hero

صراعات المياه
التحدي الجيوسياسي الكبير للسنوات المقبلة

  • مراجعة لكتاب خافيير ديل فالي «صراعات المياه: التحدي الجيوسياسي الكبير للسنوات المقبلة»، تنطلق من سؤال يهيمن على النقاش العالمي حول المياه: هل تقود ندرتها حتماً إلى الحروب، أم تنشأ النزاعات من طريقة إدارتها واختلال موازين القوة بين الدول؟ يبيّن الكتاب أن المياه تصبح مصدراً للصراع حين تسمح المؤسسات الضعيفة والقواعد غير المتكافئة للدول الأقوى بالتحكّم في توزيعها واستخدامها.

أصبحت قضايا المياه، في السنوات الأخيرة، تحتل موقعاً متقدماً في أجندة العلاقات الدولية، بعدما تجاوزت أبعادها البيئية والتقنية، لتغدو محدِّداً رئيساً للأمن الدولي والاستقرار السياسي، فضلاً عن ارتباطها بالتغير المناخي ومتطلبات التنمية المستدامة. ورافق هذا التحول اهتمام متزايد بدراسة التوترات ذات الصلة بالموارد المائية، حتى غدت «حروب المياه» من أكثر الأطروحات تداولاً في أدبيات الأمن المائي والتوترات الجيوسياسية. إلا أن صلاحيتها التفسيرية باتت، في الآونة الأخيرة، موضع تساؤل متزايد، في ظل عجزها عن استيعاب تعقيدات التفاعلات المائية.

ضمن هذا الإطار، يقارب الباحث الإسباني خافيير ديل فالي، في كتابه «صراعات المياه: التحدي الجيوسياسي الكبير للسنوات المقبلة»1، إشكالية الموارد المائية المشتركة من منظور متعدد التخصصات، يستند إلى تقاطع الجغرافيا السياسية والهيدرولوجيا والقانون الدولي والاقتصاد البيئي.

يفترض المؤلف أن الأزمات المائية لا تُفسَّر بالندرة المادية فحسب، وإنما ترتبط عضوياً بالقدرات المؤسسية وتوازنات القوة. وعليه، يرفض القراءات الاختزالية التي تُرجع النزاعات المائية إلى ندرة الموارد وحدها، ويبيّن أن العلاقات بين الدول المتشاطئة (Riparian States) لا يحكمها منطق الصراع الحتمي، وإنما تتشكّل وفق الأطر السياسية والقانونية التي تنظّم استغلال الأحواض المشتركة.

تستعرض هذه المراجعة القضايا الرئيسة التي يتناولها الكتاب، من خلال تحليل تصوّره للأزمة المائية والجغرافيا السياسية للمياه، ورؤيته إلى مستقبل الأمن المائي. كما تقيّم إسهامه في ضوء الأدبيات الحديثة المتصلة بالاقتصاد السياسي للمياه وحوكمة الموارد المائية، وتبرز ما تتيحه مقاربته من مداخل لفهم تحديات الأمن المائي في المنطقة العربية.

تفكيك أسطورة الأزمة المائية

يستهل خافيير ديل فالي تحليله بمراجعة نقدية لواحدة من أكثر الفرضيات تداولاً في أدبيات الجغرافيا السياسية للمياه والأمن المائي، وهي الفرضية التي تربط مستقبل العلاقات الدولية بحتمية اندلاع صراعات واسعة بسبب تناقص الموارد المائية. غير أن المؤلف يقدّم تفسيراً مغايراً للأزمة، إذ يرى أن منشأها لا يكمن في محدودية المخزون المائي، وإنما في أنماط إدارته ضمن سياقات سياسية واقتصادية تعاني اختلالات مؤسسية. وانطلاقاً من هذا التصور، يسائل قدرة أنماط الحوكمة السائدة على ضمان توزيع أكثر عدالة واستدامة لهذا المورد الحيوي.

