معاينة امتيازات هجينة: العمل عن بُعد وتفتت العمل

امتيازات هجينة: العمل عن بُعد وتفتت العمل

في صباح يوم اثنين، يبدأ عاملان يومهما. ينهض الأوّل من السرير، ويحضّر فنجان قهوة، ويفتح حاسوبه المحمول على طاولة المطبخ. فيما يرتدي الثاني زيّه الرسمي قبل الفجر، ويركض للحاق بحافلة مكتظّة، ويسجّل دخوله في قسم مستشفى أو سوبرماركت أو مستودع. يُدرَج كلاهما اليوم ضمن ما نسمّيه «ثورة العمل عن بُعد»، لكن واحداً منهما فقط يختبر هذه الثورة فعلاً.

منذ جائحة كوفيد-19، احتفت الحكومات والشركات بالعمل عن بُعد والعمل الهجين بوصفهما مكسباً جماعياً: تنقّل أقل، ومرونة أكبر، وتوازن أفضل بين العمل والحياة، وبيئة أنظف، وقوى عاملة أكثر «سعادة». تبدو المعادلة، في الوهلة الأولى، وكأنها انتصار للجميع.

لكن عند التدقيق، تظهر صورة مختلفة تماماً. صدر تقرير عن مجلس اللوردات البريطاني يفنّد فيه صورةً أكثر تفصيلاً عن العمل عن بعد. تعتبر بريطانيا ثاني بلد من حيث العدد الإجمالي لأيام العمل عن بعد، بعد كندا. لذلك يمكن استخراج من بريطانيا صورة دقيقة عن تطوّر العمل عن بعد وتبعاته. 

يشير التقرير إلى تفاوتات صارخة حول من يتاح لهم العمل عن بعد، الذي يعتمد على مستوى التعليم، وطبيعة الوظيفة، ومستوى الدخل، ومكان السكن، والعمر، ووجود احتياجات خاصة من عدمها. ويحذّر التقرير أنّ العمل عن بُعد والهجين يميلان إلى تفضيل الأشخاص الذين هم أصلاً في موقع أفضل في سوق العمل، ويخشى من خلق قوة عاملة بطبقتين بين أولئك الذين يستطيعون العمل بمرونة من المنزل، والذين لا يستطيعون.

ليست بريطانيا سوى حالة واحدة، لكنها تكشف انقساماً واسعاً يخترق الاقتصادات الغنية القائمة على الخدمات.

امتيازات هجينة: العمل عن بُعد وتفتت العمل

العمل عن بُعد باقٍ، لكن ليس للجميع

العمل عن بعد ليس موجة عابرة. ففي بلدان مثل بريطانيا وكندا والولايات المتحدة ومعظم أوروبا الغربية، أصبح العمل عن بعد جزءاً مدمجاً في طريقة عمل أسواق العمل. على الرغم من بيانات إعلامية عديدة عن «العودة إلى المكتب»، لم تلحظ الاستطلاعات والمقابلات التي أجريت في سياق إعداد التقرير البرلماني أي تغيير في العمل عن بعد مقابل العمل الحضوري. في بريطانيا، يعمل حوالى 40% من العمال عن بعد على الأقل جزءاً من الأسبوع، وبين الحائزين على شهادة جامعية، يصل المتوسط إلى ما يوازي يومين في الأسبوع من العمل عن بعد تقريباً.

لكن هذه المرونة الجديدة لا تتوزّع بالتساوي على جميع العاملين.

يُظهر تقرير البرلمان البريطاني أن نوع الوظيفة من أقوى العوامل التي تتنبّأ بقدرة الشخص على العمل عن بعد. تعدّ الوظائف المكتبيّة الأكثر تبنيّاً للعمل الهجين، إذ يعمل 55% من العمّال عن بعد. وللرتبة الوظيفيّة وقع ملحوظ أيضاً. المدراء، والمهنيون، وكبار المسؤولين هم أكثر احتمالاً بكثير لأن يكونوا في ترتيبات هجينة (41%) أو عن بُعد بالكامل (25%). وفي الطرف الآخر، العاملون في ما يُسمّى «المهن الأولية» مثل عمّال النظافة، ومساعدي المطابخ، والعمالة الأساسية في المصانع، يكاد يكون حضور العمل عن بُعد في حياتهم معدوماً، لأن وظائفهم لا تزال تتطلّب حضورهم شخصيّاً في مكان العمل.

