معاينة USA flag

استعمار أميركا اللاتينية ونشأة الحوكمة المالية العالمية

«علينا أنّ نحسّن من وضعيّة ائتمانهم الوطني أمام العالم. فلنعِد تمويل دول أميركا الوسطى، دولة تلو الأخرى، وبأسرع وقت ممكن، وبأساليب تضمن أنّ تمرّ معاملاتهم الاقتصادية وتداولاتهم المصرفية عبر الولايات المتّحدة». 

– بواز لونغ، قسم شؤون أميركا اللاتينية، وزارة الخارجية الأميركية، 1918.  

 

أثار الرئيس الأميركي دونالد ترامب «مبدأ مونرو» في سياق تبرير خطف رئيس جمهورية فنزويلا نيكولاس مادورو، مؤكّداً ما اعتبره حقّ الولايات المتّحدة في بسط سيطرتها على نصف الكرة الأرضية الغربي بلا منازع. وقال ترامب، عقب الإعلان عن العملية، إنّ «مبدأ مونرو أمر جليل… لكنّنا نسيناه. لن ننساه مجدّداً. وبحسب استراتيجية أمننا القومي الجديدة، لن يُسمح بعد الآن بالتشكيك في السيطرة الأميركية على نصف الكرة الأرضية الغربي».

عند إعلان مبدأ مونرو عام 1823، لم تكن الولايات المتّحدة قد أحكمت بعد سيطرتها على أميركا اللاتينية، فجاءت صياغة المبدأ أقلّ حدّة مما ستؤول إليه لاحقاً في الممارسة الإمبريالية. فقد نصّ المبدأ على اعتراف الولايات المتّحدة بالمستعمرات الأوروبية القائمة في أميركا اللاتينية، وعدم التدخّل في شؤونها، مقابل اعتبار أي تدخّل أوروبي في شؤون الدول اللاتينية المستقلّة حديثاً تهديداً مباشراً لأمن واشنطن القومي. وكانت هذه الدول قد تحرّرت لتوّها من الاستعمار الإسباني أو البرتغالي. وعليه، فإنّ جوهر الصراع في تلك المرحلة بين الولايات المتّحدة والقوى الأوروبية لم يكن على القارّة بأكملها، بل دار أساساً حول تركة الإمبراطوريتين الإسبانية والبرتغالية الآفلتين، لا حول السيطرة على أميركا اللاتينية برمّتها. كان الصراع على هذه التركة يتّخذ وجهين أساسيين: تمثّل الوجه الأول في نزاعات حدودية ضمن سباق محموم لضمّ أكبر قدر ممكن من الأراضي، ولا سيّما المناطق التي لم يكن الاستعمار الأوروبي قد رسّخ وجوده فيها أو لم يُحكم السيطرة عليها بعد. ومن أبرز هذه النزاعات ذلك الذي نشب بين فنزويلا المستقلة حديثاً ومستعمرة غايانا البريطانية، حيث سعت الولايات المتّحدة إلى التوسّط بين الدولتين. 

سعى التيّار الليبرالي في البرجوازية الأميركية إلى تطوير سياسات استعمارية مقنّعة، تضمن حماية مصالح رأس المال الأميركي في الخارج، من دون تبنّي خطاب استعماري فجّ أو اللجوء إلى احتلال عسكري مباشر

أمّا الوجه الثاني، فتمثّل في ادّعاء الدول الأوروبية حقّ التدخّل العسكري لفضّ النزاعات المالية، وهي سياسة عُرِفت بـ«دبلوماسية مدافع السفن» (Gunboat Diplomacy). قامت هذه السياسة على استخدام القوّة العسكرية لتحصيل الديون السيادية من حكومات العالم المستعمَر، أو بذريعة إلزام الدول الأضعف بدفع تعويضات لرعايا القوى الكبرى عن خسائر لحقت بممتلكاتهم في خلال الخروب، وهي ممتلكات كانت نتاجاً مباشراً لعمليات النهب الاستعماري. وقد لجأت بريطانيا إلى هذا الأسلوب في مصر عام 1882.

أدرك ساسة الدول المستقلّة حديثاً في أميركا اللاتينية خطورة «دبلوماسية مدافع السفن» لما تنطوي عليه من قدرة على تقويض سيادة دولهم في طور التأسيس. فسعى بعضهم إلى مواجهتها قانوناً. طرح الخبير القانوني الأرجنتيني كارلوس كالفو مفهوماً في السياسة الخارجية، عُرف لاحقاً بـ«مبدأ كالفو»، ومفاده أن أي نزاع مالي متعلّق باستثمارات أجنبية يجب أن يخضع للاختصاص القضائي للدولة التي تقع فيها تلك الاستثمارات، بحيث تكون حكومتها، لا حكومات المستثمرين الأجانب، الجهة المخوّلة البتّ فيه. وفي عام 1902، صدر «مبدأ دراغو»، نسبة إلى وزير خارجية الأرجنتين آنذاك لويس ماريا دراغو، وجاء أكثر تحديداً، إذ رفض صراحة حقّ الدول الأجنبية في استخدام القوّة العسكرية لتحصيل الديون السيادية. وبذلك شكّل تطويراً لمبدأ كالفو، مع تركيز خاص على الديون العامة بوصفها أحد أشكال الاستثمارات الأجنبية، إلى جانب الديون الخاصة والاستثمارات المباشرة.

