التنافس على الموارد مع الصين يقف خلف حرب ترامب على إيران

التنافس على الموارد مع الصين يقف خلف حرب ترامب على إيران

تسليط ضوءفي صباح 23 شباط/فبراير 2026، اتصل بنيامين نتنياهو بدونالد ترامب من القدس حاملاً معلومات استخباراتية غيّرت مسار حربهما على إيران. كان من المقرر أن يجتمع مسؤولون إيرانيون كبار، بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي نفسه، في مجمّع داخل طهران ذلك السبت، ما جعلهم عرضة لضربة جوية واحدة. تلقّى ترامب الاتصال في مارالاغو.

قبل ذلك بأسبوعين، اجتمع ترامب ونتنياهو في واشنطن لمدة 3 ساعات، ضمن جلسة وصفها الحاضرون بأنها شديدة الجدية والقتامة، وكرّساها للتخطيط التفصيلي لعملية منسّقة. وحتى قبل اجتماع الزعيمين، أصدر ترامب أمراً بنشر قوات على نطاق واسع في الشرق الأوسط عقب انتفاضة في إيران قمعتها القيادة الإيرانية بعنف دموي. وكان واضحاً أن الرئيس يدرس خيار مهاجمة إيران، من دون أن يتخذ قراراً نهائياً بشأن التوقيت.

في أعقاب مكالمته مع نتنياهو، طلب ترامب من وكالة الاستخبارات المركزية التحقق من المعلومات الإسرائيلية. وأكدت الوكالة صحتها. بعد 3 أيام، اتصل مبعوثاه جاريد كوشنر وستيف ويتكوف من جنيف. وقالا إن المفاوضات مع إيران وصلت إلى طريق مسدود. عندها تلاقت العناصر كلها أمام ترامب: الخطة، والفرصة العملياتية، والانسداد الدبلوماسي. فكانت النتيجة عملية «الغضب الملحمي»، وهي ضربة مباغتة مشتركة أميركية إسرائيلية أدت إلى مقتل خامنئي وأشعلت الحرب.

غير أن الصدام بين إيران والولايات المتّحدة لا تعود بدايته إلى تلك المكالمة، ولا إلى اليورانيوم المخصّب القابع في أعماق أصفهان. تعود البداية إلى ما قبل 8 أعوام، حين دخلت واشنطن وبكين في صراع وجودي صامت حول البنية المادية للمستقبل. وقد تجسد هذا الصراع في حرب مواقع حادة، غابت عن الأنظار تحت سيل من إعلانات وزارات التجارة المملّة بشأن معادن مجهولة بالنسبة إلى معظم الناس. ولتفسير سبب قصف الطائرات الأميركية والإسرائيلية لطهران في ذلك الصباح من يوم السبت، ينبغي الانتقال لا إلى الخليج، بل إلى قرى السرطان في منغوليا الداخلية.

السرطان في منغوليا

في حقل التعدين في بايان أوبو، في منغوليا الداخلية وعلى بعد 150 كيلومتراً إلى الشمال من باوتو، تفتح الأرض جوفها للمعادن التي تحرّك العالم الحديث. وهناك، عند حافة صحراء غوبي، يتركّز أكثر من 80% من احتياطيات الصين من العناصر الأرضية النادرة.

لم يشهد الإنتاج توسعاً فعلياً إلا في تسعينيات القرن الماضي، حين خلصت الحكومات الغربية، بهدوء، إلى أن استخراج هذه المعادن ينطوي على قدر من التلوث والسمّية لا ترغب في تعريض مواطنيها له. لذلك تركت هذه المهمة للصين. وبين عامَي 1990 و2000، ارتفع الإنتاج الصيني بنسبة 450%. وفي المقابل، أغلقت الدول الغربية مناجمها وأدارت نظرها عن النتائج.

ما تجاهلته تلك الدول كان النفايات السامة والمشعّة التي خلّفتها معامل الصهر، والتي تدفقت إلى حفر مفتوحة وخزانات غير مبطّنة، ثم تسربت نحو النهر الأصفر، المصدر الرئيس لمياه الشرب في جزء كبير من شمال الصين. وصارت القرى المحيطة بباوتو تُعرف، بواقعية قاتمة، باسم «قرى السرطان». ووثّق باحثون موجات من الاضطرابات العظمية والتشوّهات الخَلقية. وكان الأطفال يستنشقون الغبار المشعّ لمجرد لعبهم في الشارع.

وتتوفر تقنيات لاستخراج العناصر الأرضية النادرة بضرر أقل، لكن كلفتها أعلى. ولهذا اختارت بكين الطريق الأرخص. وحتى اليوم، ما تزال بقايا قرى السرطان المهدّمة متناثرة بين أنابيب صدئة ومستودعات مهجورة.

لم تبلغ الصين موقع الهيمنة الذي تحتله بمجرد الحظ الجيولوجي. فالعناصر الأرضية النادرة موزعة على نطاق عالمي، لكنها نادراً ما توجد في ترسّبات غنية بما يكفي لاستخراجها بكفاءة اقتصادية، ونادراً جداً ما تظهر في أشكال يسهل فصلها بعضها عن بعض. كما أن تفكيك الروابط الكيميائية التي تجمعها في الطبيعة قد يتطلب أكثر من مئة مرحلة من المعالجة، إلى جانب كميات ضخمة من الأحماض القوية.

