الصورة: NASA
سلاسل ونقاط اختناق
كلّما ارتفع منسوب التوتر في مضيق هرمز، امتدّ أثره إلى الاقتصاد العالمي. يمرّ عبر هذا الممرّ الضيّق، بين الخليج العربي وبحر العرب، نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يعادل قرابة خُمس الاستهلاك العالمي. ومع أي تباطؤ في حركة الناقلات، ترتفع أقساط التأمين، وتقفز كلفة الشحن، وتزداد أسعار الطاقة. ينعكس ذلك سريعاً على دول الجنوب العالمي المعتمدة على الاستيراد، في صورة ارتفاع في أسعار الوقود والغذاء وتزايد في الضغوط التضخمية.
هذه الهشاشة ليست جديدة. لكن الاضطراب الحالي يفتح سؤالاً مهماً: لماذا، بعد كل هذه الأعوام من الوعي، لم يتغيّر شيء فعلياً في البنية؟ وماذا يعني أن نأخذ هذا الواقع بجدّية؟
تشكّل نقاط الاختناق
يكمن جزء من الإجابة في ما يسمّيه تيموثي ميتشل، في كتاب «ديمقراطية الكربون: السلطة السياسية في عصر النفط»، الرأسمالية الأحفورية. لم يُبنَ نظام الطاقة العالمي حول النفط لمجرّد أنه رخيص. نُظِّم أيضاً بطرق ركّزت السلطة السياسية والاقتصادية في مواقع وبنى تحتية محدّدة. وأتاح التحكم في الاستخراج ومسارات النقل ونقاط الاختناق أشكالاً من سلطة الدولة تقوم على إدارة هذه التدفقات أكثر مما تقوم على توزيعها.
أزمة هرمز مختلفة بنيوياً. تظلّ القدرة التصنيعية قائمة إلى حدّ بعيد، بينما تتقيّد البنية التحتية للطاقة التي ترتكز عليها
أنتج هذا التنظيم نظاماً جعل ملكيات الخليج، ومسارات ناقلات النفط طويلة المسافة، والهيمنة البحرية الأميركية، عناصر مركزية في البنية نفسها. ولا يمثّل مضيق هرمز معطىً جغرافياً فحسب، إذ يعبّر أيضاً عن تلك الخيارات التاريخية. وينطبق الأمر نفسه على مضيق باب المندب القريب، الذي يتحكّم بالوصول إلى البحر الأحمر ويمرّ عبره نحو 10% إضافية من النفط العالمي. أمّا مضيق ملقا، فيتحكّم بأكثر من 80% من واردات النفط إلى الصين واليابان وغيرها من كبار المستوردين في آسيا.
لا يتبدّل هذا المنطق بمجرد البحث عن مورّدين جدد. فحتى النفط الآتي من مصادر مختلفة يجد نفسه مضطراً إلى عبور الممرّات نفسها. وتبدو استراتيجيات مثل إعادة توطين الإنتاج أو «التوطين لدى الحلفاء» حلولاً جاهزة لمخاطر سلاسل الإمداد، لكنها لا تمنح سوى حماية محدودة حين تكون الهشاشة جغرافية لا دبلوماسية. فالقيد مغروس في البنية التحتية للتداول نفسها.
من صدمات الإنتاج إلى صدمات البنية التحتية
تفيد المقارنة مع اضطرابات كوفيد-19، لكنها تكشف حدودها أيضاً. في خلال الجائحة، تمثّلت المشكلة الأساسية في القدرة التصنيعية: أدّت إغلاقات المصانع، وازدحام الموانئ، ونقص الحاويات، إلى تعطّل الإنتاج عبر مراكز رئيسة في الصين وأوروبا وأميركا الشمالية. وارتفع مؤشر شنغهاي لحاويات الشحن أكثر من 5 أضعاف بين عامَي 2020 و2021، في ما يعكس انهيار تنسيق الخدمات اللوجستية على نطاق عالمي. وفي تلك الحالة، نشأت الصدمات في عقد الإنتاج وانتشرت عبر سلاسل الإمداد نتيجة غياب المدخلات الوسيطة.
تأتي أزمة هرمز مختلفة بنيوياً. تظلّ القدرة التصنيعية قائمة إلى حدّ بعيد، بينما تتقيّد البنية التحتية للطاقة التي ترتكز عليها.
تنتقل صدمات أسعار الطاقة بسرعة إلى التضخم وتباطؤ الإنتاج عبر الاقتصاد الأوسع. ولا تمرّ عبر كلفة الوقود وحدها، إذ تعبر أيضاً عبر ارتفاع تكاليف الشحن، وأقساط التأمين، وكلفة المدخلات التي تؤثّر في جميع القطاعات تقريباً في الوقت نفسه. وإذا كشفت الجائحة هشاشة شبكات الإنتاج، تكشف هرمز هشاشة الأنظمة التي تغذّيها بالطاقة.
