wall street sign

تصدّع بطيء في سوق تبلغ قيمتها 2 تريليون دولار: ما مدى أهمية ذلك؟

يواجه استقرار الائتمان الخاص اختباراً متصاعداً تحت ضغط يفرضه الذكاء الاصطناعي

تهيمن الحرب الأميركية الإيرانية على المشهد الإخباري مع تعدّد المتغيّرات المؤثّرة، من أسعار السلع الأساسية إلى أسواق السندات. لكن تطوّراً آخر أخذ يتكشّف على هامش هذا المشهد المضطرب، يختلف في طبيعته ولا يرتبط به مباشرة، ويتمثّل في ضغوط متصاعدة داخل سوق الائتمان الخاص. وقد يبرز هنا سؤال مباشر: ما مدى أهمية ذلك؟ قد ينصرف الاهتمام أولاً إلى مسائل ملموسة، مثل استمرار ارتفاع أسعار تذاكر السفر هذا الصيف. وهذا مفهوم. لكن القارئ قد يكون مستثمراً في بعض هذه الشركات أو عاملاً فيها أو راغباً، بعيداً من هذه المصطلحات الرائجة ظاهرياً، في فهم ما تنطوي عليه فعلاً. من هنا، تأتي محاولة تبسيط المسألة إلى أقصى حدّ ممكن، وشرح لماذا يشكّل تعثّر الائتمان الخاص مسألة بالغة الدلالة، ولماذا يبدو قطاع التمويل، في العمق، مرتاحاً إلى أن ما يجري لم يحظَ باهتمام يُذكر منذ كانون الثاني/يناير.

ما هو الائتمان الخاص؟

في أعقاب الأزمة المالية في عام 2008، فرضت الجهات التنظيمية على المصارف قواعد أكثر صرامة في ما يخصّ الجهات التي يحقّ لها إقراضها. وخرجت الكيانات الأعلى مخاطرة، أو الأصغر حجماً، عملياً من نطاق الإقراض المصرفي التقليدي. ونتج من ذلك فراغ كبير، لأنّ آلاف الشركات الصغيرة والمتوسطة التي احتاجت إلى التمويل لم تعد قادرة على الحصول على قروض من المصارف التقليدية. عند هذه النقطة، برز قطاع جديد. أعلنت صناديق الائتمان الخاص، التي تديرها مؤسسات كبرى مثل بلاكستون وبلاك روك وكيه كيه آر وأبولو، استعدادها لإقراض هذه الشركات. وتعتمد هذه الصناديق على جمع الأموال من المستثمرين ثم توجيهها إلى الإقراض وجني الفوائد، بما حقّق معادلة بدت رابحة للجميع: معدلات تعثّر منخفضة، وعوائد مستقرة، وغياب الاضطراب. وتبلغ قيمة هذه الصناعة اليوم 2 تريليون دولار.

هل يتطابق هذا مع الاستثمار في الأسهم الخاصة؟

لا، لكنه يرتبط به. ويبدو الخلط بينهما مفهوماً، لأنّ المؤسسات نفسها قد تنشط في المجالين معاً. ينصرف الاستثمار في الأسهم الخاصة إلى شراء الشركات وامتلاك حصص فيها. فقد تشتري شركة مثل «كيه كيه آر» شركة صناعية متعثّرة، ثم تعيد هيكلتها، وتوسّع نشاطها، وتبيعها بعد 5 أعوام محقّقةً ربحاً. وتأتي عوائدها من ارتفاع قيمة الأصل الذي تملكه. أمّا الائتمان الخاص فيقوم على إقراض الشركات، لا على امتلاكها. لذلك لا يسيطر على الشركة المقترِضة، بل يمنحها قرضاً ويتقاضى الفائدة شهرياً.

