الأحمر والأخضر لضمان البقاء
- مراجعة لكتاب أمير البديوي «البقاء للأخضر»، الذي يطرح الانتقال الأخضر بوصفه مدخلاً لإعادة موقع بلدان الجنوب في الاقتصاد العالمي، لا مجرد استجابة تقنية لأزمة المناخ. يبيّن كيف قد تعيد السياسات الخضراء إنتاج التبعية إذا أبقت المنطقة العربية مورّداً للطاقة والمواد الخام، ويدافع عن تصنيع أخضر يوطّن التكنولوجيا ويخلق قيمة مضافة محلياً، من دون أن يتجاوز تماماً منطق التنافسية الذي ينتقده النص نفسه.
«البقاء للأخضر: التحوّلات الاقتصادية في عالم واعٍ بأزمة المناخ» عنوان كتاب للأستاذ والباحث الجزائري أمير البديوي. تصدر طبعته العربية في عام 2026 عن دار تنمية للنشر في مصر، بالتعاون مع المعهد العابر للقوميات، بإشراف حمزة حموشان، ومشروع «مسارات لما بعد النيوليبرالية» في الجامعة الأميركية بالقاهرة، بإشراف عمرو عادلي وإنجي حجازي، وترجمة عمرو خيري.
الأرض والعمل، اللذان يعدّهما رأس المال مجرد عاملَي إنتاج، ويستنزف الأولى ويدمّرها، ويستغل الثاني ويقمعه، هما موضوع كتاب أمير البديوي، لكن في سياق عالمي جديد: سياق أزمة مناخ عالمية تهدّد بقاء الحياة على الكوكب. لذلك اختار البديوي لكتابه عنوان «البقاء للأخضر».
يحلّل الكتاب الجغرافيا الصناعية اللامتكافئة عالمياً في سياسات وممارسات خفض الكربون، والحالة الراهنة لسياسات التمويل المناخي غير المواتية لبلدان الجنوب العالمي، وصعود الحمائية الخضراء في بلدان الشمال العالمي. ويؤكد أن معاناة بلدان الجنوب العالمي من التفاوتات الاقتصادية ستتفاقم إذا لم تتحرك نحو التحوّل الأخضر. كما يعرض ويحلّل السياسات الصناعية الخضراء والتفاوت في نجاح تجارب مختلف الدول في هذا المسار، ويشير إلى أن الفرصة لا تزال قائمة لضمان انتقال أخضر لا يقصي أحداً. وأخيراً، يفحص الكتاب كيفية تبنّي السياسات الصناعية الخضراء انطلاقاً من مواقع مختلفة، وعبر أحجام متنوّعة للأسواق، وداخل بُنى إنتاجية متباينة، وضمن ديناميات متعددة للعلاقات بين الدول والشركات، وعلى اختلاف الهياكل المؤسسية والسياقات البيئية.
كتاب قبل أوانه عربياً
تُعدّ المنطقة العربية جزءاً من الجنوب العالمي الذي انحبست فيه التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولا تزال حبيسة منظور قائم على الاستخراجوية، خصوصاً المرتبطة بالوقود الأحفوري. وعلى الرغم من أن بلداناً عديدة في المنطقة قد انخرطت، أو أعلنت ذلك مبدئياً على الأقل، في مسارات للتحوّل الأخضر، وخصوصاً في تبنّي حلول الطاقة المتجدّدة (الطاقة الشمسية والريحية والهيدروجين الأخضر)، فإن هذه الحلول لا تزال، بحسب البديوي، قائمة على المنطق الاستخراجي نفسه الذي «لا يعدو أن يكون تكراراً للدور التاريخي للمنطقة كمورّد أولي للطاقة الخام، مع ترك القيمة المضافة تُستخلص في أماكن أخرى»، واصفاً مبادرات الطاقة المتجدّدة في المنطقة بقوله: «غير أنّ معظم هذه المبادرات لا يزال في مراحله الأولى وتحت قيادة أجنبية».