الموارد الطبيعية لا تكتسب دلالة صراعية بذاتها، وإنما حين تتقاطع مع ضعف القدرات المؤسسية وقصور السياسات العامة. وبذلك، لا يغدو الماء سبباً مباشراً للصراع، بقدر ما يعكس طبيعة الترتيبات السياسية والمؤسساتية التي تحكم إدارة الموارد المائية

تبرز القيمة التفسيرية لهذه المقاربة عند مقارنتها ببعض الأطروحات التي تناولت النزاعات المائية انطلاقاً من فرضية «الندرة البيئية» (Environmental Scarcity)، ولا سيما لدى توماس هومر-ديكسون (Thomas Homer-Dixon). ففي حين يمنح هذا الاتجاه الندرة المائية دوراً محورياً في تفسير نشوء النزاعات2، يذهب ديل فالي إلى أن الموارد الطبيعية لا تكتسب دلالة صراعية بذاتها، وإنما حين تتقاطع مع ضعف القدرات المؤسسية وقصور السياسات العامة. وبذلك، لا يغدو الماء سبباً مباشراً للصراع، بقدر ما يعكس طبيعة الترتيبات السياسية والمؤسساتية التي تحكم إدارة الموارد المائية.

أما على المستوى الاقتصادي، فيبيّن الباحث أن فهم ديناميات المياه لا يكتمل من دون إدراك الكيفية التي تعيد بها الأسواق العالمية توزيع استخدامها. وفي هذا السياق، يستند إلى مفهوم «المياه الافتراضية» (Virtual Water)، الذي صاغه جون أنتوني ألان (John Anthony Allan)، للإشارة إلى حجم المياه المستهلكة في إنتاج السلع والخدمات قبل وصولها إلى المستهلك. فالتجارة الدولية تنقل المياه بصورة غير مباشرة، إذ تحمل السلع كميات متفاوتة من الموارد المائية التي استُخدمت في إنتاجها. وهكذا، تصبح الأسواق العالمية فاعلاً رئيسياً في إعادة توزيع استخدامات المياه خارج النطاق الجغرافي الذي أُنتجت فيه.

ويوظف المؤلف، في السياق نفسه، مفهوم «البصمة المائية» (Water Footprint) لتفسير تنامي الضغوط الواقعة على الموارد المائية من زاوية تختلف عن المقاربات التقليدية. فالارتفاع المتواصل في الطلب على المنتجات كثيفة الاستهلاك للمياه، وما يصاحبه من تغير في أنماط الإنتاج والاستهلاك، يفضي إلى اتساع حجم المياه المستخدمة، حتى في الحالات التي لا تشهد تغيراً جوهرياً في حجم الموارد المتاحة. ومن هذه الزاوية، يعيد ديل فالي صياغة النقاش عن الندرة، بوصفها نتيجة لتفاعل البنية الاقتصادية مع أنماط الاستهلاك، لا مجرد انعكاس مباشر للمعطيات الطبيعية.

يعزّز الباحث هذا الطرح بأمثلة دالة تكشف حجم هذا الاستنزاف الخفي. فإنتاج كيلوغرام واحد من لحم البقر يستهلك نحو 14,000 لتر من الماء، تذهب في معظمها إلى ري المحاصيل العلفية وصيانة المزارع، في حين يتطلب إنتاج كيلوغرام من لحم الضأن 10,000 لتر، ولحم الخنزير 6,000 لتر. ولا يقتصر انتقال المياه الافتراضية على السلع الغذائية، وإنما يشمل أيضاً المنتجات الصناعية. فإنتاج سروال جينز واحد يستهلك نحو 15,000 لتر من الماء، بدءاً من زراعة القطن الشرهة للمياه في مناخات حارة ترتفع فيها معدلات التبخر، وصولاً إلى عمليات الغسل والنسيج والصباغة. وفي سياق متصل، يبرز قطاع التكنولوجيا الفائقة بوصفه أحد أكثر القطاعات استهلاكاً للمياه، إذ ارتبط التوسع في البنية التحتية الرقمية، ولا سيما مراكز البيانات وأنظمة الذكاء الاصطناعي، بارتفاع الطلب على المياه النقية اللازمة لعمليات التبريد، ما يضيف بُعداً جديداً إلى تحديات إدارة الموارد المائية.

