أهي نهاية التضامن؟
الحروب الجديدة في عالم السوق
- خطاب حقوق الإنسان، بصيغته المعاصرة، لا يُقدّم نفسه كأداة للهيمنة، بل كأفق أخلاقي لا يمكن الاعتراض عليه. من يعارضه يُخاطر بأن يُصنّف خارج الإنسانية ذاتها. غير أن هذا الإجماع الظاهري يخفي داخله عملية إقصاء دقيقة للخطابات التي تربط الحقوق بالصراع الطبقي والاستعمار والسيادة الاقتصادية. لا يتم قمع هذه الخطابات بشكل مباشر، بل تُهمَّش، تُقدَّم كغير واقعية، أو تُستبدل بخطابات أكثر «براغماتية»
- التخصص، على الرغم مما يوفره من عمق تقني، يؤدي إلى فقدان الرؤية الكلية التي كانت تسمح بربط هذه القضايا ضمن مشروع سياسي جامع. هكذا يصبح من الممكن الدفاع عن قضية ما دون ربطها بقضايا أخرى، ما يضعف إمكان بناء تحالفات واسعة، ويجعل التضامن أكثر هشاشة، لأنه يعتمد على تقاطعات ظرفية بدل أن يستند إلى أرضية مشتركة.
منذ نهاية الحرب الباردة وسقوط جدار برلين، بدا وكأن العالم يدخل طوراً جديداً تُعاد فيه صياغة الشرعية السياسية والأخلاقية على أساس كونية متصاعدة لخطاب حقوق الإنسان. لم يعد هذا الخطاب مجرد مرجعية معيارية ضمن أخرى، بل تحوّل تدريجياً إلى لغة شبه مهيمنة تُنظّم فهم العنف، وتُعيد تعريف السيادة، وتُضفي معنى على التدخلات الدولية، وتُقدّم نفسها بوصفها الأفق النهائي للعدالة العالمية. في هذا السياق، اتسعت المؤسسات، وتكاثرت المنظمات، وتكثّف الإنتاج المعرفي حول الحقوق، وتحوّل الإنسان، بوصفه حاملاً مجرداً للحقوق، إلى نقطة ارتكاز مركزية في الخطاب العالمي. غير أنّ هذا الصعود المتواصل للغة الحقوق لم يتزامن مع تعميم فعلي للتضامن العالمي، بل رافقه، على نحوٍ متدرّج، تآكل في قدرة العالم على إنتاج استجابات جماعية مبكرة وفاعلة أمام الحروب. هكذا يتشكّل، في قلب النظام الدولي المعاصر، توترٌ بنيوي بين اتساع الخطاب الأخلاقي وانكماش الفعل التضامني، بين تعميم لغة الحقوق وتراجع قدرتها على أن تتحوّل إلى قوة ضغط سياسية في الزمن المناسب.
لا يمكن فهم هذا التوتر من خلال مقاربة أخلاقية تُحيل الأمر إلى «ازدواجية المعايير» أو إلى «فشل الإرادة الدولية» فحسب، على الرغم من أهمية هذه العناصر. فالمسألة أعمق من ذلك، وتتعلق بتحوّل في البنية التي تُنتج من خلالها المجتمعات العالمية معنى التضامن وشروط إمكانه. ففي لحظات سابقة، مثل حرب الفيتنام، ثم، بصيغ مختلفة، في الحرب على العراق سنة 2003، لم يكن التضامن مجرد رد فعل عاطفي على صور العنف، بل كان متكئاً على سرديات سياسية كبرى تربط الحرب ببنى الهيمنة، وتحوّل القضية من شأن إقليمي إلى سؤال عالمي. كانت هناك، في تلك اللحظات، قدرة على الربط بين المحلي والعالمي، بين الحدث والبنية، بين الضحية والنظام الذي ينتجها. لذلك لم يكن الاحتجاج متأخراً، بل كان، في كثير من الأحيان، استباقياً أو متزامناً مع الحدث، بما يعكس وجود أطر تنظيمية وسياسية قادرة على تحويل المعرفة بالعنف إلى فعل جماعي.
أي أفق جديد للتضامن لا يمكن أن يقوم على الشفقة، ولا على الاستجابة الموسمية للمأساة، بل على إعادة بناء علاقة أكثر تكافؤاً في إنتاج المعنى السياسي للعالم
أما في المرحلة الراهنة، فتتكاثر الحروب داخل عالمٍ تغيّرت فيه شروط إنتاج هذا الربط. لم يختفِ التضامن، لكنه لم يعد يتشكل بالسرعة ولا بالكثافة ولا بالمعنى ذاته. في حالات أوكرانيا وغزة ولبنان وإيران، يظهر التضامن، لكنه غالباً ما يأتي بعد تراكم العنف، وبعد أن تكون سرديات الحرب قد استقرت جزئياً، وبعد أن تكون الأطر التفسيرية التي تُضفي الشرعية أو تُنتج الالتباس قد أخذت مداها. هنا لا يتعلق الأمر فقط بتأخر زمني، بل بإعادة تشكيل لزمن السياسة نفسه: زمنٌ تصبح فيه الاستجابة الأخلاقية لاحقة للحدث، لا سابقة له أو مرافقة، هو زمنٌ يفقد فيه الغضب قدرته على أن يتحول بسرعة إلى فعل منظم عابر للحدود.
يرتبط هذا التحول، في أحد أبعاده الحاسمة، بإعادة صياغة المجال الاجتماعي والسياسي تحت تأثير النيوليبرالية. فمنذ التسعينيات، لم تقتصر النيوليبرالية على إعادة هيكلة الاقتصاد، بل أعادت تشكيل أنماط الارتباط الاجتماعي، وأضعفت الوسائط الجماعية التي كانت تاريخياً تُنتج التضامن، من نقابات وأحزاب وحركات اجتماعية، وأعادت تعريف الفرد بوصفه وحدة مستقلة مسؤولة عن مصيرها. في هذا السياق، لم يعد التضامن يُبنى داخل بنى تنظيمية كثيفة، بل صار يتحرك داخل فضاءات متشظية، سريعة الإيقاع، تخضع لمنطق التنافس على الانتباه، ولتدفقات إعلامية لا تسمح دائماً بتراكم المعنى. هكذا يتسع التعاطف من حيث الانتشار، لكنه يضيق من حيث الأثر؛ يتكاثر من حيث التعبير، لكنه يتراجع من حيث القدرة على التحول إلى قوة سياسية مستدامة.