ومنذ ثمانينيات القرن الماضي، ضخّت بكين مليارات الدولارات لإتقان هذه العملية، وموّلت كل مرحلة من مراحل سلاسل الإمداد، إلى أن سيطرت لا على المناجم فقط، بل على الكيمياء المرتبطة بها أيضاً. وتستخرج الصين اليوم نحو 70% من العناصر الأرضية النادرة في العالم، وتكرّر 90% من الإمدادات العالمية، بما يشمل ما يقارب نصف الخام الأميركي، الذي يعبر المحيط الهادئ للمعالجة ثم يعود في هيئة مادة نهائية.

لا تنحصر استخدامات هذه المواد في تطبيقات هامشية أو متخصصة، بل تمتد إلى مجالات واسعة تشمل المحركات الكهربائية وشاشات الهواتف الذكية ومحركات الطائرات النفاثة. غير أن ما أثار قلق مخططي البنتاغون على نحو خاص هو وزنها العسكري. فالعناصر الأرضية النادرة تدخل في البنية الأساسية التي تستند إليها القدرة القتالية الأميركية، بما يشمل مقاتلات إف-35، وغواصات من فئة فرجينيا وصواريخ توماهوك وطائرات بريداتور المسيّرة.

وبحلول أواخر عام 2025، لم تعد الولايات المتّحدة تملك أي مصدر تشغيلي خارج الصين لعدد من أكثر العناصر الأرضية النادرة الثقيلة حساسية. وهكذا ظهر أن البنية الخفية للعالم الحديث تخضع لسيطرة طرف واحد. وسرعان ما اتجهت بكين إلى توظيف هذا التفوق.

الإعلان 61

واصل ترامب طوال عام 2025 رفع الرسوم الجمركية على السلع الصينية عبر سلسلة متصاعدة من الضربات. وردّت الصين في كل مرة بإجراءات مضادة محسوبة. ومع أن حرب الرسوم أوجعت بكين، حملت حرب التكنولوجيا طابعاً وجودياً.

ويمكن تتبّع جذور الغضب الصيني إلى ما قبل «يوم التحرير» في نيسان/أبريل 2025، وتحديداً إلى عام 2018، حين أطلقت إدارة ترامب الأولى حملة دبلوماسية هادئة لمنع الصين من الحصول على أحدث تقنيات شركة «إيه إس إم إل» لصناعة الرقائق.

كانت شركة «إيه إس إم إل» الهولندية، وهي الوحيدة في العالم التي تصنع آلات الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى، التي لا تقوم صناعة أشباه الموصلات المتقدمة من دونها، على وشك إرسال آلة تبلغ قيمتها 150 مليون دولار إلى زبون صيني. لكن مايك بومبيو، وزير الخارجية الأميركي، دخل بنفسه على الخط وضغط على رئيس الوزراء الهولندي مارك روته، فتجمّدت الصفقة وبقيت الآلة في مكانها.

واتسع المنع، الذي استهدف صفقة واحدة في خلال أعوام جو بايدن ثم في الولاية الثانية لترامب، إلى حصار تكنولوجي راسخ البنية، واستهدف الآلات التي تصنع الرقائق المتقدمة فقط والرقائق نفسها أيضاً، مع تمدد تدريجي نزولاً على السلم التكنولوجي وإضافة مزيد من الشركات إلى القوائم السوداء. انطلق المنطق من قاعدة مباشرة وقاسية: حين تُحرم الصين من الرقائق المتقدمة التي تشغّل الذكاء الاصطناعي، تُحرم معها من التكنولوجيا الحاكمة للجيل المقبل.

بالنسبة إلى بكين، لم يكن هذا مجرد نزاع تجاري. بل مثّل تطويقاً استراتيجياً، ومحاولة متعمّدة لإبقاء الصين في مرتبة تكنولوجية أدنى على نحو دائم، في اللحظة نفسها التي اقتربت فيها من عتبة التفوق العالمي. وتمثّلت الإهانة القصوى في أن واشنطن منعت الصين من الوصول إلى تقنيات جرى تطويرها اعتماداً على العناصر الأرضية النادرة نفسها التي عرّض العمّال الصينيون أنفسهم للتسمم أثناء استخراجها من الأرض حول باوتو. سُمِح للصين بأن تنبش التراب، ولم يُسمح لها بأن تستفيد مما أتاحه هذا التراب.

وفي نيسان/أبريل 2025، نفد صبر بكين، ففرضت قيوداً على تصدير عدد من المنتجات الأساسية من العناصر الأرضية النادرة، في خطوة تحذيرية استهدفت مباشرة شركات الصناعات الدفاعية الأميركية. وجاءت هذه الخطوة، في الوقت نفسه، احتجاجاً على الرسوم الجمركية الثلاثية الرقم التي فرضها ترامب، وردّاً على 7 أعوام من القيود المتصاعدة على أشباه الموصلات.

كان التهديد كافياً ليفرض هدنة لمدة 90 يوماً اتُّفق عليها في جنيف في أيار/مايو، فعادت الرسوم الجمركية إلى 30% وتوقفت القيود على المعادن. لكن 3 أشهر لم تحمل حلاً. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2025، ومع بدء تفاهم جنيف بالاهتراء، مدت بكين يدها من جديد إلى سلاح العناصر الأرضية النادرة، هذه المرة بطموح أوسع كثيراً وبقيود أقل على نفسها.