يردّد الدخل التفاوتات نفسها. كلما ارتفع الراتب، زادت احتمالات الحصول على خيارات العمل عن بُعد أو الهجين. بين العمال الذين يتقاضون 50,000 جنيه استرليني سنوياً، يعمل 41% منهم عن بعد و25% بشكل هجين، أما ذوو الأجور التي تنخفض عن 20,000 جنيه، فهم في الغالب مقيّدون بأماكن عمل ثابتة وجدولة صارمة، بحيث يعمل 9% منهم فقط عن بعد و8% بشكلٍ هجين.

مكان الإقامة مهم أيضاً. في بريطانيا، تسجّل لندن، حيث تتركّز القطاعات الماليّة والتكنولوجيا وخدمات الشركات، معدل 39% من العمل الهجين مقارنة بمعدل سائر بريطانيا الذي لا يتجاوز 26%. يَظهر النمط نفسه في دول أخرى، بحيث يتركّز العمل عن بُعد في المدن العالمية ومراكز الوظائف المكتبية، ويظل نادراً في المناطق التي يغلب عليها العمل اليدوي أو الموسمي أو المرتبط بالسياحة أو الصناعات التحويلية.

إذا جرّدنا الخطاب من زخرفته، يتوقّف العمل عن بُعد عن الظهور كميزة عامة من ميزات العمل المعاصر، ويبدو كامتياز متركّز في قطاعات ومناطق وفئات اجتماعية محدودة.

يضاعف العمل عن بُعد المزايا القائمة أصلاً

عندما يتوفّر للفرد قدْراً من المال، ومنزلاً واسعاً، وبعض القدرة على التحكّم في عمله، يمكن أن يكون العمل عن بُعد أو الهجين تحوّلاً جذرياً في حياته.

في استطلاعات أوردها التقرير البريطاني، يقول 84% من العاملين بنظام العمل الهجين، إن هذا الترتيب سهّل عليهم التوفيق بين العمل وبقية جوانب حياتهم. فهم يوفرون ما يقارب ساعة يومياً بتجنّب التنقّل، ويقول كثيرون إنهم يستخدمون هذا الوقت الإضافي للنوم أكثر، أو ممارسة الرياضة، أو الطهي، أو رعاية أطفالهم أو والديهم المسنين، أو الاهتمام بأنفسهم.

لكن هذه الفوائد تُضاف فوق امتيازات كانت موجودة أصلاً.

العاملون عن بُعد أكثر احتمالاً لأن يستحوذوا على عقود عمل آمنة، وفي وظائف مهنية تتيح لهم قدراً من حرية تنظيم يومهم. كما هم أكثر احتمالاً لأن يعيشوا في منازل تتوافر فيها غرفة إضافية، أو حتى ركن هادئ يمكن تحويله إلى مساحة عمل. الحصول على كرسي مريح، ومكتب مناسب، واتصال إنترنت سريع يصبح أسهل بكثير للفئات الميسورة أصلاً.

هناك مكاسب صحية أيضاً. أشار 78% من العمال أنه كان للعمل عن بعد وقعاً ايجابياً على صحّتهم. يبلغون عن ضغط أقل مرتبط بالتنقّل اليومي، ووجبات أقل استعجالاً، ووقت أكثر للنوم أو الحركة. تشير بعض الأبحاث إلى أن العمل من المنزل يمكن أن يقلّل من الغياب المرضي، مع وجود خطر مقابل يتمثّل في «الحضور المرضي»، حين يواصل الناس العمل وهم مرضى لمجرّد أن المكتب لا يبعد سوى أمتار عن السرير.

إلى جانب ذلك، يعيد العمل عن بُعد تشكيل الفرص بطرق أكثر خفاءً. يمكن لمهندس برمجيات في مدينة عالمية أن ينتقل إلى بلدة أرخص، أو قرية ساحلية، أو حتى بلد آخر، مع الاحتفاظ بالراتب نفسه. يمكن لمستشار أو مصمّم أو محلّل أن يعيش أقرب إلى عائلته، أو في منطقة ذات مدارس أفضل، من دون تغيير وظيفته. هذا النوع من الحرية الجغرافية حكراً على من يمكنهم إنجاز عملهم عن بعد.

باختصار، يحسّن العمل عن بُعد والهجين حياة الكثير من العمّال، لكن يميل أولئك إلى أن يكونوا من الرايحين أصلاً في سوق العمل.