وفي قلب هذا التحول، يتعرض خطاب حقوق الإنسان نفسه لإعادة توظيف تُضعف بعده الصراعي. فبدل أن يظل أداة لربط العنف ببناه التاريخية والسياسية، يُعاد إدماجه في مقاربات تقنية تُعنى بإدارة الأزمات والحدّ من آثارها، أكثر من مساءلة شروط إنتاجها. تُقدَّم المآسي بوصفها حالات إنسانية تستدعي التدخل أو الإغاثة أو التنديد، لكن ضمن أطر لا تفضي بالضرورة إلى بناء تضامن سياسي عابر للحدود، بل قد تُفضي إلى أشكال انتقائية من التعاطف، تُحدَّد وفق توازنات القوة، والاعتبارات الجيوسياسية، وأنماط التمثيل الإعلامي. بهذا المعنى، لا يتراجع التضامن على الرغم من صعود خطاب الحقوق، بل يتراجع من داخله، أو بالأحرى من خلال الشكل الذي أُعيدت صياغته فيه داخل نظام عالمي تُنظّمه عقلانية السوق وإدارة المخاطر.
تُضاف إلى ذلك إعادة ترتيب غير متكافئة لقابلية الضحايا لأن يُعترف بهم بوصفهم ضحايا. إذ لا تُنتج الحروب المعاصرة تدميراً مادياً فقط، بل أيضاً تمايزاً في كيفية إدراك هذا التدمير. يُدرك بعض الضحايا فوراً داخل لغة الحماية والحق، بينما يُحاصر آخرون داخل خطاب الشك أو الأمن أو «التعقيد»، بما يؤخر إدراجهم في أفق التضامن. هنا لا يعود السؤال متعلقاً بوجود التعاطف من عدمه، بل بكيفية توزيعه، وبالسرعة التي يُمنح بها، وبالشروط التي تجعل بعض المآسي قابلة للتسييس السريع، فيما تبقى أخرى معلّقة داخل نقاشات تُرجئ الاعتراف بها. هذا التفاوت لا يمكن فصله عن البنية العامة للنظام الدولي، حيث تتداخل اعتبارات القوة مع أنماط التمثيل، وتُعاد صياغة القيمة الأخلاقية للحياة ضمن تراتبيات ضمنية.
في هذا الإطار، يمكن قراءة التحول من حرب العراق إلى الحروب الراهنة لا بوصفه انتقالاً من تضامن إلى غيابه، بل بوصفه انتقالاً من شكل إلى آخر: من تضامن مبكر ومؤطر سياسياً إلى تضامن متأخر ومجزأ ومثقل بالانتقائية. وهو انتقال يكشف عن تحوّل أعمق في العلاقة بين الأخلاق والسياسة، حيث لم يعد اتساع الخطاب الإنساني كافياً لضمان فعاليته، بل قد يتعايش مع أنماط من اللامساواة في التعاطف وفي القدرة على الحشد. ضمن هذا الأفق، تتشكل الإشكالية التي سيحاول هذا المقال تفكيكها: كيف يمكن تفسير أن عالماً توسّعت فيه لغة حقوق الإنسان منذ نهاية الحرب الباردة، أصبح في الآن نفسه أقل قدرة على إنتاج تضامن عالمي مبكر وفاعل أمام الحروب، وأكثر قابلية لتأجيل هذا التضامن أو تجزئته أو إخضاعه لاعتبارات انتقائية؟
من الأممية إلى الحوكمة: تفكك البنى المنتجة للتضامن بعد الحرب الباردة
إذا كان خطاب الأممية قد شكّل، خلال جزء كبير من القرن العشرين، أفقاً سياسياً يُنتج التضامن بوصفه امتداداً طبيعياً للصراع ضد الاستعمار والإمبريالية، فإن ما أعقب نهاية الحرب الباردة لم يكن مجرد تراجع لهذا الأفق، بل إعادة صياغة عميقة لشروطه وإمكاناته. فالأمر لا يتعلق بانحسار «الإيديولوجيات الكبرى» أو بتفكّك الكتل الجيوسياسية فقط، بل بانتقال نوعي في كيفية تنظيم العالم لنفسه: من منطق يقوم على صراعات كبرى تُؤطرها سرديات شاملة، إلى منطق يقوم على إدارة متعددة المستويات تُجزّئ القضايا وتعيد توزيعها عبر شبكات من الفاعلين والمؤسسات والخبرات التقنية. في هذا الانتقال، لم تُلغَ فكرة التضامن، لكنها فقدت بنيتها الصلبة، وتحولت من علاقة سياسية مُؤسَّسة إلى ممارسة متقطعة، تتشكل داخل فضاءات متحركة، غير مستقرة، وغالباً ما تخضع لمعادلات الحوكمة أكثر مما تخضع لمنطق الالتزام الجماعي.
لا يعكس التعاطف انتقاءً في المشاعر فقط، بل أيضاً انتقاءً في الجغرافيا الأخلاقية للعالم: هناك أماكن يُعدّ العنف فيها خرقاً للنظام، وأماكن أخرى يُقدَّم فيها بوصفه امتداداً لقدرها
لقد كان للأممية، بصيغها المختلفة، من حركة عدم الانحياز إلى التضامن العمالي العابر للحدود، قدرة على إنتاج ما يمكن تسميته بـ«الترابط السياسي الكثيف»: ربط النضالات المحلية ببنية عالمية تُفسَّر من خلالها، وتُعاد صياغتها ضمن مشروع تاريخي مشترك. لم يكن هذا الترابط دائماً متماسكاً أو خالياً من التناقضات، لكنه وفّر إطاراً يجعل من التضامن ممارسة ذات معنى سياسي واضح. أما مع تفكك هذا الأفق، فقد تراجعت قدرة الفاعلين على إدراج أنفسهم ضمن سردية كونية موحِّدة، وبرز بدلاً من ذلك نمط جديد من التنظيم يقوم على التخصص والقطاعية والتدخل المحدود زمنياً ومجالياً. هكذا تحوّل الفضاء العالمي من ساحة صراع بين مشاريع كبرى إلى شبكة من «قضايا» تُدار بشكل منفصل، لكل منها فاعلوها وخبراؤها وأدواتها.
