الصورة: unsplash/Gabriel Xavier
ضخّ المخزون الاستراتيجي للنفط: لعبة شراء الوقت في زمن الحرب
أعلنت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية نيتها الإفراج عن 400 مليون برميل من المخزون الاستراتيجي للنفط، في أكبر عملية ضخّ لهذه المخزونات منذ تأسيس الوكالة في عام 1974 ومنذ أزمة النفط بداية سبعينيات القرن الماضي. وعلى الرغم من هذه الإجراءات، لن تساهم عملية الضخّ في تعويض الخسائر الآنية الناجمة عن الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران وإبقاء الحظر على حركة الناقلات عبر مضيق هرمز، ولا في استقرار الأسواق في المدى القريب. إذ يُتوقّع أن تؤمّن الزيادات حوالي 4 ملايين برميل في اليوم، في حين اضطرت دول الخليج إلى تخفيض إنتاجها النفطي خلال الأسبوعين الماضيين بما لا يقل عن 10 ملايين برميل يومياً، بينما توقّف مرور حوالي 15 مليون إلى 20 مليون برميل عبر المضيق، وبالتالي استمرار فجوة العرض في السوق.
لا تعدو هذه الخطوة إلّا محاولة لشراء الوقت إلى حين اتضاح تطوّرات الحرب وأمدها الزمني، وهو ما تُرجم في ملامسة الأسعار 100 دولار للبرميل مجدّداً نهاية الأسبوع الماضي، مصحوبة بتصاعد الهجمات الايرانية على منشآت وناقلات النفط في الخليج.
1. ما هو مخزون النّفط الاستراتيجي للنّفط؟
أُنشئ المخزون الاستراتيجي للنفط في سبعينيات القرن الماضي رداً على الحظر النفطي الذي اتبعته الدول العربية في عام 1973 لمعاقبة الدول الداعمة لاسرائيل، وهو مخزون تسيطر عليه الحكومات, ويحتفظ به لاستخدامه حين تنقطع الإمدادات أو في حالات الطوارئ في السوق. اتّخذت الولايات المتحدة في حينها خطوة حاسمة نحو إنشاء شبكة أمان طاقوي لتفادي أزمة مماثلة من خلال إقرار قانون المخزون الاستراتيجي في عام 1975، ومن ثمّ تبعتها دول عدّة متطورّة، لا سيّما بعد تشكيل وكالة الطاقة الدولية في عام 1974، والتي فرضت على الدول الأعضاء (تضمّ اليوم 32 دولة) ضرورة الاحتفاظ بمخزونات طوارئ من واردات النفط تكفي لحوالي 90 يوماً.
خلال العقود الماضية، استُخدم هذا المخزون مرّات عدة لتحقيق استقرار السوق، كان أولها في عام 1991 عند اندلاع حرب الخليج، ومن ثمّ في عام 2005 جرّاء الأعاصير القاسية التي ضربت خليج المكسيك. تم اللجوء إليه أيضاً في عام 2011 مع بداية الربيع العربي في الشرق الأوسط وتأثر الإمدادات من ليبيا، ومؤخراً في عام 2022 مع اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية، التي ضُخّ خلالها حوالي 180 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي خلال فترة 6 أشهر.
2. كيف يتوزّع هذا المخزون؟
يُعتقد أن الصّين تمتلك أكبر احتياطيات النّفط للطوارئ، إلّا أن شحّ المعلومات عنها يُصعّب تحديد كميّتها، ناهيك عن أن الصين ليست كاملة العضوية في وكالة الطاقة الدولية. أمّا الدول الأعضاء، وتحديداً مجموعة السبع الكبار (G7)، فيستحوذون مجتمعين على حوالي 1,2 مليار برميل من مخزون النفط الاستراتيجي، بالإضافة إلى 600 مليون من المخزون المُلزم للصناعات.
تحتلّ الولايات المتحدّة المرتبة الأولى (41% من المخزونات المعلنة)، إذ تستحوذ على أكبر احتياطي استراتيجي في العالم بقدرة 714 مليون برميل، مقسمّة اليوم على حوالي 400 مليون برميل على المستوى الفدرالي وموزّعة في 4 مراكز تخزين أساسية للنفط الخام في خليج المكسيك، فيما تحتفظ شركات النفط الخاصة بكميات إضافية، بشكل يسمح لها بتأمين حاجة السوق المحلية لمدة 80 يوماً تقريباً. تليها اليابان، التي تستحوذ على 26% من الاحتياطي أو ما يقارب 500 مليون برميل بين نفط خام ومشتقّات نفطية، مع مفارقة أن مخزونها يمكنه أن يلبّي الحاجة لمدة تفوق 100 يوم. أمّا في أوروبا، فتمتلك كلّ من فرنسا (12%، 120 مليون برميل) وألمانيا (11%، 110 مليون برميل) المخزون الأكبر (خليط من النفط الخام والمشتقات النفطية)، تليهما إيطاليا (7%) ومن ثمّ بريطانيا (4%)، ويمكن أن يؤمن استمرارية لفترة تتراوح ما بين 25 و60 يوماً.
وخارج مجموعة السبع، تمتلك كوريا الجنوبية حوالي 146 مليون برميل موزّعة على 9 مراكز تخزين (خامس أكبر مخزون بين أعضاء الوكالة)، والهند حوالي 90 مليون برميل.