فيما يحتكر الخبراء وصنّاع السياسات هذا الموضوع، يظل النقاش الشعبي غائباً؛ فالنقابات ومنظمات المجتمع المدني، الغائبة أو المغيّبة، لا دور فعلياً لها في هذا النقاش
الكتاب قبل أوانه لأن نقاش السياسات الصناعية الخضراء، والانتقال إلى اقتصاد أخضر عموماً، لا يزال غير مطروح جماهيرياً في المنطقة العربية، ويظل محصوراً في أروقة الخبراء الذين يستنسخون ما تكتبه مؤسسات الرأسمال العالمي ويترجمونه إلى العربية، ويضمّنه صنّاع السياسات في الوثائق الرسمية، في وقت يرفض فيه البديوي فكرة تماثل المسارات العالمية للانتقال نحو اقتصاد أخضر، ويؤكد أن المنطقة العربية قادرة على بناء مسارها الفريد.
فيما يحتكر الخبراء وصنّاع السياسات هذا الموضوع، يظل النقاش الشعبي غائباً؛ فالنقابات ومنظمات المجتمع المدني، الغائبة أو المغيّبة، لا دور فعلياً لها في هذا النقاش. ويعزّز البديوي حجته بالاستناد إلى التراث الثقافي للمنطقة، مقتبساً من مقدمة ابن خلدون ما مفاده أن الاستغلال غير المستدام للموارد يقوّض الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي ويُهلك الحضارة، ويستنتج من ذلك: «إذن فغرس الاستدامة في نظمنا الإنتاجية ليس خصلة مستوردة من الغرب؛ إنما الاستدامة جزء لا يتجزأ من تراثنا الفكري، وهي في الوقت نفسه مهاد متين لسياسة صناعية تثمّن بناء القدرات والاعتدال والرفاه طويل الأجل، لا الإنتاج الاستخراجي الريعي قصير الأجل».
كتاب للجنوب العالمي
المعرفة لا تُنتَج في الشمال وحده. وعلى عكس المركزية الأوروبية القديمة ومثيلاتها الأخرى، التي تنظر إلى بلدان أخرى بوصفها مُنقَذة وحاملة للحضارة، يؤكد أمير البديوي أن بلدان الجنوب العالمي ليست محكومة بانتظار البلدان المتقدّمة كي تُبقي سُلَّم ارتقاء الحضارة أمامها بدلاً من ركله.
إنتاج المعرفة أحد شروط الانعتاق، والتصنيع وجه من أوجه ذلك الانعتاق. وفي السياق الحالي، سياق أزمة مناخ عالمية متفاقمة، يشكّل التصنيع الأخضر أحد هذه الأوجه. «هذا الكتاب عنّا نحن، شعوب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وعن الحاجة المُلحّة إلى رسم خارطة لمصير اقتصادي جديد قادر على الصمود في وجه الأزمات والتحديات»، هكذا دبّج البديوي مقدمة الطبعة العربية لكتابه.
يرفض البديوي الفكرة الشائعة القائلة إن «الاستدامة هي مسؤولية من أسهموا في حدوث تغيّر المناخ»، أي دول الشمال الصناعية. وتصرّ هذه الفكرة على حق بلدان الجنوب العالمي في أن تصل إلى التنمية عبر المسار نفسه الذي سلكته الدول الصناعية المتقدّمة والصين، أي استنفاد «حقها المشروع» في تلويث الكوكب، إسوة بالأولين. وبدلاً من ذلك، يقترح البديوي تحدياً آخر: «كيف يمكننا أن نصمّم سياسات خضراء ومراعية للكافّة؟ وكيف يمكن أن تكون هذه السياسات مناسبة لسياقاتنا البيئية والمؤسسية والاجتماعية؟»، رافضاً بذلك النهج الشائع للتنمية الاقتصادية الذي اتسم بالتركيز على تحقيق الثراء أولاً، على أمل أن تتوافر لاحقاً الموارد اللازمة لمعالجة التدهور البيئي.