في هذا السياق، برزت الحوكمة بوصفها الصيغة المهيمنة لتنظيم الشأن العالمي. وهي لا تشير إلى تعدد الفاعلين فقط (دول، منظمات دولية، منظمات غير حكومية، شبكات خبراء)، بل إلى نمط محدد من التفكير في السياسة: سياسة تُختزل في التنسيق والإدارة وتدبير المخاطر، بدل أن تُفهم كصراع حول المعنى والعدالة والتوزيع. يحمل هذا التحول في طياته إعادة تعريف عميقة للتضامن. فبدل أن يكون التضامن التزاماً ناتجاً عن انتماء مشترك إلى قضية أو مشروع، يصبح أقرب إلى استجابة وظيفية ضمن نظام إدارة الأزمات. تُستبدل العلاقات السياسية بعلاقات تعاقدية، ويُعاد تعريف الفاعلين لا بوصفهم أطرافاً في صراع، بل بوصفهم شركاء في «حل مشكلة». هكذا يُعاد توجيه الطاقات من بناء روابط طويلة الأمد إلى التدخلات القصيرة، ومن إنتاج المعنى إلى إنتاج النتائج القابلة للقياس.
لا يمكن فصل هذا التحول عن إعادة هيكلة الدولة نفسها. فالدولة التي كانت، في لحظات سابقة، أحد الحوامل الأساسية للتضامن، سواء عبر سياسات خارجية داعمة لحركات التحرر، أو عبر أطر قانونية واجتماعية تُنظم التضامن الداخلي، أُعيد تعريفها داخل منطق النيوليبرالية كفاعل يسعى إلى التكيّف مع الأسواق، وجذب الاستثمارات، وإدارة التنافسية. في هذا الإطار، تتراجع الأبعاد السياسية للسيادة لصالح أبعادها الإجرائية، وتصبح قدرة الدولة على الفعل الدولي مشروطة بحسابات اقتصادية وأمنية دقيقة. وهذا لا يعني اختفاؤها، بل تحولها إلى عقدة داخل شبكة أوسع من الحوكمة، حيث تُقاس فعاليتها بمدى قدرتها على التنسيق، لا بقدرتها على اتخاذ مواقف سياسية حاسمة. وضمن هذا التحول، يفقد التضامن أحد روافعه التقليدية، إذ لم تعد الدولة بالضرورة وسيطاً لنقله أو تعزيزه، بل قد تصبح عاملاً في تقييده أو إعادة توجيهه.
من جهة أخرى، أسهم صعود المنظمات غير الحكومية في إعادة تشكيل المجال التضامني، لكن ضمن شروط جديدة. فقد أدّت هذه المنظمات دوراً مهماً في إبقاء قضايا متعددة ضمن الأجندة العالمية، غير أن عملها غالباً ما يتحدّد عبر منطق المشاريع والتمويل والمؤشرات، ما يفرض عليها تبنّي لغة تقنية تُناسب الجهات المانحة والمؤسسات الدولية. في هذا الإطار، يتحول التضامن إلى «قطاع» ضمن قطاعات أخرى، يخضع لمعايير الفعالية والاستدامة والقياس، بدل أن يُفهم كعلاقة سياسية تتجاوز هذه المعايير. لا يعني ذلك أن هذه المنظمات خالية من البعد السياسي، بل أن هذا البعد يُعاد تشكيله ضمن حدود تفرضها بنية الحوكمة العالمية، حيث تُفضَّل التدخلات القابلة للإدارة على المبادرات التي قد تُحدث قطيعة أو صراعاً مع النظام القائم.
إلى جانب ذلك، أدت التحولات في بنية العمل والتنظيم الاجتماعي إلى إضعاف القواعد التي كانت تُنتج التضامن من الأسفل. فمع تراجع النقابات، وتفكّك أشكال العمل المستقرة، وصعود أنماط التشغيل المرنة والهشة، أصبح من الصعب بناء هويات جماعية قادرة على تجاوز الحدود الوطنية. لم يعد العامل، مثلاً، جزءاً من طبقة عالمية متخيّلة كما في الأدبيات الكلاسيكية، بل فرداً داخل سوق عمل متقلب، تُحدده علاقات قصيرة الأمد، وتنافس دائم. هذا التفكك في البنية الاجتماعية يُترجم مباشرة في ضعف القدرة على إنتاج تضامن عابر للحدود، إذ تغيب الروابط التي كانت تسمح بتحويل التجارب الفردية إلى قضية جماعية.
كما أن التحول نحو ما يمكن تسميته بـ«تخصص القضايا» أسهم في تجزئة الفعل التضامني. فبدل أن تُفهم القضايا (الحرب، الفقر، الهجرة، البيئة) كأبعاد مترابطة لبنية واحدة، تُعالج كل منها ضمن حقل منفصل، له خبراؤه ولغته وأدواته. هذا التخصص، على الرغم مما يوفره من عمق تقني، يؤدي إلى فقدان الرؤية الكلية التي كانت تسمح بربط هذه القضايا ضمن مشروع سياسي جامع. هكذا يصبح من الممكن الدفاع عن قضية ما دون ربطها بقضايا أخرى، ما يضعف إمكان بناء تحالفات واسعة، ويجعل التضامن أكثر هشاشة، لأنه يعتمد على تقاطعات ظرفية بدل أن يستند إلى أرضية مشتركة.
يُعاد تعريف السياسة بوصفها مجالاً لإدارة القيم، لا لتغيير البنى، وهذا ما يجعل من الممكن أن يتعايش خطاب إنساني قوي مع واقع سياسي واقتصادي لا يقلّ قسوة
وفي هذا الإطار، تؤدّي المعرفة نفسها دوراً في إعادة تشكيل التضامن. فالإنتاج الأكاديمي، والتقارير الدولية، والخطابات الخبيرة، تساهم في تحديد ما يُعتبر قضية، وكيف يُفهم، وما هي الأدوات المناسبة للتعامل معه. غير أن هذه المعرفة، بحكم اندماجها في شبكات الحوكمة، تميل إلى تقديم القضايا ضمن صيغ قابلة للإدارة، ما قد يؤدي إلى تحييد أبعادها الصراعية. لا يُلغى الصراع تماماً، لكنه يُعاد صياغته بلغة أقلّ حدّة، تُناسب منطق التفاوض والتنسيق. وبهذا، يُعاد تشكيل الفضاء الذي يتحرك فيه التضامن، بحيث يصبح أكثر انضباطاً، وأقلّ قابلية للانفجار السياسي.
