4 مؤشرات تشرح كيف تنتقل التداعيات إلى أسعار الفائدة
الحرب ترفع كلفة الديون الخارجية
أدّت الحرب الأميركية–الإسرائيلية في غرب آسيا إلى صدمة اقتصادية انعكست على الاقتصاد العالمي، وتدفع البلدان، ولا سيما النامية منها، إلى محاولة احتواء آثارها عبر استنزاف مواردها المالية والبحث عن مصادر تمويل خارجية جديدة في ظلّ ارتفاع أسعار الفوائد في أسواق سندات الدين، ما يزيد من أعباء الدين المتراكم أصلاً على هذه البلدان.
أولاً، كم بلغ الدين الخارجي للبلدان النامية قبل الحرب؟
تشهد البلدان النامية تصاعداً ملحوظاً في مستويات دينها الخارجي العام، إذ ارتفع بنسبة 42% في خلال عقد واحد فقط، ليبلغ نحو 8.94 تريليون دولار في عام 2024. ولإدراك ضخامة هذا الرقم، فهو يفوق الناتج المحلي الإجمالي السنوي لأي دولة في العالم، باستثناء الولايات المتحدة الأميركية والصين.
ثانياً، كيف تتحوّل صدمة هرمز إلى دين خارجي إضافي؟
أدت الحرب إلى إغلاق مضيق هرمز، أهم مضيق تجاري للطاقة في العالم، حيث يمُر 38% من النفط الخام و29% من غاز البتروليوم المسال و19% من الغاز الطبيعي المسال و19% من منتجات النفط المكررة وثُلث إمدادات الأسمدة المستخدمة لإنتاج الطعام. ما أسفر عن صدمة حادة في أسعار الطاقة والأسمدة؛ إذ ارتفع سعر برميل نفط برنت من 71 دولاراً قبلها إلى ذروة بلغت 120 دولاراً، قبل أن يتراجع ليستقر دون 100 دولار لاحقاً. كما تضاعفت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا من نحو 32 يورو إلى أكثر من 60 يورو عند الذروة، ثم استقرت عند مستويات تقارب 40 يورو، فيما ارتفع سعر سماد اليوريا بأكثر من 50% منذ اندلاع الحرب.
أثقلت الأسعار الجديدة فاتورة الاستيراد في البلدان النامية، إذ تشكّل واردات الوقود (النفط، الغاز، الفحم، الكهرباء) والمواد الغذائية نحو 27% من إجمالي واردات السلع لديها، وتستحوذ فاتورة الوقود وحدها على 18% من واردات البضائع، بالمقارنة مع 11% فقط في البلدان مرتفعة الدخل، فيما تمثّل واردات الغذاء قرابة 9% من إجمالي واردات السلع في كلا الفئتين من البلدان.
تؤدي فاتورة الاستيراد المتزايدة إلى استنزاف احتياطيات البلدان النامية من العملة الأجنبية، وهي ضرورية للتعاملات الخارجية، ما يضطر حكوماتها إلى اجراءات مُرة، كاللجوء إلى مزيد من الاقتراض بالعملات الأجنبية، أو السحب من الاحتياطيات بما يراكم أعباء دين مؤجلة، أو تقليص الواردات على حساب مستلزمات الإنتاج، الأمر الذي ينعكس تراجعاً في الإنتاج وإيرادات الدولة.
كما تلجأ بعض الحكومات إلى خفض أو إلغاء دعم الطاقة والغذاء، الذي يُعدّ شبكة الأمان الاجتماعي الأساسية في الكثير من البلدان النامية، ما ينذر بتفاقم معدلات الفقر واندلاع اضطرابات اجتماعية مشابهة لما شهده العالم خلال أزمة عام 2022 بعد غزو أوكرانيا.
ثالثاً، كيف ترفع الحرب كلفة الاستدانة؟
تواجه البلدان النامية صعوبات متزايدة في تأمين مصادر تمويل خارجية لاحتواء تداعيات الحرب. فمع استمرار النزاع، يزداد عدم الاستقرار الاقتصادي، ما يدفع المستثمرين إلى الابتعاد عن الأصول عالية المخاطر، لتتراجع جاذبية سندات الدين لدى البلدان النامية.
انعكس ذلك سريعاً على عوائد السندات السيادية في البلدان النامية، فارتفاع العوائد يعني أن الدائنين يطلبون عوائد أعلى، أي أسعار فائدة أكبر، للاستمرار في الاستثمار في هذه السندات.
شهدت آسيا، خلال شهر واحد من اندلاع الحرب الأميركية–الإسرائيلية في غرب آسيا، ارتفاعاً بنحو 14% في كلفة الاستدانة، مع صعود العوائد من 4.96% في 27 شباط/فبراير 2026 إلى 5.66% في 26 آذار/مارس 2026. كما ارتفعت كلفة الدين في أميركا اللاتينية بنسبة 6.2%، وفي أفريقيا بنحو 8.3%.
في المقابل، تزداد جاذبية السندات الأميركية والأوروبية في ظلّ صدمة الطاقة، التي دفعت البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة إلى التريث في خفض أسعار الفائدة، وظهور ميل نحو تشديد السياسة النقدية. وفي هذا السياق، أبقى كلّ من بنك إنكلترا والاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة من دون تغيير في أحدث اجتماعاتهم، ما يضع البلدان النامية تحت الضغط لرفع أسعار الفائدة على ديونها لمواكبة هذا الاتجاه، وهو ما ينعكس في نهاية المطاف كزيادة إضافية في كلفة الدين.
رابعاً، كيف يؤثّر انخفاض العملات المحلية على كلفة الاستدانة الخارجية؟
عزّزت الحرب قوة الدولار الأميركي أمام العملات الأخرى، إذ ارتفع مؤشر الدولار من 97-98 نقطة قبل اندلاعها في شباط/فبراير إلى أكثر من 100 نقطة بنهاية آذار/مارس. ويُعزى ذلك إلى عوامل عدة، من بينها تزايد الطلب على السندات الأميركية مع توقع بقاء أسعار الفائدة مرتفعة، إضافة إلى اعتبار الدولار ملاذاً آمناً مقارنةً بعملات الدول النامية، فضلاً عن الحاجة إلى كميات أكبر من الدولار لشراء النفط الأميركي بعد ارتفاع أسعاره نتيجة إغلاق مضيق هرمز.
في المحصلة، فقدت عملات البلدان النامية جزءاً من قيمتها أمام الدولار الأميركي، بعد أن كانت قد سجلت مكاسب في وقت سابق. فقد تراجعت العملات الأفريقية بنسبة 2.9% بعد شهر من الحرب، على الرغم من تحقيقها ارتفاعات منذ بداية العام حتى 27 شباط/فبراير 2026. كما خسرت عملات أميركا اللاتينية نحو 2.3% من قيمتها، بعد أن كانت قد ارتفعت بنحو 4.5% منذ بداية العام. وفي آسيا، سجّلت العملات تراجعاً بنسبة 1%، مقارنة بمكاسب بلغت 1.2% قبل الحرب.
يؤدي تراجع قيمة العملة إلى ارتفاع كلفة الدين الخارجي عند احتسابه بالعملة المحلية، ما يفرض على حكومات البلدان النامية زيادة الجباية أو اللجوء إلى طباعة المزيد من العملة المحلية لتغطية الديون.