جاء الإعلان رقم 61 الصادر عن وزارة التجارة الصينية جافاً في لغته ومزلزلاً في مفاعيله. فقد وسّع ضوابط التصدير لتشمل 12 عنصراً من أصل 17 من العناصر الأرضية النادرة، وفرض متطلبات ترخيص على أي مغناطيس يحتوي ولو على أثر ضئيل من مادة صينية المنشأ، بصرف النظر عن مكان تصنيعه.

ومعنى ذلك أن شركة ألمانية، على سبيل المثال، إذا أدخلت قدراً ضئيلاً جداً من العناصر الأرضية النادرة الصينية في تصنيع سلعة ما، غدت مطالبة بأن تستأذن بكين قبل أن تصدّرها إلى أي موضع آخر في العالم. كذلك فرض الإعلان 61 حظراً مطلقاً على تصدير العناصر الأرضية النادرة لأي استخدام عسكري. وقد استُعير البناء القانوني لهذا الإجراء، بصورة شبه حرفية، من الترسانة التنظيمية الأميركية نفسها، والمقصود هنا قاعدة المنتج الأجنبي المباشر، وهي آلية استخدمتها الولايات المتّحدة لفترة طويلة لتقييد وصول الصين إلى أشباه الموصلات المتقدمة، قبل أن تنقلب الآن على واضعيها.

أحدث هذا التطور ارتباكاً واضحاً في واشنطن. فقد انكمش، بصورة ملموسة، وصولها إلى المورد الحيوي الذي تعتمد عليه أكثر صناعاتها تقدّماً. وصرّح وزير الخزانة سكوت بيسنت بأن «بكين وجّهت "بازوكا" نحو سلاسل التوريد والقاعدة الصناعية للعالم الحر بأسره». أما ردّ ترامب، فجاء انفجارياً. إذ أعلن فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 100% على السلع الصينية، فوق نسبة 30% المعمول بها أصلاً، وهدّد بفرض قيود شاملة على البرمجيات الحيوية، كما ألغى لقاءه المقرر مع شي جين بينغ في كوريا الجنوبية. غير أن هذا التصعيد لم يدم طويلاً.

في غضون أيام من تصعيد ترامب على منصة «تروث سوشال»، شرع الطرفان، بهدوء، في البحث عن مخرج. وفي 30 تشرين الأول/أكتوبر، التقى ترامب وشي جين بينغ على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ في مطار غيمهاي الدولي في بوسان، كوريا الجنوبية. ولم يخرج الاتفاق الذي توصلا إليه عن كونه استعادة حذرة للوضع القائم الذي سبق تشرين الأول/أكتوبر، جرى تقديمها بوصفها اختراقاً.

وخفّضت واشنطن الرسوم الجمركية إلى حدّ كبير، كما علّقت القواعد التي تقيّد تصدير أشباه الموصلات وآلات تصنيع الرقائق إلى الشركات المرتبطة بالصين. ومن جهتها، جمّدت بكين الإعلان 61 لعام واحد. وهكذا وُضعت أزمة العناصر الأرضية النادرة مؤقتاً على الرف. لكن «البازوكا»، وفق تعبير بيسنت، لم تُسحب من المشهد، بل أُعيدت فقط إلى موضعها. وظلّت هناك، جاهزة لأن تستخدمها بكين من جديد.

قال ترامب للصحافيين إنه يمنح اجتماعه مع شي جين بينغ علامة «12 من 10». لكن مراقبين آخرين لم يشاركوه هذا التقدير المتفائل. واعتبر الباحث جين كانرونغ أن بوسان أظهرت أن الصين والولايات المتّحدة أصبحتا «قوتين عظميين متكافئتين». واستخلصت النخب الصينية من ذلك أن التهديدات المضادة الحازمة تنجح، وأن من الممكن دفع واشنطن إلى الزاوية.

لكن ترامب خرج بخلاصة مختلفة. شعر بالإهانة لأن هناك نقطة اختناق لا يسيطر عليها. والسؤال بالنسبة إليه صار: هل يستطيع أن يجد نقطة اختناق تخصّه؟ وكان لديه مرشح جاهز: مصافي مقاطعة شاندونغ.

أباريق شاندونغ

على امتداد ساحل مقاطعة شاندونغ، يمتد مشهد صناعي لمئات الكيلومترات: خزانات تخزين، وأبراج تكسير، ومداخن مصافٍ ترتفع فوق قرى الصيد. ولم تبدأ المصافي المستقلة المتجمعة هناك، والمعروفة باسم «أباريق الشاي» لصغر حجمها الأصلي، في الحصول على تراخيص الاستيراد إلا في عام 2015، حين كسرت بكين احتكار الدولة لشراء النفط.

وفي خلال أقل من عقد، صارت هذه المصافي تمثل ربع طاقة التكرير في الصين، وتحوّلت إلى محرّك لاقتصاد إقليمي تقارب قيمته 10 تريليونات يوان، مع مئات آلاف الوظائف الممتدة من أرض المصانع إلى اللوجستيات والكيماويات والخدمات المساندة. ويؤدي مجمّع شاندونغ للتكرير دوراً حاسماً في الاقتصاد الصيني، لكنه يعمل بنوع محدد جداً من الوقود.