إن الانتقال من الأممية إلى الحوكمة لا يعني نهاية التضامن، بل تحوله إلى شكل مختلف: تضامن أقلّ كثافة، وأقلّ استمرارية، وأكثر ارتباطاً بآليات الإدارة. وهو تحول يعكس إعادة تنظيم أعمق للعالم، حيث لم تعد الروابط تُبنى على أساس الانتماء إلى مشروع تاريخي، بل على أساس المشاركة في إدارة قضايا محددة. في هذا السياق، يصبح التحدي ليس في استعادة التضامن فقط، بل في إعادة التفكير في الشروط التي تجعل منه ممكناً: كيف يمكن بناء روابط تتجاوز منطق المشروع والتمويل والتخصص؟ كيف يمكن إعادة ربط القضايا ضمن أفق سياسي جامع من دون الوقوع في اختزالها؟ وكيف يمكن إنتاج تضامن لا يُختزل في الاستجابة، بل يمتد إلى مساءلة البنى التي تجعل هذه الاستجابة ضرورية أصلاً؟ هذه الأسئلة لا تعني الحنين إلى أشكال سابقة من الأممية، بل تشير إلى الحاجة إلى تخيّل صيغ جديدة، قادرة على تجاوز حدود الحوكمة من دون تجاهل واقعها.
إنسانية بلا سياسة؟ إعادة تشكيل خطاب حقوق الإنسان
إذا كانت حقوق الإنسان قد صعدت، منذ نهاية الحرب الباردة، بوصفها اللغة الأكثر قدرة على ادعاء الكونية، فإن ما جرى في العمق لم يكن توسيعاً لأفق الحماية فقط، بل إعادة صياغة لمعنى الإنسان نفسه داخل بنية جديدة من السلطة. لم يعد الإنسان هنا ذلك الكائن السياسي الذي تُعرّفه علاقاته بالصراع والسيادة وإمكانية التمرّد، بل أصبح، على نحو متزايد، كياناً قابلاً للإدارة والقياس والإدراج داخل برامج تدخل وسياسات عامة وآليات تقييم. بهذا المعنى، لا يمكن فهم تحوّل خطاب حقوق الإنسان إلا باعتباره جزءاً من انتقال أوسع: انتقال من سياسة تُنظّمها مفاهيم مثل العدالة والهيمنة والمقاومة، إلى سياسة تُنظّمها مفاهيم مثل «الحماية» و«الهشاشة» و«القدرة على الصمود». هنا لا يتم نفي الإنسان، بل يُعاد إنتاجه داخل منطق يُفرغ إنسانيته من بعدها النزاعي، ويعيد دمجها في عقلانية السوق.
وما يميز هذا التحول ليس تراجع اللغة الراديكالية التي كانت تربط الحقوق بالبنى الاقتصادية والسياسية فحسب، بل أيضاً صعود نمط جديد من الأخلاق السياسية، يمكن وصفه بـ«الأخلاق المُدارة». في هذا النمط، لا يُفهم الألم بوصفه نتيجة علاقات قوة غير متكافئة، بل بوصفه وضعية تستدعي تدخلاً تقنياً. تتكاثر المؤشرات والتقارير والتصنيفات، ويُعاد تعريف المعاناة عبر مقاييس قابلة للمقارنة: عدد الضحايا، ودرجات الفقر، ومؤشرات الحوكمة، ومعدلات العنف. غير أن هذه العملية، التي تبدو في ظاهرها تعزيزاً للمعرفة، تُنتج في العمق نوعاً من التجريد، حيث يُفصل الألم عن سياقه التاريخي، ويُعاد تقديمه كمعطى مستقل يمكن التعامل معه من دون مساءلة الشروط التي أنتجته. هكذا تتحول حقوق الإنسان إلى جهاز يُعيد تنظيم الرؤية، لا إلى أداة تُفجّرها.
وفي هذا السياق، يتغير موقع الفاعلين أنفسهم. لم يعد النضال من أجل الحقوق حكراً على حركات سياسية تسعى إلى تغيير موازين القوة، بل أصبح مجالاً تتقاطع فيه منظمات غير حكومية، ومؤسسات دولية، وشبكات خبراء، وشركات استشارية. ولا يعني هذا التعدد بالضرورة ديمقراطية أوسع، بل غالباً ما يُنتج إعادة توزيع للسلطة داخل دوائر مغلقة من الاختصاص. يُطلب من الفاعلين المحليين أن يتكلموا لغة «المشروع»، وأن يُحوّلوا مطالبهم إلى مؤشرات قابلة للتمويل، وأن يُكيّفوا خطابهم مع أولويات الجهات المانحة. بهذا المعنى، لا يُلغى الفعل السياسي، بل يُعاد ترميزه داخل اقتصاد للشرعية، حيث تصبح القدرة على الوصول إلى الموارد مرتبطة بمدى الامتثال لقواعد محددة سلفاً. هنا، لا يعود السؤال: ما الذي يجب تغييره؟ بل: ما الذي يمكن تمويله؟
بدل أن تُفهم العدالة بوصفها إعادة توزيع للثروة والسلطة، تُختزل في كثير من الأحيان في الاعتراف بالانتهاك، أو في تعويض الضحايا، أو في محاسبة فردية لمرتكبي الجرائم
ينعكس هذا التحول أيضاً على طبيعة العدالة نفسها. فبدل أن تُفهم العدالة بوصفها إعادة توزيع للثروة والسلطة، تُختزل في كثير من الأحيان في الاعتراف بالانتهاك، أو في تعويض الضحايا، أو في محاسبة فردية لمرتكبي الجرائم. لا يُنكر أحد أهمية هذه الأبعاد، لكنها، حين تنفصل عن تحليل البنى، تتحول إلى أشكال من «العدالة المحدودة»، التي تُعالج النتائج من دون أن تمسّ الأسباب. في هذا الإطار، يمكن أن تتعايش سياسات حقوق الإنسان مع أنظمة اقتصادية تُنتج اللامساواة بشكل منهجي، بل قد تُستخدم لتخفيف آثارها من دون تغييرها. هكذا يُعاد إنتاج التناقض: نظام يُوسّع الاعتراف بالحقوق، لكنه يُضيّق إمكان تحقيقها فعلياً.