بناءً على هذه الشواهد، يخلص ديل فالي إلى أن ندرة المياه لا ترجع إلى جفاف الكوكب، الذي يمتلك موارد متجددة وشبه لانهائية بفضل دورة المياه الطبيعية، وإنما هي «ندرة مصطنعة» يغذّيها الجشع الاستهلاكي واقتصادات الرفاه التي تحوّل المياه إلى سلعة خفية تعبر الحدود لتلبية رغبات مجتمعات الوفرة.

ديناميات الجغرافيا السياسية للمياه

يتخذ الباحث من الجغرافيا السياسية للمياه مدخلاً لتفسير الكيفية التي تتحول بها الموارد المائية إلى أداة لتعظيم النفوذ الجيوسياسي بين الدول. ويتجلى ذلك بوضوح في الأحواض الدولية، حيث يمنح الموقع الجغرافي دول المنبع (Upstream States) قدرة أكبر على تنظيم التدفقات المائية، عبر السدود أو التخزين أو تحويل المجاري، فيما تبقى دول المصب (Downstream States) أكثر تأثراً بالسياسات التي تنتهجها دول المنبع. وبذلك، يتحول الموقع الجغرافي من معطى طبيعي إلى عنصر مؤثر في موازين القوى داخل الحوض.

ندرة المياه لا ترجع إلى جفاف الكوكب، الذي يمتلك موارد متجددة وشبه لانهائية بفضل دورة المياه الطبيعية، وإنما هي «ندرة مصطنعة» يغذّيها الجشع الاستهلاكي واقتصادات الرفاه التي تحوّل المياه إلى سلعة خفية

يستند الكتاب إلى عدد من الأحواض المشتركة لتدعيم هذه الفكرة. ففي حوض النيل، أعاد إنشاء سد النهضة فتح النقاش حول اتفاقيتي عامي 1929 و1959، اللتين كرّستا وضعاً قانونياً منح مصر موقعاً مهيمناً لا يعكس التوزيع الفعلي لمصادر المياه، فيما مثّل المشروع الإثيوبي تحولاً في موازين القوة داخل الحوض. وفي حوض دجلة والفرات، عزّز مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP) قدرة تركيا على التحكم في تدفقات النهرين، ما وفّر لها ورقة ضغط في علاقاتها مع سوريا والعراق. أما في حوض الأردن، فيتداخل الصراع على المياه مع واقع الاحتلال، إذ أحكمت إسرائيل، منذ سيطرتها على مرتفعات الجولان عام 1967، نفوذها على الموارد المائية، وكرّست تفاوتاً في الوصول إليها عبر سياسات تمييزية، لتغدو المياه أداة للهيمنة السياسية بقدر ما هي مورد اقتصادي واستراتيجي.

على الصعيد العالمي، يشير الكتاب إلى هضبة التبت بوصفها إحدى أهم البؤر الجيوسياسية للمياه، بالنظر إلى سيطرة الصين على منابع 10 أنهار كبرى تغطي حاجات نحو نصف سكان العالم، أبرزها البراهمابوترا والميكونغ. ويمنحها هذا الموقع قدرة استراتيجية على التأثير في إدارة التدفقات المائية العابرة للحدود من خلال تشييد السدود والمشروعات الكهرومائية بقرارات أحادية. ويثير ذلك مخاوف دول المصب، وفي مقدمتها الهند وفيتنام وعدد من دول جنوب شرق آسيا، في ظل غياب أطر قانونية متعددة الأطراف تنظّم استغلال هذه الأنهار.

