الولايات المتّحدة في مواجهة الصين
يزور الرئيس الأميركي دونالد ترامب الصين للقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ، في زيارة مرتقبة تعدّ الأولى لرئيس أميركي إلى الصين منذ نحو عقد، بعد زيارة ترامب السابقة في عام 2017. وتتصدر جدول الأعمال ثلاثة ملفات رئيسة: الحرب التجارية التي أطلقها ترامب، والحرب على إيران، والتوتر المتصاعد حول تايوان.
في ملف الحرب التجارية، لم تصمد لغة التصعيد طويلاً. فقد توصّلت الولايات المتّحدة والصين إلى هدنة مؤقتة في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بعدما كان ترامب قد رفع الرسوم على الصادرات الصينية إلى الولايات المتّحدة حتى 145%. لكن الضغط جاء من اتجاهين. من جهة، لوّحت الصين بتقييد صادرات المعادن الأرضية النادرة، وهي تمسك بنحو 90% من هذه المعادن الحيوية التي تقوم عليها صناعات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات. ومن جهة أخرى، دقّ المصنّعون الأميركيون في الصين ناقوس الخطر، معتبرين أن الرسوم ستصيب صادراتهم وأرباحهم قبل غيرهم. هكذا انتهى لقاء ترامب وشي في تشرين الأول/أكتوبر الماضي بتعليق بكين قيودها على التصدير، وبخفض ترامب الرسوم على السلع الصينية إلى 32%، نسبة لا تزال عالية، لكنها بعيدة جداً من سقف التهديدات الأولى.
واصل ترامب حظر دخول السيارات الكهربائية الصينية إلى السوق الأميركية، إلى جانب تقييد صادرات الصين في قطاعي طاقة الرياح والطاقة الشمسية. غير أن هذه الإجراءات لم تؤثّر بعمق في الصادرات الصينية. فقد بلغت صادرات الصين مستويات قياسية، نتيجة تنويع شركائها التجاريين عالمياً في ظل تراجع الروابط التجارية مع الولايات المتّحدة.
أخفقت جميع محاولات الحدّ من توسّع الصين في المنتجات التكنولوجية وأشباه الموصلات وسواها إخفاقاً كبيراً. إذ تواصل الصين تقليص الفجوة في «حرب الرقائق»، وتحتل موقعاً متقدماً بفارق كبير في مجال الروبوتات، فضلاً عن إطلاقها نماذج ذكاء اصطناعي مفتوحة المصدر خاصة بها، مثل «ديب سيك»، تضغط بقوة على نماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية المكلفة، مثل «تشات جي بي تي» و«كلود».
وتهيمن الصين أيضاً على كامل طيف تصنيع الطاقة المتجدّدة.
وتتقدّم الصين بفارق كبير في استخدام الروبوتات، إذ ترتفع عمليات تركيب الروبوتات فيها بمعدل 7% سنوياً، بينما تتراجع في الولايات المتّحدة بمعدل 9% سنوياً. وباتت الصين تملك اليوم من الروبوتات الصناعية أكثر مما تملكه بقية دول العالم مجتمعة.
ثم تبرز مسألة إيران. فالصين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني. غير أنها استعدّت لهذا الوضع، إذ بنت مخزونات نفطية ضخمة يمكن أن تلبّي احتياجاتها من الطاقة القائمة على الوقود الأحفوري لفترة مقبلة.
في الأسبوع الماضي، فرضت الولايات المتّحدة عقوبات على عدد من الشركات التي مقرّها الصين، زاعمة أنها قدّمت «صور أقمار صناعية لتمكين الضربات العسكرية الإيرانية ضد القوات الأميركية في الشرق الأوسط»، وسهّلت «جهود الجيش الإيراني لتأمين أسلحة، فضلاً عن مواد خام ذات استخدامات في برامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الإيرانية». وردّت الصين. وقال المتحدث غو جياكون في مؤتمر صحافي دوري: «لطالما طلبنا من الشركات الصينية أن تمارس أعمالها وفقاً للقوانين والأنظمة، وسنصون بحزم حقوق الشركات الصينية ومصالحها المشروعة». وتواصل الصين استيراد النفط ومنتجات الطاقة من روسيا، على الرغم من عقوبات الاتحاد الأوروبي.
