tunisia

الدولة التونسية وعلم الاجتماع
تاريخ من سوء الفهم

  • توسّع علم الاجتماع داخل الجامعة التونسية من دون أن يكتسب وزناً مماثلاً في مؤسسات القرار، فيما ساهم ضعف الجماعة الأكاديمية والتكوين المنهجي في الحد من قدرته على إنتاج معرفة مستقلة ومؤثرة.
  • تعتمد الدولة أساساً على معارف تحوّل المجتمع إلى مؤشرات وقواعد وإجراءات قابلة للإدارة، ما يحدّ من قدرتها على فهم التحولات الاجتماعية التي لا تظهر في الأرقام وحدها، ويضعف قدرتها على مراجعة آثار سياساتها والتعلّم منها. 

منذ أن بدأت الدولة الوطنية في تونس، بعيد الاستقلال، بناء مؤسساتها الحديثة، رافق علم الاجتماع تأسيس الجامعة التونسية وارتبط بالطموح إلى إنتاج معرفة علمية بالمجتمع وتحولاته. ساهم باحثون تونسيون وأجانب، من بينهم عبد الوهاب بوحديبة وعبد الباقي الهرماسي وعبد القادر الزغل، إلى جانب جان دوفينيو ولوسيت فالنسي وجوسلين دخليا وبول سيباغ وغيرهم، في تأسيس تقليد بحثي تناول التحديث والهجرة والتعليم والتحضر والأسرة والتنمية والتفاوتات الجهوية، وجعل المجتمع التونسي موضوعاً للمعرفة السوسيولوجية.

لكن هذا التراكم لم يمنح علم الاجتماع موقعاً مماثلاً داخل مؤسسات الدولة وصناعة القرار. فقد توسعت الجامعات، وتزايد عدد الباحثين والدراسات الميدانية، فيما بقي أثر المعرفة السوسيولوجية في السياسات العمومية محدوداً. في المقابل، اعتمدت الدولة بدرجة أكبر على الإحصاءات الإدارية والتقارير البيروقراطية والمؤشرات الاقتصادية والخبرة القانونية والأمنية، أي على أشكال من المعرفة تساعدها على تصنيف المجتمع وتنظيمه وتحويل مشكلاته إلى ملفات وإجراءات قابلة للإدارة.

تطرح هذه المفارقة سؤالاً يتجاوز ضعف التواصل بين الجامعة والإدارة: ما نوع المعرفة التي تعترف بها الدولة وتعتبرها صالحة للحكم؟ ولماذا تحظى بعض الخبرات بموقع مركزي في صناعة القرار، فيما تبقى السوسيولوجيا على هامشه؟ وكيف تؤثر هذه التراتبية في الطريقة التي تفهم بها الدولة المجتمع وتعرّف مشكلاته وتصوغ سياساتها لمعالجتها؟

ينطلق هذا المقال من هذه الأسئلة لقراءة العلاقة بين الدولة التونسية وعلم الاجتماع، بدءاً من هشاشة الجماعة الأكاديمية وأزمة التكوين، مروراً بأنماط المعرفة التي تعتمدها الدولة في إدارة المجتمع، وصولاً إلى ما يترتب على ذلك في فهم التحولات الاجتماعية وصناعة السياسات العمومية.

هشاشة الجماعة الأكاديمية وأزمة تدريس العلوم الاجتماعية

تبدأ أزمة علم الاجتماع في تونس من داخل الحقل السوسيولوجي نفسه، قبل أن تظهر في ضعف استماع الدولة إلى علماء الاجتماع. فالسؤال الأساسي هو: هل توجد جماعة أكاديمية متماسكة تستطيع أن تفرض حضورها، وتحمي معاييرها، وتراكم معارفها، وتتحدث باسم اختصاص واضح الحدود؟

لا تصنع الأقسام الجامعية والشهادات والمدرسون، وحدهم، جماعة علمية. تبني هذه الجماعة مؤسساتها ومجلاتها وجمعياتها وندواتها وشبكات بحثها وقواعد تحكيمها وذاكرتها التراكمية ومواقفها المشتركة من قضايا المجتمع. وحين تغيب هذه المقومات، يعمل عالم الاجتماع غالباً كموظف جامعي منفرد: يدرّس داخل مؤسسة لا تمنحه وزناً جماعياً، وينشر متى استطاع، ويتفاوض بصورة فردية على الاعتراف والمكانة والموارد.

تُفرض مفاهيم الطبقة أو الحركات الاجتماعية أو الفردنة أو المجتمع المدني أو الهشاشة على حالات لم تُبنَ ميدانياً بما يكفي، فتبدو تونس نسخة ناقصة من مسارات اجتماعية حدثت في أماكن أخرى

تظهر هذه الهشاشة بوضوح عند مقارنة موقع علم الاجتماع بالقانون داخل الجامعة التونسية. فقد راكم القانون عدداً أكبر من المدرسين والطلبة والمؤسسات، واحتل موقعاً مركزياً في تاريخ الدولة نفسها. تغذي كليات الحقوق الإدارة والقضاء والمحاماة والسلطة السياسية ومؤسسات الدولة، فيما يبقى علم الاجتماع محصوراً في عدد محدود من الأقسام والمسارات، أو موزعاً كمادة تكميلية داخل اختصاصات أخرى. وحتى البيانات الرسمية المنشورة حول المدرسين في التعليم العالي تصنفهم أساساً وفق الرتب والمؤسسات والجامعات، لا وفق الاختصاصات الدقيقة، ما يجعل استخراج عدد مضبوط لعلماء الاجتماع ومقارنته بالقانون أمراً غير مباشر. ويكشف ذلك أيضاً أن التخطيط الجامعي لا يتعامل دائماً مع الجماعات العلمية بوصفها حقولاً معرفية ينبغي قياس قدرتها وإنتاجها وتأثيرها.

