الصورة: Unsplash/ماركوس سبيسكه.
حرب المليارديرات
يتضح يوماً بعد يوم أن الأشخاص الذين قادوا الولايات المتّحدة إلى الحرب مع إيران لا يملكون أي فكرة عمّا يفعلون. يتصرّفون كأنهم مراهقون يلعبون ألعاب الفيديو، فيما يموت آلاف الأشخاص و يسير العالم مسرعاً نحو أزمة اقتصادية.
تكتب نيويورك تايمز عن تجاهل مسؤولين في إدارة ترامب تحذيرات من اضطراب محتمل في إمدادات النفط العالمية نتيجة مهاجمة إيران. وتنقل الصحيفة كذلك قول ترامب، في العلن وفي المحادثات الخاصة، إن النفط الفنزويلي قد يخفف صدمات السوق المرتبطة بالحرب مع إيران.
في عام 2024، بلغ إنتاج فنزويلا نحو 900 ألف برميل يومياً، بينما يعبر عادةً نحو 20 مليون برميل يومياً عبر مضيق هرمز. لكن يبدو أن الحسابات البسيطة لا تحظى بمكانة كبيرة في هذا النقاش.
في الوقت نفسه، تشير واشنطن بوست إلى أن البنتاغون منع المصورين الصحافيين من حضور الإحاطات المتعلقة بالحرب عقب نشرهم صوراً لوزير الدفاع بيت هيغسيث وصفها فريقه بأنها غير لائقة. يا لها من أولويات!
وسط هذه الفوضى الدموية، يبرز سؤال كبير: من أوصل هذه الجماعة التي لا تحسن التفكير إلى السلطة؟ في المعنى المباشر، جاء صعود ترامب إلى القمة بفضل ناخبين قليلي المعرفة السياسية، وهم، وفق تعريف ج. إليوت موريس، الناخبون الذين لا يعرفون أي حزب يسيطر على الكونغرس. لكن الأساس لصعود حركة ماغا وُضع قبل ذلك بوقت طويل، عبر المحكمة العليا برئاسة جون روبرتس، وعبر المليارديرات اليمينيين الذين سمحت لهم المحكمة بتوسيع نفوذهم السياسي.
تناولتُ قبل أسابيع قليلة في مقال «المليارديرات المنفلتين»، النفوذ غير العادي الذي اكتسبته حفنة صغيرة من الرجال فاحشي الثراء. وقد نشرتُ حينها هذا الرسم البياني لتبرعات الحملات الانتخابية استناداً إلى تقديرات منظمة أميركيون من أجل عدالة ضريبية:
نشرت نيويورك تايمز يوم الاثنين تقريراً استقصائياً مفصلاً عن نفوذ المليارديرات، خَلُص، من بين أمور أخرى، إلى أن الرسم البياني أعلاه يقلّل إلى حد ما من حجم دورهم في تمويل الحملات الانتخابية. فبحسب الصحيفة، بلغت حصتهم 19% من التبرعات في عام 2024، لا 16.5%.
ولفتت الصحيفة أيضاً إلى أن الأموال الضخمة انحازت بقوة إلى اليمين في انتخابات 2024. ويظهر حجم التبرعات السخية التي صبّت في مصلحة الجمهوريين بوضوح في بيانات أوبن سيكرتس عن أكبر 100 متبرع في دورات انتخابية مختلفة:
بل إن نيويورك تايمز تعرض أرقاماً أكثر حدّة من بيانات أوبن سيكرتس. ففي الانتخابات السابقة، ومع ازدياد نشاط المانحين فاحشي الثراء، استفاد الحزبان الرئيسان من تدفّق الأموال. لكن شهدت انتخابات 2024 تباعداً واضحاً: تراجع حجم الأموال المتدفقة مباشرة إلى الديمقراطيين، مقابل ارتفاع حاد في التبرعات للجمهوريين.
ففي مقابل كل دولار تبرّع به المليارديرات وأفراد عائلاتهم المباشرون لمرشح أو لجنة مرتبطة بالديمقراطيين، ذهب 5 دولارات إلى الجمهوريين.
ويعود جزء كبير من ذلك إلى مليارديرات قطاع التكنولوجيا الذين اصطفّوا مع سياسات ترامب الضريبية وسياسات فكّ القيود التنظيمية. وقد حصل أكثر من 12 مليارديراً على مناصب داخل إدارته.
