استغلال الذات في عالم الإنجاز
مجتمع الاحتراق
- مراجعة لكتاب بيونغ تشول هان «مجتمع الإرهاق» الذي يقدّم «الاحتراق» بوصفه علامة عصر «مجتمع الإنجاز»، حيث يُستنزف الأفراد باسم الحرية والإيجابية والعمل الدائم على تحسين الذات، فيتحوّل الضغط إلى عنف ذاتي يُمارَس من الداخل لا بالقمع الخارجي.
قد يكون «الاستنزاف» واحداً من المشاعر القليلة التي يمكن أن يتوافق عليها الناس اليوم، بغض النظر عن مجتمعاتهم أو ثقافاتهم. إنها حالة متشابكة من الإنهاك السياسي والاجتماعي والوظيفي، تعب جسدي وعاطفي، وإحساس دائم بعدم الكفاية. هذه الحالة التي باتت تُعرف باسم «الاحتراق» تشكّل محور كتاب الفيلسوف الكوري-الألماني بيونغ تشول هان «مجتمع الإرهاق أو الاحتراق» (The Burnout Society).
الفكرة المركزية لدى هان هي أننا نعيش في «مجتمع الإنجاز» (achievement society) وهو نظام ينهك أفراده باسم الحرية، ويستنزفهم تحت ضغوط الإيجابية والإنتاجية والعمل المستمر على تحسين الذات. تتجلّى فكرة هان في تفاصيل الحياة اليومية، حيث يُتوقّع من الفرد أن يَعمل وأن يحب عمله في الوقت نفسه، وأن ينجح مهنياً من دون أن يخسر حياته الشخصية. على الفرد أن يطوّر نفسه باستمرار، أن يتعلّم لغة جديدة، أو مهارة إضافية، أو رياضة مختلفة، ليس بالضرورة بدافع المتعة، بل كي لا يشعر بأنه متأخّر عن الآخرين. السفر، مثلاً، لم يعد مجرد متعة وراحة بل تجربة ينبغي أن تكون مليئة بالصور والأحداث، قابلة للسرد وللتوثيق. وقت الفراغ، لا يجب أن يكون فراغاً خالصاً، الاكتفاء أو الرضا هو نقص في الطموح. مهما فعل الفرد، يبقى ذلك الشعور بأن ما أنجزه لا يكفي بعد، وأن هناك دائماً نسخة أفضل يمكن الوصول إليها.
إن شعورنا العام بالإرهاق ليس مجرد انهيار نفسي مؤقّت ناتج عن ضغط عابر أو فشل شخصي، بل هو استنزاف شامل لقدرة التحمّل نفسها في مواجهة توقعات لا تنتهي
يرى هان أن «مجتمع الإنجاز هو مجتمع استغلال الذات». في هذا المجتمع، لا يشعر الفرد بأنه مضطهد، بل بأنه حرّ: حر في العمل أكثر، وفي تطوير ذاته باستمرار، وفي تحقيق المزيد من الكفاءة والنجاح. ولكن هذه الحرية المشروطة بالإنجاز تتحوّل إلى شكل من أشكال العنف، عنف يمارس على الذات. «إن الشخص المنهك، المكتئب، الساعي للإنجاز، يستنزف ذاته في صراع دائم معها. إنه منهك وفي حالة حرب مستمرة ضد نفسه. عاجز تماماً عن الانفتاح على العالم، عن الوقوف خارج ذاته، عن الاعتماد على الآخر. يُطبق فكيه على نفسه»، يقول هان، ويضيف: «المفارقة أن هذا السباق المحموم لا يقوده إلى الامتلاء بل إلى الفراغ والخواء. إنه سباق محموم تخوضه الذات ضد ذاتها».
مجتمع الإنجاز والذات المتعبة
الاستنزاف ليس شعوراً فردياً فقط، بل علامة للعصر الذي نعيشه. لم يعد عالم فوكو التأديبي بعناصره المتمثلة بالسجون والمصحّات العقلية والثكنات العسكرية والمصانع، هو النموذج المهيمن. ذلك العالم مات أو جرى تجاوزه. ما نعيشه اليوم هو عالم تملؤه صالات رياضية وأبراج المكاتب والبنوك والمطارات ومراكز تسوق ومختبرات الهندسة الوراثية. لم يعد سكان القرن الحادي والعشرين «مطيعين» كما في المجتمع الصناعي، بل أصبحوا «فاعلين»، إنهم، كما يقول هان، «رواد أعمال لأنفسهم».
