عمّال الخدمات في عصر الرأسمال الاحتكاري
- مراجعة لكتاب فابيان فان أونزن «عمال الخدمة في عصر رأس المال الاحتكاري» الذي يتناول الجدل بشأن موقع عمّال الخدمات والتجزئة اليوم، وهل ينتجون فائض قيمة وينتمون فعلاً إلى الطبقة العاملة. ليؤكد أنّ التحولات التي فرضتها الرأسمالية الاحتكارية جعلت عمّال الخدمات جزءاً من البروليتاريا الحديثة.
تمتدّ وظائف الخدمات والتجزئة بين عمّال النظافة والباريستا، مروراً بسائقي الحافلات والمدراء، ووصولاً إلى المصممين والمؤرّخين. لكن يظل وضع هذه الفئة مُلتبساً ومثيراً للجدل داخل النظرية الماركسية. يدور الخلاف حول سؤالين جوهريين: هل ينتج هؤلاء فائضَ قيمة؟ وهل ينتمون إلى الطبقة العاملة؟ تجاه هذين السؤالين، يقدّم المفكّر الماركسي البارز نيكوس بولانتزاس إجابة قاطعة بالنفي: فهم في رأيه لا ينتجون فائض قيمة، ومن ثَمّ يقعون خارج نطاق الطبقة العاملة. إلا أن هذه الإجابة تثير بدورها تساؤلات أخرى: لماذا بات فائض القيمة هو العلامة الفارقة للانتماء إلى الطبقة العاملة؟ ثم هل يتسم مفهوم بولانتزاس للقيمة بالصحة؟ يشكل هذان السؤالان حجر الزاوية في كتاب فابيان فان أونزن «عمال الخدمة في عصر رأس المال الاحتكاري»، حيث يخوض المؤلف في حوار نقدي مع أطروحات بولانتزاس ليخلص إلى أن عمال الخدمة والتجزئة، على الأقل في ظل هيمنة الرأسمالية الاحتكارية، هم أبناء شرعيون للطبقة العاملة. بيد أن بلورة هذه الرؤية استلزمت من فان أونزن أن يضع تصوراً نظرياً متجدداً لكل من الطبقة العاملة وفائض القيمة.
تغدو الطبقة العاملة اليوم أكثر صعوبة في التعريف بالمقارنة مع فترة ماركس وإنغلز. في زمنهما، تحدّد وجود الطبقة العاملة من خلال العمل في المصانع وظروف العيش البائسة والاستغلال. يذكر البيان الشيوعي أن أفراد الطبقة العاملة «عبيد للطبقة البرجوازية والدولة البرجوازية؛ يخضعون للاستعباد في كل ساعة ويوم عبر الآلة وعبر المراقب وقبل كل شيء عبر الرأسمالي الفرد نفسه». وبسبب أعدادهم إضافة إلى فضائهم المشترك داخل قاعة المصنع، «تحوّلَت جموع العمال» إلى قوة «منظمة كجنود». هذا المزيج من العمل الميكانيكي والتنظيم الجماهيري والخضوع لمستغلين يمكن تحديدهم بسهولة (المراقب، والرأسمالي الفرد) دفع ماركس وإنغلز للاعتقاد بامتلاك الطبقة العاملة قدرة ثورية. مع ذلك، هذا المزيج من العوامل نادر الظهور في المجتمعات الغربية الحديثة، ما يجعل تعريف الطبقات العاملة أكثر تعقيداً.
يرى فان أونزن أن العالم تبدّل. في القرن التاسع عشر، ارتكزت الأسواق على مبادرات أفراد ومنافسة حادة، فيما تفرض الرأسمالية الاحتكارية حضورها اليوم عبر شركات معدودة ومنافسة ضعيفة. شهدت القوى العاملة بدورها انتقال العمل المصنعي من الغرب نحو أوروبا الشرقية (مثل جمهورية التشيك وسلوفاكيا وبولندا) أو آسيا (مثل الصين والهند وماليزيا). وبالتالي حلّت أعمال الخدمات والبيع بالتجزئة في الغرب محل العمل المصنعي في شكل شبه كامل.
ما الذي يعرّف الطبقة العاملة اليوم؟ ومعه سؤال آخر لا يقل أهمية: هل يملك العاملون خارج المصانع، أولئك المنتشرون في مساحات الخدمات والتجزئة، قدرة ثورية محتملة؟
أطلقت التحولات السابقة شرارة نقاش واسع حول الطبقة العاملة. عاد السؤال القديم ليطلّ من جديد: ما الذي يعرّف الطبقة العاملة اليوم؟ ومعه سؤال آخر لا يقل أهمية: هل يملك العاملون خارج المصانع، أولئك المنتشرون في مساحات الخدمات والتجزئة، قدرة ثورية محتملة؟ يوجّه فان أونزن هذين السؤالين نحو هذا القطاع تحديداً، معتبراً أن الإجابة تعمّق فهم أنماط الإنتاج وتمنح العمّال أدوات تنظيم أشد فاعلية. وبذلك، في نظره، لا تُصاغ هذه الأسئلة لخدمة النظرية وحدها بل لخدمة التنظيم العمّالي نفسه.
