معاينة pipelines

الاستعمار عبر الأنابيب والأسلاك
التمدّد الخفي لإسرائيل إلى سوريا ولبنان

مرّ قبل أيّام خبر تخفيض الأردن إمدادات الغاز المتعاقد عليها مع سوريا، وأحياناً قطعها، مفاقماً أزمة الكهرباء فيها، كأنّه تفصيل صغير وسط ضجيج العدوان الأميركي–الإسرائيلي الجديد على المنطقة، ومحاولات إعادة تشكيلها المتسارعة. غير أنّ هذا الخبر أخفى، في ظلّ ذلك الضجيج، جانباً آخر من عمليّات إعادة التشكيل الجارية: عمليّات مادية غير عسكرية، طويلة المدى، ترتبط مباشرة بمسار إعادة رسم الترتيبات الإقليمية.

في أوائل عام 2026، بدأ الأردن ضخّ كمّيات تجريبية من الغاز إلى سوريا تراوحت بين 30 مليون و90 مليون قدم مكعب يومياً. وتُوِّجت هذه المرحلة بتوقيع اتفاقية رسمية في عمّان في 26 كانون الثاني/يناير الماضي، بين شركة الكهرباء الوطنية المملوكة بالكامل للحكومة الأردنية والشركة السورية للنفط، بحضور وزيري الطاقة في البلدين. وتنصّ الاتفاقية على تزويد سوريا بنحو 140 مليون قدم مكعب يومياً من الغاز لتوليد الكهرباء، وهي كميات تحتاجها البلاد بشدّة في ظلّ النقص الكبير في قدرتها على إنتاج الطاقة الكهربائية.

إشكالية المصدر: من أين لكم غازاً لتصديره؟

منذ تسريب الأخبار الأولى عن هذه الاتفاقية، طُرحت تساؤلات عديدة عن مصدر هذا الغاز. فالأردن ليس بلداً منتجاً للغاز إلا بكميات ضئيلة، بل هو – على العكس – مستورد كبير للطاقة والغاز. وعلى الرغم من امتلاكه احتياطات كبيرة في حقل الريشة تُقدَّر بنحو 9.4 تريليون قدم مكعب، فإن صُنّاع القرار في الأردن تركوا هذه الاحتياطات المعروفة منذ ثمانينيات القرن الماضي من دون تطوير جدي، كما أهملوا لعقود الاستثمار في مصادر الطاقة المحلية الأخرى، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والصخر الزيتي. وبدلاً من ذلك، اتُّبعت سياسة الاعتماد على إمدادات طاقة مستوردة أحادية المصدر. بدأت هذه السياسة بالاعتماد على النفط العراقي منذ تسعينيات القرن الماضي حتى عام 2003، حين انقطعت الإمدادات مع الغزو الأميركي للعراق. ثم انتقل الأردن إلى الغاز المصري بين عامي 2003 و2011، قبل أن تتوقف الإمدادات إثر تفجير خطوط الأنابيب مرات عدة خلال الأحداث التي رافقت الانتفاضة المصرية، وهي الأنابيب نفسها التي كانت تزود إسرائيل بالغاز. وأخيراً، اتجه الأردن إلى استيراد الغاز من إسرائيل ابتداءً من عام 2020.

استخدمت إسرائيل مراراً أدوات الطاقة والمياه كورقة ضغط، كما حدث حين هددت بعدم المضي قدماً في اتفاقية الغاز مع مصر الموقعة في أيلول من العام الماضي بذريعة عدم التزام القاهرة ببنود معاهدة كامب ديفيد

تنطوي جميع هذه الخيارات على مخاطر استراتيجية كبيرة، إذ تجعل الأردن معتمداً في معظم احتياجاته الطاقوية على مصدر واحد، ما يعرّض أمنه الطاقوي للخطر، ويخلق في الوقت نفسه علاقات تبعية مع المصدّر.

في مواجهة هذه التساؤلات، أوضح مدير إدارة الإعلام في وزارة الطاقة السورية، عبد الحميد سلات، أن الغاز المستورد «ليس أردني المنشأ، بل يأتي من الغاز المسال المستورد من الأسواق العالمية، ويُعاد تغويزه في العقبة قبل ضخّه عبر خطّ الغاز العربي». غير أن هذا التفسير يُبسّط مسألة أكثر تعقيداً وتشابكاً تقع إسرائيل في مركزها. فخط الغاز العربي، الذي كان في السابق أحد رموز مشاريع التنمية العربية المشتركة، أصبح اليوم العصب الرئيس لتدفقات الغاز في شرق المتوسط، بما في ذلك الغاز المستورد من إسرائيل إلى الأردن ومصر. إذ ترتبط الأنابيب القادمة من حقل ليفياثان للغاز، الواقع قبالة سواحل حيفا، بخط الغاز العربي في منطقة الخناصري في محافظة المفرق شمال الأردن، ومن هناك يتجه الغاز جنوباً نحو نقطة العبور إلى مصر عبر الحدود.