من لا يستطيع العمل عن بُعد يدفع الثمن

على الهامش الآخر من هذا الانقسام، نجد العمّال الذين يحافظون على حسن سير المجتمعات المعاصرة، لكنهم مستبعدون من طفرة العمل عن بُعد.

أمناء الصناديق في السوبرماركت، وعمّال المستودعات، وسائقو الحافلات، وعمّال النظافة، والممرّضات، والعاملون في دور الرعاية، وعمّال المطاعم، وعمال التنظيف، والميكانيكيون، ومشغّلو الآلات… وظائفهم متجذّرة في مهام جسدية وتفاعل مباشر مع الناس. فلا يمكن رصّ السلع على الرفوف، أو غسل الصحون، أو تغيير الضمادات، أو قيادة القطار من حاسوب محمول في غرفة الجلوس.

لا يزال يوم هؤلاء العمال يبدأ بمنبّه وتنقّل. ما زالوا ينفقون وقتاً ومالاً على وسائل النقل العامة أو الوقود، غالباً في أنظمة نقل أصبحت أكثر هشاشة بعد تراجع عدد المتنقلين إلى المكاتب. لم يعد الطلب على القطارات والحافلات إلى مستويات الذروة التي كانت قبل الجائحة في أيام الأسبوع، فهو لا يتعدى في بريطانيا اليوم 75% من نسب الطلب المسجلة في العام 2019. لكن تعافت حركة السفر الترفيهية بحيث تعدّت نسب الطلب على النقل الترفيهي في عطلة نهاية الأسبوع في مدينة مانشستر 120% من النسب المسجلة في العام 2019. عندما يقلّ عدد الركاب الميسورين الذين يملأون المقاعد كل صباح، يخسر المشغّلون جزءاً مهماً من إيراداتهم، ما يتسبّب بأسعار أعلى وخدمات أقل. لا يكاد يشعر العاملون عن بُعد بتلك التحولات، أما الذين لا يزال عليهم التنقل إلى العمل كل يوم، فيشعرون به مباشرةً في جيوبهم وجدول حياتهم.

يتعرّض هؤلاء العمال أيضاً لمخاطر صحية أكبر. في خلال الجائحة، أُطلق عليهم وصف «العمّال الأساسيين». هم من شغّلوا المستشفيات، وسلّموا الطرود، وأبقوا السوبرماركت مفتوحة، ونظّفوا الفضاءات العامة. لم تكن غالبيتهم قادرة على الاحتماء في المنزل أو الحفاظ على التباعد الاجتماعي. أما اليوم، لا يزالون يقضون ساعات طويلة في أماكن مغلقة مكتظّة أو على الطرقات، بما يحمل ذلك من ضغوطات جسديّة ونفسيّة.

وقتهم أقل خضوعاً لسيطرتهم. يتلقى العاملون بنظام المناوبات جداول عملهم في كثير من الأحيان في لحظات متأخرة، ما يجعل التخطيط لرعاية الأطفال أو متابعة الدراسة أو حتى الحفاظ على نمط نوم منتظم أمراً صعباً. يمكن للتغييرات المفاجئة أن تتسبب بخسارة ساعات عمل ودخل، من دون أي قدرة حقيقية على الاعتراض.

يحضر الشباب بأعداد كبيرة في هذه الوظائف الحضورية. يبدأ الكثير منهم حياتهم العملية في تجارة التجزئة، والضيافة، والخدمات الأساسية، حيث العمل عن بُعد غير متاح أصلاً. تُظهر المعطيات أن الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و29 عاماً هم الأكثر احتمالاً للعمل حضورياً (52%)، والأقل احتمالاً للعمل بشكل هجين (20%) أو عن بعد بشكل كامل (9%)، في حين أن الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 30 و49 عاماً هم أكثر عرضة بكثير للعمل بشكل هجين (34%). تعود وعود المرونة إلى العاملين الأكبر سناً والأكثر استقراراً، لا إلى من هم في بداية مسارهم المهني.

أما بالنسبة إلى العمال ذوي الاحتياجات الخاصة، فيمكن أن يكون العمل عن بُعد طوق نجاة يقلّل من الحاجة إلى تنقّل مرهق وإلى مكاتب غير مهيّأة لهم. لكن في الواقع، يبقى كثيرون منهم مستبعدين لأن وظائفهم لم تُصمَّم لتُنجَز من المنزل، أو لأنهم يفتقرون إلى التكييفات والدعم والمساحة اللازمة للعمل عن بُعد بطريقة مستدامة. يُشكل ذوو الاحتياجات الخاصة ما يُقارب 24% من السكان في سن العمل في بريطانيا، وفي إحدى الدراسات الاستقصائية، أفاد 85% منهم أنهم لن يُفكروا حتى في التقدم لوظيفة لا تسمح بالعمل عن بُعد.