أما القنبلة الموقوتة في العلاقات الأميركية-الصينية فهي تايوان. تتمسّك الصين بموقفها الراسخ بأن تايوان جزء من الصين، وأنها لم تتطوّر إلى دويلة مستقلة إلا بسبب احتلال القوميين الصينيين جزيرة فورموزا بعد فرارهم من البرّ الصيني إثر هزيمتهم أمام الشيوعيين في عام 1949. ومنذ ذلك الحين، تعترف الولايات المتّحدة والأمم المتّحدة، لفظياً، بالمطالبة الصينية، لكن الولايات المتّحدة دعمت فعلياً في تايوان، أولاً، دكتاتورية عسكرية، ثم دعمت، بعد التطوّر الديمقراطي فيها، أحزاباً وسياسيين يسعون إلى جعلها مستقلّة بصورة دائمة عن الصين. وبما أن تايوان الصغيرة قريبة من البرّ الصيني بقدر قرب بورتوريكو أو كوبا من البرّ الأميركي، تتصاعد التوترات وتنحسر حول ما إذا كانت الصين ستتحرّك للسيطرة عليها، وما إذا كانت الولايات المتّحدة وحلفاؤها في المنطقة، أي اليابان والفلبين، سيدافعون عنها عسكرياً.
وفوق ذلك كله، يبدو القرن الحادي والعشرون وكأنه يختصر الجيوبوليتيك في مواجهة كبرى: قوة مهيمنة تضعف وتعتلّ، هي الولايات المتّحدة، وعملاق اقتصادي صاعد، هو الصين. فقدت الولايات المتّحدة منذ زمن طويل تفوّقها في الصناعة والتصنيع والتجارة. وأصبحت الصين اليوم قوة التصنيع العظمى في العالم، إذ يتجاوز إنتاجها إنتاج أكبر 9 دول مصنّعة تليها مجتمعة. احتاجت الولايات المتّحدة إلى معظم قرن كي تصعد إلى القمة في التصنيع؛ أما الصين فاحتاجت إلى نحو 15 أو 20 عاماً فقط. في عام 1995، لم تتجاوز حصة الصين من الصادرات الصناعية العالمية 3%. أما اليوم، فتتجاوز حصتها 30%. وبينما تسجّل الصين فائضاً في المدفوعات والمقبوضات مع البلدان الأخرى بنحو 1% إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً، تسجّل الولايات المتّحدة عجزاً في الحساب الجاري بنحو 3% إلى 4% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً.
لا تزال الولايات المتّحدة تحافظ على هيمنتها في التمويل العالمي، لكن هذه الهيمنة نفسها آخذة في التراجع. إذ تسجّل الصناعة والمصارف الأميركيتان صافي التزامات خارجية ضخماً يعادل 76% من الناتج المحلي الإجمالي، في مقابل صافي أصول خارجية للصين يعادل 18%. وكان مستوى كهذا من الالتزامات سيجعل أي بلد آخر عرضة لهجوم على عملته، لكن الولايات المتّحدة تتفادى ذلك لأن الدولار الأميركي لا يزال «عملة الاحتياطي» العالمية. وبما أن معظم بلدان العالم ينجز القسم الأكبر من تجارته وتمويله بالدولار، تتمتع العملة الأميركية بـ«امتياز باهظ» على العملات الأخرى. وقد خلص تقرير حديث إلى أن الولايات المتّحدة تحصل على ما يقارب 1% من ناتجها المحلي الإجمالي سنوياً لأنها الجهة الوحيدة التي تصدر الدولار، فيما تضطر الاقتصادات الأخرى إلى شرائه أو اقتراضه.
وتحافظ الولايات المتّحدة على تفوّقها العسكري، إذ يتجاوز إنفاقها على القوات المسلّحة إنفاق بقية دول العالم مجتمعة. وتدير كذلك نحو 800 قاعدة عسكرية خارجية، في حين لا تمتلك الصين سوى قاعدة واحدة. غير أن الحرب في إيران كشفت، حتى في هذا المجال، حدود قدرة الجيش الأميركي على فرض إرادته على دولة واقتصاد من الدرجة الثالثة، ومن دون سلاح نووي، بما يعيد إلى الأذهان تجربة فيتنام قبل أكثر من 50 عاماً.
