المنطقة ستواجه في الوقت نفسه صدمة مدخلات وصدمة تصدير. بالنسبة إلى الصين تحديداً، سيؤدي ذلك إلى إضعاف قاعدة الكلفة الإنتاجية وكفاءة دوران الصادرات في وقت واحد. وربما يفسر التقارب السياسي بين إيران والصين لماذا لم يُنفَّذ هذا السيناريو حتى الآن.
4. صدمات إقليمية متركزة: سيكون للإغلاق المزدوج تداعيات عالمية، لكن ستتركز الصدمة جغرافياً أيضاً. تُعد آسيا الشرقية الحالة الأوضح لأنها تستورد معظم النفط والغاز الطبيعي المسال اللذين يمران عبر هرمز، وتعتمد في الوقت نفسه على طريق السويس في تجارتها مع أوروبا. مصر حالة أخرى لأن تعطيل باب المندب يقطع حركة السويس ويخفض إيرادات القناة بالعملة الصعبة، محولاً صدمة الشحن إلى أزمة مالية وأزمة ميزان مدفوعات. أما دول الخليج ستواجه وضعاً يشبه الحصار البحري. فهي دول مصدرة للهيدروكربونات لكنها تعتمد بشدة أيضاً على الواردات في الغذاء والأدوية والسلع الصناعية. ومع تعطّل هرمز شرقاً وانسداد باب المندب غرباً، يتعرض نموذجها القائم على التصدير والاستيراد معاً للضغط في وقت واحد. لذلك لن تتوزع النتيجة التضخمية بالتساوي. سوف تدفع بعض الدول الثمن عبر ارتفاع فاتورة الواردات وضعف العملات، وبعضها عبر خسارة إيرادات التصدير، وبعضها عبر الأمرين معاً.
5. ركود تضخمي عالمي: على المستوى العالمي، يُعد الإغلاق المزدوج أخطر من أي من الصدمتين منفردة لأنه ينقل التضخم عبر أسعار الطاقة وكلف الشحن في الوقت نفسه، فيما يبطئ الإنتاج ويضعف موثوقية سلاسل الإمداد. يقلص هرمز المعروض المتاح من الطاقة. ويرفع باب المندب كلفة كل ما لا يزال يتعين نقله. معاً، يزيدان احتمال الخليط الكلاسيكي للركود التضخمي: أسعار أعلى، ونمو أبطأ، وفوائد أعلى، وضغط أشد على الدول ذات العملات الضعيفة أو الديون المرتفعة أو الحيز المالي المحدود.
لذلك، لطالما صُنف الإغلاق المزدوج لمضيقي هرمز وباب المندب ضمن سيناريوهات الحرب العالمية الثالثة. فهو لا يعطل طريقين تجاريين وحسب، بل يربط شريان طاقة الاقتصاد العالمي بشريان تجارته ويعطل الاثنين معاً.