لكن تدفّقات الأموال المباشرة هذه لا تعكس الأثر الهائل لأوجه أخرى من استخدام ثروات المليارديرات، ولا سيما تقويض وسائل الإعلام التقليدية ومنصّات التواصل الاجتماعي. فقد اشترى إيلون ماسك منصة تويتر في عام 2022، وسرعان ما بدأ تحويلها إلى المستنقع المتسامح مع النازية الذي أصبحت عليه اليوم، وليس في هذا أي مبالغة. إلى أي حد ساهم ذلك في تدهور النقاش العام؟ كذلك استحوذت شركة باراماونت، الخاضعة لنفوذ لاري إليسون والتي يديرها ابنه، على سي بي إس نيوز، وهي مؤسسة يتراجع مستواها بسرعة، كما تقترب أيضاً من الاستحواذ على سي إن إن. أما جيف بيزوس فيعمل على تفكيك صحيفة واشنطن بوست، مع التحية للصحافيين الذين ما زالوا يحاولون أداء عملهم.
مع ذلك، ما زال أمر يحيّرني. إلى حدّ كبير، اشترى المليارديرات لأنفسهم حكومةً تخدم مصالحهم. وقد منح ترامب وفريقه كثيراً من البنود الواردة في قائمة مطالب أوليغارشية التكنولوجيا، من تخفيضات ضريبية إلى فكّ القيود التنظيمية وصولاً إلى الترويج للعملات المشفّرة والذكاء الاصطناعي غير المنظَّم. لكن لماذا هذا القدر من العجز الفاضح؟ ألم يتمكّن المليارديرات من إيجاد حلفاء سياسيين لا يدفعون البلاد إلى حرب قد تكون كارثية وغير شعبية تاريخياً من دون حتى النظر في مخاطرها؟
لديّ إجابتان محتملتان.
الأولى أن الحلفاء الأكفاء لم يكونوا متاحين أساساً. فالمال يشتري قدراً كبيراً من النفوذ السياسي، لكن تتطلب السيطرة الفعلية على الحكومة الأميركية أكثر من المال؛ إذ تحتاج إلى سياسيين فاسدين بالكامل. وقد تعلّم ترامب في خلال إدارته الأولى أن توظيف أشخاص يتمتعون حتى بقدر متواضع من الكفاءة قد يضع في النهاية عوائق أمام نزعاته السلطوية، كما حدث مع نائبه السابق مايك بنس. لذلك خرج ترامب بخلاصة واضحة: كلما ازداد المعيَّنون في المناصب السياسية عدم كفاءة وفساداً وتعصّباً وقسوة، كان ذلك أفضل.
قد يظن البعض أن العفو الرئاسي عن المحتالين وغاسلي الأموال والمجرمين الصريحين لا علاقة له بالحرب سيئة التقدير على إيران. لكن الفساد سمة أساسية لنظام أقامه المليارديرات، والفساد وعدم الكفاءة يسيران جنباً إلى جنب.
إجابتي الثانية أن الثروة الهائلة لمليارديرات التكنولوجيا جعلت كثيرين منهم غير معنيين بحياة الناس العاديين، بل منفصلين بعمق عن أي شعور وطني. فإذا تعرّض الأميركيون للعنف أو القتل على يد عناصر مارقة من وكالة الهجرة والجمارك فذلك، بالنسبة إليهم، ليس مشكلتهم. وإذا جرى تقويض وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفدرالي بالكامل وتحويلهما إلى أدوات تنفيذ بيد ترامب، فهم يعرفون أن الأساليب الانتقامية وغير القانونية لن تمسّ حياتهم. وإذا أدّت اقتطاعات الموازنة الجمهورية إلى تدمير المستشفيات الريفية وحرمان مئات آلاف الأشخاص من التأمين الصحي، فهم يملكون أطباءهم وعياداتهم الخاصة. وإذا أطلق ترامب حرباً سيئة التقدير تضاعف أسعار النفط، فهم قادرون بالتأكيد على تحمّل كلفة البنزين الأعلى لسياراتهم الفاخرة ويخوتهم. وفي النهاية لن يختبئ أبناؤهم في الملاجئ في الشرق الأوسط.
إذا أردت فهم كيف انحدرت هذه البلاد إلى هذا الوضع، وكيف أصبح بالإمكان إنفاق نحو 2 مليار دولار يومياً على مهاجمة إيران من دون أي نهاية واضحة في الأفق، بينما يحرم الأطفال من الرعاية الصحية، وتعاني دور رعاية المسنّين نقصاً في الموظفين بعد ترحيل عمّالها، وترتفع فواتير الكهرباء المنزلية بسبب استهلاك مراكز البيانات للطاقة، فانظر ببساطة إلى من يستفيد ومن لا يتضرّر.
هذه حرب المليارديرات، حرب تُشنّ على حساب الجميع.
نُشِر هذا المقال في 12 آذار/مارس 2026 على مدوّنة بول كروغمان على منصة Substack، وتُرجِم إلى العربية ونُشِر في «صفر».