إذا لم تتمكن بلدان الجنوب العالمي من بناء تنمية تجعل الاستدامة البيئية هدفاً لها، فإنها ستعيد إنتاج سيناريو البلدان الرأسمالية المتقدّمة: اعتبار الأرض والعمل مجرد عاملَي إنتاج، يحق لها استغلالهما واستنزافهما لتحقيق التنمية الاقتصادية.
تصنيع أم تصنيع أخضر؟
«لا بد أن يتغيّر التصنيع كما نعرفه. فقد خلّف التصنيع، تاريخياً، أثراً بيئياً ضاراً (إذ يُسهم القطاع الصناعي حالياً بنحو 30% من انبعاثات الغازات الدفيئة عالمياً). لكن ينبغي ألّا نقطع الرأس لنعالج الصداع؛ فتبنّي نموذج تصنيعي متوافق مع المناخ أمر ممكن، لكنه يتطلّب الارتكاز إلى مبادئ جديدة تنهض على كفاءة الموارد واستدامتها». هكذا كتب البديوي في مقدمة بعنوان «تغيّر مناخ التنمية المستدامة».
لا يرفض البديوي، إذن، التصنيع، بل يدعو إلى أن يكون أخضر متوافقاً مع المناخ. والتصنيع الأخضر فرصة لبلدان الجنوب العالمي كي تنعتق من ربقة التخلّف والتبعية، ومن قسمة العمل الدولية المفروضة عليها، التي حصرت دورها في التخصص في مزايا نسبية؛ أي «كمورّد أولي للطاقة الخام، مع ترك القيمة المضافة تُستخلص في أماكن أخرى». ويدافع البديوي عن فكرة أن يكون التصنيع الأخضر نافذة «للتعلّم التكنولوجي، والتصنيع المحلي، ونشوء صناعات خضراء جديدة».
يجب ألّا يقتصر التصنيع على استقبال استثمارات أجنبية في قطاعات الطاقة المتجدّدة والسيارات الكهربائية، بل أن يكون فرصة لتوطين التكنولوجيا والتكنولوجيا الصديقة للبيئة. والبلدان العربية، شأنها شأن بلدان الجنوب العالمي، مرّت بمرحلة «الإنمائية»، وتمكّنت من بناء قطاع صناعي عام، لكنه ظل أسير الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة والسلع الوسيطة (المعدات) المستوردة. وعلى عكس ذلك، يطرح البديوي مساراً مغايراً، مستوحى من تجارب عالمية: «فالتحوّل من "تصدير الواطات" إلى "تصدير المعرفة والمعدات" هو ما جعل توطين الطاقة المتجدّدة يتّخذ صورة التحوّل البنيوي في بلدان مثل الصين والدنمارك». ويضمن هذا لبلدان المنطقة العربية «توجيه الموارد المتجدّدة نحو هياكل إنتاج متنوّعة، بدلاً من الوقوع في تبعيات ريعية جديدة».
تقليل الاستهلاك أم تغيير نمطه؟
على الرغم من التأكيد على «أن البشرية تواجه مشكلة استهلاك»، ينتقد البديوي النظريات التي تركز، بشكل مفرط، على جوانب الاستهلاك في مقابل اهتمامها المحدود، أو حتى المعدوم، «بماهية الاستدامة من حيث التحوّل في البُنى الإنتاجية». بالنسبة للبديوي، يتجاوز تحدّي الاستدامة البيئية «مجرد تقليل الاستهلاك أو تغييره؛ فهو تحدٍّ ينطوي أيضاً على تحوّل مكمّل نحو التصنيع منخفض الانبعاثات الكربونية، بالنظر إلى الإمكانات الكبيرة التي تتيحها التقنيات الجديدة والتحوّلات التصنيعية في خفض المحتوى المادي والطاقي لأنماط الاستهلاك».