في قراءته للموقع الطبقي لعمال الخدمات والتجزئة، يلمع في خلفية نص فان أونزن حضور ثلاث نظريات طبقية متباينة. وعلى الرغم من أنّه لا يعلن هذه الحدود بصوت واضح، يتكوّن مسار حجته كحوار مع ثلاث مقاربات: خيانة الطبقة، والاصطفاف الطبقي، وتضامن الطبقة.
ترى نظريات «خيانة الطبقة» أنّ عمال الخدمات والتجزئة لا يقفون في صفوف البروليتاريا، بل ينزلقون إمّا نحو «أرستقراطية العمل» أو نحو «البرجوازية الصغيرة الجديدة». وتذهب إلى أن موقعهم لا يختلف عن موقع عمّال المصانع فحسب، بل يتحوّل إلى عائق يقف في وجه أي اندفاع ثوري. لذلك تدعوهم هذه النظريات إلى خيانة موقعهم الطبقي، على غرار ما فعله إنغلز حين وقف إلى جانب الإمكان الثوري للطبقة العاملة الغربية. الفكرة نفسها تُسقِطها هذه المقاربات على عمال الخدمات والتجزئة عبر حثّهم على دعم الإمكان الثوري للطبقة العاملة في أوروبا الشرقية وآسيا. تدفع أصوات مثل زاك كوب بهذا الاتجاه، غير أنّ فان أونزن يواجه هذه النظريات برفض كامل.
تتداخل نظريات الاصطفاف الطبقي جزئياً مع نظريات خيانة الطبقة. فكما في نظريات خيانة الطبقة، تُصنّف نظريات الاصطفاف الطبقي عمال الخدمات والتجزئة ضمن «أرستقراطية العمل» أو «البرجوازية الصغيرة الجديدة». مع ذلك، وعلى الرغم من موقعهم الطبقي المختلف، يستطيع عمال الخدمات والتجزئة تكوين تحالفات مع الطبقة العاملة. يمكن لهذه التحالفات أن تنشأ لأن أرستقراطية العمل/البرجوازية الصغيرة الجديدة تتعرض بدورها لمعاناة داخل النظام الرأسمالي، ما يفتح الباب أمام كسبها عبر سياسات اشتراكية. يقدّم كتّاب مثل بولانتزاس طرحاً من هذا النوع. وعلى الرغم من أنّ فان أونزن يرفض أيضاً نظريات الاصطفاف الطبقي، إلا أنّ رفضه لا يأتي بالكامل. فهو يرى أنّ تلك النظريات تنشأ نتيجة قراءة خاطئة لمفهوم العمل المنتج.
أخيراً، هناك نظريات التضامن الطبقي. على عكس نظريات خيانة الطبقة والاصطفاف الطبقي المذكورة أعلاه، تقول نظريات التضامن الطبقي إن عمال الخدمات والتجزئة ينتمون إلى «الطبقة العاملة». وبما أن نظريات التضامن الطبقي تضع هؤلاء العمال في الشريحة نفسها التي يشغلها عمال المصانع، فإن تركيزها ينصب على استراتيجيات التضامن داخل الطبقة العاملة. يبدو أن فان أونزن، بالاستناد إلى مفكرين مثل بول باران وبول سويزي وهاري برفيرمان وديفيد هارفي، يميل إلى هذا الرأي. ومع ذلك، يستند إلى تفسير مفاجئ نسبياً للعمل المنتج وغير المنتج. ويعود جزء من هذا المفاجئ إلى تفسيره الخاص لفائض القيمة.
إن العمال الذين يخلقون فائض القيمة، أي العمال المنتجون هم الأهم: فهم يختبرون الاستغلال بشكل مباشر ويواجهون أزمات الرأسمالية بشكل أوضح
شكل التمييز بين العمل المنتج وغير المنتج سمة مهمة في الماركسية الكلاسيكية. يكمن المفتاح لتمييز هذين النوعين من العمل في دراسة مفهوم فائض القيمة، القيمة الزائدة التي يخلقها العمل فوق أجره. بينما ينتج العمل المنتج فائض القيمة، لا يمكن للعمل غير المنتج تحقيق ذلك. ومع أنّ ماركس يرى أن الطبقة العاملة تتألف من عمال منتجين وغير منتجين، فإن العمال الذين يخلقون فائض القيمة، أي العمال المنتجون هم الأهم: فهم يختبرون الاستغلال بشكل مباشر ويواجهون أزمات الرأسمالية بشكل أوضح. وبسبب هذه الأهمية، ظهرت نقاشات حول سؤال أي العمال ينتجون فائض القيمة هذا، وبرزت نظريات مختلفة. على سبيل المثال، رأى نظري مثل بولانتزاس أنّ العمال اليدويين فقط هم من يستطيعون إنتاج فائض القيمة. ومع ذلك، غالباً ما يُعتبر هذا الموقف صارماً جداً. فقد رأى ماركس، أن العمل الذهني على سبيل المثال يمكنه أيضاً إنتاج فائض القيمة. فعندما يحصل معلم على أجر أقل مما تتقاضاه المدرسة مقابل تدريسه، ينتج هذا المعلم فائض القيمة. وبالتالي، من منظور ماركسي تقليدي، بعض أقسام العمل الخدمي (مثل تدريس المهارات) يمكن أن تنتج فائض القيمة، في حين أن أقساماً أخرى (مثل تنظيم الفعاليات) لا يمكنها إنتاج فائض القيمة. ومع ذلك، يبدو أن فان أونزن لا يتبع هذا التفسير الكلاسيكي.