في تلك المرحلة، تقاطعت مبادئ مونرو وكالفو ودراغو، على اختلاف دوافعها، عند هدف واحد: الحدّ من نفوذ القوى الاستعمارية الأوروبية. لكن التهديد الأوروبي في القرن التاسع عشر سرعان ما تراجع أمام صعود التهديد الأميركي في القرن العشرين. وقد شكّلت الحرب الأميركية الإسبانية عام 1898 نقطة تحوّل مفصلية، إذ وضعت مستعمرات إسبانية عدّة تحت السيطرة الأميركية من بينها كوبا والفلبين وبورتو ريكو. انتشت واشنطن بهذه المكاسب، لكنها لم ترغب في الظهور بمظهر المستعمر الجديد، وهي التي بنت سرديّتها السياسية على تحرّرها من الاستعمار البريطاني. 

أصبحت واشنطن الضامن الأساسي لهذه الديون، ما شجّع رأس المال المالي الأميركي، أي دوائر وول ستريت، على استغلال هذه الضمانة لفرض شروط باهظة على الدول المقترضة، من بينها معدّلات فائدة مرتفعة

لذلك، سعى التيّار الليبرالي في البرجوازية الأميركية إلى تطوير سياسات استعمارية مقنّعة، تضمن حماية مصالح رأس المال الأميركي في الخارج، من دون تبنّي خطاب استعماري فجّ أو اللجوء إلى احتلال عسكري مباشر. هكذا ولدت «دبلوماسية الدولار»، التي لخّصها الرئيس الأميركي ويليام هاورد تافت بعبارة «استبدال الرصاص بالدولار». وكما شرحت في مقال سابق، قامت هذه الاستراتيجية على فرض خيارات مالية وتجارية واقتصادية، مدعومة دائماً بإمكانية التدخّل العسكري، لتحقيق مكاسب جيوسياسية واقتصادية في آنٍ معاً. وكانت بلدان أميركا اللاتينية، مثل نيكاراغوا والمكسيك وفنزويلا، بمثابة «المختبر» الذي تبلورت فيه هذه السياسات. 

لم تقتصر تداعيات دبلوماسية الدولار على توسيع نفوذ الولايات المتّحدة في جوارها الإقليمي، بل مهّدت الطريق لنشوء نظام حوكمة مالية عالمي يخدم الامبريالية الأميركية، تُوّج بتأسيس صندوق النقد الدولي عقب الحرب العالمية الثانية. وتفصّل الباحثة أملي روزنبرغ المراحل المختلفة التي مرّت بها الحوكمة المالية الأميركية، وأفضت في نهاية المطاف إلى نظام «المشروطية» المعتمد لدى الصندوق، والمدعوم بشبكة من مؤسسات تصنيف المخاطر المالية والائتمانية. 

بحسب روزنبرغ، يمكن تمييز أربعة مراحل في هذا التطوّر. في المرحلة الأولى، وهي مرحلة الاستعمار المباشر التي تلت حرب 1898، تولّت الإدارة الأميركية بشكل مباشر إعادة هيكلة القطاعات المالية في المستعمرات الإسبانية السابقة مثل بورتو ريكو، فأقرّت أنظمة ضريبية «رشيدة» ورسوماً جمركية «علمية»، وأدخلت أنظمة محاسبية حديثة. وفي عام 1903، أنشأ الكونغرس الأميركي «مفوّضية التبادل النقدي العالمي» لتقديم المشورة إلى دول مثل المكسيك وبنما والصين بشأن الانضمام إلى نظام «المعيار الذهبي»، أي ربط العملة بالذهب وفق سعر صرف ثابت، في خطوة هدفت إلى إدماج هذه الاقتصادات في نظام مالي دولي يتّسق مع المصالح الأميركية. 

تشكّل «سياسة المعاهدة» المرحلة الثانية في تصنيف إميلي روزنبرغ. في هذه المرحلة، أبرمت الإدارة الأميركية معاهدات رسمية مع حكومات الدول المعنية، وتولّت في الوقت نفسه التوسّط لترتيب قروض سيادية تصدرها بنوك استثمارية أميركية لصالح تلك الدول، كما حصل في جمهورية الدومينيكان. وكانت هذه القروض مشروطة بحزمة من «الإصلاحات» المالية والإدارية التي يتعيّن على الدولة المدينة تنفيذها، فيما جرى وضع مالية الدولة عملياً تحت إشراف مباشر لضمان سداد الديون. غير أنّ تمرير هذه المعاهدات في الكونغرس الأميركي كان يتطلّب تعبئة سياسية واسعة وحدّاً من الشفافية أمام الرأي العام، الأمر الذي جعل هذا الأسلوب مكلفاً سياسياً. وفي المقابل، لم تكن الحكومات المتلقية للمشورة مرتاحة بدوها لهذا النمط من التدخّل الصريح في العلاقات الثنائية. 

