معاينة لا سيادة ولا اقتصاد:  تونس في فخّ «التعويل على الذات»

لا سيادة ولا اقتصاد
تونس في فخّ «التعويل على الذات»

«الممارسة هي المعيار الوحيد لاختبار الحقيقة»
هو فومينغ

 

تبدو فكرة العيش في جزيرةٍ منيعة أو سلةٍ معلّقة في السماء مغريةً لأنصار الشعبوية، الذين ينظرون إلى كلّ ما هو خارجي بوصفه شراً مطلقاً. من هنا تبدو العلاقة بين الاكتفاء الذاتي والتعويل على الذات من جهة، والشعبوية من جهة أخرى، علاقةً بنيوية في جوهرها؛ فهي تعبير عن ثأرٍ نفسي من الكوارث التي خلّفتها العولمة والليبرالية الجديدة. تستثمر الشعبوية مظالم الخاسرين من هذه التحوّلات عبر وعدهم باستعادة القدرة على التأثير من خلال السيادة الاقتصادية الوطنية. غير أنّ الاقتصاد العالمي اليوم يقوم على سلاسل توريد معقّدة، وتدفّقات هجرة، ومؤسسات فوق وطنية، وهو ترابطٌ يبدو لقاعدتها الاجتماعية، وغالباً ما تنتمي إلى البروليتاريا الرثّة المتضرّرة من تراجع الصناعة، شكلاً من أشكال التبعية؛ وهي تبعية جزئية فعلاً، لكن المأزق يكمن في كيفية مواجهتها. إذ يُقدَّم التعويل على الذات كحلٍّ جذري عبر الانكفاء خلف الحدود بذريعة «استعادة سيطرة الشعب على مصيره»، وهو شعار براق يجتذب قطاعات واسعة، بما فيها نخب من اليمين واليسار على السواء.

تقدّم تونس حالة دراسية نموذجية لهذا الوهم الشعبوي. فلا يكاد الرئيس قيس سعيّد يفوّت مناسبة أو ظهوراً من دون الترويج للتعويل على الذات بوصفه المخرج الوحيد من أزمة ممتدّة بلا أفق. وفي مسعى لإعادة اختراع عجلة التقدّم، تُطرح هذه العقيدة كأساس للخطة الاقتصادية ورافعة لمفهوم «السيادة»، الذي بات يُستدعى لتبرير مجمل سياسات النظام، على الرغم من أنّ مؤشّرات الواقع تسير في اتجاهٍ مغاير. ومع ذلك، لا تزال هذه الرؤية تحظى بقبولٍ واسع، شأنها شأن الخطاب الشعبوي القائم على مخاطبة العواطف أكثر من مقاربة الوقائع.

المثالية الكارثية

تُغري عقيدة «التعويل على الذات» الحركات الشعبوية، يميناً ويساراً. فبعد رحيل ستالين ومقرّرات المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي، صاغ الزعيم الكوري الشمالي كيم إيل سونغ نظرية «جوتشي» باعتبارها الأيديولوجية الرسمية للنظام، وتعني حرفياً «الاعتماد على الذات». ومع تحوّل هذه العقيدة إلى إيمان شبه ديني يدمج «الذات الكورية العليا» بذات القائد، ساهمت في ترسيخ حكم أسرة سونغ، لكنها قادت في النهاية إلى كارثة اقتصادية وسياسية انفجرت في تسعينيات القرن الماضي. حينها، تهاوت شعارات السيادة والاكتفاء الذاتي والرفاه أمام واقع التبعية المطلقة للصين والبؤس الاقتصادي والاجتماعي المعمّم. هذا التلازم بين مثالية الخطاب وكارثية الواقع لا يقتصر على الشعبويات اليسارية، بل يتجلّى بوضوح أكبر في الشعبويات اليمينية ذات النزوع الفاشي، كما في تجربة إسبانيا الفرنكوية، حيث أفضت سياسات الاكتفاء الذاتي بين أربعينيات وسبعينيات القرن العشرين إلى بؤس اجتماعي، تفكك اقتصادي، وتآكل في بنية الدولة.

