9 مليارات تتكدّس في المصرف المركزي... ولا خطّة لمواجهة تداعيات الحرب
تتزامن موجة النزوح الجديدة، الناجمة عن توسيع العدوان الإسرائيلي على لبنان، مع انكفاء شبه كامل للحكومة اللبنانية عن أداء وظيفتها الجوهرية في حماية مجتمعها وتأمين مقوّمات الصمود له. وإذا كانت الحكومة السابقة موضع انتقاد عندما زعمت وضعها أول خطّة استباقية لمواجهة طوارئ حرب 2023-2024 بعد أشهر من اندلاع الحرب ومن دون تأمين الموارد اللازمة لتطبيقها، فإن خطّة الاستجابة الحالية للحكومة اللبنانية هي أسوأ بكثير، إذ لا تتجاوز 8 صفحات، وهي بالأساس عبارة عن محضر اجتماع، لا يتضمّن أي تقدير فعلي لكلفة الخطّة، ويحصر المساعدات ببعض البطانيات والفرش ووجبات الطعام التي ستقدّم لنحو 43,000 ألف نازح لفترة شهر. والأهم أنها تُعيد تكريس نمطٍ بات مألوفاً: إسناد المسؤولية الأساسية إلى المنظّمات الدولية العاملة في المجال الإنساني، بوصفها الجهة المفترضة لتولّي إدارة الأزمة واحتواء تداعياتها.
غير أنّ المفارقة الصارخة تكمن في أنّ الموارد التي تعتمد عليها هذه المنظّمات شهدت تقلّصاً ملحوظاً في عام 2026 مقارنةً بالأعوام السابقة، في وقتٍ سجّلت فيه الدولة فائضاً مالياً يقارب مليار دولار في عام 2025، وراكمت ودائع تُقدَّر بنحو 9 مليارات دولار لدى المصرف المركزي. ومع ذلك، تمتنع السلطات عن توظيف هذه السيولة في تمويل الاستجابة الاجتماعية والإنسانية، بذريعة الحفاظ على استقرار سعر الصرف.
تطرح هذه المعادلة سؤالاً جوهرياً: لماذا يُعاد تقديم التمويل الخارجي بوصفه الخيار الوحيد المُمكن، فيما تتكدّس الموارد داخلياً؟ وهل تحوّل تثبيت سعر الصرف إلى أولوية تتقدّم على حماية المجتمع في لحظة أزمة وطنية حادّة؟
1. التمويل الخارجي لا يتجاوز 4% من ذروته في 2020
يدخل لبنان موجة نزوح جديدة في لحظة يشهد فيها التمويل الإنساني تراجعاً حاداً. بحسب بيانات خدمة تتبع التمويل التابعة لمنظّمة الأمم المتّحدة، انخفضت قيمة المساعدات الدولية المحوّلة إلى المنظّمات العاملة في لبنان من ذروة بلغت 1.7 مليار دولار في عام 2020، إلى 1.3 مليار دولار في عام 2024 في خلال ذروة الحرب الإسرائيلية على لبنان، وصولاً إلى 71 مليون دولار في عام 2026، أي بانخفاض يقارب 96%.
يعكس هذا التراجع التحوّلات الجذرية التي طرأت على سياسات التمويل الدولية، ولا سيما بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقف تمويل المساعدات الخارجية، وهو ما انعكس مباشرة على حجم التدفقات المالية عالمياً، وعلى أولويات الإنفاق لدى الجهات المنفّذة والتي لم يكن لبنان ضمنها.
أكثر من ذلك، إنّ المبلغ الذي تعهّدت الدول تقديمه للبنان في عام 2026 لتلبية حاجات إنسانية عبر عشرات المنظّمات الأممية العاملة فيه، لا يهدف أساساً إلى إدارة موجة النزوح الجديدة، بل يندرج ضمن التزامات سنوية مقرّرة مسبقاً لتغطية احتياجات قائمة ومتوقّعة على مدار العام. ما يعني أن الاستجابة الطارئة للأزمة الراهنة تفتقر إلى تمويل مخصّص ومباشر حتى الآن، باستثناء مبلغ لا يتجاوز 16 مليون دولار تشير الخطة الراهنة إلى إمكانية استخدامه إلى حين إصدار نداءات المساعدة.
2. السيولة العامة الداخلية تتراكم
في ظل تقلّص المساعدات الدولية وتراجع موثوقيتها لتأمين الحاجات الطارئة، تبقى الدولة اللبنانية المصدر الوحيد لتأمين حاجات النازحين من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت. غير أنّ المفارقة تكمن في أنّ الدولة اللبنانية لا تلبي هذه الحاجات، وفي الوقت نفسه تكدّس ودائع بقيمة 9.17 مليارات دولار في حساباتها لدى مصرف لبنان، وهو مبلغ يعادل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي المقدَّر لعام 2025.
تُظهر بيانات مصرف لبنان أنّ ودائع الحكومة والمؤسّسات العامة لديه ارتفعت من 2.08 مليار دولار في نهاية عام 2023 إلى 9.17 مليارات دولار في 15 شباط/فبراير 2026، أي بزيادة تفوق 4.4 مرات خلال عامين. صحيح أنّ هذه الودائع ليست جميعها متاحة للاستخدام الفوري، والقسم الأكبر منها مقوَّم بالليرة اللبنانية، إلا أنّ حجمها الاستثنائي يثير تساؤلات جدّية عن أولويات إدارة الموارد العامة.