ومن خلال هذه النماذج وغيرها، يوظف المؤلف مفهوم «الهيمنة المائية» (Hydro-hegemony)، الذي لا يختزل النفوذ في السيطرة على المنابع، وإنما يربطه بالقدرة على صياغة قواعد استخدام المياه، والتأثير في المرجعيات القانونية، وتوجيه مسارات التفاوض. وفي هذا السياق، تتقاطع قراءته مع أطروحة جون ووتربوري (John Waterbury)، التي ترى أن الأنهار العابرة للحدود لا تنتج الصراع بحكم طبيعتها، وإنما نتيجة تباين المصالح الوطنية وآليات إدارة الموارد المائية3. غير أن ديل فالي يوسّع هذا التفسير ليشمل القدرات التقنية والمالية والدبلوماسية ضمن عناصر القوة، بحيث تصبح الهيمنة نتاجاً لتفاعل الموقع الجغرافي مع أدوات التأثير المؤسسي.

حدود المؤسسات في إدارة النزاعات

ترتبط الإدارة الفعالة للأحواض المشتركة ارتباطاً وثيقاً بقدرة الأطر القانونية والمؤسساتية على تنظيم العلاقات بين الدول المتشاطئة. ومن هذا المنظور، يناقش المؤلف حدود قدرة القانون الدولي وآليات التنسيق على الحد من آثار اختلال موازين القوة بين الدول، مستنداً إلى اتفاقية الأمم المتحدة بشأن استخدام المجاري المائية الدولية لعام 1997 بوصفها المرجعية القانونية الأهم في هذا المجال.

الضغوط المرتقبة على الموارد المائية ستنبع أساساً من التحولات الديموغرافية والاقتصادية والبيئية التي يشهدها العالم، لا من محدودية المياه في حد ذاتها

ويرى أن المبادئ التي كرّستها الاتفاقية، وفي مقدمتها الاستخدام المنصف والمعقول، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، والتعاون وتبادل المعلومات، وفّرت إطاراً عاماً لإدارة الأحواض الدولية. بيد أن فاعلية هذه المبادئ تظل مرهونة بالإرادة السياسية للدول وطبيعة موازين القوة التي تحكم العلاقات فيما بينها، أكثر من ارتباطها بقيمتها القانونية المجردة. وتكشف الحالات التي يستعرضها الكتاب حدود هذا الإطار القانوني، إذ لم تنضم بعض الدول، مثل الصين، إلى اتفاقية عام 1997، بدعوى أنها لا توفر ضمانات كافية لمبدأ السيادة الوطنية، ولا تنسجم مع تصوراتها لتسوية المنازعات.

كما يعرض الكتاب نماذج لدول لجأت إلى تطويع قواعد القانون الدولي، أو تجاوزها صراحة، بما يخدم اعتبارات أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية. ومن أبرزها الهند، التي أعلنت تعليق العمل بمعاهدة مياه السند لعام 1960 عقب الهجوم المسلح الذي شهدته منطقة باهالغام في إقليم كشمير في نيسان/أبريل 2025، وأتبعت ذلك بإجراءات استهدفت تقليص تدفقات مياه نهر تشيناب نحو باكستان وتعزيز سيطرتها عليها، في توظيف واضح للمياه بوصفها أداة للضغط السياسي. وينطبق الأمر نفسه على تشيلي، التي حوّلت عام 1962 جزءاً من مياه نهر لاوكا (Lauca River) إلى أراضيها من دون موافقة بوليفيا، ما أفضى إلى نزاع طويل الأمد حول مشروعية استغلال النهر وتقاسم مياهه. وتكشف هذه النماذج أن تعثّر الحوكمة المائية لا يرتبط بغياب القواعد القانونية بقدر ما يعكس محدودية قدرتها على كبح سلوك الدول، حين تمتلك من عناصر القوة ما يمكّنها من فرض الأمر الواقع.

في المقابل، يعرض الكتاب حالات نجحت فيها الترتيبات المؤسسية في إدارة النزاعات المائية. ومن أبرزها معاهدة المياه المبرمة بين الولايات المتحدة والمكسيك عام 1944، التي أرست نظاماً دائماً لإدارة مياه نهري كولورادو وريو غراندي، ما أتاح معالجة الخلافات المتكررة حول الملوحة وتقاسم الحصص خلال فترات الجفاف، من دون انزلاقها إلى مواجهة سياسية. كما يناقش قضية سد غابشيكوفو–ناغيماروس بين المجر وسلوفاكيا، حيث أسهم الاحتكام إلى محكمة العدل الدولية في توفير مرجعية قانونية دفعت الطرفين إلى استئناف التفاوض.