الأكثر راديكالية في هذا التحول هو أنه لا يفرض نفسه عبر القسر المباشر، بل عبر ما يمكن تسميته بـ«الاقتناع المُنظَّم». فخطاب حقوق الإنسان، بصيغته المعاصرة، لا يُقدّم نفسه كأداة للهيمنة، بل كأفق أخلاقي لا يمكن الاعتراض عليه. من يعارضه يُخاطر بأن يُصنّف خارج الإنسانية ذاتها. غير أن هذا الإجماع الظاهري يخفي داخله عملية إقصاء دقيقة للخطابات التي تربط الحقوق بالصراع الطبقي والاستعمار والسيادة الاقتصادية. لا يتم قمع هذه الخطابات بشكل مباشر، بل تُهمَّش، تُقدَّم كغير واقعية، أو تُستبدل بخطابات أكثر «براغماتية». وبهذا المعنى، يعمل خطاب الحقوق كآلية لإنتاج التوافق، لكن توافقاً يُبنى على حدود غير معلنة لما يمكن قوله أو المطالبة به.
في موازاة ذلك، يتشكل ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد إنساني عالمي»، حيث تصبح المعاناة مورداً يُنظَّم ويُدار. لا يعني ذلك أن الفاعلين الإنسانيين يسعون إلى استغلال الألم، بل أن النظام الذي يعملون داخله يُحوّل هذا الألم إلى موضوع تدخل مستمر. تُبنى المؤسسات، وتُخصّص الميزانيات، وتُطوَّر الأدوات، ويُعاد إنتاج الحاجة إلى التدخل عبر آليات تجعل من الصعب التفكير في نهايته. هنا، لا يعود الهدف القضاء على أسباب المعاناة، بل تحسين إدارتها. ويصبح النجاح مرهوناً بقدرة النظام على الاستجابة، لا بقدرته على إنهاء الحاجة إلى هذه الاستجابة. وبهذا، يتحول التضامن إلى وظيفة داخل نظام، لا إلى قوة قادرة على تغييره.
إن أحد أخطر أبعاد هذا التحول هو إعادة تشكيل العلاقة بين الأخلاق والسياسة. ففي اللحظة التي يُفترض فيها أن الأخلاق تُعزّز السياسة، أي أن تدفع نحو مساءلة أعمق للسلطة، نجد أنها تُستخدم لتبرير انسحابها. يُستعاض عن النقاشات حول العدالة الاجتماعية والسيادة وتوزيع الثروة، بنقاشات حول القيم والكرامة والمسؤولية الإنسانية. هذه المفاهيم، على الرغم من أهميتها، تُستخدم في كثير من الأحيان كبدائل عن الصراع، لا كمدخل إليه. هكذا يُعاد تعريف السياسة بوصفها مجالاً لإدارة القيم، لا لتغيير البنى، وهذا ما يجعل من الممكن أن يتعايش خطاب إنساني قوي مع واقع سياسي واقتصادي لا يقلّ قسوة.
ضمن هذا الأفق، لا يبدو تراجع الفعل التضامني نتيجة مباشرة لضعف الإرادة، بل نتيجة منطقية لإعادة تنظيم المجال الذي يتحرّك فيه. فحين يُعاد تعريف الإنسان كموضوع تدخل، والعدالة كإدارة للنتائج، والسياسة كتنسيق بين فاعلين، يصبح من الصعب إنتاج تضامن يتجاوز هذه الحدود. لا لأن الناس لا يريدون ذلك، بل لأن الأدوات المتاحة لا تسمح به. هكذا يتشكل نوع من «اللا-سياسة الإنسانية»، حيث تُدار القضايا الكبرى، الحرب، الفقر، الهجرة، ضمن أطر تقنية تُحدّد مسبقاً ما يمكن فعله، وما يجب تركه خارج النقاش.
لا يُلغى الصراع تماماً، لكنه يُعاد صياغته بلغة أقلّ حدّة، تُناسب منطق التفاوض والتنسيق. وبهذا، يُعاد تشكيل الفضاء الذي يتحرك فيه التضامن، بحيث يصبح أكثر انضباطاً، وأقلّ قابلية للانفجار السياسي
في هذا السياق، لا يكفي نقد ازدواجية المعايير أو فضح التحيزات، على الرغم من أهميتهما، بل يصبح من الضروري مساءلة البنية التي تجعل من هذه الازدواجية ممكنة ومقبولة. كيف يمكن لخطاب يدّعي الكونية أن يعمل ضمن نظام يُنتج تفاوتات عميقة؟ كيف يمكن لحقوق تُعرَّف بوصفها غير قابلة للتجزئة أن تُطبَّق بشكل انتقائي؟ والأهم: كيف يمكن استعادة البعد السياسي للإنسانية من دون السقوط في إعادة إنتاج نماذج قديمة من الأممية؟ هذه الأسئلة لا تُطرح من خارج خطاب حقوق الإنسان، بل من داخله، بوصفها محاولة لإعادة فتح ما أُغلق فيه: إمكان التفكير في الحقوق لا كحدّ أدنى يجب إدارته، بل كأفق للصراع يجب توسيعه.
بهذا المعنى، فإن الراديكالية المطلوبة لا تكمن في رفض خطاب حقوق الإنسان، بل في زعزعة الشكل الذي استقر فيه داخل عقلانية السوق، أي في إعادة ربطه بالبنى التي تفصلها عنه، وفي استعادة قدرته على أن يكون لغة للاعتراض، لا أداة للإدارة. هنا فقط يمكن التفكير في إنسانية لا تُختزل في الرعاية، ولا تُفرغ من السياسة، بل تُعاد صياغتها كقوة قادرة على مساءلة النظام الذي ينتج الحاجة إليها.
زمن متأخر للتضامن: انتقائية التعاطف
لا يُقاس التضامن بوجوده أو غيابه، بل باللحظة التي يظهر فيها، وأحد أكثر تحولات العالم المعاصر دلالة لا يتمثل في انعدام التعاطف إزاء الحروب والكوارث، بل في تأخره البنيوي. لم يعد السؤال: هل يتعاطف العالم؟ بل: متى يتعاطف، وتحت أي شروط، وبعد كمّ من القتل والتهجير والتدمير يصبح الألم مرئياً بما يكفي لكي يُعترف به؟ هنا تحديداً يتكشف ما يمكن تسميته بالزمن المتأخر للتضامن: ذلك الإيقاع السياسي والأخلاقي الذي لا يلغي الاستجابة، بل يؤجلها؛ لا ينكر المأساة دائماً، بل يضعها أولاً داخل مسارات من الشك، والانتظار، والتشكيك، وإعادة التأويل، قبل أن يسمح لها بالدخول إلى المجال المشروع للتعاطف. بهذا المعنى، لا يعود التأخر مجرد صدفة ظرفية أو نتيجة ضعف المعلومات، بل يصبح جزءاً من البنية التي تنظّم توزيع الانتباه والاعتراف في العالم.