شبكة الغاز شرق المتوسط

مقاصّة غاز إقليمية مركزها إسرائيل

بناءً على ذلك، فإن أي شحنات مستقلة من الغاز المسال تُستورد من السوق العالمية وتصل إلى ميناء الغاز المسال في العقبة لا بد أن تدخل في شبكة خط الغاز العربي، حيث تختلط تلقائياً بالغاز المتدفق عبر الشبكة، بما في ذلك الغاز المستورد من إسرائيل. وبهذا تصبح هذه الكميات جزءاً مما يمكن تسميته «خليط الغاز» المستخدم من قبل جميع الأطراف المرتبطين بالشبكة.

ويزداد هذا الواقع وضوحاً إذا ما أُخذ في الاعتبار أن الغاز المستورد من إسرائيل يشكّل ركيزة الإمداد الأساسية طويلة الأمد، بموجب اتفاقيات ضخمة تمتد لعقود وتبلغ قيمتها مليارات الدولارات: نحو 10 مليارات دولار حتى عام 2035 في حالة الأردن، وحوالي 35 مليار دولار حتى عام 2040 في حالة مصر.

لهذا، يُرجّح أن يجري التعامل مع هذه الشحنات وفق منطق نظام مقاصّة إقليمي للغاز. فبدلاً من نقل الغاز فعلياً عبر مسافات طويلة داخل الشبكة، يمكن، على سبيل المثال، تحويل الكميات المستوردة كغاز مسال من ميناء العقبة جنوباً إلى مصر، نظراً لقربها الجغرافي من هذه النقطة في الخط. وفي المقابل، يُضخ جزء من الغاز القادم من إسرائيل إلى سوريا من نقطة دخوله إلى خط الغاز العربي في شمال الأردن، وهي النقطة الأقرب جغرافياً إلى الأراضي السورية، ما يجنّب تكاليف النقل الإضافية وتعقيدات عكس اتجاه الضخ داخل الأنابيب.

وبافتراض عدم وجود توريد مباشر للغاز من إسرائيل إلى سوريا، فإن هذه الآلية تعني عملياً دخولاً إسرائيلياً مباشراً إلى خطّ إمدادات الطاقة السورية. إذ تُدمَج سوريا، عبر هذا الترتيب، في النظام الطاقوي الإقليمي الجديد الذي يتمحور حول مركز التزويد والتصدير الإسرائيلي، بينما يشكّل خط الغاز العربي الجهاز الناقل الرئيسي لهذا المركز، بعدما تحوّل تدريجياً من مشروع تكامل عربي إلى بنية تحتية لتصدير الغاز الإسرائيلي في شرق المتوسط.

إيقاف إسرائيل حقل ليفياثان يعني قطع الغاز عن الجميع

غير أن ما جرى فعلياً في 28 شباط/فبراير المنصرم، وضع التصريحات الرسمية والفرضيات التي تقوم عليها موضع اختبار مباشر. فمع بدء العدوان الإسرائيلي–الأميركي على إيران، أعلنت إسرائيل إغلاق حقل ليفياثان للغاز، وهو الحقل الرئيسي المخصّص للتصدير. وبذلك انقطع الغاز فوراً عن الأردن ومصر، ما دفع البلدين إلى تفعيل خطط الطوارئ لمواجهة النقص الحاد في الإمدادات.

وليس هذا حدثاً استثنائياً؛ إذ إنها المرة الثانية خلال أقل من عام التي يُغلق فيها الحقل نفسه وتتوقف الإمدادات إلى البلدين. ففي حزيران/يونيو الماضي، وخلال العدوان الذي استمر اثني عشر يوماً على إيران، أوقفت إسرائيل الإنتاج من الحقل لمدة 13 يوماً، ما أدى أيضاً إلى انقطاع الغاز عن الأردن ومصر.