يعود تفوق القانون العددي والمؤسسي إلى طبيعة الجامعة التونسية نفسها. فقد بُني جانب مهم منها لتزويد الدولة بالإطارات التي تحتاجها الإدارة، فحظيت التخصصات المرتبطة مباشرة بإعادة إنتاج جهاز الدولة، مثل القانون والاقتصاد والهندسة والطب، بشرعية واضحة ومسارات مهنية قابلة للتعريف. أما علم الاجتماع فظل مطالباً باستمرار بتبرير فائدته: ماذا يفعل عالم الاجتماع؟ أين يعمل؟ وما الخدمة المباشرة التي يقدمها؟ وتدفع هذه الصيغة النفعية الضيقة التخصص إلى تبرير نفسه عبر وظائف التدخل الاجتماعي والتنشيط والوساطة ومرافقة الفئات الهشة، على حساب وظيفته المعرفية والنقدية.

ومن هنا نشأ أحد أخطر أوجه الالتباس: الخلط بين علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية. تؤدي الخدمة الاجتماعية وظيفة مهنية ضرورية تقوم على التدخل والمرافقة وحل المشكلات المباشرة، فيما يسعى علم الاجتماع إلى بناء المشكلات، وكشف العلاقات والبنى وآليات السلطة وإعادة الإنتاج. مع ذلك، تمثل جزء من الطلبة وبعض المدرسين علم الاجتماع كفن في التواصل مع الفئات الاجتماعية أو كتقنية للتدخل داخل الأحياء والمؤسسات. وساهمت الرغبة في «مهننة» الشهادات، وضغط البطالة، والبحث عن مخارج وظيفية سريعة، في تحويل سؤال المعرفة إلى سؤال الخدمة: كيف يصبح الطالب نافعاً في سوق العمل، بدل أن ينصب التركيز على قدرته على إنتاج معرفة جديدة؟

يضعف هذا الالتباس الهوية الإبستمولوجية للتخصص. تتحول النظرية إلى ثقافة عامة، والمنهجية إلى مجموعة وصفات تقنية، والميدان إلى فرصة لجمع الشهادات بدل أن يكون لحظة لاختبار الفرضيات وبناء المفاهيم. قد يتعلم الطالب أسماء دوركهايم وفيبر وماركس وبورديو، لكنه لا يتدرب بالقدر نفسه على تحويل ظاهرة مألوفة إلى موضوع سوسيولوجي، أو بناء عينة، أو صياغة إشكالية، أو اختبار صلاحية المفاهيم، أو ممارسة النقد المنهجي للمصادر.

ولهذا يتحول تدريس النظريات أحياناً إلى تاريخ للأفكار، وتتحول المنهجية إلى درس نظري عن المقابلة والاستبيان والملاحظة، من دون تدريب طويل وصارم على ممارستها وتحليل موادها. ينقل التكوين المنهجي الطالب من استهلاك النظريات إلى إنتاج المعرفة؛ وحين يضعف، يترك البحث الميداني أسير الانطباعات الأخلاقية والأحكام المسبقة. تصبح المقابلات اقتباسات تزيّن خطاباً جاهزاً، ويُستخدم الاستبيان من دون تصور دقيق للعينة، وتُختزل الملاحظة في زيارة عابرة إلى الميدان. كما تعيد الرسائل الجامعية أحياناً تدوير موضوعات ومفاهيم مألوفة عن الشباب والبطالة والمرأة والهجرة والعنف، من دون أن تقدم مادة جديدة تسمح بمراجعة الفرضيات السائدة.

ويقود ذلك إلى مأزق أعمق. فبدلاً من إنتاج معرفة بالمجتمع التونسي انطلاقاً من ميدانه، يجري أحياناً استيراد نماذج تحليلية مكتملة ثم البحث عن أمثلة تونسية تؤكدها. عندها تفقد النظرية وظيفتها كأداة تفتح الواقع، ويصبح الواقع مادة لإثبات النظرية. تُفرض مفاهيم الطبقة أو الحركات الاجتماعية أو الفردنة أو المجتمع المدني أو الهشاشة على حالات لم تُبنَ ميدانياً بما يكفي، فتبدو تونس نسخة ناقصة من مسارات اجتماعية حدثت في أماكن أخرى.

ولا يطرح استخدام النظريات الأجنبية مشكلة بحد ذاته، فالعلم لا يتطور داخل حدود وطنية مغلقة. تبدأ المشكلة حين تنقطع العلاقة بين المفهوم والميدان، فلا يعدّل البحث النظرية، ولا يعترض عليها، ولا ينتج مفاهيم وسيطة تستجيب لخصوصية الواقع.