على الرغم من أهمية هذا التحليل، يكاد تركيز المؤلف ينحصر في الفاعلين الرسميين، ولا سيما الدول والمؤسسات القضائية والقانونية الدولية، فيما يمنح اهتماماً محدوداً للأدوار المتنامية التي تضطلع بها المنظمات الإقليمية وشبكات الخبراء ومنظمات المجتمع المدني، والتي أصبحت تؤدي دوراً متزايد الأهمية في حوكمة المياه العابرة للحدود. وتؤكد ذلك تجارب دولية أظهرت قدرة الفاعلين غير الحكوميين على بناء الثقة وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للتعاون. فقد شكّل البرنامج البيئي لنهر الدانوب نموذجاً لإشراك الجماعات البيئية في إعداد السياسات الإقليمية المتعلقة بإدارة الحوض4. وفي النزاع المجري–السلوفاكي حول مشروع غابتشيكوفو–ناغيماروس، أسهمت منظمات المجتمع المدني في تعبئة الرأي العام وإبراز الأبعاد البيئية للنزاع، ما عزّز الضغوط في اتجاه البحث عن تسوية تفاوضية. كما أدت شبكات الخبراء دوراً مهماً في توفير آليات مشتركة لتقصي الحقائق وتيسير الحوار بين الطرفين، وهو ما مهّد للتوصل إلى بروتوكول لندن وإحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية ضمن إطار تفاوضي5.

من تدبير الندرة إلى حوكمة العلاقات المائية

في استشرافه لمستقبل الأمن المائي، يخلص ديل فالي إلى أن الضغوط المرتقبة على الموارد المائية ستنبع أساساً من التحولات الديموغرافية والاقتصادية والبيئية التي يشهدها العالم، لا من محدودية المياه في حد ذاتها. فالنمو السكاني، ولا سيما في أفريقيا جنوب الصحراء، والتوسع في الزراعة المروية لتلبية الطلب المتزايد على الغذاء، وتحسن مستويات المعيشة وما يرافقه من ارتفاع الاستهلاك، عوامل ستؤدي جميعها إلى تراجع نصيب الفرد من المياه، من دون أن تعني بالضرورة اندلاع حروب بين الدول.

تتمثل الإضافة الرئيسة للكتاب في إرجاع النزاعات المائية إلى البنى السياسية والمؤسسية التي تشكّلها، بدلاً من اختزالها في خصائص المورد أو أنماط توزيعه

يمضي الكاتب أبعد من إشكالية الندرة الكمية، ليجعل تدهور نوعية الموارد المائية جزءاً أساسياً من معادلة الأمن المائي المستقبلي. فاستمرار تصريف المياه العادمة والنفايات الصناعية من دون معالجة، واستنزاف المياه الجوفية، ولا سيما في المناطق القاحلة وشبه القاحلة، وتملّح الخزانات الساحلية بفعل تسرب مياه البحر، تمثل تحديات لا تقل خطورة عن الندرة نفسها. لذلك، يتوقع أن تتجه كثير من النزاعات المستقبلية إلى المستوى الداخلي، حيث تتنافس القطاعات الزراعية والحضرية والصناعية والسياحية على الموارد المحدودة. كما قد تتزايد الاحتجاجات المرتبطة بإنشاء السدود الكبرى وما تفرضه من تهجير للسكان وإعادة توزيع للمياه.

وانطلاقاً من هذا التشخيص، يدعو ديل فالي إلى تجاوز منطق إدارة الأزمات وتبنّي سياسات استباقية تقوم على التخطيط الطويل المدى، من خلال الاعتماد على دراسات هيدرولوجية دقيقة قبل التوسع في استغلال الموارد، وتحسين كفاءة الري، والحد من الهدر، والتوسع في معالجة المياه وإعادة استخدامها. غير أن هذه التدابير، في نظره، لا يمكن أن تحقق أثراً مستداماً ما لم تندرج ضمن منظومة مؤسسية قادرة على تنسيق السياسات المائية على المستويات المحلية والوطنية والإقليمية.