إعادة التفكير في سلاسل الإمداد
تركّز معظم الأدبيات الاقتصادية حول العولمة على تفكّك الإنتاج بين الدول. تُظهر أبحاث ريتشارد بالدوين وإيان غولدين كيف يُنظَّم التصنيع الحديث عبر سلاسل القيمة العالمية، إذ تعبر المدخلات الحدود مرات عدّة قبل الوصول إلى مرحلة التجميع النهائي، وغالباً ضمن توازن دقيق بين الكلفة والمرونة يحمل في داخله مخاطر نظامية. ويبيّن الاقتصاد الكلي الشبكي، في أعمال دارون أسيموغلو وديفيد بقائي، كيف تنتقل الصدمات من الصناعات الأعلى في السلسلة وتنتشر عبر شبكات الإنتاج، فتخلّف آثاراً تفوق حجم الصدمة الأصلية.
تؤدّي نقاط الاختناق البحرية، مثل مضيق هرمز أو قناة السويس، دور عقد حاسمة، إذ يمكن أن يولّد تعطّلها تأثيرات متسلسلة عبر قطاعات قد تبدو متباعدة
مع ذلك، لم تُدرج هذه المقاربات إلا جزئياً البنية التحتية المادية التي تدعم هذه التدفقات. تعترف نظرية التجارة، منذ بول كروغمان، بأهمية تكاليف النقل والجغرافيا، غير أن العمل التجريبي لم يبدأ إلا مؤخراً في دمج شبكات اللوجستيات مباشرة في نماذج سلاسل القيمة العالمية. وتؤدّي نقاط الاختناق البحرية، مثل مضيق هرمز أو قناة السويس، دور عقد حاسمة، إذ يمكن أن يولّد تعطّلها تأثيرات متسلسلة عبر قطاعات قد تبدو متباعدة.
أتاحت التطوّرات الحديثة في البيانات إمكان دمج هذه العناصر على نحو متزايد. يتيح تتبّع السفن عبر الأقمار الصناعية، باستخدام بيانات نظام التعريف الآلي، للباحثين رسم خرائط تدفّقات الشحن عبر مسارات محدّدة بدقّة عالية، كما في أعمال جيمس فايرر. وفي الوقت نفسه، توفّر قواعد بيانات المدخلات والمخرجات الدولية، مثل قاعدة بيانات المدخلات والمخرجات العالمية وإطار «التجارة بالقيمة المضافة» لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، معلومات مفصّلة عن كيفية اعتماد الصناعات على مدخلات أجنبية.
يتيح الجمع بين هذه المقاربات بناء مؤشّرات تعرّض على مستوى القطاعات تربط الصناعات بممرّات بحرية محدّدة، وقياس كيفية انتقال الاضطرابات عند نقاط الاختناق عبر أنظمة الإنتاج.
قدّمت حادثة جنوح سفينة «إيفر غيفن» في عام 2021 لمحة واضحة عن هذا المنطق. أغلقت سفينة واحدة قناة السويس، فأوقفت مئات السفن وأخّرت بضائع بمليارات الدولارات يومياً. وتجري أزمة هرمز على نطاق أكبر وأكثر استمراراً، لكن الفكرة واحدة: صُمِّمت التجارة العالمية لتحقيق الكفاءة بطريقة تركّز المخاطر في ممرّات محدّدة. وعندما تتعطّل هذه الممرّات، لا يمكن احتواء الصدمة الناتجة بسهولة.
تعرّض غير متكافئ للصدمات العالمية
تتّسم الآثار التوزيعية بعدم تكافؤ شديد. يبيّن برانكو ميلانوفيتش أن مكاسب العولمة توزّعت على نحو غير متماثل، وكذلك صدماتها. تضغط أسعار الطاقة المرتفعة على الدخل الحقيقي في الشرائح الأدنى، بينما تبقى الفئات الأكثر ثراءً محمية نسبياً. وفي الاقتصادات منخفضة الدخل والمعتمدة على الاستيراد، تشتدّ هذه الآثار أكثر.
في موزمبيق، تشكّل واردات الوقود نحو 21.33% من إجمالي الواردات، وقد تصل كلفة النقل إلى أكثر من نصف سعر الغذاء الأساسي، ما يجعل أي ارتفاع في أسعار النفط ينعكس سريعاً على تضخّم الغذاء. وفي نيبال، التي تعتمد بالكامل على استيراد المنتجات النفطية، تؤدّي زيادة أسعار الخام إلى تفاقم العجز التجاري والضغط على احتياطات النقد الأجنبي، التي لا تكفي أحياناً إلا لأشهر قليلة. ومع ضعف القدرة المالية على امتصاص هذه الصدمات، تتحمّل هذه الاقتصادات تبعات اضطرابات تنشأ في أماكن بعيدة من النظام العالمي.
ينبع هذا التفاوت من بنية سلاسل القيمة العالمية نفسها، لا من صدفة عابرة. تتركّز الأنشطة الأعلى قيمةً في الاقتصادات المتقدّمة، فيما تتعرّض البلدان منخفضة الدخل بدرجة أكبر لتقلّبات كلفة المدخلات وصدمات الأسعار الخارجية
ينبع هذا التفاوت من بنية سلاسل القيمة العالمية نفسها، لا من صدفة عابرة. تتركّز الأنشطة الأعلى قيمةً في الاقتصادات المتقدّمة، فيما تتعرّض البلدان منخفضة الدخل بدرجة أكبر لتقلّبات كلفة المدخلات وصدمات الأسعار الخارجية. هكذا يتشكّل نظام تُدفع فيه الهشاشة إلى الأسفل على نحو منهجي، بينما تُحتجز مكاسب الكفاءة في مواقع أخرى.