وينتج عن ذلك علم اجتماع يصف المجتمع بلغة لا تستمد دائماً مفرداتها من تجاربه اليومية. فقد يكتفي البحث في البطالة بمؤشرات الإدماج المهني من دون دراسة الاقتصاد العائلي والوساطات والهجرة والانتظار. وقد يكرر البحث في الأحياء الشعبية مفاهيم التهميش والانحراف من دون فهم شبكات التضامن والتجارة غير الرسمية والتفاوض مع السلطة. وقد ينطلق البحث في الاحتجاج من نماذج الحركات الاجتماعية المنظمة، فيما تتشكل الاحتجاجات التونسية أحياناً عبر علاقات محلية وهويات جهوية وترتيبات غير رسمية لا تلتقطها النماذج الجاهزة.

وتصعب على أي جماعة علمية أن تصبح مؤثرة إذا لم تنتج معرفة لا تستطيع الدولة أو وسائل الإعلام أو مكاتب الدراسات إنتاجها من دونها. ترتبط القوة المؤسسية هنا بالتفوق المعرفي. يكتسب الاقتصادي وزنه حين يمتلك نماذج ومؤشرات تحتكرها مهنته، ويصبح القانوني ضرورياً حين تحتكر جماعته لغة التشريع والتأويل. أما حين يفقد علم الاجتماع صرامته المنهجية ويُختزل في خطاب عام عن المجتمع، يصبح من السهل أن يحل محله الصحفي أو الناشط أو المستشار أو موظف الإدارة.

لهذا، لا يكفي تفسير ضعف موقع علماء الاجتماع بإهمال الدولة أو بالمؤامرة السياسية. ينتج جزء من هذا التهميش داخل الجامعة نفسها، عبر البرامج المتضخمة، والتدريس التلقيني، وضعف التحقيقات الجماعية، وندرة المجلات المنتظمة، وتشتت المخابر، وانقطاع التراكم بين الأجيال. تمتلك تونس جهازاً رسمياً واسعاً للتعليم العالي، وتنشر الوزارة مؤشرات دورية عن الجامعات والطلبة والمدرسين، لكن وجود هذا الجهاز لا يضمن وحده حياة علمية متماسكة داخل كل تخصص.

ولا يتحول العدد المحدود من علماء الاجتماع إلى قوة جماعية، لأن الباحثين يتوزعون بين مؤسسات لا تتعاون بما يكفي، وهويات مهنية ملتبسة، وبرامج لا تضع البحث الميداني في مركز التكوين. لذلك يبدأ إصلاح موقع علم الاجتماع من إعادة بناء التخصص من الداخل: تحديد حدوده إزاء الخدمة الاجتماعية، وترسيخ التكوين المنهجي، وإنشاء تحقيقات جماعية طويلة، وبناء مجلات وشبكات بحث مستقلة، وإلزام الباحث بأن يبدأ من المجتمع لا من النظرية الجاهزة. ولن تكتسب السوسيولوجيا وزناً أكبر ما لم تثبت قدرتها على إنتاج معرفة متميزة، صارمة، ومستقلة، حتى حين تكون هذه المعرفة مزعجة للجامعة وللدولة معاً.

الدولة التي تعرف المجتمع من خلال الإدارة

تعرف الدولة التونسية المجتمع عبر منظومة واسعة من الأرقام والتقارير والتشخيصات والخبرات، لكنها ترتّب هذه المعارف وفق قربها من منطق الإدارة وقدرتها على التحول إلى قرار وإجراء ومؤشر. لذلك تحتل الخبرة القانونية والاقتصادية والأمنية موقعاً مركزياً، فيما تستدعي الدولة المعرفة السوسيولوجية بصورة نادرة وانتقائية، وغالباً بعد أن تكون قد عرّفت المشكلة إدارياً وحدّدت الحلول المقبولة سلفاً. فهي لا تسأل عالم الاجتماع عادة عن طبيعة التحولات التي يعيشها المجتمع، وإنما تطلب منه، عند الحاجة، أن يفسر لماذا لم يستجب السكان لبرنامج وُضع من دون معرفتهم، أو كيف يمكن إقناعهم بقرار اتُّخذ قبل استشارتهم.

يرتبط هذا التفاوت بتاريخ بناء الدولة التونسية الحديثة. فقد تشكلت مؤسساتها حول مركزية القانون والإدارة والتخطيط الاقتصادي، واستمدت شرعيتها من قدرتها على توحيد الإقليم، وتعميم القاعدة، وتصنيف السكان، وتوزيع الموارد من المركز. وكما يبين بورديو في تحليله للحقل البيروقراطي، تحتكر الدولة أيضاً سلطة تسمية الواقع وفرض التصنيفات الرسمية التي يدرك المجتمع نفسه من خلالها. لكنها لا تستخدم جميع المعارف بالقدر نفسه، إذ تفضّل ما يساعدها على جعل المجتمع قابلاً للقراءة والتحويل إلى وحدات إدارية. يصوغ القانوني النزاع في شكل اختصاص وإجراء ونص، ويحوّله الاقتصادي إلى معدل وعجز وتوازن، ويعيد الأمني تعريفه كخطر أو اضطراب أو تهديد للنظام العام. أما عالم الاجتماع فيعيد المشكلات إلى تاريخها وإلى علاقات القوة التي أنتجتها، ما يجعل معرفته أقل طواعية وأكثر إزعاجاً.