يعزّز ديل فالي هذا الطرح بالاستناد إلى عدد من التجارب المؤسسية التي نجحت في إدارة الأحواض المشتركة وتحويلها إلى فضاءات للتعاون المستدام، داعياً إلى الاسترشاد بها في بناء أنماط أكثر فاعلية للحوكمة المائية. ومن أبرز هذه النماذج لجنة تطبيق وتطوير اتفاقية ألبوفيرا بين إسبانيا والبرتغال (CADC)، واللجنة الدولية لحماية نهر الدانوب (ICPDR)، التي توفر إطاراً للتنسيق بين 14 دولة في مجالات الإدارة المستدامة للمياه، والحد من التلوث، وحماية النظم البيئية، إلى جانب منظمة معاهدة التعاون الأمازوني (OTCA)، التي أسهمت في ترسيخ الإدارة المشتركة للموارد المائية، وتعزيز التعاون بين دول الحوض، وحماية حقوق الشعوب الأصلية. وتثبت هذه النماذج وغيرها أن وجود مؤسسات مستقرة وقواعد متفق عليها كفيل باحتواء الخلافات، حتى في ظل الضغوط المتزايدة على الموارد المائية.

ومع ذلك، يظل استشراف الكاتب لمستقبل الأمن المائي مرتكزاً بصورة أساسية على الأبعاد الهيدرولوجية والمؤسسية، فيما يمنح مساحة محدودة للتحولات التي يشهدها الاقتصاد السياسي العالمي للمياه. فالكتاب يربط جانباً مهماً من الأزمات المستقبلية بالنمو الديموغرافي السريع وضعف المؤسسات، ولا سيما في عدد من دول الجنوب، لكنه لا يناقش بالقدر نفسه العوامل البنيوية التي تسهم في إنتاج هذا الضعف أو تكريسه. فالتوسع في الزراعة الموجهة إلى التصدير، وتزايد أدوار المؤسسات المالية الدولية، وتصاعد نفوذ الشركات متعددة الجنسيات في تمويل مشروعات المياه وإدارتها، عوامل تؤثر بصورة مباشرة في أنماط استغلال الموارد المائية وتوزيعها. كما يطرح الاتجاه المتزايد نحو خصخصة بعض خدمات المياه إشكالات جديدة تتعلق بالعدالة في الوصول إلى هذا المورد، وهي قضايا لا تحظى بحضور واضح في تحليل المؤلف. وكان من شأن إدماج هذه المتغيرات أن يمنح رؤيته المستقبلية بُعداً تفسيرياً أكثر شمولاً، يربط تحديات الأمن المائي بكفاءة الإدارة والهشاشة المؤسسية، وكذلك بالبنية الاقتصادية والسياسية التي تتحرك في إطارها سياسات المياه على المستويين الإقليمي والدولي.

المياه في مرآة السياسة

تكمن القيمة العلمية لكتاب «صراعات المياه» في أنه لا يكتفي بمراجعة أطروحات الأمن المائي السائدة، وإنما يعيد بناء الإطار التفسيري الذي تُفهم من خلاله العلاقة بين المياه والسياسة، مستبدلاً التفسيرات الأحادية بمقاربة أكثر تركيباً تستوعب تفاعل الجغرافيا والقانون الدولي والمؤسسات وموازين القوة. ومن ثم، تتمثل الإضافة الرئيسة للكتاب في إرجاع النزاعات المائية إلى البنى السياسية والمؤسسية التي تشكّلها، بدلاً من اختزالها في خصائص المورد أو أنماط توزيعه. وبذلك، تصبح المياه مرآة لطبيعة العلاقات بين الدول وآليات إدارة المصالح المشتركة، أكثر من كونها سبباً مستقلاً للصراع.