ترى النخب الحاكمة في الولايات المتّحدة أن الصين تمثّل التهديد النهائي للهيمنة الأميركية العالمية. ويشمل ذلك جناح «ماغا» المرتبط بترامب داخل البيت الأبيض، فضلاً عن «العولميين» في ما يُعرف بـ«الدولة العميقة» الأميركية ودوائر المحافظين الجدد. ويتمحور الاختلاف بين الطرفين حول طبيعة الاستراتيجية المعتمدة. فالترامبيون يدعون إلى تركيز القوة الأميركية داخل نصف الكرة الغربي بهدف مواجهة الصين عبر المحيط الهادئ، على غرار المواجهة الأميركية مع اليابان في ثلاثينيات القرن العشرين. ومن منظور جمهور «ماغا»، تستطيع أوروبا إدارة ملف روسيا وأوكرانيا بصورة مستقلة، كما تستطيع إسرائيل التعامل مع الشرق الأوسط من دون تدخل أميركي مباشر. في المقابل، لا يزال العولميون متمسكين بطموحات الهيمنة العالمية، إذ يدعون إلى مواصلة الحرب مع روسيا حتى إخضاعها وفرض «تغيير النظام»، وإلى دعم إسرائيل والمشاركة عسكرياً إلى حين سقوط النظام الإيراني. ويتنقّل ترامب بين المقاربتين، مع ميل واضح حالياً نحو العولميين في الملف الإيراني. غير أن الجناحين يتفقان على مسألة أساسية: ينبغي «التعامل» مع الصين في نهاية المطاف عبر إضعافها اقتصادياً ودفعها إلى القبول بالسياسات والهيمنة الغربيتين.
في هذا السياق تأتي الهجمات الاقتصادية المتواصلة على الصين. يشنّ الاقتصاديون السائدون في الولايات المتّحدة وأوروبا واليابان، ومعهم «خبراء» صينيون مهاجرون، نقداً متواصلاً للصين، لكنه نادراً ما ينصبّ على جهاز دولتها الاستبدادي والمناهض للديمقراطية؛ فـ«الديمقراطية» نفسها وصف فضفاض نسبياً للمؤسسات السياسية ومؤسسات الدولة في الولايات المتّحدة وأوروبا. لا، ليست هذه هي المسألة. المسألة، وفق هؤلاء، أن الاقتصاد الصيني يخرّب اقتصادات بقية العالم.
غير أن هذا النقد متناقض. فمن جهة، يُقال لنا إن الصين تستولي على التجارة العالمية بصورة غير عادلة عبر الإغراق السعري لصادرات السلع، والإعانات غير العادلة الضخمة لصناعاتها، وفرض قيود شديدة على مستويات معيشة شعبها. ومن جهة أخرى، يُقال لنا إن الاقتصاد الصيني على شفا الانهيار، مع تراكم ديون ضخمة في قطاع الشركات وقطاعات الحكومات المحلية، وانهيار في أسواق العقارات، وتراجع عدد السكان في سنّ العمل، وارتفاع العجز المالي، وانخفاض الإنتاجية، وما إلى ذلك. وبهذا، يصير اقتصادها شبيهاً باليابان، التي توقّف نموها أساساً، ولا يرتفع فيها دخل الفرد إلا لأن عدد السكان يتراجع.
أيٌّ من هذين النقدين المتناقضين صحيح؟ في منشورات كثيرة على مدى أعوام، جادلتُ بأن أياً منهما ليس صحيحاً. يواجه الاقتصاد الصيني مشكلات كثيرة عرضتُها في منشورات عدّة، لكنه لا يقف على شفا الانهيار. بل لم يشهد قط ركوداً حاداً شبيهاً بما شهدته الاقتصادات الغربية الكبرى في أعوام 1980-1982، و1991، و2001، و2008-2009، أو في جائحة كوفيد في عام 2020. لقد تجنّب اقتصاد الصين الاستثماري المخطّط الذي تقوده الدولة ذلك، وسيتجاوز أيضاً، في رأيي، العقبات المستقبلية أمام نموّه، إذا تركته الإمبريالية الأميركية وشأنه.
