معاينة trump administration

الصورة: Wikimedia

دونالد ترامب، البترو رئيس

لماذا هاجم دونالد ترامب إيران؟ هل تخيّل أن نصراً خاطفاً سينعش شعبيته؟ هل حاول إبعاد الأنظار عن ملفات إبستين وارتفاع كلفة المعيشة؟ أم أن الحكومة الإسرائيلية جرّته إلى الحرب؟

لعلّ الجواب يضمّ هذه العناصر كلها. فالقرار السيئ لا يصدر عادة عن سبب واحد، بل عن مجموعة دوافع متشابكة. وكلما كبر حجم الإخفاق، ازداد عدد العوامل التي تقف وراءه.

لكن حين أتأمل الإطار الأوسع لسياسات إدارة ترامب، بما يشمل الهجوم على إيران والسياسات الداخلية معاً، أعود إلى العامل نفسه: النفوذ المتعاظم لأموال النفط. ويظهر هذا بوضوح خاص في عداء الإدارة، الذي يبدو غير مبرر عقلانياً، للطاقة المتجددة، وفي إصرارها على تكريس الاعتماد على الوقود الأحفوري مهما بلغت الكلفة.

ولا أعني هنا، في المقام الأول، صناعة النفط الأميركية المحلية، مع أنها تدخل أيضاً في هذه المعادلة. فقد أنفق قطاع النفط والغاز في الولايات المتّحدة مبالغ كبيرة لدعم الجمهوريين في انتخابات 2024، مقابل مساهمات محدودة جداً للديمقراطيين.

لكن ما يبرز فعلاً هو مركزية أموال النفط الخليجي، وهي أموال أدّت دوراً حاسماً في مجالين: المخططات الاقتصادية الدولية لترامب والإثراء الشخصي له.

ومن الموضوعات المتكررة في خطب ترامب الاقتصادية تباهيه بحجم تعهّدات الاستثمار الأجنبي التي حصل عليها في إطار استراتيجية الرسوم الجمركية. فقال في خطاب حالة الاتحاد: «في خلال 12 شهراً، ضمنتُ التزامات بأكثر من 18 تريليون دولار تتدفق من مختلف أنحاء العالم».

ولا أحد يعرف من أين جاء رقم 18 تريليون دولار الذي يكرره باستمرار. فـالتعهّدات الاستثمارية الأجنبية المعلنة فعلياً من حكومات أجنبية للاستثمار في الولايات المتّحدة لا تتجاوز نحو 6 تريليونات دولار، وكثير من هذه التعهّدات لا يعدو كونه إعلانات نيات غامضة لا التزامات جدية. بل إن الاتفاق مع أوروبا قد يبدأ بالتفكك جزئياً لأن رسوم ترامب الجمركية عُدّت غير قانونية.

لكن ما يثير الاهتمام على نحو خاص هو الجهة التي أطلقت هذه التعهّدات الاستثمارية، على افتراض أنها كذلك فعلاً:

1

وقد تعهّدت كلّ دولة من الدول النفطية الخليجية الكبرى باستثمارات تفوق ما تعهّد به الاتحاد الأوروبي بأكمله، على الرغم من أن حجم اقتصاداتها أصغر بكثير. ويبيّن الرسم التالي ذلك:

2

وعندما يتباهى ترامب بأنه يجلب الاستثمارات الأجنبية إلى أميركا، لا يقوم هذا الكلام في الواقع إلا على وعود أطلقتها دول الخليج النفطية بضخ أموال كبيرة، وبمصداقية تبقى موضع شك، نيتها ضخ استثمارات كبيرة. وهذا يغيّر صورة هذا التباهي، أليس كذلك؟

ثم هناك استخدام ترامب المتواصل لمنصبه من أجل إثراء نفسه وعائلته. فبحسب ما وثّقته هيئة تحرير نيويورك تايمز، جمع ترامب ما لا يقل عن 1.4 مليار دولار منذ عودته إلى البيت الأبيض. وجاء أكبر جزء من هذا المبلغ على شكل هدية من قطر، وهي طائرة تبلغ قيمتها 400 مليون دولار، فيما أتى معظم الباقي من مبيعات العملات المشفّرة. ولا نعرف هوية مشتري عملات ترامب المشفّرة، لكن من المرجّح أن أموال النفط الخليجي شكّلت جزءاً كبيراً منها. كما ذكرت وول ستريت جورنال أن فرداً من العائلة الحاكمة في أبوظبي استثمر سراً 500 مليون دولار في وورلد ليبرتي فايننشال، التي تمثّل محور إمبراطورية ترامب في العملات المشفّرة.