كان سرّ هذه المصافي هو العقوبات. فعندما قطعت الولايات المتّحدة إيران وفنزويلا عن المشترين الغربيين، خلقت من دون قصد طبقة من المورّدين تبيع بخصومات كبيرة لأي جهة تقبل الشحنة من دون كثير من الأسئلة. ولم تطرح «أباريق الشاي» أي سؤال. فقد وصل النفط الخام الثقيل الإيراني والفنزويلي بعد إعادة تصنيفه على أنه ماليزي أو عُماني أو إندونيسي، إثر عمليات نقل من سفينة إلى أخرى في المياه الدولية نفذتها ناقلات أطفأت أجهزة التتبّع فيها.

وبحلول عام 2025، شكّل الخام الخاضع للعقوبات الأميركية من إيران وفنزويلا نحو 17 إلى 18% من مجمل واردات الصين النفطية. وحافظت المصافي الحكومية الصينية العملاقة على نظافة أيديها وعلى مسافة آمنة. أما «أباريق الشاي»، فتولت العمل القذر. فهي شركات تبدو خاصة اسمياً، لكنها منسوجة داخل الدولة الصينية عبر شراكات مع شركات مملوكة للدولة. وقدمت بكين الوصول إلى الموانئ، وغضّ الطرف المدروس الذي جعل المنظومة كلها ممكنة.

والخصائص نفسها التي منحت «أباريق الشاي» قدرتها التنافسية، الاعتماد على النفط الخام الثقيل المخفّض واللوجستيات الخفية والمورّدين الخاضعين للعقوبات، جعلتها شديدة الهشاشة أمام أي جهة تختار ضرب طرف الإمداد من السلسلة بدلاً من استهداف المصافي نفسها. ويبدو أن ترامب انتبه إلى ذلك وبدأ يستهدف مورّدي شاندونغ.

الحرب الباردة الجديدة تصل إلى الكاريبي

في ليلة 3 كانون الثاني/يناير 2026، ألقت قوات أميركية خاصة القبض على نيكولاس مادورو من مقر إقامته في كاراكاس، ونقلته إلى نيويورك لمواجهة تهم تتعلق بالإرهاب المرتبط بالمخدرات. بالنسبة إلى واشنطن، كانت العملية إجراءً لإنفاذ القانون. أما بالنسبة إلى بكين، فبدت أقرب إلى كارثة.

لم تقتصر أهمية فنزويلا بالنسبة إلى الصين على كونها شريكاً تجارياً، إذ مثّلت أكبر جهة متلقية منفردة للتمويل المدعوم من الدولة الصينية في أميركا اللاتينية، مع 106 التزامات إقراض تجاوز مجموعها 100 مليار دولار، واتخذت الغالبية الساحقة منها شكل ترتيبات سداد مضمونة بالنفط. وكان بنك التنمية الصيني قد بنى رهانه الأساسي على النفط الخام الفنزويلي بوصفه ضمانة. ومع غياب مادورو وإعلان واشنطن عزمها على السيطرة على صادرات فنزويلا النفطية، انتقلت تلك الضمانة عملياً إلى اليد الأميركية.

أبدت بكين «قلقاً بالغاً» وطالبت بالإفراج الفوري عن مادورو، فيما تجاهلت إدارة ترامب الرد. وُجِّهت عائدات أولى مبيعات النفط الفنزويلي، نحو 500 مليون دولار، إلى حساب مصرفي في قطر، بعيداً عن متناول الدائنين، سواء الفنزويليين أو الصينيين.

بعدها بدأ عرض عملي لكيفية تسليح الطاقة بدقة. كانت فنزويلا تزود كوبا بنحو 35 ألف برميل يومياً، وهو تدفّق حيوي لبلد يعتمد تقريباً كلياً على النفط لتشغيل شبكته الكهربائية. أوقف ترامب هذا الإمداد فوراً، مهدداً بفرض رسوم على أي دولة تحاول التعويض. تعطّلت في خلال أسابيع محطات الكهرباء، وبحلول آذار/مارس انهارت الشبكة بالكامل، ما أدّى إلى تعتيم شامل واحتجاجات في بلد تجرّم قوانينه التظاهر غير المصرّح به.

أوضح الأمر التنفيذي الصادر عن ترامب المنطق الاستراتيجي الكامن وراء سياسة الخنق هذه. فقد استضافت كوبا في لورديس، بالقرب من هافانا، أكبر منشأة روسية خارجية لاستخبارات الإشارات، وهي مجمّع ضخم من الهوائيات ظل يلتقط الاتصالات العسكرية الأميركية منذ الحرب الباردة. كما احتضنت 4 مواقع تنصّت صينية، من بينها منشأة بيخوكل، التي كانت أطباقها اللاقطة ترصد، عبر الغابة الاستوائية، مقر القيادة المركزية الأميركية المسؤولة عن الشرق الأوسط، إلى جانب مقر إقامة ترامب في مارالاغو، والميدان التدريبي الأميركي الوحيد القادر على محاكاة القتال في مضيق تايوان.

وجعل ترامب شرطه لرفع الحظر النفطي عن كوبا واضحاً: تغيير النظام في هافانا. وعند تحقق ذلك، وفق هذا التصور، تفقد روسيا والصين قدرتهما على الرصد هناك.