لا يركد استهلاك الأسر في الصين، بل ينمو بمعدل 4.4% سنوياً، أي بما يتماشى تقريباً مع نمو الناتج المحلي الإجمالي. ولا تقود الصادرات النمو. فقد ساهم صافي التجارة بنحو 20% من نمو عام 2025، فيما جاء الباقي مدفوعاً بالاستهلاك المحلي والاستثمار. وقد حال النمو السريع في الإنتاجية دون التضخّم، لا «نقص الطلب المحلي». فلماذا ينبغي للصين أن تتخلّى عن اقتصادها الذي تقوده الاستثمارات، وهو الاقتصاد الذي شهد ارتفاع متوسط الأجر الحقيقي في المناطق الحضرية بنسبة 2406% منذ عام 1978، رافعاً القدرة الشرائية 25 ضعفاً؟ هل تستطيع الاقتصادات التي يقودها الاستهلاك، مثل الولايات المتّحدة وبريطانيا، أن تضاهي هذا الارتفاع في القدرة الشرائية لدى أسرها؟
وفي ما يتعلّق بـ«الإعانات غير العادلة» المقدّمة إلى الصناعة الصينية، خلص تقرير حديث إلى أن الصين، على الرغم من استخدامها النشط للإعانات الصناعية، شهدت استقراراً في الدعم المالي المباشر منذ عام 2008، مع انتقال التركيز الاستراتيجي من جذب الاستثمار الأجنبي إلى تعزيز الابتكار المحلي والقدرات التكنولوجية. وخلافاً للتصور الشائع، تبقى إعانات التصنيع متواضعة نسبياً ولامركزية. ويتّضح ذلك في قطاع المركبات، إذ تنتج كل من «بي واي دي» الصينية و«تسلا» المملوكة لإيلون ماسك سيارات كهربائية في الصين، غير أن تكاليف «بي واي دي» أدنى بكثير، بسبب ارتفاع مستوى التكامل الرأسي لديها وانخفاض تكاليف البحث والتطوير. ولا تمثّل إعانات الدولة سوى عامل محدود في خفض هذه التكاليف.
وهذا يقودني إلى أحدث نقد للاقتصاد الصيني، أي أنه يحقق فائضاً تجارياً ضخماً في السلع مع البلدان الأخرى، فيتسبّب بـ«اختلال عالمي» كبير، أي بعجوزات في الولايات المتّحدة وغيرها، في الأسواق العالمية للتجارة والتدفقات المالية. وبحسب هذا النقد، يبدو أن التباطؤ الاقتصادي في الاقتصادات الرأسمالية الكبرى في الغرب، وازدياد خطر الركود التضخمي، واحتمال وقوع انهيار مالي في الولايات المتّحدة وأوروبا، تعود أساساً إلى سياسات الصين التجارية المركنتيلية القائمة على «إفقار الجار». وقد تناولتُ أخيراً أسباب الاختلالات العالمية في التجارة والتمويل، التي أراها سمة مستمرة من سمات التطوّر اللامتكافئ للتراكم الرأسمالي والإنتاج الرأسمالي، لا نتيجة لـ«ممارسات غير عادلة» أو لـ«ادخار واستثمار مفرطين» في الصين أو في اقتصادات الفائض التجاري الأخرى، بل نتيجة إنتاجية أعلى ونمو استثماري أقوى.
غير أن الاتهامات الموجّهة إلى الصين لا تزال مستمرة، ويقودها عدد من الاقتصاديين السائدين والكينزيين، من بينهم جورج ماغنوس، ومايكل بيتيس، ومارتن وولف، وبراد سيتسر. ويرى بيتيس أن «بعضنا يجادل منذ 10 إلى 15 عاماً بأن اختلالات التجارة والاستثمار في الصين وتضخّم ديونها تعود كلها إلى توزيع شديد الاختلال للدخل، تحتفظ فيه الأسر، مباشرة وغير مباشرة، بحصة متدنية على نحو لافت». أما مارتن وولف فيقول إن «فائض الصين التجاري البالغ 1.2 تريليون دولار في العام الماضي لا يعود، في المحصلة، إلى التنافسية وحدها، بل أيضاً إلى اختلالاتها الاقتصادية الكلية».