في الوقت نفسه، أدّى جاريد كوشنر، صهر الرئيس، دور أحد كبار مفاوضي حكومة الولايات المتّحدة في شؤون الشرق الأوسط، بينما واصل أيضاً جمع مبالغ ضخمة لشركته الاستثمارية الخاصة من مستثمرين في المنطقة، وعلى رأسهم صندوق الاستثمارات العامة السعودي. ويقود هذا الصندوق ولي العهد محمد بن سلمان، الذي ترى أوساط واسعة أنه يقف وراء تقطيع الصحافي الناقد جمال خاشقجي بمنشار عظم.

لماذا تلعب أموال النفط الخليجي هذا الدور الكبير في الفساد الأميركي؟ لأن الدول النفطية، على عكس الديمقراطيات المتقدمة، تجمع بين الثروة الهائلة والسرية وغياب الفصل بين السلطة العامة والمصلحة الخاصة. ولهذا، يبدون الأقدر بين الجميع على ملء جيوب المسؤولين الأميركيين.

لذلك أصبحت أموال النفط الأجنبية عنصراً أساسياً في خطط إدارة ترامب الاقتصادية وفي مصالحه المالية الشخصية أيضاً. فماذا اشترت هذه الأموال عملياً في سياسة الولايات المتّحدة؟

سبق أن تحدّثت عن العداء الشديد الذي تكنّه إدارة ترامب للطاقة المتجددة. وكما في حرب إيران، لا يصدر هذا العداء عن دافع واحد. فترامب ما زال يحمل ضيقاً من مزرعة الرياح البحرية الممتدة أمام ملعب الغولف الذي يملكه في اسكتلندا. وفي أوساط ماغا أيضاً نظرة ترى في طاقة الرياح والشمس شيئاً «يقظوياً» فاقداً للرجولة؛ فالرجولة، في هذا الخيال، تقترن بالحفر والحرق. لكن المسألة لا تقف هنا، إذ إن خنق بدائل الوقود الأحفوري يوافق كذلك مصالح الحكومات والسلالات التي تنبع ثروتها كلها من هذا الوقود.

وكما تشير الغارديان: «حاربت السعودية على امتداد عقود، أكثر من أي بلد آخر، من أجل عرقلة العمل المناخي الدولي وتأخيره، حتى بدت كأنها أداة هدم دبلوماسية تروّج لفكرة أن التخلي عن الوقود الأحفوري ليس سوى وهم».

وبهذا المعنى، تبدو سياسة الطاقة في إدارة ترامب أقرب إلى ما كان محمد بن سلمان سيفعله لو أمسك هو بالقرار. فهل يقف فعلاً خلف هذا التوجه؟

وأخيراً، في ما يخصّ الحرب: مع بدء القصف، ذكرت واشنطن بوست أن التأثير الخارجي، لا من إسرائيل وحدها، أدّى دوراً في ذلك:

«جاء الهجوم الواسع الذي شنّه الرئيس دونالد ترامب على إيران يوم السبت في أعقاب أسابيع من الضغط مارسه ثنائي غير مألوف من حلفاء الولايات المتّحدة في الشرق الأوسط، هما إسرائيل والسعودية، وفقاً لأربعة أشخاص مطلعين على الملف، فيما مضت القوات الإسرائيلية والأميركية في تعاونها لإسقاط المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بعد نحو 4 عقود أمضاها في السلطة.

وأجرى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان اتصالات هاتفية خاصة عدة مع ترامب خلال الشهر الماضي دعا فيها إلى شنّ هجوم أميركي، على الرغم من دعمه العلني لحل دبلوماسي».

لا بدّ أن بن سلمان يندم الآن على دوره في الترويج للحرب. لكن الفساد والمهارة في إفساد الآخرين لا يعنيان الذكاء. ومرة أخرى، من الخطأ ردّ هذا الإخفاق الكارثي إلى سبب واحد. ومن يريد أن يفهم «العملية الكارثية الشاملة»، عليه أن يتتبع أموال النفط.

نُشِر هذا المقال في 18 آذار/مارس 2026 على مدوّنة بول كروغمان على منصة Substack، وتُرجِم إلى العربية ونُشِر في «صفر».