إنتاج المعرفة أحد شروط الانعتاق، والتصنيع وجه من أوجه ذلك الانعتاق. وفي السياق الحالي، سياق أزمة مناخ عالمية متفاقمة، يشكّل التصنيع الأخضر أحد هذه الأوجه
لذلك يصرّ البديوي على ضرورة أن يتغيّر التصنيع كما عُرف تاريخياً، ويقترح لذلك محاور: «اغتنام "نافذة الفرصة الخضراء" من أجل التصنيع»، و«الانتقال الطاقي نحو نظم الطاقة النظيفة»، و«إضافة القيمة من خلال التحديث البيئي والاقتصاد الدائري».
لا يتعلّق الأمر، إذن، بتقليل الاستهلاك وحسب، بل بتغيير نمطه، وعلى رأسه تغيير نمط استهلاك الطاقة بشكل جذري، وهذا لن يتأتّى إلا بتغيير جذري في نمط الإنتاج بدوره.
السياسات الصناعية الخضراء كسبيل للتغيير
أصبح مفهوم «السياسات الصناعية» محلَّ نقاش وإجماع جديدين، بعد عقود من النيوليبرالية التي حرَّمت كلياً أي إشارة إلى ذلك. يعتمد البديوي تعريفاً للسياسة الصناعية: «الجهد الاستراتيجي الذي تبذله الدولة لتشجيع التحوّل الهيكلي للاقتصاد بما يعزّز الكفاءة ونمو الإنتاجية والقدرة التنافسية»، وبشكل أدق: «أي شكل من أشكال التدخل الانتقائي من جانب الدولة، يهدف إلى تعديل هيكل الإنتاج لمصلحة قطاعات [أو أنشطة] يُتوقّع أن توفّر آفاقاً أفضل للنمو الاقتصادي، وذلك بطريقة لا يمكن أن تحدث في ظل توازن السوق دون هذا التدخل».
هذه العودة إلى مفهوم السياسة الصناعية تشمل كلّ بلدان العالم، إذ «شهدت السياسة الصناعية إحياءً عالمياً مدفوعاً بإدراك متزايد بأنها كانت عنصراً أساسياً في اكتساب مزايا تنافسية جديدة في الماضي، كما أنها تُعدّ ضرورية لاغتنام "نوافذ الفرصة الخضراء" التي يتيحها الاقتصاد المعاصر».
وعلى عكس الأيديولوجية النيوليبرالية التي حاربت أي شكل من أشكال تدخل الدولة في الاقتصاد، رافعةً قدرة السوق إلى ذرى المثالية، يؤكد البديوي أن «العديد من محفّزات الميزة التنافسية المعاصرة، مثل القدرات البشرية والمؤسسية والتكنولوجية، تُعدّ ناتجة عن تدخلات سياسية».
تريد دول الشمال العالمي احتكار نهج تلك السياسات، بينما تمنع بلدان الجنوب من تبنّيها، وهو ما عبَّر عنه البديوي بقوله: «عملية الانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون تُمكّن الدول الصناعية من تعزيز آفاقها الصناعية الخضراء، بينما تكرّس في الوقت نفسه الدور المحدود لمعظم الدول النامية بوصفها مجرّد مصادر للمواد الخام». وتعتمد في ذلك على المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وهذا الأخير يصرّ على ألّا تتجاوز تدخلات الدولة والسياسات العمومية حدود تصحيح إخفاقات السوق، والتدخل حيث يعجز الاستثمار الخاص عن العمل، مع إعداده كي يستولي على تلك القطاعات التي جهَّزتها الدولة.
على الرغم من ذلك... ليست كل السياسات الصناعية الخضراء صديقة للبيئة
على الرغم من الإجماع الظاهري، فإن صفة «الخضراء» تظل محكومة بالنموذج الاقتصادي والترتيبات السياسية القائمة، سواء داخل الدول أو على المستوى الدولي. حسب البديوي: «لا تزال السياسات الصناعية محدودة الاستخدام، أقل فاعلية إلى حد بعيد».