تظهر هذه المسألة بوضوح إذا قارنا بين أنواع مختلفة من الاستجابة الدولية للحروب. ففي الحالة الأوكرانية، لم يحتج العالم الغربي إلى وقت طويل كي يصوغ سردية متماسكة عن العدوان والضحية والمقاومة. خلال أسابيع قليلة، تشكلت لغة سياسية وإعلامية وأخلاقية شديدة الوضوح: شعب يتعرض للغزو، دولة ذات سيادة تُنتهك، مدنيون ينبغي حمايتهم، ولاجئون يستحقون الترحيب الفوري. لم يكن الأمر مجرد تعاطف إنساني، بل بناء سريع لإطار إدراكي يجعل الألم الأوكراني مفهوماً وقابلاً للتبني والتمثيل. في المقابل، حين يتعلق الأمر بغزة أو بلبنان أو بسكان مناطق أخرى في الجنوب العالمي، فإن التعاطف لا يُمنح بالطريقة نفسها ولا بالسرعة نفسها. هناك دائماً مسافة إضافية ينبغي أن يقطعها الضحايا كي يصبحوا جديرين بالحزن العام: يجب أولاً شرح السياق، ثم نفي التهم، ثم الرد على خطاب «التعقيد»، ثم إثبات إنسانيتهم أمام جمهور يتلقى المأساة عبر طبقات كثيفة من الشك السياسي والأمني.
في هذا الفارق لا نكون إزاء اختلاف في حجم المعاناة، بل إزاء اختلاف في شروط قابليتها للقراءة. بعض الآلام تدخل المجال العمومي العالمي بوصفها بديهية أخلاقية، وبعضها الآخر يدخل بوصفه ملفاً خلافياً. وهذا ما يجعل الزمن عنصراً حاسماً في فهم التضامن: فالتضامن المتأخر ليس مجرد تضامن ضعيف، بل هو تضامن يفقد جزءاً من قوته السياسية لأنه يصل بعد أن يكون التدمير قد أتم عمله، وبعد أن تكون الوقائع قد فُرضت على الأرض، وبعد أن تكون اللغة التي تبرر العنف قد راكمت شرعيتها. هنا لا ينفع التعاطف، مهما كان صادقاً، إلا بوصفه رد فعل على كارثة صارت بالفعل واقعاً مستقراً. ولذلك فإن التأخر لا يعبّر فقط عن خلل أخلاقي، بل عن نمط من أنماط السلطة: السلطة التي تحدد متى يصبح الألم معقولاً، ومتى يستحق أن يُدرج داخل اللغة الكونية للشفقة والحق.
أحد الأمثلة الملموسة على ذلك نجده في طريقة التعامل مع اللاجئين. فحين اندلعت الحرب في أوكرانيا، فُتحت الحدود الأوروبية بسرعة نسبية، وتراجعت مؤقتاً بعض الإجراءات البيروقراطية الصارمة، وظهر خطاب واسع عن القرب الثقافي والواجب الأخلاقي والاستقبال الكريم. أما في أزمات اللجوء القادمة من سوريا أو أفغانستان أو السودان أو بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، فقد ظلّ اللاجئ محاطاً غالباً بخطابات الشك: هل هو ضحية فعلاً أم مهاجر اقتصادي؟ هل يحتاج إلى الحماية أم يشكل تهديداً؟ هل قصته قابلة للتصديق؟ بهذا المعنى، لا يُوزَّع الحق في النجاة فقط وفقاً للحاجة، بل أيضاً وفقاً للتمثلات المسبقة عن من يُشبه «الإنسان الجدير بالحماية» ومن يُلقى به في خانة الريبة. إننا هنا أمام تراتبية عاطفية وسياسية للضحايا، لا تعمل من خلال الإعلان الصريح عن عدم المساواة، بل من خلال التفاوت في السرعة واللغة وسهولة منح الشرعية الأخلاقية.
تتراجع الأبعاد السياسية للسيادة لصالح أبعادها الإجرائية، وتصبح قدرة الدولة على الفعل الدولي مشروطة بحسابات اقتصادية وأمنية دقيقة. وهذا لا يعني اختفاؤها، بل تحولها إلى عقدة داخل شبكة أوسع من الحوكمة
المثال نفسه يمكن قراءته في الحروب التي تُبث مباشرة تقريباً. فليست المشكلة اليوم في نقص الصور، بل في فائضها. صور غزة، مثلاً، لم تكن غائبة: الأطفال تحت الأنقاض، المستشفيات المدمرة، العائلات النازحة، الوجوه المذعورة، المجاعة البطيئة، كلها كانت ظاهرة بقدر هائل. ومع ذلك، لم تتحول هذه الكثافة البصرية مباشرة إلى كثافة تضامنية بالمعنى السياسي. ذلك أن الصورة لا تتكلم وحدها، بل تُدرج دائماً داخل نظام تفسير. إذا كانت صورة الضحية تُقرأ ضمن سردية «الحرب على الإرهاب»، أو «الدفاع عن النفس»، أو «التعقيد التاريخي»، فإنها لا تؤدي الوظيفة نفسها التي تؤديها حين توضع داخل سردية الاحتلال أو الإبادة أو العقاب الجماعي. هنا يتبين أن التعاطف ليس أثراً تلقائياً للرؤية، بل نتيجة صراع على معنى ما يُرى. ومن ثم، فإن انتقائية التعاطف لا تصدر عن المشاعر وحدها، بل عن الاقتصاد السياسي للتأويل: من يملك حق تسمية العنف؟ من يحدد مَن هو المدني ومَن هو المشتبه به؟ ومن يفرض اللغة التي تجعل بعض الجثث فضيحة أخلاقية وبعضها الآخر تفصيلاً جانبياً في مشهد أمني أكبر؟
ويتضح هذا أيضاً في التفاوت بين سرعة تسييس بعض المآسي وسرعة تجريد بعضها الآخر من السياسة. حين تقع هجمات في مدن أوروبية، تتحول بسرعة إلى حدث كوني: وحدات رمزية، شعارات، إضاءات على المباني، تغطيات متواصلة، وخطاب عن «الهجوم على قيمنا المشتركة». أما حين يُقتل المئات أو الآلاف في اليمن أو السودان أو الكونغو أو غزة، فإن التغطية، حتى حين توجد، غالباً ما تنزلق إلى لغة الأرقام والإغاثة والقلق الإنساني، من دون أن تكتسب الدرجة نفسها من المركزية الرمزية. ليس لأن الضحايا أقل بشرية، بل لأن بعض الجغرافيات تُنتج تلقائياً كأماكن يُنظر فيها إلى الموت بوصفه شبه طبيعي، أو متوقع، أو جزءاً من «الفوضى المحلية». بهذا المعنى، لا يعكس التعاطف انتقاءً في المشاعر فقط، بل أيضاً انتقاءً في الجغرافيا الأخلاقية للعالم: هناك أماكن يُعدّ العنف فيها خرقاً للنظام، وأماكن أخرى يُقدَّم فيها بوصفه امتداداً لقدرها.