بالنسبة إلى مصافي شاندونغ، شكّل اعتقال مادورو صدمة في الإمدادات لم تكن مستعدة لها. كان النفط الفنزويلي الثقيل هو اللقيم الذي بُني عليه نموذج أعمالها: نفط عالي الكبريت وصعب المعالجة، لكنه يُباع بخصم يتراوح بين 10 و15 دولاراً عن خام برنت.

في خلال أسابيع، انهارت الصادرات إلى آسيا بنسبة 67%. وجد المشترون الصينيون، الذين استحوذوا على ثلاثة أرباع النفط الفنزويلي في العام السابق، أن قواعد اللعبة تغيّرت. أوضح ترامب أنهم سيدفعون أسعار السوق العالمية، ما أنهى الخصم فوراً.

ومنذ ذلك الحين، وقفت مصافي شاندونغ أمام مفترق قاسٍ: أن تجد بديلاً مكافئاً، أو ترى أرباحها تتهاوى. ولم يختلف المحللون والتجّار كثيراً في تقدير الوجهة التالية. كان النفط الخام الثقيل الإيراني هو البديل الأرخص المتاح، إذ بيع بخصم يناهز 10 دولارات دون خام برنت. وكانت بكين تتوقع انتقالاً سهلاً. لكن نتنياهو وترامب كانا يعدّان شيئاً آخر.

أحلام عابرة للجزيرة العربية

في الوقت الذي واصلت فيه الطائرات الأميركية والإسرائيلية قصف أهداف داخل إيران، انصرف ترامب ونتنياهو إلى التفكير في النفط. ولم ينحصر ما سعت إليه إسرائيل من هذه الحرب في إزالة النظام الإيراني. بل تحرك نتنياهو ضمن تصور أوسع لهندسة إقليمية. وعلى هذا الأساس، لم يُنظر إلى إغلاق مضيق هرمز، الذي عمدت القوات الإيرانية إلى تلغيمه وفرض حصار عليه بعد أيام من الضربات الافتتاحية، بوصفه أزمة تستدعي الإدارة فحسب، وإنما بوصفه فرصة قابلة للاستغلال.

على امتداد عقود، تدفق نفط الخليج شرقاً وغرباً عبر مضيق هرمز. وطُرح بديل من قبل: خط الأنابيب العابر للجزيرة العربية، المعروف باسم «تابلاين»، الذي أنشأته شركات أميركية في أواخر أربعينيات القرن الماضي لنقل النفط الخام السعودي براً عبر الأردن وسوريا إلى ميناء الزهراني اللبناني. وكان هذا الخط في ذلك الوقت واحداً من أطول خطوط الأنابيب في العالم. ثم دفعت السياسات العربية والصراعات الإقليمية به إلى التوقف بحلول منتصف سبعينيات القرن الماضي.

وقامت رؤية نتنياهو على إحياء هذه الفكرة، مع جعل دولة إسرائيل نقطة النهاية. وتصوّر اقتراحه الأصلي في عام 2017 مساراً لخط أنابيب بطول 700 كيلومتر ينطلق من ميناء ينبع السعودي، ويمر عبر الأردن إلى إيلات، ثم يعبر من هناك عبر خط إيلات–عسقلان القائم مباشرة إلى البحر المتوسط، متجاوزاً مضيق هرمز وباب المندب بالكامل. وكانت رسوم العبور، المقدّرة بمئات ملايين الدولارات سنوياً، ستتدفق إلى خزينة إسرائيل، فيما يتدفق النفط إلى أوروبا.

حظيت الفكرة بتأييد إدارة ترامب الأولى، غير أن السعودية تعاملت معها بفتور. وقد أضفت أزمة مضيق هرمز في عام 2026 قدراً جديداً من الإلحاح على هذا التصور، ما أتاح لنتنياهو أن يقدّمه علناً. وذهب أيضاً إلى القول إن خط الأنابيب الجديد الممتد من ينبع إلى إيلات يمكن بناؤه في غضون 3 أعوام.

غير أن المنطق الجيوسياسي لهذا المشروع يتجاوز ذلك. فإقامة منظومة لخطوط الأنابيب تُوجّه نفط الخليج نحو موانئ البحر المتوسط بدلاً من مروره عبر مضيق هرمز من شأنها أن تعيد تشكيل البنية الاقتصادية للتنافس الأميركي–الصيني برمته. فالنفظ الذي ينتقل براً إلى عسقلان ثم إلى الأسواق الأوروبية سيغدو أعلى كلفة بالنسبة إلى المشترين الآسيويين وأقل كلفة بالنسبة إلى الأوروبيين، الأمر الذي يعيد توجيه تدفقات الطاقة بعيداً عن الصين ولمصلحة حلفاء الولايات المتّحدة.

لعلّ إحدى النتائج التي توقّعها نتنياهو، أو ربما استحسنها، تمثّلت في نشوء إيران مجزأة وأكثر راديكالية، بحيث تؤدي عدائيتها تجاه الملكيات الخليجية إلى ترسيخ شعور دائم بالتهديد لدى هذه الدول. وفي هذا السياق، تغدو الخلاصة التي قد تنتهي إليها دول الخليج واضحة: إسرائيل هي الجهة الوحيدة القادرة على توفير الحماية لها.