كما أن بعضاً مما يسمى «سياسات صناعية خضراء» قد يُخلّف أضراراً بيئية تفوق منافعها إذا لم تكن مدعومة بقدرات مؤسسية كافية لتقييم الأثر البيئي. والمثال على ذلك، حسب البديوي: «أن يؤدّي توسيع عمليات التعدين لتسهيل الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون إلى تكاليف بيئية واجتماعية جسيمة في المناطق المحيطة بالمناجم، وعلى المجتمعات المحلية... وتُعدّ السيارات الكهربائية أبرز مثال على هذا التناقض، إذ لا يتوقف أثرها البيئي على مصدر الكهرباء الذي تُشحن به بطارياتها، بل يشمل أيضاً بصمتها الفيزيقية الكبيرة الناتجة عن استهلاكها الكبير من الليثيوم والنحاس وخام الحديد وغيرها من المعادن». ومثال آخر هو «إنتاج الهيدروجين الأخضر، والذي يُعدّ مصدراً للطاقة يخلو من الانبعاثات، لكنه قد لا يكون صديقاً للبيئة في بعض المناطق بسبب استهلاكه الكثيف للمياه، مما قد يُفاقم من حدّة ندرة المياه ويُزاحم الموارد الزراعية ومصادر معيشة المجتمعات المحلية».
لذلك يشترط البديوي تحقيقَ تحوّل صناعي أخضر حقيقي بـ«تعزيز قدرات الحكومات المؤسسية في مجال تقييم الأثر البيئي، بما يسمح بدمج تحليلات دورة الحياة البيئية في تصميم السياسات الصناعية الخضراء».
مدى التدخل الحكومي
إذا كان تعريف السياسات الصناعية الخضراء يتضمّن لزوماً التدخل الحكومي لمعالجة تغيّر المناخ والانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون، فإن مدى هذا التدخل لا يزال يطرح خلافات كبيرة. حسب البديوي: «يُفضّل بعض الاقتصاديين الاعتماد على آليات السوق (مثل ضرائب الكربون، وتصاريح الكربون، والحقوق القابلة للتداول) بدلاً من السياسات التدخلية المباشرة».
على الرغم من الإجماع الظاهري، فإن صفة «الخضراء» تظل محكومة بالنموذج الاقتصادي والترتيبات السياسية القائمة، سواء داخل الدول أو على المستوى الدولي
ينتقد البديوي هذا الطرح، موجِّهاً الانتباه إلى أن «الآليات القائمة على السوق» لا تضمن «أن تتركّز الآثار الاقتصادية والاجتماعية الإيجابية الناجمة عن التحوّلات الخضراء في المناطق التي هي بأمسّ الحاجة إليها، أي المجتمعات الأشدّ هشاشة في مواجهة فقدان الوظائف نتيجة خفض الكربون، والبطالة، وتردّي ظروف المعيشة». ويشترط تفادي ذلك بـ«تدخلات سياساتية ملائمة، لا سيما بالنظر إلى حجم الاستثمارات الذي تتطلّبه الأنشطة الخضراء»... مناصراً بذلك تدخلاً نشيطاً من طرف الدولة، بعد أن أكد أن «الحلول القائمة على السوق ليست كافية على الإطلاق».
وظائف خضراء
العمل هو العنصر الثاني الذي يعتبره رأس المال مجرد عامل إنتاج. وتقع الطبقات المنتجة في قلب الانتقال الأخضر والتحوّل الهيكلي المأمول أن يصاحبه.
في المنطقة العربية، يشير البديوي إلى: «إذا تمكّنّا من تهيئة الوظائف الخضراء، يصبح بإمكاننا الاستفادة من واحدة من أنشط قوى العمل على مستوى العالم». هكذا، لا يمكن تصوّر انتقال أخضر من دون تهيئة وظائف خضراء. لكن هذا الانتقال قد تكون له ضحاياه، وهي القوى العاملة في القطاعات التي سيفرض ذلك الانتقال الأخضر التضحية بها. والسؤال هو: «ما السبيل إلى ألّا تكون الطبقات العاملة ضحيته؟».