تتعامل الإدارة التونسية مع المجتمع بالطريقة التي وصف بها جيمس سكوت رؤية الدولة: تختزل الواقع كي تتمكن من إدارته. تسجل العاطل رقماً في فئة طالبي الشغل، من دون أن ترى شبكة القرابة والانتظار والهجرة والوساطة التي تحيط بتجربته. وتصنّف المنطقة المهمشة وفق مؤشرات التنمية، فتغيب عن الصورة تاريخية توزيع الاستثمارات والموارد والاعتراف. كما تتعامل مع الاحتجاج كملف أمني أو مطلب قطاعي يمكن امتصاصه بقرار إداري، فيما قد يعبر عن انكسار أعمق في علاقة المواطنين بالدولة.

تفرض الإدارة هذه الاختزالات لأنها تحتاج إلى تحويل التجارب الاجتماعية المعقدة إلى ملفات وفئات ومؤشرات. لكن الخطر يبدأ حين تتعامل مع هذه التمثيلات كأنها الواقع نفسه

تفرض الإدارة هذه الاختزالات لأنها تحتاج إلى تحويل التجارب الاجتماعية المعقدة إلى ملفات وفئات ومؤشرات. لكن الخطر يبدأ حين تتعامل مع هذه التمثيلات كأنها الواقع نفسه، لا كصور مبسطة ومصنوعة عنه.

وتحتل الخبرة القانونية مكانة خاصة داخل هذا النظام. فالدولة التونسية مشبعة بالقانون، بمعنى الاعتقاد بأن إصدار النصوص وترتيب الاختصاصات وإنشاء اللجان يستطيع حل المشكلات. تتحول أزمة المؤسسات إلى مشكلة في التشريع، والتفاوت الاجتماعي إلى مسألة حقوق منصوص عليها، والفساد إلى نقص في القواعد، حتى حين يساهم القانون نفسه في إنتاج التفاوت أو تعطيل الفعل. وقد بين بورديو أن قوة الحقل القانوني تنبع من قدرته على تحويل المصالح والصراعات الاجتماعية إلى لغة تبدو محايدة. لذلك تنسجم الخبرة القانونية مع حاجة الدولة إلى تقديم خياراتها كاستجابة للقاعدة، لا كقرارات سياسية قابلة للنقاش.

ويستمد الاقتصادي سلطته من لغة الضرورة. فتحوّل المؤشرات والنماذج القرارات إلى استجابات تبدو مفروضة ولا تترك مجالاً لبدائل سياسية. وقد أوضحت أعمال ماريون فوركاد وفريديريك لوبارون وتيموثي ميتشل أن علم الاقتصاد لا يكتفي بوصف الاقتصاد، وإنما يساهم في صنعه وتحديد ما يمكن التفكير فيه داخله. ويظهر ذلك في تونس حين تختزل مشكلات التشغيل والفقر والجهات في نسب نمو ومؤشرات استثمار وتوازنات مالية، فيصبح المجتمع تابعاً للاقتصاد في التحليل. يُطلب من السكان التكيف مع الإصلاح، فيما يندر السؤال عن كيفية إعادة هذه الإصلاحات تشكيل علاقتهم بالدولة والعائلة والعمل والهجرة. وهكذا تكتسب الخبرة الاقتصادية سلطة معيارية تحدد مسبقاً ما يُعد عقلانياً، وتفسر اعتراض المجتمع أحياناً كمقاومة للإصلاح أو نقص في الوعي.

أما الخبرة الأمنية فتزداد قوتها حين تعجز الأدوات القانونية والاقتصادية عن إنتاج الطاعة. فعندما تفشل الدولة في فهم الاحتجاج، تعيد تصنيفه كتهديد. وعندما لا تستوعب التحولات التي تعرفها الأحياء الشعبية أو المناطق الحدودية أو الاقتصاد غير الرسمي، تنشئ حولها خرائط للمخاطر والمراقبة. وقد بين فوكو وديدييه بيغو وديفيد ليون أن الأمن ينتج أيضاً معرفة تصنف الفئات الخطرة وتعيد تنظيم المجال والسكان وفق احتمالات التهديد. وفي تونس، يتيح هذا المنطق معرفة واسعة بمواقع الاحتجاج وأشكاله وفاعليه، لكنه يفصلها عن معرفة الأسباب الاجتماعية التي تعيد إنتاجه. تعرف الدولة أين يحتج الناس ومتى، لكنها لا تسأل دائماً لماذا أصبحت علاقتها بهم قائمة على الشك والانتظار وانعدام الثقة.