مجتمعة، ترسم هذه العوامل ملامح شرخ جديد في سوق العمل: مجموعة تحصل على مرونة وأمان ووقت إضافي، ومجموعة أخرى تواصل تحمّل المخاطر والتكاليف اللازمة لإبقاء المجتمع قائماً من دون أن تنال أياً من فوائد هذا «العصر الجديد» للعمل.

العمل عن بُعد يعيد تشكيل المدن والنقل والإسكان

لا يقتصر الانقسام في أماكن العمل فحسب، بل في البُنى التحتيّة والتطوّر العمراني أيضاً.

النقل مثال واضح. مع تراجع أعداد المتوجّهين إلى مراكز العمل في المدن كل صباح، تغيّرت أنماط الطلب. ساعات الذروة أقل حدّة، بينما ازدادت حركة نهاية الأسبوع والمساء مع انتقال جزء أكبر من التنقّل إلى أغراض ترفيهية بدلاً من العمل الحضوري. في بريطانيا مثلاً، انخفض الطلب على النقل صباحاً عبر سكك الحديد من لندن وإليها، حيث يتركّز العمل عن بعد، إلى 65% مما كان عليه في العام 2019، فيما ارتفع الطلب على النقل عبر الترامواي في مانشستر في عطلة نهاية الأسبوع إلى 120% مما كان عليه في العام 2019. 

بالنسبة إلى هيئات النقل التي تحاول موازنة ميزانياتها، يمثّل هذا التحوّل معضلة حقيقية، وغالباً ما يؤدّي إلى تقليص بعض الخطوط ورفع الأسعار على أخرى. في بريطانيا، انخفض مردود النقل عبر سكك الحديد 2-3 مليار جنيهاً سنوياً، ما أجبر رفع دعم الدولة لها ورفع الضغوطات لتسكير بعض الرحلات غير المُربحة.

من الذي يتأثّر أكثر حين تُلغى أول رحلة صباحية لقطار ما، أو حين يُوقَف خط حافلة لأنه لم يعد «مجدِياً» اقتصادياً؟ ليس العامل عن بُعد الذي يمكنه أن يبدأ يومه من مكان إقامته، بل الممرّض، أو عامل النظافة، أو العامل في المصنع الذي لا يتحرّك مكان عمله ولا موعد بدء مناوبته.

البنية التحتية الرقمية خط صدع آخر. فقد أصبح الاتصال السريع والموثوق بالإنترنت شرطاً أساسياً في كثير من الوظائف الجيدة. بدأت الحكومات تتعامل مع الإنترنت السريع باعتباره خدمة عامة أساسية، وضخّت مليارات في شبكات عالية السرعة. على سبيل المثال، يعد «مشروع جيجابت» في بريطانيا برنامجاً بقيمة 5 مليارات جنيه إسترليني يهدف إلى توسيع نطاق الإنترنت فائق السرعة إلى حوالي 99% من المباني بحلول العام 2032؛ وقد ارتفعت التغطية بالفعل إلى حوالي 76% اليوم، مقارنة بنحو 30% قبل 5 سنوات.

غالباً ما تكون المناطق الريفية، والأحياء المحرومة، والمناطق التي تراجع دورها نتيجة موجات العولمة السابقة، آخر من يستفيد. بالنسبة إلى العاملين في تلك الأماكن، قد تؤدّي رداءة الاتصالات إلى استبعادهم من فئات كاملة من الوظائف التي باتت تفترض ضمناً القدرة على حضور اجتماع عبر الفيديو من دون أن تتجمّد الشاشة.

يتغيّر الإسكان أيضاً. ارتفع الطلب على المنازل التي تحتوي على غرفة إضافية أو مساحة جلوس واسعة، لأن يمكن تحويلها إلى مكاتب منزلية. في بريطانيا، انخفض فارق الأسعار للمنازل في وسط لندن وخارجه بنسبة 37%، كما ارتفعت أسعار المنازل المستقلّة والساحلية. يتسبّب طلب الأشخاص الذين تسمح لهم وظائفهم بالعمل عن بُعد برفع أسعار المنازل في المدن الساحلية الجميلة، أو الضواحي الخضراء، أو القرى ذات الطابع السياحي. أما العمّال المحليون في السياحة والرعاية والخدمات الأساسية يجدون أنفسهم يتنافسون على السكن مع وافدين ذات قدرة شرائية أعلى نتيجة عملهم عن بعد.