لا يوجد اليوم نموذج يقترب من تحقيق توازن بين السيادة الاقتصادية والرفاه الاجتماعي مثل الصين، قياساً باتساع التدخلات الإمبريالية الغربية وتعقيدات إدارة اقتصاد بهذا الحجم السكاني الهائل

لا يكمن القاسم المشترك بين التجربتين الكورية والإسبانية في فكرة «التعويل على الذات» بحد ذاتها، إذ إن السعي إلى تعزيز الاكتفاء لأهداف سيادية، خصوصاً في سياقات الصراع الجيوسياسي، مسألة أساسية لأي مجتمع. بل يتمثّل هذا القاسم في ما يمكن تسميته «المثالية الكارثية»: أي التعامل مع التعويل على الذات كعقيدة مكتفية بذاتها، تُربط فيها «الأمة» بوصفها كتلة متجانسة بلا تناقضات طبقية بالقائد، في مسعى لبناء سيادة منزوعة عن العالم ومحصّنة من الصدمات الخارجية. هذا المنحى الاقتصادي يعكس الجوهر الثقافي الانعزالي للشعبوية، حيث يُقدَّم الزعيم بوصفه الأب الصارم الذي يحمي «العائلة–الأمة» من أخطار الخارج.

على عكس «المثالية الكارثية» التي تحكم سياسات التعويل على الذات في الأنظمة الشعبوية، تعتمد الصين منذ عقود مقاربة للاعتماد الذاتي الاقتصادي تقوم على حسابات عقلانية. تنبع هذه السياسة من مخاوف تاريخية عميقة من توظيف الدول الغربية للتكنولوجيا والموارد كأدوات ضغط، وهي مخاوف تشكّلت عبر تجارب تاريخية وضرورات أمنية استراتيجية سعى الحزب الشيوعي الصيني من خلالها إلى حماية النمو والاستقرار. فقد ظهرت هشاشة الاعتماد على الخارج بوضوح في خلال الحرب الكورية، على سبيل المثال، حين فرضت عشرات الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة قيوداً تجارية صارمة على الصين، شملت قراراً أممياً بحظر الصادرات الاستراتيجية. ثم تعمّقت هذه الهواجس مع الانقسام الصيني–السوفياتي في ستينيات القرن العشرين، عندما واجه الاقتصاد الصيني صدمة حادة إثر الانقطاع المفاجئ للمساعدات وسحب آلاف المستشارين الفنيين السوفيات. ولاحقاً، أعادت أحداث تيانانمين وما تلاها من عقوبات وقيود تجارية غربية تأكيد هذه المخاطر، في ظل استمرار بعض تلك القيود حتى اليوم.

دفعت هذه المنعطفات المتراكمة القادة الصينيين المتعاقبين إلى بناء اقتصاد قادر على الصمود أمام الضغوط الخارجية عبر توسيع القدرات المحلية في الصناعات الاستراتيجية. ومع تصاعد حدّة المواجهة في العلاقات الصينية–الأميركية، تسارع هذا التوجّه في عهد شي جين بينغ، خصوصاً في مجالات التقنيات الأساسية، بهدف تقليص مخاطر الاعتماد على دول قد تحجب الوصول إلى التكنولوجيا مستقبلاً. ويتجلّى ذلك في مواجهة ما تعتبره بكين «خنقاً تكنولوجياً»، لا سيما بعد الإجراءات الأميركية التي استهدفت شركات كبرى مثل هواوي وقطاع أشباه الموصلات لإبطاء التقدم التكنولوجي الصيني. ويشمل هذا المسار أيضاً تعزيز الأمن المالي، من خلال السعي إلى بناء نظام مالي وبنية تحتية مستقلة وأكثر أماناً، للحدّ من التعرّض للعقوبات التي تُدار عبر منظومة «سويفت»، إلى جانب إحكام السيطرة على الموارد الحيوية، كالعناصر الأرضية النادرة، لضمان استمرارية الإمدادات واستخدامها كورقة استراتيجية عند الحاجة.