ضمن هذه البنية، تستخدم الدولة علم الاجتماع بصورة انتقائية. تستدعيه في الدراسات المتعلقة بالشباب والمرأة والهجرة والفقر، وغالباً بوصفه تقنية لجمع المواقف والآراء أكثر منه معرفة قادرة على إعادة تعريف المشكلة. وقد ميزت كريستينا بوزويل بين الاستخدام الأداتي للخبرة، حين تؤثر المعرفة فعلاً في القرار، والاستخدام الرمزي، حين تمنح القرار شرعية أو تظهر المؤسسة بمظهر المنفتحة على العلم. وينطبق هذا التمييز إلى حد بعيد على الحالة التونسية: تُنجز الاستشارات، وتعقد المجموعات البؤرية، وتُدرج الاقتباسات في التقارير، لكن النتائج السوسيولوجية نادراً ما تعدّل الفرضيات الأساسية للسياسة أو توقف برنامجاً ثبت انفصاله عن الواقع.

وتفضّل الإدارة في الواقع نوعاً مخصوصاً من علم الاجتماع: سريع الإنجاز، قصير النفس، يقدم توصيات قابلة للإدراج في جدول، ويتجنب مساءلة المؤسسات التي موّلته. فهي تطلب من عالم الاجتماع أن يساعدها على إدارة المجتمع، لا أن يوضح كيف تنتج الإدارة نفسها جزءاً من المشكلات التي تعالجها. لذلك يتحول الباحث إلى وسيط بين البرنامج والسكان، أو إلى خبير في «القبول الاجتماعي» للمشروع، عوض أن ينتج معرفة مستقلة. وهنا تعمل الخبرة، كما بين جيمس فيرغسون في تحليله لخطاب التنمية، كآلة لنزع السياسة: تعيد صياغة التفاوتات والصراعات كمشكلات تقنية، ثم تستدعي الخبير للمساهمة في حلها ضمن الحدود التي رسمتها السلطة.

مع ذلك، لا تقع مسؤولية هذا التهميش على الدولة وحدها. فقد ساهم ضعف الجماعة السوسيولوجية وهشاشة التكوين المنهجي في إضعاف قدرة المعرفة السوسيولوجية على فرض نفسها. وحين لا يمتلك علم الاجتماع مؤسسات بحث مستقلة وقواعد بيانات وتحقيقات تراكمية طويلة، تستبدله الإدارة بسهولة بمكاتب الدراسات أو باستطلاعات سريعة. كما تجد أحياناً أمامها خطاباً عاماً عن المجتمع لا يثبت تفوقه على المعرفة الصحفية أو الانطباع الإداري.

يلتقي بذلك الطلب الانتقائي للدولة مع عرض أكاديمي هش: تطلب الإدارة معرفة مطواعة، ويقدم بعض الباحثين ما تحتاجه تحت ضغط التمويل أو ضعف الاستقلال العلمي أو غياب تقاليد البحث الجماعي الصارم. والنتيجة أن الدولة تعرف المجتمع على نحو واسع، لكن معرفتها تبقى مجزأة ومشوّهة. تعرفه كأعداد سكانية وملفات اجتماعية ومؤشرات اقتصادية ومخاطر أمنية، ولا تراه بما يكفي كعالَم من المعاني والعلاقات والذاكرة والتفاوتات المتراكمة.

تجمع الدولة البيانات، لكن البيانات لا تتحول تلقائياً إلى معرفة. تبدأ المعرفة حين نسأل كيف صُنعت الفئات، وما الذي تحجبه المؤشرات، ومن يملك سلطة تعريف المشكلة. لذلك لا يعني إدماج علم الاجتماع في السياسات العمومية إضافة عالم اجتماع إلى لجنة أعدت خلاصاتها مسبقاً، وإنما قبول إمكان أن يغيّر التحقيق تعريف المشكلة نفسها. وهنا تحديداً تظهر حدود ترحيب الإدارة بالسوسيولوجيا: تستخدمها حين تساعدها على رؤية المجتمع، وتتردد حين تجعل الدولة نفسها موضوعاً للرؤية والتحليل.

كلفة الجهل بالمجتمع

تكشف علاقة الدولة التونسية بعلم الاجتماع مفارقة أساسية. فقد وسّعت الدولة، منذ الاستقلال، تدخلها في التعليم والصحة والأسرة والسكن والعمل والتنمية الجهوية، وساهمت بذلك في إعادة تشكيل المجتمع، من دون أن تطوّر في المقابل جهازاً معرفياً قادراً على فهم نتائج تدخلاتها. غيّرت شروط الحياة الاجتماعية، فيما بقيت المعرفة السوسيولوجية بعيدة عن موقع يسمح لها بتفسير هذه التحولات ومتابعتها. لذلك يصبح الجهل بالمجتمع نتيجة لبنية تاريخية فصلت بين سلطة التدخل في الواقع والقدرة على التفكير فيه. تعرف الدولة كيف تنشئ مؤسسة أو تصدر قانوناً أو تطلق برنامجاً، لكنها لا تتابع دائماً ما تحدثه هذه الأدوات في العلاقات والقيم والتوقعات والسلوكيات.

وتنتج الدولة في الوقت نفسه كماً واسعاً من المعلومات عن المجتمع. تجمع الوزارات الأرقام، وتنجز المعاهد الإحصائية المسوح، وتعد الإدارات التقارير، وتراكم الأجهزة الأمنية معلومات دقيقة عن السكان والمجالات والاحتجاجات. غير أن كثرة المعلومات لا تنتج بالضرورة معرفة اجتماعية. فالدولة توجّه جانباً كبيراً من هذه المعرفة نحو تسيير السكان وتصنيفهم، فيما يتطلب فهم المجتمع قراءة العلاقات التي تتشكل من خلالها هذه الوقائع.