في المقابل، لا يمكن للأشخاص الذين تفرض عليهم وظائفهم البقاء قريبين من مراكز المدن ذات الإيجارات المرتفعة والضوضاء والتلوث الانتقال إلى مكان أرخص وأكثر راحة.

بمعنى آخر، أصبح العمل عن بُعد واحدة من القوى التي تحدد أساليب النقل، والتطوّر العمراني، والوصول إلى البنى التحتية الحديثة، وسعر العقارات، فارضةً هذا الواقع الجديد على عمّال حضوريين ذات قدرة محدودة على التكييف.

أساليب جديدة لتفكيك مبدأ الوظيفة

لا يزال الكثير من الخبراء والمسؤولين يعتبرون العمل عن بعد موجة عابرة، وإن لم تكن ذلك، فهي مسألة تُحلّ من تلقاء نفسها بين العامل وربّ العمل. العمل عن بُعد والهجين لن يختفيا، والخيار ليس بين قبولهما أو رفضهما، بل في كيفية تشكيلهما حتى لا تتحوّل المرونة إلى امتياز جديد يفارق بين العمال.

ظهرت أشكال جديدة للاستغلال نتيجة الإنكار أو اللامبالاة. فقد سمح العمل عن بُعد لأصحاب العمل أن يعتبروا عمّالهم متاحون لهم على مدار الساعة كونهم يعملون من منازلهم. على الرغم من ارتفاع العمل عن بعد، تغيب قواعد واضحة حول أوقات العمل، و«الحق في فصل الاتصال»، ولم تنتقل مسؤوليات أصحاب العمل لتوفير المعدات التقنيّة وبيئة عمل مريحة وخدمات الأمن الإلكتروني في أماكن العمل إلى العمل عن بُعد. تُعتبر هذه الإجراءات أساسية حتى لا يتحوّل العمل عن بُعد إلى أداة لتفكيك ضوابط استغلال العمال ورفع مسؤولية أصحاب العمل تجاه موظّفيهم، كما فعله العمل المؤقّت عبر التطبيقات أو «عمل الغيغ».

الأهم من ذلك هو تأمين بعض المرونة لمن لا يستطيعون العمل عن بُعد لسدّ الفجوة المتنامية بين أنماط العمل.

يعني ذلك تحديد جداول نوبات عمل أكثر إنسانية وقابلية للتنبّؤ حتى يتمكن العمّال من تنظيم حياتهم خارج أوقات العمل. كما يمكن أن يؤمّن العمل الهجين الجزئي في الوظائف التي يمكن إنجاز بعض مهامها عن بُعد، تعبئة الأوراق مثلاً، حتى لو تطلّبت مهام أخرى حضوراً جسدياً. ويمكن تحسين وسائل النقل العام وتأمين رعاية الأطفال بأسعار معقولة، للتخفيف من أعباء الحضور الجسدي اليومي.

يتطلّب كلّ ما سبق أن يشارك العمال أنفسهم في اتخاذ القرارات المتعلقة بتنظيم العمل، إن كان حضورياً أو عن بُعد. إذا انحسرت طاولة المفاوضات بالمدراء والمهنيين، ستظل المرونة تتدفّق صعوداً إلى العمال الميسورين أصلاً.

يحمل العمل عن بُعد إمكانات حقيقية لتوسيع الفرص، لتسهيل العمل على الأهل، ولتوفير وظائف كانت خارج متناول الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، ولربط العمال ذات الكفاءة في البلدات الصغيرة والمناطق الأفقر بأصحاب عمل في أماكن أخرى. لكن هذا لن يحدث تلقائياً.

إذا تُرك العمل عن بُعد لمنطقه الخاص، فسوف يعمّق الفجوة بين من يتحكّمون في وقتهم من منازل مريحة، ومن يُطلَب منهم حضوراً جسديّاً لكسب عيشهم. التحدّي الآن هو ضمان ألّا يتفكك مبدأ الوظيفة عبر انقسامٍ دائم بين عالمي العمل الحضوري والعمل عن بعد.