وفي أواخر آذار/مارس 2026، صادق أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، على الرهان الذي بنى عليه نتنياهو. فقد أدّت الهجمات الصاروخية وهجمات المسيّرات الإيرانية على دول الخليج إلى تثبيت طهران بوصفها التهديد الإقليمي الرئيس، ودفع الدول العربية إلى مراجعة اصطفافاتها. ولاحظ قرقاش: «نحن لا نرى 2000 صاروخ ومسيّرة إسرائيلية تستهدفنا، نحن نرى 2000 صاروخ ومسيّرة إيرانية تستهدفنا».

مضيق ترامب

استشعر ترامب اللحظة، فدعا السعودية في أواخر آذار/مارس إلى الانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية. لكن بينما كان نتنياهو يوجّه نظره إلى خطوط الأنابيب، أراد ترامب الاستيلاء على حقول النفط. وكان النموذج الذي يفكر فيه يعمل بالفعل في كاراكاس.

بقيت ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو، في موقعها بعد القبض على رئيسها، وتحولت إلى محاوِرة مطواعة لواشنطن في ملف النفط الفنزويلي. وأراد ترامب الترتيب نفسه في طهران: نظاماً خلَفاً مرناً يتعاون في الإنتاج والتسعير. وقال مسؤول في الإدارة للصحافيين: «المسألة كلها تتعلق بتنصيب شخصية شبيهة بديلسي رودريغيز». وقال ترامب نفسه لصحيفة «فايننشال تايمز» في أواخر آذار/مارس: «بصراحة، الشيء الذي أفضله هو أن آخذ نفط إيران».

إذا أخفقت الدبلوماسية، برز خيار أكثر خشونة. تقع جزيرة خرج، وهي منشأة تصدير تعبر عبرها نحو 90% من صادرات إيران من النفط الخام، في شمال الخليج وفي متناول القوات الأميركية. وقال مصدر على دراية بتفكير البيت الأبيض: «نحتاج إلى نحو شهر لإضعاف الإيرانيين أكثر، نستولي على [جزيرة خرج] ثم نُحكم الضغط عليهم ونستخدم ذلك في المفاوضات». وأوضح ترامب لاحقاً أن استيلاء الولايات المتّحدة على خرج «يعني أيضاً أننا سنضطر إلى البقاء هناك [في جزيرة خرج] لبعض الوقت».

وفي 26 آذار/مارس، أثار ترامب خياراً آخر، قوامه أن تقع السيطرة على مضيق هرمز بيد «أنا وآية الله». وبعد يوم واحد، تجاوز ذلك، فصار يشير إلى مضيق هرمز باسم «مضيق ترامب».

لم يكن المسار الواصل من كاراكاس إلى طهران مجرد انتهازية ظرفية. بل شكّل المظهر الواضح لاستراتيجية صاغها بأكبر قدر من الوضوح مايكل إفري، الاستراتيجي في «رابوبنك». فعلى مدى عقود، تفوقت الصين على الولايات المتّحدة من خلال توظيف السياسة الصناعية والتجارية بوصفهما أداتين جيوسياسيتين: بناء احتكارات، والتحكم في سلاسل الإمداد، وتحويل التبعيات الاقتصادية إلى وسائل ضغط. غير أن الصين كانت تعتمد في الوقت نفسه على تدفق السلع الأولية من مختلف أنحاء العالم لتغذية آلتها الصناعية، ومن ثم بدا الرد الأميركي المنطقي قائماً على استخدام الأداة الوحيدة التي لم تكن الصين قادرة بعد على موازنتها.

وجادل إفري قائلاً: «لدينا جيش وقدرة عسكرية تمكّننا من إسقاط القوة على مستوى عالمي. وستمتلك الصين مثل هذه القدرة بعد 10 أو 15 عاماً. لكنها لا تملكها الآن». وتمثّلت الخطة، بحسب شرحه، في إحكام السيطرة على السلع الأساسية قبل أن تنغلق هذه النافذة، بما يضمن تدفق الموارد إلى سلاسل الإمداد الأميركية، وبقاء تسعيرها بالدولار، ووصولها إلى الجهة الأخرى من المحيط الهادئ بكلفة أعلى، إن وصلت أصلاً. وشكّلت فنزويلا إثباتاً عملياً لهذه المقاربة، فيما مثّلت إيران الخطوة التالية.

تنتهي هيلين تومبسون، المتخصصة في الاقتصاد السياسي في جامعة كامبريدج، إلى استنتاج أكثر قتامة وهي تعالج السؤال نفسه من منظور جيوسياسة الطاقة، لا من منظور تدبير القوة العسكرية. وتقول: «إذا عدنا إلى ذلك التقرير الأمني الاستراتيجي الصادر في الخريف الماضي، يتضح أن وفرة الطاقة، وفق التسمية التي تفضّلها إدارة ترامب، تؤدي وظيفة مزدوجة: فهي هدف، وهي أيضاً وسيلة للانخراط في التنافس الجيوسياسي».

ظهرت الولايات المتّحدة، في هذا السياق، بوصفها مكتفية ذاتياً في مجال الطاقة، وأكبر مصدّر في العالم لـ الغاز الطبيعي المسال، ومحصّنة من نتائج إغلاق مضيق هرمز بدرجة لا تتوافر للصين، التي تتصدر العالم في استيراد الطاقة. وتعبّر تومبسون عن ذلك بالقول: «إذا واجه الخليج مشكلات من هذا النوع، فإن الولايات المتّحدة هي البلد الأقل تأثراً بها... ومن ثم يمكنها، من حيث المبدأ، أن تكون المستفيد منها»، نظراً إلى أن أسعار الغاز الطبيعي المسال الذي تصدّره سترتفع.