وبمجرد انقطاع الغاز الإسرائيلي عن الأردن، أُعلن عن تخفيض، بل وقطع، الإمدادات المتفق على توريدها من الأردن إلى سوريا، وكأن الواقع المادي الملموس يشير بوضوح إلى أن مصدر الغاز الذي يصل إلى سوريا عبر الأردن هو، عملياً، إسرائيل؛ إذ صار واضحًا أن العامل المركزي الذي يحدد عمل نظام الطاقة الإقليمي، الذي بدأ تشكّله منذ عام 2016 مع توقيع الأردن أول اتفاقية كبرى لاستيراد الغاز من إسرائيل، هو تدفقات الغاز الإسرائيلي نفسها.

هذه الحاجة الملحّة إلى الكهرباء، وهي سلعة حيوية لا غنى عنها، هي ما سيُستخدم على الأرجح كغطاء لتبرير الانخراط في شبكة الطاقة الإقليمية الجديدة والتغاضي عن مركزيّة إسرائيل فيها

حتى لو لم تكن إسرائيل المصدر المباشر لكل متر مكعب من الغاز المتداول في الشبكة، فإن توقف إمداداتها يعني عملياً توقف الشبكة بأكملها. فعند انقطاع الغاز المستورد من إسرائيل، تُعلَن حالة الطوارئ ويبدأ كل بلد في البحث عن حلول منفردة لتأمين احتياجاته. ويعود ذلك إلى أن معظم بلدان المنطقة، باستثناء إسرائيل، هي مستوردة صافية للطاقة، وغير قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي أو تصدير فائض محلي أو مستورد من مصادر أخرى.

من جهة أخرى، أعلن الأردن، ضمن خطة الطوارئ التي وضعها لمواجهة انقطاع الغاز المستورد من إسرائيل، أنه سيلجأ إلى استيراد الغاز المسال من السوق العالمية عبر ميناء العقبة. وهذا يعني أن خيار الاستيراد عبر الغاز المسال لا يزال متاحاً حتى في ظل العمليات العسكرية الجارية. وإذا كان هذا المسار ما يزال قائماً، فلماذا جرى تخفيض و/أو قطع الإمدادات إلى سوريا؟ خصوصاً أن الأردن أعلن أيضاً إجراءات إضافية لتعزيز هذا المسار، منها استئجار سفينة تغويز ثانية ستنضم إلى السفينة الراسية حالياً في ميناء العقبة لضمان استمرارية الإمدادات.

ومهما يكن مصدر الغاز المتجه إلى سوريا عبر الأردن، سواء أكان من السوق العالمية أم من إسرائيل، فإن الوقائع الأخيرة أظهرت بوضوح أن إسرائيل تقع في قلب نظام الغاز الإقليمي الذي تشكّل خلال العقد الأخير. فقد بُني هذا النظام، من جهة، على اتفاقيات التصدير الإسرائيلية إلى الأردن ومصر، ومن جهة أخرى على ربط إسرائيل بشبكة خط الغاز العربي واستخدام هذه البنية التحتية لأغراض التصدير.

ولهذا، ما إن تتوقف الصادرات الإسرائيلية حتى تتعطل الإمدادات لجميع الأطراف المرتبطين بالشبكة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وهو ما يعني أن مركز الطاقة الحقيقي في المنطقة هو إسرائيل، وأن بقية الأطراف تعتمد، بدرجات متفاوتة، على استمرار تدفق الغاز منها.

ولا يقتصر الأمر على الاعتماد التقني أو الاقتصادي فحسب، بل يتخذ بعداً سياسياً واضحاً. فقد استخدمت إسرائيل مراراً أدوات الطاقة والمياه كورقة ضغط، كما حدث حين هددت بعدم المضي قدماً في اتفاقية الغاز مع مصر الموقعة في أيلول من العام الماضي بذريعة عدم التزام القاهرة ببنود معاهدة كامب ديفيد. وفي سياق آخر مشابه، لوّحت مراراً بقطع إمدادات المياه إلى الأردن، وهي سلعة استراتيجية لا تقل أهمية عن الطاقة.

بل إن إسرائيل استخدمت فعلياً، لا مجرد تهديد، الطاقة والمياه كسلاح حرب وإبادة: عبر قطع الكهرباء والطاقة والمياه وتدمير البنى التحتية المرتبطة بها خلال عدوانها الأخير على غزة، وكذلك عبر استهداف البنية التحتية للكهرباء والمياه في لبنان خلال اعتداءاتها المتكررة عبر السنوات الماضية.