فقد جُمعت هذه السيولة عبر امتصاص النقد من السوق من خلال الضرائب والرسوم وتعرفات الخدمات، ثم جرى تكديسها لدى المصرف المركزي بدل إعادة ضخّها في الاقتصاد وتوسيع الإنفاق على الخدمات العامة، والحماية الاجتماعية، والاستثمار، وإعادة الإعمار. وبذلك تحوّلت المالية العامة إلى أداة لضبط سعر الصرف من خلال تقليص الكتلة النقدية بالليرة والحدّ من الطلب على الدولار، بدل أن تكون أداةً للاستجابة الاجتماعية في لحظة تتفاقم فيها الأزمات.
3. هل ينهار سعر الصرف إذا استخدمت الدولة هذه السيولة؟
الإجابة التقنية المختصرة: ليس بالضرورة وليس تلقائياً. يتوقف الأمر على آلية الإنفاق وهندسته النقدية وكيفية إدارته.
من المعروف أن أي توسّع نقدي غير منضبط، في اقتصاد مدولر مثل الاقتصاد اللبناني، يمكن أن يولّد ضغوطاً على سعر الصرف، إلا أنّ ذلك لا يعني أنّ كل إنفاق سيقود تلقائياً إلى تدهور العملة. يقول الاقتصادي غسان ديبة، إن «تمويل خطة طوارئ لإدارة أزمة النزوح لا يتطلّب نفقات ضخمة تعجز الدولة عن تحمّلها. بل يمكنها تمويلها بالعجز، أي عبر زيادة نفقاتها من دون أن يتحوّل هذا الإنفاق إلى انهيار في الليرة كما يهوّل كثيرون، فمصرف لبنان يستطيع استخدام العملات الأجنبية الموجودة لديه لتثبيت سعر الصرف، ولا ننسى أنّ الحكومة حقّقت فوائض مالية في الموازنة في السنوات الماضية، ولديها بالتالي هامش مالي يمكن استخدامه».
ويتابع ديبة «هناك بدائل سريعة للاستجابة الطارئة، مثل الإنفاق بالدولار لتقديم دعم نقدي مباشر للأسر النازحة، بما يسمح بإعادة تدوير هذه الأموال داخل الاقتصاد من دون توسيع الكتلة النقدية بالليرة». وهو نمط قائم بالفعل من خلال تعاميم مصرف لبنان لتسديد الودائع بالدولار أو لدفع رواتب القطاع العام. كذلك يمكن، بحسب رأيه، «فرض ضريبة تضامنية لتمويل هذه النفقات، أو المضي أبعد نحو إصلاح ضريبي يطال الثروة والإرث والأرباح والشركات».
ويخلص ديبة إلى أنّ «انتظار المساعدات الخارجية بات خياراً رائجاً لكل استحقاق مالي، سواء لإعادة الإعمار أو لتنفيذ خطط الطوارئ أو حتى لزيادة الأجور. غير أنّ الدولة لا تستطيع تعليق إنفاقها على احتمال وصول التمويل الخارجي، فيما تتوافر أدوات داخلية يمكن توظيفها لتأمين الموارد».
الخلاصة: لا يكمن الخطر في الإنفاق بحدّ ذاته، بل في طريقة إدارته وأدواته النقدية. فالإنفاق المنظَّم في اقتصاد شديد الدولرة لا يعني تلقائياً انهياراً في سعر الصرف، بل يرتبط بكيفية تصميم السياسة المالية وتنسيقها مع السياسة النقدية.
4. ما الذي يحدث فعلياً إذا لم تنفق الدولة؟
قد تتحوّل الكلفة الاجتماعية إلى كلفة نقدية مؤجّلة. فالامتناع عن الإنفاق في خلال أزمة نزوح واسعة وحرب لا يعني الحفاظ على الحياد المالي، بل يفضي عملياً إلى تفاقم التوترات الاجتماعية والأمنية، واتساع فجوات المساعدة، وارتفاع معدلات الفقر، وتعميق الانكماش الاقتصادي. بعبارة أخرى، عدم الإنفاق في سياق أزمة حادّة هو في جوهره خيار سياسي، لا موقفاً تقنياً محايداً.
عندها لا يكون السؤال: «هل ينهار سعر الصرف إذا صُرفت الأموال؟». السؤال هو: «هل من المنطقي حماية سعر صرف اسمي على حساب انهيار اجتماعي أوسع على الرغم من وجود احتياطي مالي متراكم؟»
إنّ تكديس الدولة للسيولة من دون توظيفها في لحظة طوارئ يُعرف في الأدبيات النقدية بسياسة «التعقيم»، أي تجميد السيولة بهدف الحفاظ على استقرار اسمي. غير أنّ هذا الخيار يتحوّل، في سياق كهذا، إلى سياسة تقشّفية مقنّعة بشعار الاستقرار النقدي. ففي النموذج النيوليبرالي يُعاد صياغة دور الدولة بوصفها ضامناً للاستقرار المالي والنقدي، لا فاعلاً مركزياً في إعادة التوزيع أو في توفير الحماية الاجتماعية، أو التدخّل لمجابهة الأزمات وتداعياتها.
وعندها، تحال الحماية الاجتماعية إلى منظومة تديرها المنظّمات الدولية عبر تمويل خارجي مشروط وآليات إنسانية مؤقتة.
الخلاصة: الاستقرار النقدي المنفصل عن الاستقرار الاجتماعي هو استقرار هشّ قابل للاهتزاز عند أي صدمة كبرى.