يساعد التمييز الذي تقترحه أعمال جيمس سكوت وألان ديروزيير وثيودور بورتر على فهم هذه المسافة بين الواقع الاجتماعي كما يُعاش، والصورة التي تعيد المؤسسة إنتاجها عنه حتى يصبح قابلاً للعد والتدخل. تتحول البطالة إلى نسبة، والشباب إلى فئات عمرية، والجهة إلى مؤشرات تنمية، والفقر إلى عتبات كمية. تحتاج الإدارة إلى هذه التصنيفات كي تعمل، لكنها تنتج الجهل حين تتعامل معها كأنها وصف كامل للواقع.

يحرم تهميش علم الاجتماع الدولة من إحدى أدوات التعلم، ويدفعها إلى مواصلة التدخل في مجتمع يتغير باستخدام مفاهيم تنتمي، في أحيان كثيرة، إلى مجتمع لم يعد موجوداً

ويظهر أثر ذلك في استمرار السياسات العمومية في مخاطبة أشكال اجتماعية لم تعد موجودة بالصورة التي تفترضها. تبني الدولة قسماً مهماً من سياساتها على تصور للأسرة كوحدة مستقرة للتضامن، وللشهادة كطريق شبه مضمون إلى العمل، وللعمل كوظيفة دائمة، وللشباب كمرحلة انتقالية تنتهي بالاستقلال الاقتصادي والزواج. لكن المجتمع التونسي تغيّر في العمق. طالت فترات الاعتماد على الأسرة، وتداخل العمل الرسمي وغير الرسمي، وفقدت الشهادة جزءاً كبيراً من قدرتها على ضمان الارتقاء الاجتماعي، وأصبحت الهجرة جزءاً من بناء المستقبل، فيما تحملت الأسرة كلفة البطالة والمرض والمديونية وانسحاب الدولة من بعض وظائف الحماية. ومع ذلك، تتعامل السياسات مع كثير من هذه التحولات كاختلالات مؤقتة، لا كبنية اجتماعية جديدة تستدعي تغييراً في أدوات الفهم.

وتظهر المشكلة أيضاً في اللغة التي تستخدمها الدولة لتفسير الظواهر. تصف العمل غير الرسمي كمخالفة أو تهرب، من دون أن تلتقط دوره كنظام لإعادة توزيع الموارد والحماية داخل الفئات التي لم يعد الاقتصاد الرسمي قادراً على استيعابها. وتختزل الهجرة في عبور الحدود أو نزيف الكفاءات، فتغيب عنها بوصفها مؤسسة اجتماعية تعيد تنظيم تصورات النجاح والعائلة والمكان والمواطنة. وتقرأ الاحتجاج كمطلب قطاعي أو اضطراب في النظام العام، مع أنه قد يكشف تحولاً أعمق في علاقة السكان بالدولة وفي معنى العدالة والاستحقاق. كما تفصل بين العنف المدرسي والتسرب والغش والدروس الخصوصية وتعالجها كل واحدة إدارياً، فيما قد تعبّر مجتمعة عن تغير مكانة المدرسة وتآكل الوعد الذي قامت عليه: أن التضحية في الحاضر تقود إلى ترق اجتماعي في المستقبل.

تكشف هذه الأمثلة أن الجهل المؤسسي ينشأ من عزل الوقائع عن العلاقات التي تمنحها معناها. تملك الدولة ملفات عن العاطلين، لكنها لا تعرف البطالة بما يكفي كتجربة زمنية ونفسية وعائلية تعيد تشكيل الذات. وترسم خرائط للفقر، من دون أن تلتقط دائماً علاقته بالاستهلاك والمديونية والرغبة في الظهور الاجتماعي. كما تعرف مواقع الاحتجاج وعدد المشاركين فيه، لكنها لا تفهم دائماً الاقتصاد الأخلاقي الذي يجعل بعض الفئات ترى في تعطيل الطريق وسيلة أكثر فاعلية من مخاطبة المؤسسة. تسجل الدولة الظواهر حين تصبح قابلة للعد، فيما تظل المعاني والتوقعات وأشكال التكيف التي تنتجها أقل حضوراً في أدواتها.

ولا يعمل هذا النمط من المعرفة بصورة محايدة. فقد بيّن تيموثي ميتشل وجيمس فيرغسون وتانيا موراي لي كيف تحوّل الخبرة الإدارية والتنموية مسائل سياسية واجتماعية إلى مشكلات تقنية. فعندما تُعرّف البطالة كنقص في المهارات، تصبح دورة التدريب حلاً بديهياً؛ وعندما يُعرّف الفقر كضعف في الدخل، يبرز التحويل المالي؛ وعندما يُفسَّر الاحتجاج كخلل في التواصل، تُقترح حملة تفسيرية؛ وعندما يُفهم الاقتصاد غير الرسمي كضعف في تطبيق القانون، يتجه الحل نحو تشديد الرقابة.