الرهان الذي بدا منطقياً

فضّلت صناديق الائتمان الخاص، على مدى أعوام، فئة محدّدة من المقترضين: شركات البرمجيات بوصفها خدمة (SaaS). ويشير هذا المصطلح إلى البرمجيات التي يدفع المستخدم مقابلها عبر اشتراك شهري، مثل «سيلزفورس» و«ووركداي»، أو أداة الموارد البشرية التي تستخدمها شركتك، أو منصّة الفوترة التي يعتمدها المحاسب من دون تردّد. واستند هذا الرهان إلى منطق متماسك: حقّقت هذه الشركات إيرادات متكرّرة يسهل التنبؤ بها. ووقّعت الشركات عقوداً سنوية، وارتفعت معدلات التجديد، واستقرّت الأرباح. لذلك ضخّت صناديق الائتمان الخاص مليارات الدولارات فيها.

الذكاء الاصطناعي ينسف الفرضية

لنتصوّر شركة متوسطة الحجم تدفع 50,000 دولار سنوياً لقاء أداة برمجية تتولّى إدارة الموارد البشرية، والفوترة، وبيانات العملاء. في هذه اللحظة، صار «كلود»، أو أي أداة أخرى من أدوات الذكاء الاصطناعي، قادراً على إنجاز معظم هذه الوظائف بكلفة لا تمثّل سوى جزء يسير من الكلفة الأصلية. أو صار في مقدور الفريق الداخلي في الشركة أن يطوّر أداة بديلة في خلال أسابيع قليلة. فما الذي يدفع الشركة إلى تجديد ذلك الاشتراك؟ تتابع شركات البرمجيات كخدمة، وهي الشركات التي منحتها صناديق الائتمان الخاص قروضاً بمليارات الدولارات، تآكل الافتراضات التي قامت عليها إيراداتها، بوتيرة أسرع مما توقّعه أحد. ولم تعد الإيرادات المتكرّرة التي دعمت صورتها بوصفها فئة من المقترضين الأقلّ مخاطرة مضمونة. وعلى خلاف ما يحدث في حالة المصنع أو العقار، لا يتيح انهيار شركة برمجيات استرداد أصل ملموس، لأنّ الضمانات نفسها تتلاشى مع المنتج.

يغدو الآن استرداد الأموال متعذّراً، وهذا هو السبب

لم تقتصر هذه الصناديق على جمع الأموال من صناديق التقاعد والمؤسسات الكبرى. ففي خلال الأعوام القليلة الماضية، توجّهت أيضاً إلى الأفراد الأثرياء بعرض واضح: ضع أموالك معنا، واحصل على عوائد أعلى من السندات، مع إمكان سحبها دورياً عند الحاجة. لكن المشكلة هنا هيكلية. فهذه القروض لا يمكن بيعها بين ليلة وضحاها كما تُباع الأسهم. لذلك، حين أراد عدد كبير جداً من المستثمرين الخروج في الوقت نفسه، لم تتوافر للصناديق السيولة الكافية. وفي الربع الأخير، حاول المستثمرون سحب أكثر من 10 مليارات دولار من أكبر صناديق الائتمان الخاص. واضطرت «بلاك روك» و«بلو أول» و«أبولو» و«بلاكستون» إلى اتخاذ إجراءات صارمة لوقف خروج رؤوس الأموال. وبعبارة أبسط، قالت هذه الصناديق لعملائها: ليس الآن.

وما يجعل هذه المسألة أكثر من مجرد مشكلة تخصّ المستثمرين أن المصارف الأميركية ضخت بهدوء 257 مليار دولار في أسواق الائتمان الخاص. لذلك يبدو الحاجز العازل بين «خسائر المستثمرين» و«المخاطر النظامية» أرقّ مما يوحي به المشهد.