إحدى التحديات الكبرى أن فرص خلق الوظائف الخضراء، بدورها، محتكَرة من طرف القوى الصناعية الكبرى (الغرب والصين). فـ«معظم الوظائف والتجارة والابتكار والقيمة المضافة المرتبطة بالتقنيات منخفضة الكربون تتركّز في عدد محدود من الاقتصادات الصناعية». ولهذا التفاوت، حسب البديوي، «آثار خطيرة على أجندة "لن يتخلف أحد عن الركب"، نظراً لأنّ البلدان الأكثر عرضة اقتصادياً لمخاطر المناخ والانتقال ليست بالضرورة هي المؤهلة للاستفادة من الفرص الصناعية الخضراء الناشئة».
سيحتم الانتقال الأخضر والسياسات الصناعية الخضراء التخلي عن القطاعات الملوِّثة، وهذا سينتج عنه حتماً تضرر القوى العاملة في تلك القطاعات. لهذا يقترح البديوي: «تعويض الخسائر المتوقعة في وظائف قطاع الوقود الأحفوري يستدعي بذل جهود إضافية في تلك البلدان من أجل اغتنام فرص التوظيف الكامنة في صناعة الطاقة المتجدّدة. وتستحق السياسات التي تهدف إلى تيسير إعادة توزيع العمالة وإعادة تدريب العاملين في قطاع الوقود الأحفوري للانخراط في أنشطة أخرى توفّر وظائف لائقة اهتماماً خاصاً». وطبعاً، هذا لن يتم انطلاقاً من قوى السوق، بل يستوجب تدخلاً نشيطاً للدولة وللنقابات والمجتمع.
الأخضر من أجل البقاء
اختار البديوي لكتابه «البقاء للأخضر»، مستلهماً أطروحة تشارلز داروين التالية: «البقاء من بين أجناس الكائنات المختلفة ليس للأذكى، ولا هو للأقوى؛ إنما تبقى الأجناس الأقدر على التكيف وعلى تعديل أوضاعها مع تبدّل وتغيّر بيئتها الطبيعية».
ليست هذه أول مرة يُستلهَم فيها داروين (علم الطبيعة) لتعضيد الحجج في علوم المجتمع والاقتصاد. وقد انتقدت حنة إرندت هذا النهج بحدة: «أخشى ما أخشاه أن يكون ثمة خلف هذه "الاكتشافات" المستجَدة، ذلك التعريف العتيق لطبيعة الإنسان - تعريف الإنسان كحيوان عاقل، هذا التعريف الذي يفيدنا بأننا لا نتميز عن الأنواع الحيوانية الأخرى، إلا بقدر زائد من العقل. إن العلم الحديث، الذي انطلق من دون أي حس نقدي، من هذه الفرضية العتيقة، أوغل بعيداً في "برهنته" على أن البشر إنما يشاركون بعض أنواع ملكوت الحيوان الخصائص الأخرى كافة، باستثناء هبة "العقل" الإضافية التي تجعل الإنسان، على أي حال، حيواناً أكثر خطورة بكثير من الحيوانات الأخرى» 1، مُنهية محاكمتها بقول: «في اعتقادي إن ليس ثمة ما من شأنه أن يكون، من الناحية النظرية، أشد خطراً من تقاليد إسقاط الفكر العضوي هذا على المسائل السياسية، حيث تُفسّر السلطة والعنف انطلاقاً من المصطلحات البيولوجية».