كما أن التضامن المتأخر يرتبط بطبيعة الفاعلين الذين يملكون القدرة على تسريع أو تعطيل الاعتراف. فوسائل الإعلام الكبرى، والمنصات الرقمية، والمنظمات الدولية، والنخب السياسية، لا تكتفي بنقل الألم، بل تفرز وتؤطر وتعيد ترتيب أولوياته. من هنا يمكن فهم لماذا يحتاج كثير من الضحايا اليوم إلى «حدث إضافي» كي يُلتفت إليهم: صورة استثنائية، مجزرة ضخمة جداً، فيديو صادم، أو شهادة يصعب إنكارها. كأن المعاناة العادية لم تعد كافية، وكأن على الضحية أن تبلغ مستوى معيناً من الفظاعة لكي تُخترق طبقات اللامبالاة المنظمة. وهذا بحد ذاته أحد أعراض التآكل الأخلاقي للبنية العالمية: ليس لأن الناس فقدوا إحساسهم، بل لأن نظام الانتباه نفسه صار مشبعاً إلى حدّ لا يسمح إلا بما هو أكثر صدمة أن يصعد إلى الواجهة.
ولعل المثال الأوضح هنا هو ما جرى في أكثر من ساحة عربية منذ عام 2011. ففي سوريا، لم يكن العنف خافياً، لكن مسار تحويله إلى قضية عالمية ظلّ متذبذباً، وتحوّل سريعاً من سؤال عن الحرية والقمع إلى ملف أمني وجيوسياسي معقد، ثم إلى أزمة لاجئين، ثم إلى مأساة إنسانية مزمنة. في كل مرحلة كان جزء من المعنى يُسحب من الحدث، إلى أن صار الألم السوري قابلاً للشفقة، لكن أقل قابلية لإنتاج تعبئة سياسية عالمية متماسكة. الأمر نفسه يمكن قوله عن السودان في السنوات الأخيرة: العنف هائل، والتهجير واسع، لكن بطء التغطية وغياب المركزية الجيوسياسية يجعلان التضامن يتشكّل على نحو خافت ومتقطع، كما لو أن المأساة لا تزال تنتظر لحظتها الإعلامية كي تصير «مرئية» بما يكفي.
المشكلة إذن ليست في أن العالم بلا عاطفة، بل في أن العاطفة نفسها أصبحت محكومة بشروط تأجيل. إنها لا تتحرك عندما يقع الحدث بقدر ما تتحرك عندما تسمح البنى السياسية والرمزية بقراءته بوصفه حدثاً يستحق الاستجابة. وهنا تتجاوز المسألة الإعلام إلى ما هو أعمق: إلى شكل النظام الدولي نفسه، الذي لا يوزع القوة فقط، بل يوزع أيضاً قابلية الألم لأن يُعترف به. لذلك فإن الزمن المتأخر للتضامن ليس عارضاً جانبياً، بل يكشف عن تحول في معنى الكونية ذاتها: لم تعد الكونية تعني مساواة فورية بين الضحايا، بل صارت تمر عبر مصافي الهوية، والقرب، والتحالف، والقابلية للترجمة داخل خطاب مهيمن.
من هنا، فإن الرهان النقدي لا يكمن فقط في المطالبة بمزيد من التعاطف، بل في تفكيك الشروط التي تجعل التعاطف انتقائياً ومتأخراً. أي في مساءلة البنى التي تحول بين الألم وبين اعتراف العالم به في الزمن المناسب. لأن التضامن الذي يصل بعد اكتمال الكارثة لا يكون بريئاً تماماً؛ إنه يكشف، في الآن نفسه، عن حدود النظام الأخلاقي الذي يدّعي الشمول. وهذا ما يجعل سؤال التعاطف اليوم سؤالاً سياسياً بامتياز: ليس من يتألم فقط، بل من يُسمح لألمه أن يصبح قضية عالمية، ومتى.
اي تضامن يمكن تصوره اليوم؟
في النهاية، لا تقودنا الحروب المعاصرة إلى مساءلة توازنات القوة أو ازدواجية المعايير أو حدود القانون الدولي فقط، بل تدفعنا، على نحو أعمق، إلى مساءلة الشكل الذي أصبح عليه العالم نفسه: عالم تتسارع فيه الصور، وتتكاثر فيه لغات الإنسانية، وتتضخم فيه شبكات الاتصال، لكن من دون أن يترتب على ذلك بالضرورة تعاظم مماثل في القدرة على إنتاج تضامن عابر للحدود، مبكر، وفاعل. هنا تتضح المفارقة المركزية. لم تعد المشكلة في غياب المعرفة بالمأساة، لأن المآسي باتت مكشوفة إلى حد الفيض؛ ولا في غياب الخطاب الأخلاقي، لأن لغة الحقوق والكرامة والإنسانية لم تكن يوماً بهذا الحضور؛ بل في أن العالم الذي صار أكثر قدرة على رؤية العنف، صار في الآن نفسه أقل قدرة على تحويل هذه الرؤية إلى التزام سياسي يسبق الكارثة أو يوقفها في بداياتها. بهذا المعنى، فإن تراجع التضامن لا يدل فقط على أزمة أخلاقية، بل على تحوّل تاريخي في البنية التي كانت تجعل من التضامن قوة مادية ممكنة.