على عكس المجتمع الصناعي التأديبي الذي اعتمد على هوية ثابتة نسبياً، محددة الدور والمكان، يتطلّب مجتمع الإنجاز ما بعد الصناعي ذاتاً مرنة قابلة لإعادة التشكّل باستمرار من أجل تعزيز الإنتاج. لم يعد المطلوب أن تكون منضبطاً فقط، بل أن تُعيد ابتكار نفسك باستمرار لتظل مرئياً، ومُؤثراً، وقادراً على المنافسة. التطوير الذاتي لم يعد خياراً، بل تحوّل شرطاً للبقاء. لم تعد عبارة «لا أستطيع» مقبولة، تم تبديلها لصالح إيجابية سامة لا تعرف حداً ولا تعترف بالعجز. حتى صياغة الأفعال تغيرت: «عليك فعل ذلك»، تحوّلت إلى «يُمكنك فعل ذلك». من «واجب» (should) إلى «قدرة» (can).
نحن الآن خطوط إنتاج بشرية، مطالبون بتحديث هوياتنا باستمرار، وتجديدها، وتحسينها كأي تطبيق هاتف. وعندما تصبح أنت نفسك خط إنتاج، النتيجة هي استنزاف تام وانهيار محتوم. وعليه، فإن شعورنا العام بالإرهاق ليس مجرد انهيار نفسي مؤقّت ناتج عن ضغط عابر أو فشل شخصي، بل هو استنزاف شامل لقدرة التحمّل نفسها في مواجهة توقعات لا تنتهي. فمجتمع الإنجاز لا يتسامح مع الحدود، بل يطمس الفواصل بين العمل والحياة، وبين العام والخاص، وبين الفعل والراحة، يحوّل كل لحظة في حياة الفرد إلى فرصة إنتاجية، إلى سباق ضد الذات نفسها. يصبح الفرد سيداً وعبداً، قاضيا ومُدعى عليه، «سجين وحارس في معسكر عَمل داخل رأسه»، على حد وصف هان.
أحياء بلا موت
ولأن مجتمع الإنجاز، بوصفه مجتمع استغلال ذاتي يولد عدواناً موجهاً إلى الداخل، تصبح الأنا فيه خاسرة على الدوام وغارقة في لوم نفسها، تظهر نتائج ذلك بوضوح في الأمراض النفسية المعاصرة، كالإرهاق والاكتئاب التي تتسم بطابع عدواني ذاتي واضح. العنف لم يعد خارجياً، بل أصبح داخلياً أشد فتكاً، لأن ضحيته تعتبر نفسها «حرة» ومسؤولة بالكامل عمّا تعانيه.
إن مجتمع الإنجاز يُنتج أفراداً مكتئبين، خاسرين في مجتمع يعتقد أنه مجتمع الفائزين
من هذا المنظور، قرأ عالم الاجتماع آلان إهرنبرغ الاكتئاب بوصفه ظاهرة مرتبطة بـ«اقتصاد الذات»، فالضرورة الاجتماعية التي تفرض على الفرد أن يكون مسؤولاً كلياً عن نفسه، نجاحه وفشله، هي ما تجعله عرضة للاكتئاب. بالنسبة لإهرنبرغ، يمثل الاكتئاب التعبير المرضي عن فشل إنسان الحداثة المتأخر في أن «يصبح نفسه». غير أن هان يذهب أبعد من ذلك، إذ يرى أن أمراض عصرنا ليست كآبة نفسية فقط، بل هي أمراض «عصبية»: الاكتئاب، والقلق، واضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط. هذه الأمراض لا تنجم عن الكبت أو القمع، كما في التحليل الكلاسيكي، بل عن الإفراط: الإفراط في التحفيز، والإفراط في الحرية، والإفراط في المطالب. «لا يُمكن الإصغاء إلى شكوى شخص مُكتئب يقول إن لا شيء مُمكن داخل مجتمع يُؤمن بأن لا شيء مُستحيل»، يؤكد هان، ويضيف: «إن مجتمع الإنجاز يُنتج أفراداً مكتئبين، خاسرين في مجتمع يعتقد أنه مجتمع الفائزين».