تبرز أهمية الكتاب بالنسبة إلى العالم العربي في تنبيهه إلى المخاطر المتزايدة التي تواجه الأمن المائي في عدد من الدول العربية. ففي ظل غياب الموارد المائية المتجددة، تعتمد دول مثل مصر وليبيا والجزائر وتونس، بدرجات متفاوتة، على المياه الأحفورية غير المتجددة، المخزنة منذ آلاف السنين في أعماق الصحراء. وفي هذا السياق، يسلط الكتاب الضوء على اثنين من أكبر الخزانات الجوفية في العالم، هما «نظام خزان الصحراء الشمالية» الممتد بين الجزائر وليبيا وتونس، و«خزان الحجر الرملي النوبي» المشترك بين مصر وليبيا والسودان وتشاد، والذي يضم نحو 200 ألف كيلومتر مكعب من المياه. وعلى الرغم من استغلال هذه الموارد في مشروعات استراتيجية كبرى، مثل مشروع «النهر الصناعي العظيم» في ليبيا، يحذّر الكاتب من أن غياب التغذية الطبيعية لهذه الخزانات يجعلها عرضة للاستنزاف التدريجي، ما يفرض تبنّي سياسات صارمة لإدارتها بصورة مستدامة.

وانطلاقاً من هذا التشخيص، يوفر الكتاب إطاراً تفسيرياً يساعد على فهم الإشكالات التي تطرحها إدارة الأحواض المائية العابرة للحدود، ولا سيما في أحواض النيل ودجلة والفرات، من خلال ربطها بطبيعة البنى المؤسسية، واختلال موازين القوى بين دول الحوض، وآليات تنظيم التعاون أو التنافس حول الموارد المشتركة. ومن ثم، يؤكد أن تعزيز الأمن المائي العربي لا يقتصر على تطوير البنية التحتية المائية، وإنما يقتضي أيضاً بناء مؤسسات وطنية وإقليمية أكثر فاعلية، قادرة على ترسيخ حوكمة فعالة وعادلة، تحوّل الاعتماد المتبادل على الموارد المائية المشتركة من مصدر للتوتر إلى رافعة للتعاون والاستقرار الإقليمي.

ومع ذلك، كان هذا الطرح سيكتسب قدراً أكبر من الشمول لو منح مساحة أوسع للتحولات التي يشهدها الاقتصاد السياسي العالمي للمياه، وما صاحبها من تنامي أدوار الشركات متعددة الجنسيات والمؤسسات المالية الدولية، وتوسع نطاق خصخصة خدمات المياه وتسليعها، إلى جانب الحضور المتزايد للفاعلين غير الرسميين في حوكمة المياه. غير أن هذه الملاحظة لا تنتقص من أهمية الكتاب، بقدر ما تؤكد أن قضايا الأمن المائي تشهد تحولات متسارعة تستدعي إعادة النظر في مقاربات إدارة الموارد المائية.

  • 1

    Del Valle, Javier. Los conflictos del agua: El gran reto geopolítico de los próximos años. Barcelona: Editorial Rosamerón, 2025.

  • 2

    Homer-Dixon, Thomas F. "Environmental Scarcities and Violent Conflict: Evidence from Cases". International Security 19, no. 1 (1994): 39-40.

  • 3

    John Waterbury, The Nile Basin: National Determinants of Collective Action (New Haven: Yale University Press, 2002), 34.

  • 4

    Rieu-Clarke, Alistair S. "An Overview Of Stakeholder Participation—What Current Practice And Future Challenges? Case Study Of The Danube Basin". Colorado Environmental Law Journal 18, no. 3 (2007): 631-632.

  • 5

    Vuković, Milovan, Danijela Voza, Nada Štrbac, and Ljiljana Takić. "Cooperation over International Water Resources: A Case from the Danube River Basin". Sociológia 46, no. 3 (2014): 320–342.

عبد الرفيع زعنون

باحث مشارك في المعهد المغربي لتحليل السياسات، رئيس فريق البحث في القانون العام في مركز اسبارطيل لخدمة القانون وحسن الأداء القضائي بالمغرب، وأستاذ زائر في الكلية المتعددة التخصصات في العرائش، جامعة عبد الملك السعدي.