في المقابل، كان إغلاق مضيق هرمز لمدة طويلة سيضرب الصين مثل نزف بطيء: ارتفاع في كلفة الواردات، وضغط على هوامش الصناعة، ورياح معاكسة تضرب اقتصاداً يعاني أصلاً. وكان ترامب نفسه، حين سُئل في أواخر آذار/مارس عن إغلاق مضيق هرمز، أكثر صراحة: «نحن لا نحتاج إلى مضيق هرمز. لدينا من النفط ما يكفي، وبلدنا لا يتأثر بذلك». وجاء هذا الكلام، تقريباً كلمة بكلمة، ترجمة سياسية لأطروحة هيلين تومبسون. لكن استراتيجية ترامب القائمة على نقطة الاختناق اصطدمت هي أيضاً بنقطة اختناق تخصّها.

بوابة طهران

في غضون أيام من بدء الأعمال الحربية، حققت الجمهورية الإسلامية الإيرانية أمراً بدا مستبعداً قبل عقد. فمن دون امتلاك قوة بحرية قادرة على مجابهة مجموعات حاملات الطائرات الأميركية، أغلقت فعلياً أهم نقطة اختناق بحرية في العالم. وتمثل السلاح الحاسم في المسيّرات: منخفضة الكلفة وقابلة للاستهلاك وذات أثر بالغ في تقويض معادلات التأمين البحري.

وانخفض معدل العبور اليومي في المضيق من 138 سفينة إلى مستوى محدود جداً لا يتجاوز الأرقام الأحادية. وأُجبرت السفن التي واصلت المرور على الدخول في المياه الإقليمية الإيرانية، حيث تولت وحدات من الحرس الثوري الإيراني تدقيق بيانات الشحن، وفحص الحمولة، وجباية مبالغ وصلت، في حالتين موثقتين على الأقل، إلى 2 مليون دولار عن كل عبور، على أن تُسدّد باليوان الصيني.

بدت العملية كلها وكأنها تتحدى الهيمنة العالمية للدولار. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، حافظ الدولار على مكانته عملةً احتياطية لأن دول الخليج كانت تسعّر نفطها به. وأي دولة لا تملك دولارات، كانت تجد وصولها إلى النفط محصوراً.

وكان الجانب الأميركي من هذه المعادلة هو المظلّة الأمنية: ضمانات أميركية، وقواعد أميركية، ومجموعات حاملات طائرات أميركية في الخليج. وأبدت الولايات المتّحدة استعدادها لخوض الحرب دفاعاً عن الملكيات الخليجية، وفعلت ذلك في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته. لكن أزمة الخليج وضعت فجأة البترودولار، كما صار يُعرف، أمام خطر التراجع لصالح البترويوان.

لكن هذا لم يحدث فعلياً، أو ليس تماماً. فاليوان يشكّل نحو 2% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية، مقابل 57% للدولار. ويعود هذا الفارق إلى أن اليوان لا يملك بعد ما يكفي من السيولة والموثوقية والتوافر ليحل محل الدولار. ومهما اتسعت طموحات بكين، فاليوان لم يصل بعد إلى لحظة الصدارة، ولا تستطيع بوابة جباية في مضيق هرمز، مهما بدت درامية، أن تغيّر هذه المعادلة.

أما المفارقة الأعمق فظهرت لا في ممرات الشحن، بل داخل طهران نفسها. ففي الوقت الذي كانت فيه السلطة تتقاضى رسوم عبور باليوان من ناقلات النفط العملاقة، كان مواطنوها يسعّرون كل شيء، من البيتزا إلى عقود الإيجار، بالدولار. وكان تضخم تجاوز 70% قد فعل ما لم تتمكن العقوبات الأميركية من إنجازه بالكامل: جعل الدولار عملة الحياة اليومية داخل الجمهورية الإسلامية.

والنظام الذي أظهر لتوّه براعة غير متناظرة في حرب المسيّرات والسيطرة على نقطة اختناق بحرية، بدا في الوقت نفسه أضعف من أن يحافظ على الثقة بعملته. ومع ذلك، اتضح في النهاية أن حتى بوابة الجباية هذه قابلة للتفاوض. فبموجب وقف لإطلاق النار لمدة أسبوعين جرى التوصل إليه في مطلع نيسان/أبريل، اتفقت الولايات المتّحدة وإيران على تعليق القتال مع استمرار المفاوضات.

وعلى طريقته، بدأ ترامب فوراً في الارتجال. وحين سُئل عن خطة إيران لفرض رسم على السفن العابرة للمضيق، أعلن أنه يدرس تحويل الأمر إلى «مشروع مشترك» مع طهران. وقال للصحافيين: «إنها وسيلة لتأمينه... شيء جميل». وما يبدو تناقضاً يبرز في الواقع اتساق ترامب. فبعد كل هذا الدم والحرب، ظلّ منشغلاً بالعثور على «ديلسي رودريغيز» الإيرانية التي تتيح له السيطرة على نفط إيران؛ وإن تعذّر ذلك عبر خرج، فربما عبر «مشروع مشترك» في مضيق هرمز.