هل يشبه هذا ما حدث في عام 2008؟

في عام 2008، تركزت المخاطر السامّة داخل الميزانيات العمومية للمصارف. وعند انفجارها، جمّدت النظام المالي بأكمله في وقت قصير جداً، ثم قادت إلى انهيار الاقتصاد الحقيقي في خلال أشهر. غير أنّ الوضع الحالي يختلف من حيث البنية. فالخسائر تتمركز هنا لدى المستثمرين، لا لدى المصارف بصورة مباشرة. كما أنّ انتقال العدوى يجري بوتيرة أبطأ وفي نطاق أكثر احتواءً. لذلك يبدو الأدقّ فهم هذه الحالة لا بوصفها انهياراً فورياً وشاملاً، بل تسرّباً بطيئاً يضعف الأساسات بهدوء على مدى أعوام قبل أن يُنظر إليه بوصفه أزمة.

لكن هل تعكس هذه الأرقام الواقع فعلاً؟

يسبّب هذا السؤال قدراً من الحرج لبعض الفاعلين في القطاع المالي. فعلى خلاف الأسهم، حيث يظهر سعر سهم «أبل» بصورة لحظية ومتواصلة، لا تخضع قروض الائتمان الخاص لتقييم وفقاً لأسعار السوق. وتتولّى الصناديق نفسها تحديد القيمة التي تنسبها إلى هذه القروض. ويمكن تشبيه ذلك بامتلاك منزل في حيّ يشهد تراجعاً في الأسعار: ما لم يحاول المالك بيع المنزل، يستطيع أن يفترض أنّ قيمته لا تزال تعادل ما دفعه عند شرائه. الخسارة، إذاً، قائمة، لكنها لم تُثبت بعد محاسبياً.

1

ومع ذلك، لا يجمع الجميع على أنّ الوضع يتجه إلى انهيار شامل. فقد عرض «جون غراي» من «بلاكستون» تقديراً علنياً مفاده أنّ معدلات التعثّر، حتى في حال بلوغها مستويات كارثية، لن تؤدي إلا إلى خفض العائد بنحو 3 نقاط مئوية سنوياً على مدى عدة أعوام. وهذا تطوّر مؤلم، لكنه لا يحمل طابعاً وجودياً. والأهم أنّ هذه الحالة تختلف عن عام 2008، لأنّ كل قرض داخل هذه المحافظ خضع لتقييم ائتماني مسبق، شمل العناية الواجبة، والتحليل الائتماني، وتحليل المخاطر. ولم تجرِ هنا عملية توزيع رهون عقارية بلا ضوابط على أي مقترض محتمل. تبدو المخاطر، في هذا المعنى، مرئية. لذلك يتركّز السؤال الأساسي في مدى عمق الاضطراب الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي، وفي السرعة التي يتقدّم بها.

غير أنّ ما يمنح اللحظة الراهنة خصوصيتها أنّ الاضطراب الذي يحدثه الذكاء الاصطناعي في أرباح قطاع البرمجيات لا يعبّر عن مزاج مؤقّت في السوق. وإذا بسط الذكاء الاصطناعي هيمنته الكاملة على هذا القطاع، فسيغدو سداد هذه القروض بالغ الصعوبة.

وبينما يتواصل الانشغال بتبعات الحرب، وهي تبعات ضخمة من دون شك، يتكشّف هذا المسار في الزمن الفعلي.

نُشِر هذا المقال بالإنكليزية على مدوّنة World Debriefed، ونشرت النسخة العربية منه على موقع «صفر» باتفاق مع الكاتبة.

    سيلين بطيش

    خبيرة جيو-اقتصاد، حائزة على شهادة الماجستير من جامعة جونز هوبكنز (SAIS) واشنطن في الاقتصاد الدولي والاقتصاد السياسي. عملت سابقاً كمحلّلة أبحاث في الاقتصاد الكُلّي لدى صندوق النقد الدولي وغطّت منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا جنوب الصحراء. تعمل حالياً مستشارة مستقلة في المخاطر الجيوسياسية والتحليل الاقتصادي الكلّي، كما أسست منصة «World Debriefed»، وهي نشرة متخصّصة في الجغرافيا السياسية والاقتصاد الكلّي والأسواق العالمية.

    سري أبو المنى

    أستاذ فلسفة في التعليم الثانوي، وطالب ماجيستير في الفلسفة