على الرغم من أنّ فان أونزن يتبنّى تعريفاً لفائض القيمة مشابهاً لما ذُكر أعلاه، إلا أنّه يعيد تفسيره كمفهوم نسبي. ضمن هذا المنظور النسبي، الذي اقترحه ديفيد هارفي في الأصل، يُنظر إلى فائض القيمة على أنه ينشأ من العلاقات الاجتماعية بين العمال. ونتيجة لذلك، تصبح سلسلة الإنتاج بأكملها مسؤولة عن إنتاج فائض القيمة. بالالتزام بهذا المنظور النسبي، يستنتج فان أونزن أن باريستا هولندي وشاحِن فرنسي ومزارع قهوة من غامبون ينتجون فائض القيمة بشكل جماعي. ضمن النظرية الماركسية، يُعدّ هذا الموقف النسبي تجاه فائض القيمة مثار جدل. وبما أنّ فان أونزن يستفيد من هذا الفهم لوضع خريطة لتنظيم العمل، يمكن أن تنشأ مناقشة مثيرة للاهتمام، تتجاوز نطاق هذا الاستعراض، حول تأثير تفسيره على الممارسة العملية.
يُنظر إلى فائض القيمة على أنه ينشأ من العلاقات الاجتماعية بين العمال. ونتيجة لذلك، تصبح سلسلة الإنتاج بأكملها مسؤولة عن إنتاج فائض القيمة
يقدّم كتاب عمال الخدمات في عصر الرأسمال الاحتكاري تنظيماً محكماً وواضحاً. من خلال منهج المادية التاريخية (الفصل الثاني)، يقسّم فان أونزن الفصول بين عمال الخدمات (الرابع والثامن) وموظفي التجزئة (الخامس والتاسع)، ليصل لاحقاً إلى استراتيجيات تنظيمية (العاشر) وصياغة روح اشتراكية مشتركة لهؤلاء العمال (الحادي عشر). الكتاب غني بالنظرية ومتصّل بكتّاب ماركسيين محددين، لكنه يترك أثراً من الجدل حول بعض النقاط، أبرزها موقفه من الرأسمال الاحتكاري وتفسيره النسبي لفائض القيمة، الذي طالما شكّل نقطة خلاف بين الماركسيين التقليديين. كما أثارت أطروحته حول سيطرة الرأسمال الاحتكاري على أسواق أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين جدلاً، خصوصاً لدى ناقد صريح مثل بول ماتييك. وكان من الممكن أن يضيف معالجة هذا النقد بعداً إضافياً لقراءته.
قد يكون من اللافت أيضاً اختبار كيفية صمود حجج فان أونزن أمام النظريات التي طوّرتها تنظيمات قائمة في قطاعي الخدمات والتجزئة؛ ففي أوروبا على الأقل، يعتمد المنظّمون في هذين القطاعين على أشكال أخرى من التنظير (كالشيوعية المجالسية، والأوتونوميا، والعُمّالية) تختلف عن الأطر التي يتناولها فان أونزن، فإضراب عمّال التوصيل في اليونان في العام 2021 مثلاً، إلى جانب التنظيمات القاعدية في قطاعي الخدمات والتجزئة (FAU وCNT على سبيل المثال) ، يستندان إلى نقابية قاعدية، بينما ترتكز شبكات التضامن مثل Horeca United وRadical Riders على العُمّالية؛ وعند قراءة الكتاب، يتردّد السؤال عن موقع فان أونزن من هذه المواقف القائمة، وكيف قد ينسجم معها أو يتعارض، ومع ذلك يظلّ الكتاب عملاً شيّقاً لمن يهمّه رصد تحوّلات البنية الطبقية المعاصرة، وكسائر الكتب الجيدة، يحرّض على نقاشات وأسئلة كثيرة بعد الانتهاء منه.
نُشر هذا المقال في 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 على موقع Marx & Philosophy Review of Books بموجب رخصة المشاع الإبداعي.