عندما يصبح كل شيء ممكن نظرياً، يتحوّل العجز عن المواصلة إلى ذنب شخصي، ويغدو التوقف فعلاً غير مقبول. ولهذا يحذر هان أن مجتمع الإنجاز ينزلق تدريجياً إلى «مجتمع المنشطات»، حيث تختزل الحياة إلى وظائف حيوية أساسية: صحة، إنتاجية، تحسين مستمر. لا يوجد مكان للراحة، ولا شرعية للتعب، نصبح، على حد تعبيره، «أحياءً إلى درجة لا تسمح لنا بالموت، وأمواتاً لدرجة لا تسمح لنا بالعيش».
احتراق اكسترا
مجتمعات الإنجاز والاحتراق قد تبدو تشخيصاً مألوفاً في الدول الغربية. لكن حين ننقل منظور هان إلى السياق العربي، تتصدّع الصورة. الإرهاق هنا حالة وجودية تمتدّ إلى كل مستويات الحياة اليومية، فالقمع السياسي والضغط الاجتماعي والاستغلال الذاتي النيوليبرالي لا تتعايش فحسب، بل تعزّز بعضها بعضاً. البنية النفسية للإرهاق التي يصفها هان كـ «ذات في حالة حرب مع نفسها» تنطبق على حياة الكثيرين، لكن فوق ذلك هناك طبقة ثقيلة من الواقع. الإرهاق ليس داخلياً فقط (الضغط الذاتي، وسائل التواصل الاجتماعي، والتوقعات العائلية) بل هو خارجي أيضاً (قمع، صراعات، وانهيار اقتصادي). يتداخل العاملان في حلقة مفرغة: عدم الاستقرار الخارجي يُفاقم الضغط الداخلي، والضغط الداخلي يُضخم الشعور بالعجز أمام العالم الخارجي.
الذات في العالم العربي لا تحارب نفسها فقط، بل تخوض معركة ثلاثية: الطموح الشخصي، والبقاء الجماعي، والنزاع الخارجي. الحرية هنا ليست معطى ثابت، بل مساحة مقيّدة، مهدّدة، وغالباً مسلوبة. ومع ذلك يُفرط الأفراد في الإنجاز، ليس بدافع الاختيار أو الشغف، بل كشرط للنجاة. وهكذا يُنظر لعدم القدرة عن الصمود كخيانة، والعجز عن التكيّف كخلل شخصي. الاستنزاف النفسي، حتى وإن كان الاستجابة الأكثر عقلانية لواقع لا يطاق، يقمع ويُهمش. تُدفع مجتمعات بأكملها على التحمّل إلى أجل غير مسمى، بينما ينتظر منها في نفس الوقت أن تنجز وتنتج في ظل شروط مستحيلة.
قد يكون الإرهاق نتيجة «حرية مفرطة»، ولكن في العالم العربي هو نتيجة نقص مزمن في الأمن والمستقبل
القدرة على الإنجاز في هذا العالم لا تتعلّق بصعوبة المهام أو كثرة الضغوط، بل في تحويل المسؤولية كاملة من الدولة أو المجتمع ككل إلى الفرد، يصبح هو وحده المسؤول عن النجاح والفشل، عن الصمود والانكسار، لا وجود لمن يشارك العبء، ولا لمن يخفف الضغوط، وتتحوّل حرية الاختيار المفترضة إلى قيود غير مرئية تبتلع الفرد إنجازاً وراء آخر.
قد يكون الإرهاق هو نتيجة «حرية مفرطة» بحسب هان، ولكن في العالم العربي هو أيضاً نتيجة نقص مزمن: نقص في الأمن، ونقص في المستقبل. هناك الكثير من الأفكار المهمة في كتاب هان، لكن الأكثر تأثيراً هو: العالم الذي يطالب أفراده – وليس أنظمته – بانجازات دائمة سيُحطم أفراده في نهاية المطاف، سواء أكانت هذه المطالب من الأسواق، أو الدول، أو حركات التحرّر نفسها.