دفعت هذه الاعتبارات واشنطن إلى اعتماد تكتيك جديد يقوم على «العقد» الخاص، بما يتيح تفادي المرور عبر الكونغرس. فبدلاً من المعاهدات الرسمية، جرى إبرام عقود مباشرة بين حكومات الدول المعنية والجهات الدائنة الخاصة، مع تضمينها بنوداً تجعل الحكومة الأميركية وسيطاً وضامناً ضمنياً. وبذلك أصبحت واشنطن الضامن الأساسي لهذه الديون، ما شجّع رأس المال المالي الأميركي، أي دوائر وول ستريت، على استغلال هذه الضمانة لفرض شروط باهظة على الدول المقترضة، من بينها معدّلات فائدة مرتفعة. وقد تباهت بعض الشركات المالية بدعم الحكومة الأميركية لها بوصفه عاملاً جاذباً لتمويل هذه القروض. طُبّق هذا الترتيب، الذي تشير إليه روزنبرغ بوصفه المرحلة الثالثة من «الاستعمار عبر العقد»، للمرّة الأولى في نيكاراغوا. غير أنّه أثار اعتراضاً من نوع آخر داخل النخب الأميركية غير المستفيدة مباشرة من هذا الترتيب. فقد رأى بعضهم أنّ الحكومة الأميركية ليست شركة تأمين تعمل لحساب وول ستريت، وأنّ على المصارف تحمّل مخاطر استثماراتها، ربحاً أو خسارة.

تحوّلت شخصية الخبير المالي التكنوقراطي إلى فاعل عالمي، بات يُعدّ من أكثر أكثر أدوات الاستعمار الجديد انتشاراً وفعالية في إعادة تشكيل الاقتصادات الوطنية خدمة لمصالح النظام المالي الغربي

كانت سياسة «العقود الخاصة» تفترض حضوراً دائماً لمستشارين ماليين أميركيين. وقد احتكر هذا الدور عدد محدود من الخبراء أبرزهم تشارلز كونانت وأدوين كميرير. ومع تعثّر استراتيجية العقود في دول مثل السلفادور وبوليفيا، حدث تأقلم جديد، مثّل المرحلة الرابعة في تصنيف روزنبرغ. فقد سعت حكومات الدول المدينة مثل البيرو وكولومبيا إلى نسج علاقة «طوعية» مع هؤلاء المستشارين. غير أنّ هذه «الطوعية» لم تنشأ في فراغ، إذ كانت تلك الحكومات تطلب من الإدارة الأميركية ترشيح أسماء، لتقوم هي بتوظيفهم مباشرة، بما يسمح لها بالادعاء أنّ القرار سيادي. في حالات أخرى، كانت شركات الإقراض الأميركية تشترط تعيين خبير مالي قبل الموافقة على منح القرض. بعد عام 1923، بدا وكأنّ الاستشارات المالية تحوّلت، ظاهرياً، إلى عملية قانونية وتكنوقراطية منفصلة عن السياسة الخارجية. واكتسب بعض هؤلاء الخبراء سمعة واسعة بوصفهم مؤشّراً على مستوى المخاطر في أي بلد، حتّى إنّ مجرّد زياتهم كان يُنظر إليه كإشارة إيجابية تؤدّي إلى الإقبال على سندات الدين أو تحسّن في ميزان المدفوعات. وسعى خبراء مثل كميرير، إلى إحاطة أنفسهم بهالة من «الخبرة العلمية»، فعزفوا عن مخاطبة الإعلام وابتعدوا عن التواصل العلني مع السفارات الأميركية تفادياً للشبهات، وانكبّوا، على الأقل في الظاهر، على ملفات الإصلاح المالي.

أدّت هذه السياسات إلى ازدهار الاستثمارات الأميركية في الدول اللاتينية في خلال عشرينات القرن الماضي. غير أنّ هذا الازدهار كان هشّاً؛ إذ سرعان ما عصف به الكساد الكبير عام 1929، والذي فجّر أزمات اقتصادية ومالية في تلك البلدان، وأطلق موجة انتقادات واسعة ضدّ «الخبراء» الذين كانوا يقدّمون سابقاً بوصفهم مخلّصين معصومين. ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، لم يعد الاستعمار الأميركي مقتصراً على أميركا اللاتينية، بل اتخذ طابعاً عالمياً. وقد شكّل نموذج الحوكمة المالية الذي تبلور في أميركا اللاتينية نواة نظام بريتن وودز الجديد، ولا سيّما مفهوم «المشروطية» الذي أصبح ركناً أساسياً في عمل صندوق النقد الدولي. ومنذ ذلك الحين، تحوّلت شخصية الخبير المالي التكنوقراطي إلى فاعل عالمي، بات يُعدّ من أكثر أكثر أدوات الاستعمار الجديد انتشاراً وفعالية في إعادة تشكيل الاقتصادات الوطنية خدمة لمصالح النظام المالي الغربي.