الانتقال الطاقي وتبعياته الجديدة
يفتح الانتقال إلى الطاقة مساراً أطول أمداً للخروج من الاعتماد على الهيدروكربونات، لكنه يحمل معه هشاشاته الخاصة. تتطلّب تقنيات الطاقة النظيفة كميات متزايدة من الليثيوم والنحاس والعناصر الأرضية النادرة. وتتوقّع وكالة الطاقة الدولية أن يتضاعف الطلب على هذه المعادن مرات عدّة في خلال العقود المقبلة، خصوصاً في تخزين الطاقة والنقل الكهربائي. غير أن توزيع هذه الموارد شديد التفاوت، فيما تتركّز قدرات معالجتها وتكريرها في نطاق أضيق.
يتركّز جزء كبير من هذه المعالجة حالياً في الصين، التي تهيمن على مراحل أساسية من سلسلة إمداد البطاريات. ويثير ذلك احتمال انتقال بنية الهشاشة العالمية من نقاط اختناق الهيدروكربونات إلى سلاسل إمداد المعادن، من دون تغيير جوهري في منطقها الكامن. وتُعاد هنا صياغة التبعيات أكثر مما تختفي.
يعيد هذا التحوّل إنتاج أنماط استخراجية قديمة. تمثّل جمهورية الكونغو الديمقراطية نحو 70% من الكوبالت العالمي، ويُنتزع جزء كبير منه في ظروف محفوفة بالمخاطر. وثّقت تحقيقات منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش عمالة الأطفال، والتعرّض لغبار سام، وانهيارات قاتلة في المناجم الحرفية، حيث يعمل آلاف العمّال بأدنى مستويات الحماية. ولم يخرج الاستثمار الأجنبي، بما في ذلك حضور شركات مرتبطة بالصين، عن هذا المسار، إذ وسّع نطاقه. يتكرّر المشهد نفسه: تُستخرج الموارد وتندمج في سلاسل عالمية، بينما تتراكم القيمة في مكان آخر وتتركّز المخاطر محلياً.
التعايش مع الهشاشة البنيوية
غالباً ما تركّز السياسات على تعزيز المرونة عبر التنويع، وبناء احتياطات استراتيجية، وتوسيع القدرات المحلية. وهذه خطوات ضرورية، لكنها لا تحلّ المشكلة من جذورها. فهي تعمل داخل النظام نفسه الذي ينتج الهشاشة، فتخفّف المخاطر أو تعيد توزيعها بدلاً من إنهائها. فالاحتياطات تمتصّ صدمات الأسعار، لكنها لا تقلّل الاعتماد على الطاقة المستوردة، والتنويع يوزّع المخاطر بين مورّدين ومسارات مختلفة. وحتى تعزيز القدرات المحلية يبقى مرتبطاً بتدفّقات عالمية من الموارد والتكنولوجيا والتمويل.
في النهاية، تعكس أزمة هرمز حالة بنيوية أوسع. فالشبكات التي تجعل التجارة العالمية أكثر كفاءة هي نفسها التي تركّز المخاطر في ممرّات وبنى محدّدة. ولا يزال نحو 90% من التجارة العالمية تُنقل بحراً، ومن غير المتوقّع أن يتراجع هذا الاعتماد قريباً، مهما ارتفع الحديث عن إعادة توطين الإنتاج.
لا يتمثّل السؤال في ما إذا كان ينبغي التراجع عن العولمة، بل في كيفية فهم حدودها. وبالنسبة إلى جزء كبير من الجنوب العالمي، تتوزّع القدرة على بناء المرونة أصلاً على نحو غير متكافئ. تقيّد القيود المالية، والاعتماد التكنولوجي، والمواقع التابعة داخل سلاسل القيمة العالمية، القدرة على بناء هوامش حماية ذات معنى. وحتى حين تتوافر مساحة للسياسات، تتقيّد هذه المساحة غالباً بفعل التزامات الديون الخارجية، وضغوط العملة، وتقلبات تدفّقات رأس المال.
وما يبدو، على مستوى السياسات، مرونة، ينطوي في كثير من الأحيان على تكيّف مع نظام يواصل إنتاج الهشاشة. فاستمرارية نقاط الاختناق، مثل مضيق هرمز، تعكس سمة من سمات تنظيم الاقتصاد العالمي. وما لم يُواجَه هذا البناء بصورة أكثر مباشرة، ستظلّ مثل هذه الأزمات أقلّ استثناءً وأكثر تكراراً.
نُشِر هذا المقال في 20 آذار/مارس 2026 على موقع Foreign Policy in Focus، وتُرجِم إلى العربية ونُشِر في «صفر» بموافقة مسبقة من الكاتب.