فكّ الارتباط معاً

بالنسبة إلى الصين، كشفت الحرب بوضوح قاسٍ ما ظلّ الاستراتيجيون يحذّرون منه في الكواليس منذ زمن: نحو 40% من نفطها و30% من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال مرّ عبر مضيق هرمز، وهو نقطة اختناق لا تملك الدفاع عنها ولا السيطرة عليها. وجاء الرد في صورة خطوط أنابيب برية لا تستطيع أي مجموعة حاملة طائرات أميركية تهديدها.

تدعو الخطة الصينية الأخيرة الممتدة على 5 أعوام، الصادرة في مطلع آذار/مارس، إلى دفع «الأعمال التحضيرية للمسار المركزي لخط الغاز الطبيعي الصيني–الروسي»، وهي العبارة الدبلوماسية التي تشير إلى مشروع «قوة سيبيريا 2»، وهو خط أنابيب بطول 2600 كيلومتر يمتد من شبه جزيرة يامال الروسية إلى الصين عبر منغوليا، بعدما تعطّل لسنوات بسبب خلافات على التسعير. وقد غيّرت الحرب الحسابات، ويبدو أن الصين باتت مستعدة لزيادة اعتمادها الطاقوي على روسيا.

وفي الوقت نفسه، يختبر مهندسون صينيون، يعملون بهويات مزيفة وتحت قيود على استخدام الهواتف داخل مجمّع أمني شديد التحصين في شينجن، نموذجاً أولياً لآلة طباعة حجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى. وتشغل هذه الآلة، التي صمّمها مهندسون سابقون في «إيه إس إم إل» جرى استقطابهم بمكافآت توقيع وصلت إلى 700000 دولار، مساحة تكاد تملأ أرض مصنع كامل. ولم تنتج بعد رقائق عاملة، لكنها قد تفعل ذلك بحلول عام 2030. والاتجاه واضح: تريد الصين، وفق تعبير أحد المصادر، أن تُخرج الولايات المتّحدة «بنسبة 100% من سلاسل إمدادها».

تخوض واشنطن السباق نفسه من الجهة الأخرى. ففي شباط/فبراير، جمعت إدارة ترامب 54 دولة في اجتماع وزاري حول المعادن الحيوية، ووقّعت أطراً ثنائية مع 11 دولة، وحشدت أكثر من 30 مليار دولار من القروض والاستثمارات وضمانات القروض لمشاريع العناصر الأرضية النادرة المحلية ومشاريع الحلفاء.

وضخت إدارة ترامب 1.6 مليار دولار في شركة «يو إس إيه رير إيرث»، وهي شركة في أوكلاهوما تسيطر على ترسّبات من العناصر الأرضية النادرة الثقيلة الأشد أهمية للتقنيات الدفاعية. وكما شرح وزير التجارة هوارد لوتنيك: «يضمن هذا الاستثمار أن تصبح سلاسل الإمداد لدينا أكثر صلابة، وألا تعود معتمدة على دول أجنبية».

سرّعت حروب الموارد بين الصين والولايات المتّحدة تصميم الطرفين على التحرّر من تبعياتهما المتبادلة. وتجبر هذه التوترات بقية العالم على تحمّل اضطراب تفكيك قوتين عظميين اقتصاداً متكاملاً أمضتا 50 عاماً في بنائه معاً.

يدفع الثمنَ أطفالٌ يتنفسون الغبار المشعّ حول باوتو، وعائلاتٌ كوبية تشقّ طريقها في العتمة، وبحّارةٌ عالقون في الخليج ينتظرون أن تفرغ القوى الكبرى من خصامها. وتستدعي حروب الموارد، فوق ذلك، ترسيخاً سلطوياً في الداخل كي تضبط هذه الأكلاف الاجتماعية. ويظهر هذا الترسيخ في بكين وطهران، وفي تل أبيب وكاراكاس، ويتمدّد أكثر فأكثر في واشنطن نفسها.

ولا تنحصر مهمة اليسار في أن يختار طرفاً في هذه الحرب، وإنما في أن يسمّيها باسمها: صراع دول على المواد التي ستحرّك الثورة الصناعية المقبلة، ويجري كله على حساب الناس الأقرب إلى تلك المواد والأبعد عن القرار في كيفية استخدامها.

ولا تملك الحكومات التي تزعم حقها فيها هذه المناجم، ولا خطوط الأنابيب، ولا نقاط الاختناق. فهي إرث مشترك لكل من يعيش على هذا الكوكب الذي يحتويها. ولا يقف هذا عند حدّ الشعار، لأنه البديل العملي الوحيد عن العالم الذي وصفه هذا النص.

نُشِر هذا المقال في Jacobin في 11 نيسان/أبريل 2026، وتُرجِم إلى العربية ونُشِر في موقع «صفر» بموافقة من الجهة الناشرة.

    غاي لارون

    مؤرّخ وباحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي، يدرّس في الجامعة العبرية في القدس، ويقدّم تحليلات نقدية للسياسات الإسرائيلية من منظور صراع الموارد والطاقة.

    سري أبو المنى

    أستاذ فلسفة في التعليم الثانوي، وطالب ماجيستير في الفلسفة