لبنان وسوريا يسيران بقدميهما إلى قفص التبعيّة

يسير لبنان أيضاً، وبخطى متسارعة، نحو قفص هذه الترتيبات الإقليمية. فعلى الرغم من توقيعه عام 2022 اتفاقًا تطبيعيًّا لترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، كان من أبرز أهدافه إتاحة المجال أمام إسرائيل لبدء الإنتاج من حقل كاريش وتعزيز صادراتها من الغاز إلى أوروبا عبر منشآت تسييل الغاز في مصر، في ظل الحرب الروسية في أوكرانيا وارتفاع أسعار الطاقة ورغبة أوروبا في الانفطام عن الغاز الروسي، فإن استثمار لبنان لحقوله الغازية في شرق المتوسط ما يزال يراوح مكانه. في المقابل، وقّع لبنان في نهاية عام 2025 مذكرة تفاهم لتزويد محطة دير عمار اللبنانية بالغاز الطبيعي الآتي من مصر عبر خط الغاز العربي.

إسرائيل ليست مجرد طرف مركزي في بنية المنطقة الجديدة فحسب، بل طرفاً مندمجاً فيها من موقع السيطرة والقوة، يمتد نفوذها العضوي العميق، بأذرعها الاستعمارية، إلى كل بيت وقطاع

ولكي تكتمل حلقات الشبكة الإقليمية وتداعياتها، أشارت التقارير أيضاً إلى زيارة لجنة فنية أردنية إلى لبنان لدراسة وضع خط الغاز العربي وتقييم صلاحيته. وخلصت اللجنة إلى أن إعادة تأهيل القسم اللبناني من الخط قد تستغرق ما بين 3 و4 أشهر فقط. ويبدو أن ترتيبات إعادة التأهيل تسير بوتيرة متسارعة؛ إذ تزامنت هذه التطورات مع أخبار أخرى، في التوقيت نفسه الذي أُعلن فيه إغلاق حقل ليفياثان قبل أيام، تفيد بقطع إمدادات الغاز من مصر إلى سوريا ولبنان.

إن لبنان، مثل سوريا، يعاني نقصاً حاداً في الكهرباء، بينما الطلب على الطاقة مرتفع بصورة كبيرة. وهذه الحاجة الملحّة إلى الكهرباء، وهي سلعة حيوية لا غنى عنها، هي ما سيُستخدم على الأرجح كغطاء لتبرير الانخراط في شبكة الطاقة الإقليمية الجديدة والتغاضي عن مركزيّة إسرائيل فيها.

وهكذا، يُوضَع البلدان ضمن ترتيبات تجعل إمكانية الانقطاع، أو القطع، قائمة دائماً، وموضوعة عملياً بيد إسرائيل. وبذلك لا تصبح إسرائيل مجرد طرف مركزي في بنية المنطقة الجديدة فحسب، بل طرفاً مندمجاً فيها من موقع السيطرة والقوة، يمتد نفوذها العضوي العميق، بأذرعها الاستعمارية، إلى كل بيت وقطاع، عبر البنى التحتية التي تقوم عليها الحياة اليومية.

خاتمة: إعادة تشكيل المنطقة عبر أنابيب الطاقة وأسلاك الكهرباء

بينما تعمل إسرائيل والولايات المتحدة على إعادة تشكيل المنطقة وتغييرها جغرافياً، وسياسياً، بالقوة العسكرية الصرفة، يتمدّد المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني في الخلفية أيضاً بصمت وثقة ومن دون ضجيج، عبر شبكة تبدو «عادية» في ظاهرها، ولا يلتفت إليها الناس إلا بعد أن تُمسك بخناقهم.

إنها شبكة تجعل الانفصال عنها مسألة شديدة الصعوبة، لأنها تتصل بأساسيات الحياة اليومية: الماء والكهرباء والطاقة. خيوط تمدّدها هي الأسلاك والأنابيب، وغطاؤها تحقيق الأمن المعيشي للناس؛ غير أن هذا الأمن قد يتحول إلى أمن زائف يوضع زمامه في يد إسرائيل، إذ تُشاهَد اليوم الأفعال الإجرامية الإسرائيلية على الملأ، فيما صار واضحًا مدى قدرتها الفعلية على قطع الإمدادات ،واستخدام هذا القطع أداةً للحصار والإبادة والابتزاز السياسي والتمدد الاستعماري. 

    هشام البستاني

    باحث وكاتب وشاعر من الأردن، يشغل حالياً موقعاً بحثيّاً وتدريسيّاً في مركز الدراسات الدوليّة في معهد باريس للعلوم السياسية، حاصل على الدكتوراه في السياسة ودراسات ما بعد الاستعمار من جامعة وستمنستر في لندن، وهو مؤلف كتاب «الكيانات الوظيفية: حدود الممارسة السياسية في المنطقة العربيّة ما بعد الاستعمار»، (2021).