وقد تنفع هذه الأدوات في بعض الحالات، لكنها تفشل حين تعالج العرض الذي تستطيع الإدارة قياسه وتترك العلاقات التي أنتجته خارج مجال التفكير. لذلك تبدأ هشاشة السياسة العمومية أحياناً قبل التنفيذ نفسه، من تعريف ناقص للمشكلة يحدد منذ البداية ما يمكن رؤيته وما يبقى خارج التحليل.

وهنا يكتسب تهميش علم الاجتماع بعداً سياسياً. لا تقتصر مساهمته على إضافة معلومات جديدة، إذ يستطيع أيضاً مساءلة الفئات التي تستخدمها الإدارة، وكشف ما تخفيه المتوسطات، وتتبع كيفية تغير السياسات حين تدخل في الحياة اليومية، وفهم أسباب إعادة الفاعلين تأويلها أو التحايل عليها أو مقاومتها. ويجعل ذلك المعرفة السوسيولوجية أقل راحة للدولة من الخبرات التي تعمل داخل تعريف المشكلة القائم.

يستطيع القانوني تحديد القاعدة، والاقتصادي قياس الكلفة، والخبير الإداري تصميم الإجراء، فيما قد يكشف عالم الاجتماع أن القاعدة نفسها تنتج تفاوتاً، أو أن المؤشر يخفي علاقات قوة، أو أن الإجراء يفترض مواطناً لا وجود له إلا في مخيلة المؤسسة. لذلك تستدعي الدولة المعرفة السوسيولوجية كثيراً بعد اكتمال القرار: لقياس قبول مشروع، أو تفسير مقاومة السكان له، أو اقتراح وسائل للتواصل معهم. ويصبح دور الباحث عندها تكييف المجتمع مع السياسة أكثر من اختبار الفرضيات التي قامت عليها السياسة نفسها.

وينتشر ضمن هذا السياق نمط من الدراسات السريعة والاستشارات القطاعية والمجموعات البؤرية التي تجمع أقوال الناس من دون أن تمنح نتائجها قدرة فعلية على إعادة تعريف القضية. تقبل الدولة السوسيولوجيا ما دامت تنتج معرفة بالسكان، وتتحفظ عليها حين تحوّل الدولة وسياساتها وتصنيفاتها إلى موضوع للتحليل.

ويتشكل هذا الجهل أيضاً داخل المؤسسة البيروقراطية نفسها. فالمعلومات التي تصل إلى مركز القرار تمر عبر سلسلة من الفلاتر والترتيبات. يميل المسؤول المحلي إلى إرسال ما ينسجم مع انتظارات الإدارة المركزية، وتتحول التجارب المعقدة إلى جداول موحدة، وقد تُخفف المؤشرات التي تكشف فشل البرنامج. كما يُقاس نجاح السياسة بعدد الملفات المعالجة أو الأموال المصروفة أكثر مما يُقاس بالتحول الذي أحدثته في حياة الناس.

وفي الأنظمة التي تضعف فيها المحاسبة ويصعب فيها الاعتراف بالفشل، تتعلم الإدارة حماية نفسها بالأرقام. وقد تنجح السياسة إدارياً، فتستنفد الميزانية وتنجز الإجراءات، فيما تفشل اجتماعياً في تحقيق الأثر المفترض.

لهذا، يتجاوز إدماج علم الاجتماع إضافة جامعيين إلى اللجان الحكومية. يتعلق الرهان بقدرة المجتمع على بناء معرفة انعكاسية بنفسه، أي معرفة تجعل الفاعلين والمؤسسات واعين بالشروط التي تنتج أفعالهم ونتائجها. تعني هذه الانعكاسية أن تدرك الدولة أن أدواتها تعمل داخل المجتمع وتشارك في تشكيله، وأن القانون والمؤشر والبرنامج لا يستجيبون للواقع فقط، وإنما يغيرونه أيضاً. كما تساعد المجتمع على قراءة تحولات الأسرة والعمل والهجرة والمدينة كنتائج لمسارات تاريخية وسياسات وتفاوتات يمكن تحليلها، عوض اختزالها في انحراف أخلاقي أو فقدان للقيم.

ولكي يؤدي علم الاجتماع التونسي هذه الوظيفة، يحتاج بدوره إلى تجاوز موقعين يضعفان قدرته: الشرح العام الذي يكرر مفاهيم جاهزة من دون تحقيق، ودور الخبير المنفذ الذي ينتج ما تطلبه الجهة الممولة. تكتسب السوسيولوجيا ضرورتها من قدرتها على بناء أدوات صارمة لاختبار الصور التي تنتجها الدولة والمجتمع عن نفسيهما. وهذا يقتضي تحقيقات طويلة، ومراصد تتابع التحولات عبر الزمن، ودراسات تقارن بين الجهات والفئات، وفتح المعطيات الإدارية للنقاش العلمي، وربط الإحصاء بالمقابلة والملاحظة والتاريخ. فلا يتعلق الأمر باستبدال الرقم بالحكاية، وإنما بإعادة الرقم إلى شروط إنتاجه، وربط السلوك بمعناه، والسياسة بنتائجها غير المقصودة.