تناولتُ سابقاً كثيراً من هذه الحجج، لكن ثمة نقاط إضافية تستحق التوضيح. فقد نما الاستهلاك السنوي في الصين بأكثر من 5 تريليونات دولار خلال العقدين الماضيين فقط. وبالتالي، لا تكمن المشكلة في انخفاض الاستهلاك بحد ذاته، بل في النمو الكبير الذي شهده كل من الاستثمار والإنفاق الحكومي أيضاً، وهو ما يفسّر انخفاض نسبة استهلاك القطاع الخاص إلى الناتج المحلي الإجمالي. إضافة إلى ذلك، تستبعد بيانات الاستهلاك الشخصي في الصين «التحويلات الاجتماعية العينية»، بما يشمل الخدمات العامة والنقل والصحة وغيرها. ولو جرى استبعاد هذه التحويلات من الدخل المتاح في الاقتصادات الأخرى كذلك، لأصبحت أرقامها أقرب إلى أرقام الصين. ففي عام 2020، كانت نسبة منطقة اليورو ستبلغ أقل من 64%، وكانت 12 دولة أوروبية ستسجّل حصة دخل أدنى من الصين.
ما يهم فعلاً بالنسبة إلى الأسر الصينية هو ارتفاع الاستهلاك للفرد. فبين عامي 1978 و2024، نما استهلاك الأسر الصينية للفرد بمعدل مذهل بلغ 7.6% سنوياً في المتوسط، مقارنة بنمو بلغ 5.2% في اليابان، و5.7% في كوريا الجنوبية، و6.2% في تايوان، خلال فترة مماثلة امتدت 46 عاماً. وفي المتوسط، شهدت هذه البلدان نمواً حقيقياً في استهلاك الأسر لم يبلغ حتى نصف الوتيرة التي تسجّلها الصين حالياً.
ينمو الاستهلاك الشخصي في الصين بوتيرة أسرع لأن الاستثمار ينمو بوتيرة أسرع. فالاستثمار في الأصول والقطاعات الإنتاجية هو ما يدفع الاقتصاد إلى الأمام. وتملك الصين أعلى نسبة استثمار إلى الناتج المحلي الإجمالي بين اقتصادات مجموعة العشرين الكبرى. نعم، اتّسم جزء من هذا الاستثمار بأنه «غير منتج»، ولا سيما في سوق العقارات الخاصة، لكن معظمه أدّى إلى تحسّن هائل في البنية التحتية والخدمات العامة وإنتاجية العمل. وتملك الصين طبقة إضافية من رأسمال الدولة القادر على مواصلة الاستثمار في مجالات لا تكفي فيها العوائد الخاصة، أو تتشتّت، أو تحتاج إلى آجال طويلة جداً، أو ترتبط بآثار خارجية كثيفة. وتندرج السكك الحديدية فائقة السرعة، وشبكات الكهرباء، والنقل الكهربائي فائق الجهد، والمرافئ، والطرق السريعة، والجسور، والنقل الحضري بالسكك الحديدية، والبنية التحتية للمياه، وشبكات الجيل الخامس، والمناطق الصناعية، وبرامج الفضاء، وأنظمة الطاقة الأساسية، كلها ضمن هذه الفئة.
وهذا هو الهاجس الأكبر الحقيقي للإمبريالية الأميركية وحلفائها: نظام التخطيط الذي تقوده الدولة وتبنّته الصين. يوجد رأسماليون كثر في الصين، والقطاع الرأسمالي كبير. لكنهم لا يحدّدون استراتيجية الاستثمار، بل يضطرون إلى اتباعها. وترتكب البيروقراطية الشيوعية الصينية أخطاء كثيرة وتقلّبات حادّة في استراتيجياتها لأنها لا تخضع لمساءلة شعبية منظّمة. ومع ذلك، يعمل النموذج الاقتصادي الصيني بصورة أفضل بكثير من النموذج الرأسمالي الغربي، على الرغم من محاولات الاقتصاديين الغربيين إنكار ذلك.
بهذا المعنى، تكمن المشكلة الأساسية أمام ترامب وهو يزور بكين. قد تبقى الصين بعيدة جداً عن القوة الاقتصادية والعسكرية الأميركية، لكنها تلحق بها، على خلاف أي اقتصاد «ناشئ أو نامٍ» آخر، بما في ذلك الهند. لذلك، لا بد من كبح الصين وإيقاف صعودها.
نُشر هذا المقال في 12 أيار/مايو 2026 على مدوّنة الكاتب، وترجم إلى العربية ونشر في «صفر» بموافقة منه.