زمنٌ تصبح فيه الاستجابة الأخلاقية لاحقة للحدث، لا سابقة له أو مرافقة، هو زمنٌ يفقد فيه الغضب قدرته على أن يتحول بسرعة إلى فعل منظم عابر للحدود
ومن هذه الزاوية، لا يمكن فهم العلاقة الراهنة بين الشمال والجنوب العالميين خارج هذا التحول. فالمسألة لم تعد تُختزل في ثنائية قديمة بين مركز مهيمن وأطراف خاضعة، على الرغم من أن هذه البنية لم تختفِ، بل أعادت تشكيل نفسها داخل اقتصاد عالمي جديد للسلطة، تتداخل فيه الأسواق، والمؤسسات، والخبرات، والمعايير الإنسانية، وآليات الأمن. لقد صار الشمال، في كثير من الأحيان، يحتكر أدوات القوة الصلبة، وأيضاً قدرة تعريف الأزمات، وتحديد لغة الاستجابة، وتسمية ما يستحق أن يكون قضية عالمية وما ينبغي أن يبقى ملفاً هامشياً. وفي المقابل، لا يُختزل الجنوب في موقع الضحية، بل يُعاد إنتاجه بوصفه فضاءً دائماً للإنذار، والخطر، والهشاشة، والتدخل، أي بوصفه مجالاً تُدار فيه الأزمات أكثر مما يُعترف له بقدرة كاملة على صياغة المعنى السياسي للعالم. وهذا أحد أوجه المفارقة الكبرى: في زمن الإدعاء الكوني للحقوق، لم تتراجع فقط أشكال الهيمنة القديمة، بل اكتسبت شرعية جديدة لأنها باتت تتحرك أيضاً باسم الحماية، والاستقرار، والمسؤولية الدولية.
غير أن هذه الصورة، على قسوتها، لا ينبغي أن تقود إلى استنتاج بسيط مفاده أن التضامن انتهى أو أنه صار مستحيلاً. الأصح أن نقول إن أشكال التضامن القديمة فقدت كثيراً من شروطها، بينما لم تستقر بعدُ أشكال جديدة قادرة على حمل الوظيفة نفسها. لقد تآكلت البنى التي كانت، في القرن العشرين، تسمح بربط نضالات الجنوب بيسارات الشمال والحركات الطلابية والنقابية والأممية وحركات التحرر، كما تآكلت أيضاً السرديات الكبرى التي كانت تمنح لهذه الروابط معنى تاريخياً كثيفاً. لكن هذا لا يعني أن العالم دخل مرحلة ما بعد التضامن، بقدر ما يعني أنه دخل مرحلة يُعاد فيها تعريف التضامن وسط شروط جديدة: فضاءات رقمية، شبكات متقطعة، تعبئات سريعة لكنها هشة، تقاطعات عابرة للقضايا، واحتجاجات كونية تظهر فجأة ثم تتشظى بسرعة. والسؤال الحاسم هنا ليس كيف نستعيد ماضي التضامن كما كان، بل كيف نفكر في شروط إمكانه اليوم، من دون حنين ساذج إلى صيغ تاريخية لن تعود.
في هذا الأفق، يصبح التفكير في علاقة الشمال بالجنوب العالميين مسألة تتجاوز الإدانة الأخلاقية نحو مساءلة البنية التي تنظّم التفاوت في الصوت، وفي القيمة، وفي الحق في الظهور. فالمطلوب ليس فقط أن «يتضامن» الشمال مع الجنوب، كما لو أن الأمر يتعلق بلفتة أخلاقية من الأعلى إلى الأسفل، بل أن يُعاد النظر في العلاقات التي تجعل الجنوب موضوعاً دائماً للتعاطف لا شريكاً كاملاً في تعريف العدالة العالمية. ذلك أن إحدى مشكلات الخطابات الإنسانية الراهنة أنها قد تُبقي على اللامساواة نفسها التي تزعم معالجتها، حين تجعل بعض الشعوب قابلة للتمثيل فقط بوصفها ضحايا، لا بوصفها فاعلين سياسيين يمتلكون سردياتهم ومفاهيمهم وتجاربهم الخاصة في مقاومة العنف. ومن هنا فإن أي أفق جديد للتضامن لا يمكن أن يقوم على الشفقة، ولا على الاستجابة الموسمية للمأساة، بل على إعادة بناء علاقة أكثر تكافؤاً في إنتاج المعنى السياسي للعالم، بحيث لا يبقى الجنوب مجرد موقع للمعاناة، ولا يبقى الشمال وحده مالكاً للغة الكونية التي تُفسَّر بها هذه المعاناة.
كما أن عالم السرعة الذي نعيش فيه يفرض تحدياً إضافياً على إمكان التضامن. فالسرعة لا تعني فقط تدفق المعلومات، بل تعني أيضاً تقصير الزمن الذي تُبنى فيه القضايا، وتآكل القدرة على التراكم، وتحويل الانتباه إلى مورد نادر يتنافس عليه الجميع. في مثل هذا العالم، يغدو التضامن مهدداً بأن يتحول إلى انفعال لحظي، أو إلى اصطفاف رمزي سريع، أو إلى استهلاك أخلاقي للمأساة. لذلك فإن الرهان لا يكمن في إنتاج مزيد من الصور أو مزيد من الخطابات، بل في ابتكار أشكال تنظيم ومعرفة وربط قادرة على مقاومة منطق التبدد. أي في إعادة بناء الزمن نفسه: زمن يسمح للفعل الجماعي بأن ينضج، وللذاكرة بأن تتراكم، وللقضايا بأن تتجاوز لحظة الصدمة نحو أفق أكثر استدامة.
من هنا، لا تبدو المهمة الأساسية اليوم هي مجرد الدفاع عن التضامن بوصفه قيمة مجردة، بل إعادة تسييسه. أي إعادته من مستوى العاطفة إلى مستوى البنية، ومن مستوى التعاطف إلى مستوى إعادة ترتيب العلاقات التي تجعل بعض الحروب مرئية بسرعة وبعضها الآخر يظل معلقاً على هامش العالم. فالتضامن، إذا أريد له أن يكون أكثر من رد فعل، يجب أن يرتبط من جديد بأسئلة العدالة والاقتصاد والاستعمار والسيادة والحق غير المتكافئ في الحداد والحياة. وعندها فقط يمكن أن يتحول من مجرد استجابة أخلاقية إلى قوة نقدية تكشف حدود النظام العالمي نفسه.
لذلك، ربما لا ينبغي أن يُختتم النقاش بالسؤال عما إذا كان العالم قد فقد قدرته على التضامن، بل بسؤال آخر أكثر إلحاحاً: أي تضامن يمكن تصوره اليوم في عالم متسارع، مجزأ، وغير متكافئ، من دون أن يكون امتداداً لتراتبيات الشمال، ومن دون أن يختزل الجنوب في موقع المتلقي؟ هذا السؤال لا يفتح فقط أفقاً نظرياً، بل يفتح أيضاً أفقاً سياسياً: أفق البحث عن تضامن لا يكتفي بمواساة الضحايا، بل يشارك في تفكيك الشروط التي تنتجهم.