3. لماذا لم تنخفض الأسعار فور الإعلان عن استخدام المخزونات؟
بعد إعلان الوكالة عن ضخّ حوالي 400 مليون برميل الأسبوع الماضي، تبعتها الولايات المتّحدة بالإعلان عن نيتها الإفراج عن 172 مليون برميل بدءاً من هذا الأسبوع وعلى فترة تمتدّ إلى 120 يوماً، أي ما نسبته 43% من مجمل التدفّقات. من جهة أخرى، أعلنت اليابان الإفراج الفوري بدءاً من الاثنين عن حوالي 80 مليون برميل ما يكفي لـ 45 يوماً، وكوريا الجنوبية (تمتلك ثاني أكبر مخزون في آسيا وهي عضو في الوكالة) عن حوالي 22 مليون برميل.
في الواقع، ليس للرقم بحد ذاته أية دلالات عملية ما لم يقترن بالكمّية التي ستتدفّق في الأسواق على نحو يومي، ما قد يساعد في تأمين الإمدادات ولجم الأسواق. ففي حين لم تحدّد الوكالة تفاصيل عمليات الضخّ اليومية وحصّة كل دولة من هذه العملية، أتى إعلان الولايات المتّحدة بالإشارة إلى المدة الزمنية (120 يوماً) ليحدّد التدفّقات بما يقارب 1.4 مليون برميل في اليوم كمساهمة من دولة واحدة. إذا ما أضيفت المساهمات اليومية من الدول الأعضاء الأخرى، يمكن توقّع إجمالي تدّفقات ما بين 3 مليون إلى 4,5 مليون برميل في اليوم، في حين تشير تقديرات أخرى الى توقّع ما لا يقلّ عن 4 ملايين برميل يومياً في أول شهر.
على الرغم من ذلك، ستبقى الفجوة الموجودة في الأسواق كبيرة ولا تقل عن 6 ملايين برميل يومياً، إذ اضطرّت دول الخليج إلى خفض إنتاجها من النفط بحوالي 10 ملايين برميل يومياً، ناهيك عن فقدان حوالي 15 مليون إلى 20 مليون برميل في اليوم من النفط الدي يمرّ عبر مضيق هرمز. نتيجة لذلك، استمرّت الأسعار بالارتفاع وصولاً إلى 100 دولار أميركي للبرميل.
إلى ذلك، أدّت إيران دوراً في استمرار الارتفاع، ففور إعلان بيان وكالة الطاقة الدولية، ردّت ليلاً بتصعيد هجماتها على أهداف الطاقة الإقليمية، بما في ذلك ناقلتي نفط في العراق. وتدرك طهران أن النفط هو الورقة التي قد تُجبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إنهاء الحرب باكراً.
أيضاً، بعث الإعلان عن عملية ضخّ تمتدّ على فترة 3 أشهر اشارات في السوق عن أنّ الحرب لن تنتهي قريباً، وقد تمتدّ لأكثر ممّا هو متوقّع، على عكس ما كان ترامب قد أشار إليه سابقاً. لذلك، عادت معدّلات المخاطر والعلاوات الى الارتفاع ما دفع سعر برميل النفط صعوداً.
4. هل سيساهم الضخّ في استقرار أسعار النفط على المدى البعيد؟
الجواب المباشر: ليس بالحد الذي يُتوقّع منه.
من المرجّح أن يؤدي الإفراج عن مخزون النفط المنسق إلى إحداث تباطؤ في ارتفاع الأسعار والتخفيف من تقلّباتها، لكنّه لن يوقفها تماماً، لأسباب عدّة أبرزها:
أوّلاً، لا يقدّم جدولاً زمنياً واضحاً ودقيقاً، إذ قد تستغرق بعض الكمّيات، ولا سيما الأميركية، أسابيع لإتمام عمليات التسليم، وهو ما تلقّفته الوكالة عبر بيانها الثاني يوم الأحد الذي حدّد أن عمليات الإفراج ستبدأ مباشرة من دول آسيا، في حين ستلحقها الكميات من دول أميركا وأوروبا بحلول نهاية شهر آذار/مارس الحالي.
ثانياً، لا يحلّ المشكلة الأساسيّة المتعلّقة بنقص الإمدادات، وبالتالي يشكّل عاملاً لكسب الوقت، إذ يعطي ترامب أيّاماً أو أسابيع إضافية لإنهاء الحرب قبل أن تُجبره أسعار النفط على ذلك. يبقى الحلّ الأساس في إعادة فتح مضيق هرمز.
ثالثاً، ستستمرّ الأسواق في عكس حالة عدم اليقين المستمرّة، إذ تركزّ الشركات على معرفة المدة المحتملة للنزاع ونتائجه، وهذا ما لا يوجد جواب عنه بعد.
رابعاً، الاستعانة بالمخزون الاستراتيجي يعني الحاجة إلى إعادة ملئه مستقبلاً، أي شراء كميات من السوق وربّما بأسعار أعلى. في هذا الإطار، أعلنت إدارة ترامب عن ترتيبات لاستبدال النفط المسحوب بحوالي 200 مليون برميل في خلال العام المقبل، بعد أن يصل إلى أدنى حدود له منذ عام 1980، ما يعني ضغطاً إضافيّاً في الأسواق.
خامساً: لا بدّ من التنسيق مع الدول غير الأعضاء، ولا سيما الصين، للتأكد من أنها لن تستغل الفرصة لشراء المزيد من البراميل التي ستضخّها الوكالة، وذلك لاحتياطاتها الخاصة كما فعلت في عام 2022.