غير أنّ هذا الاعتماد الذاتي لا يعني الانغلاق. فقد طرحت الصين استراتيجية «التداول المزدوج» بوصفها إطاراً يوازن بين تعزيز القدرات الداخلية والحفاظ على الاندماج في الاقتصاد العالمي. تقوم هذه الاستراتيجية على تطوير السوق المحلية كمحرّك رئيسي للنمو («التداول المحلي») عبر تحفيز الطلب الداخلي ليشكّل مصدراً مرناً للنمو يقي الاقتصاد من الصدمات الخارجية، مع الإبقاء على الترابط بين التداول المحلي والدولي بحيث يعزّز كلّ منهما الآخر. كما توظّف الصين حجم سوقها الاستهلاكية الهائل كأداة تفاوضية تمنحها قدرة أكبر على المساومة للحصول على التكنولوجيا والموارد الحيوية. وفي المحصّلة، قد لا يوجد اليوم نموذج يقترب من تحقيق توازن بين السيادة الاقتصادية والرفاه الاجتماعي مثل الصين، قياساً باتساع التدخلات الإمبريالية الغربية وتعقيدات إدارة اقتصاد بهذا الحجم السكاني الهائل.

الحالة التونسية

منذ انقلاب القصر في 25 تموز/يوليو، رفع الرئيس قيس سعيّد شعار «التعويل على الذات» بوصفه شعاراً عاطفياً، من دون تحديد أشكاله أو حدوده أو أهدافه العملية. ففي السياق التونسي، لا يرتبط هذا الشعار برؤية واضحة لإدارة الاقتصاد بقدر ما يستجيب لنداء «السيادة» الذي يخاطب الرئيس وأنصاره، والقائم على وعدين متلازمين: السيادة والرفاه. وعلى الرغم من الصدى العاطفي الواسع لهذا الخطاب، فإن الاقتصاد السياسي الذي تشكّل في خلال السنوات الخمس الماضية اصطدم بقيود هيكلية ونظرية وعملية، انعكست مباشرة على حياة الناس. وعندما انتقل الشعار من مستوى الخطابة إلى مستوى السياسات، قَوَّض فعلياً السيادة التي ادّعى الدفاع عنها، وفشل في تحقيق الرفاه الذي بُنيت عليه روابط الولاء الشعبي.

في بداياته، رفض قيس سعيّد استكمال مسار التفاوض مع صندوق النقد الدولي بسبب شروطه المتعلقة بخفض الإنفاق الاجتماعي وتحرير الاقتصاد، وهو موقف عزّز شرعيته شعبياً وأثار تكهّنات حول احتمال توجّه تونس نحو الصين وروسيا. غير أنّ شيئاً من ذلك لم يتحقق. بل انتهج النظام سياسات تقشّفية أكثر حدّة من وصفات الصندوق نفسها، عبر خفض الإنفاق الاجتماعي في اقتصاد غير مكتفٍ ذاتياً ويعتمد على استيراد المواد الخام والسلع الوسيطة. ومع ارتفاع الطلب وعجز العرض، ظهرت اختناقات حادّة، وفشلت الصناعات المحلية في رفع كفاءتها، لتدخل البلاد في دوّامة متواصلة من انقطاع المواد الأساسية وتدهور أوضاع الطبقات الوسطى والشعبية، بالتوازي مع تفاقم عجز الموازنة.

يتبدّى أن وعد الشعبوية بالازدهار عبر العزلة ليس سوى نداء خادع يقود إلى تدهور طويل الأمد، وندرة متزايدة، وتفكيك للنسيج الاجتماعي، فيما تدفع الطبقات الأضعف ثمن أوهام «القائد»

تكشف هذه التطورات مفارقة عميقة بين الشعار والممارسة. فالشعبوية تُضفي طابعاً رومانسياً على «التعويل على الذات»، لكنها تفتقر إلى الآليات والمؤسسات والقدرات اللازمة لتطبيقه، وتفترض أن الإرادة السياسية كفيلة بتعويض التخطيط والكفاءة. لطالما دعا سعيّد التونسيين إلى الاعتماد على الذات، فيما الواقع يؤكد أن تونس لا تنتج ما يكفي من الوقود أو القمح أو الأدوية لتلبية حاجاتها الأساسية. وعلى الرغم من أن خطابات الاكتفاء الذاتي في التجارب التاريخية - الشعبوية أو العقلانية - ارتبطت بدعم قوى الإنتاج، تسير الحالة التونسية في الاتجاه المعاكس، إذ تمثل نموذجاً لتفكيك قوى الإنتاج ووسائله، عبر أدوات تشريعية ومالية وسلطوية. وقد أدّى هذا التناقض بين الخيال الشعبوي والواقع إلى اضطراب الأسواق وتدهور شروط العيش والصحة العامة.