ويصل الرهان في النهاية إلى قدرة الدولة على التعلم من المعرفة التي تنتجها عن المجتمع. فعندما يكشف علم الاجتماع أن السياسات لا تعالج الواقع فقط، وإنما تنتج فاعلين وانتظارات وتفاوتات جديدة، تصبح الدولة نفسها جزءاً من مجال التحليل. وحين يوضح أن الاحتجاج يرتبط بطريقة توزيع الاعتراف والموارد، يصعب اختزاله في الأمن. وحين يبين أن الاقتصاد غير الرسمي يتشكل أيضاً عبر انتقائية القانون والتساهل والوساطة، تصبح الحدود بين الرسمي وغير الرسمي أكثر تعقيداً.

هذه المعرفة هي الأصعب على السلطة لأنها لا تقدم لها صورة أوضح عن المجتمع فقط، وإنما تكشف أيضاً آثار أفعالها فيه. لذلك يحرم تهميش علم الاجتماع الدولة من إحدى أدوات التعلم، ويدفعها إلى مواصلة التدخل في مجتمع يتغير باستخدام مفاهيم تنتمي، في أحيان كثيرة، إلى مجتمع لم يعد موجوداً.

المعرفة كشرط للحكم

تكشف علاقة الدولة التونسية بعلم الاجتماع قضية تتجاوز مكانة تخصص جامعي داخل مؤسسات التعليم العالي. فهي تطرح سؤالاً عن الطريقة التي تمارس بها الدولة الحكم، وعن أنواع المعرفة التي تعتمدها لتعريف المجتمع ومشكلاته وصياغة السياسات العامة.

منذ الاستقلال، حضر علم الاجتماع داخل الجامعة، لكنه بقي أضعف حضوراً في صناعة القرار من القانون والاقتصاد والأمن. ويعكس هذا التفاوت تصوراً للدولة يفضّل المعارف القابلة للتحويل إلى قواعد ومؤشرات وإجراءات، فيما يضع المعرفة التي تعيد مساءلة تعريف المشكلة وعلاقات القوة المحيطة بها في موقع أكثر هامشية. لذلك تكمن أهمية السوسيولوجيا في قدرتها على كشف ما لا تلتقطه الأدوات الإدارية وحدها: كيف تتغير الأسرة والعمل والهجرة والمدينة والعلاقة بالسلطة، وكيف تساهم السياسات نفسها في إنتاج أنماط جديدة من التفاوت والسلوك والتوقعات.

تزداد أهمية هذه الوظيفة مع تسارع التحولات الاجتماعية واتساع إنتاج البيانات. فالدولة تستطيع اليوم أن تجمع معلومات أكثر عن السكان، وأن تقيس عدداً أكبر من المؤشرات، من دون أن يضمن ذلك فهماً أعمق للمجتمع. وقد تتحول الوفرة الكمية نفسها إلى مصدر للجهل حين تُختزل التجارب الاجتماعية في أرقام وتصنيفات منفصلة عن العلاقات التي تمنحها معناها. لذلك يحتاج القياس إلى معرفة نقدية تسائل شروط إنتاجه، وما يظهره وما يحجبه.

ومن هنا يكتسب الدفاع عن علم الاجتماع معنى يتجاوز الدفاع عن مهنة أو اختصاص. فقد شدد بيان الجمعية الدولية لعلم الاجتماع الصادر في مؤتمر الرباط عام 2025 على دور السوسيولوجيا كمعرفة تستند إلى الوقائع، وتحافظ على استقلالها، وتنخرط في النقاش العام حول التفاوتات والحرية الأكاديمية والتحولات الاجتماعية. ويكتسب هذا النداء أهمية إضافية في المجتمعات العربية، حيث ما تزال الدولة تعتمد بقوة على الخبرة القانونية والإدارية والاقتصادية في إنتاج معرفتها بالمجتمع.

لكن استعادة هذا الدور تتطلب أيضاً من علم الاجتماع أن يبني قوته من الداخل. يحتاج إلى استقلال علمي، وتحقيقات ميدانية تراكمية، ومؤسسات بحثية وشبكات قادرة على إنتاج معرفة لا تستنسخ الخطاب الإداري ولا تكتفي بتطبيق نماذج جاهزة على الواقع. فالسوسيولوجيا لا تكتسب قيمتها من قربها من الدولة، وإنما من قدرتها على إنتاج معرفة تجعل المجتمع والدولة معاً موضوعاً للتحليل.

ويحدد هذا الرهان مستقبل علم الاجتماع في تونس. فكلما اتسعت المسافة بين المجتمع المتغير والصور التي تنتجها المؤسسات عنه، ضعفت قدرة الدولة على التعلم من آثار سياساتها. أما وجود سوسيولوجيا نقدية وحرة فيمنح المجتمع قدرة أكبر على فهم التحولات التي يعيشها، ومراجعة مؤسساته، ومساءلة الخيارات التي تشكل حياته. عندها يصبح علم الاجتماع أكثر من تخصص جامعي: يصبح إحدى الأدوات التي تسمح للمجتمع بأن يفهم نفسه قبل أن يقرر كيف يريد أن يحكم نفسه.

    فؤاد غربالي

    أستاذ علم الاجتماع ، تونس