إن الإحالة على داروين، وإن اقتصر الأمر على مفهوم التكيُّف، تحكم على النوع البشري بأن يتبنّى منطق الطبيعة: الصراع من أجل البقاء. وهكذا، فإن الذي سيتمكَّن من البقاء هو الأقدر على التكيُّف. وقد أكد البديوي طيلة كتابه أن البلدان المتقدمة، وضمنها الصين طبعاً، هي الأقدر على ضمان الانتقال الأخضر، والأقدر على نهج السياسات الصناعية الخضراء، بينما «يُركَل السلّم» منعاً للبلدان المتخلفة من ارتقائه.
كتاب البديوي، على الرغم من فائدته الكبيرة، لا يخرج عن النموذج الاقتصادي القائم على التنافس من أجل البقاء، أي النموذج الاقتصادي الرأسمالي، الذي يعتبر الأرض والعمل مجرد عاملَي إنتاج. لذلك يؤكد البديوي كثيراً على «التنافسية»: «القدرة التنافسية» و«الميزة التنافسية».
سيحتم الانتقال الأخضر والسياسات الصناعية الخضراء التخلي عن القطاعات الملوِّثة، وهذا سينتج عنه حتماً تضرر القوى العاملة في تلك القطاعات
في حين أن النموذج الاقتصادي الرأسمالي، وميزته الأساسية هي التنافسية، هو المسؤول عن أزمة المناخ والمدمِّر للبيئة وشروط الحياة على كوكب الأرض، فإن «التعاون» هو أحد ركائز الحركة العمالية منذ ظهورها. ولم يظهر مصطلح التعاون في كتاب البديوي إلا 7 مرات، أغلبها كشرط لتعزيز «القدرة التنافسية»، بينما وردت كلمة «التنافسية» 12 مرة.
إن الانتقال إلى اقتصاد أخضر يقتضي بالضرورة نمطاً آخر للإنتاج، أي الاشتراكية البيئية. ولم ترد في كتاب البديوي قطّ أي إشارة إلى «الاشتراكية» وإلى حاملها الاجتماعي، أي الحركة العمالية (أحزاباً ونقابات)، بينما وردت أكثر من مرة كلمات مثل: «صانعة سياسة» و«صانعو سياسات» و«صناع سياسات».
«لماذا يجب أن يكون الأحمر أخضراً أيضاً؟»
هذا التساؤل عنوان مقالة كتبتها لوسيانا كاستيلينا في عام 1985. دعت لوسيانا إلى دمج أصيل للثقافة النضالية لحركات البيئة في برنامج الحركة العمالية وتعبيراتها السياسية (اليسار): «في الوقت الذي يبدو فيه تعريف 'اليسار' نفسه مثار كل هذا الجدل، أعتقد أنه يجدر بنا أن نختتم بالقول إن 'الأحمر' من الآن فصاعداً يجب أن يوصف بأنه 'أخضر' أيضاً. فـ'الأخضر' يحمل مضامين غنية، ويمنح مشروعنا هوية مميزة، وذلك له أهمية حيوية في وقتنا هذا، لأنه يسمح لليسار بأن يعرف نفسه بحقيقة أنه لا يبحث عن طرق جديدة لكي ينتج بنجاعة أكبر، ويوزع بعدالة أكثر، كمية أعظم من نفس الأشياء، منظمة حول نفس أسلوب الإنتاج والاستهلاك، وإنما يسعى للاستفادة من الأدوات التكنولوجية الجديدة، لإنتاج أشياء مختلفة، بل وفي المحل الأول أسلوب حياة مختلف» 2.
إذا كانت لوسيانا قد دعت في عام 1985 إلى جعل الأحمر أخضراً في كتاب بعنوان «الاشتراكية على مشارف القرن الواحد والعشرين»، فيجب علينا، على مشارف انتهاء العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، أن «نجعل الأخضر أحمراً أيضاً». إذا أردنا أن نضمن البقاء للجميع، وليس فقط للقادر على التكيف مع أزمة المناخ، وللقادر على التحوّل الأخضر، فعلينا أن نعمل على أن يكون الانتقال، ليس فقط إلى اقتصاد أخضر وخفيض الكربون، بل انتقالاً اشتراكياً بيئياً.