ولترسيخ هذا المسار، أعاد النظام تشكيل الجهاز البيروقراطي على قاعدة الولاء، تحت ذريعة أن الخبرة قيدٌ نخبوي. فقد أقال سعيد عدداً واسعاً من الكفاءات الإدارية، واستبدلهم بشخصيات موالية تفتقر إلى الخبرة الاقتصادية، مع الحكم بالمراسيم والهجوم على الاتحاد العام التونسي للشغل. وكانت النتيجة نزيفاً غير مسبوق في رأس المال البشري، إذ تغادر البلاد سنوياً أعداد قياسية من الأطباء والمهندسين والمتخصصين في تكنولوجيا المعلومات، بفعل انهيار الخدمات العامة وشلل الإدارة نتيجة الخوف والتطهير. كما يسلك جزء واسع من المجتمع، وخصوصاً الشباب، طرق الخلاص الفردية، من خلال الهجرة غير النظامية إلى أوروبا. ففي عامي 2023 و2024، أصبحت تونس نقطة الانطلاق الرئيسية عبر البحر الأبيض المتوسط نحو إيطاليا. وهكذا تبخّر وعد الرفاه، فيما تَحوّل شعار السيادة إلى غطاءٍ بلاغي، في وقت يركض فيه الناس خلف الأدوية المفقودة وتطول طوابير السلع الأساسية، بينما تُلقى المسؤولية في الخطاب الرسمي على المؤامرات الخارجية.

أما وعد السيادة، فتفضحه التبعية المالية المتفاقمة. فمنذ توطيد قيس سعيّد لسلطته عام 2021، تدهور وضع الدين الخارجي بشكل ملحوظ، واضطرت الدولة، على الرغم من خطابها الرافض للتدخل الأجنبي، إلى السعي المحموم وراء القروض للحفاظ على الحد الأدنى من وظائفها. ويُظهر تقرير المرصد التونسي للاقتصاد في نهاية العام الماضي أن البرلمان صادق في خلال السنتين 2023–2024 و2024–2025 على 35 قرضاً، مع تحوّل واضح نحو الاقتراض الداخلي لتغطية عجز الميزانية، حيث شكّلت القروض الداخلية 57% من اجمالي القروض، وبلغت 64% في سنة 2024–2025. كما ساهمت البنوك التجارية المحلية بقروض كبيرة مقوّمة بالعملة الصعبة وقد استحوذت 4 بنوك على أكثر من 55% من قيمة هذه القروض، في حين ظلّ المقرضون متعدّدو الأطراف المصدر الرئيسي للقروض الخارجية وقد استحوذوا على 80% منها. وعلى مستوى الدول، تصدّرت السعودية وإيطاليا قائمة المموّلين. وقد وُجّهت 73% من هذه القروض لسدّ العجز وتمويل النفقات الجارية، لا للاستثمار المنتج الذي يخلق مداخيل قادرة على تغطية خدمة الدين، مع تضمّن بعض هذه القروض شروطاً تمسّ بالسيادة، سواء عبر «مصفوفات الإصلاح» أو الارتهان في مشاريع طاقية. وبحسب صندوق النقد الدولي، تقع تونس في المرتبة الرابعة عربياً من حيث خدمة الدين، بعد مصر ولبنان والأردن، بنحو 3.8 مليارات دولار.

تكشف هذه الصورة عن اقتصاد سياسي قائم على الارتجال. فبدلاً من استراتيجية متماسكة لاستعادة الملاءة المالية عبر إعادة بناء بنيوية للاقتصاد، لجأت الحكومة إلى تجميع قروض تجارية صغيرة مرتفعة الكلفة، والاحتماء بدعم مؤسسات دولية (البنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي) لتجاوز الاختناقات الآنية، ما راكم عبء الدين من دون معالجة أزمة السيولة الهيكلية. وهكذا يتبدّى أن وعد الشعبوية بالازدهار عبر العزلة ليس سوى نداء خادع يقود إلى تدهور طويل الأمد، وندرة متزايدة، وتفكيك للنسيج الاجتماعي، فيما تدفع الطبقات الأضعف ثمن أوهام «القائد».