الممرات وإعادة صياغة جيوسياسة الشرق الأوسط

الممرات وإعادة صياغة جيوسياسة الشرق الأوسط

في عام 1903، شرعت الإمبراطورية العثمانية وألمانيا الإمبراطورية في إنشاء سكة حديد بغداد-برلين، التي ربطت العاصمة الألمانية بالخليج عبر العاصمة العثمانية القسطنطينية. في ذلك الوقت، أرادت ألمانيا إنشاء ميناء تجاري على الخليج، غير أن هدفها الرئيس تمثّل في تحدّي المصالح الجيو-اقتصادية للإمبراطوريات البريطانية والفرنسية والروسية في المشرق وآسيا الوسطى والهند. وشكّل هذا المشروع الكبير أحد العوامل الرئيسة التي دفعت الروس والبريطانيين والفرنسيين إلى التوحّد لمنع ألمانيا من توسيع نفوذها في المنطقة وإعادة رسم حدود الشرق الأوسط. لكن الخطة الألمانية الكبرى لم تنجح مع اندلاع الحرب العالمية الأولى وسقوط دول المحور، ودفعت الأقليات في الأناضول ثمناً باهظاً. وبعد أعوام، طوّرت فرنسا وبريطانيا مسارات اقتصادية جديدة عبر تحديث السكك الحديدية وطرق النقل داخل مستعمراتهما في المنطقة، ودمج الاقتصادات المحلية في شبكاتهما الاستعمارية، وإتاحة روابط تجارية جديدة. وبعد نحو 100 عام، عاد الشرق الأوسط ومحيطه ليشكّلا مرةً أخرى ساحةً لمسارات التجارة الإقليمية والعالمية.

تتحوّل الممرات الاقتصادية أكثر فأكثر إلى العمود الفقري لنظام جيو-اقتصادي جديد في الشرق الأوسط، فتُعيد تشكيل ديناميات التجارة والترابط، كما تُعيد رسم التوازنات الجيوسياسية في المنطقة. ولا تنحصر هذه الممرات في كونها مشاريع بنية تحتية، بل تعمل بوصفها أدوات استراتيجية تمارس عبرها القوى الإقليمية والعالمية نفوذها، وتؤمّن سلاسل الإمداد، وتُعيد تحديد مجالات التعاون والتنافس.

الممرات وإعادة صياغة جيوسياسة الشرق الأوسط

رؤى متنافسة

تفتح مبادرات مثل الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، ومبادرة الحزام والطريق الصينية، والممر الأوسط التركي، وطريق التنمية العراقي، وممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب الذي أطلقته روسيا وإيران والهند، إلى جانب شبكات لوجستية تقودها دول الخليج، المجال أمام مسارات تجارية بديلة تتجاوز نقاط الاختناق التقليدية مثل قناة السويس ومضيق هرمز. وتهدف هذه المشاريع إلى رفع الكفاءة، وخفض تكاليف النقل، ودمج الأسواق الإقليمية في سلاسل القيمة العالمية. وتسعى دول الخليج، ولا سيما السعودية والإمارات، إلى ترسيخ موقعها بوصفها مراكز لوجستية رئيسة، مستفيدةً من موقعها الجغرافي للانتقال من اقتصادات معتمدة على الهيدروكربونات إلى اقتصادات تجارة وعبور متنوعة. كما تسعى تركيا وإيران وإسرائيل إلى أداء دور مراكز عبور رئيسة تصل بين مسارات الشمال-الجنوب ومسارات الشرق-الغرب.

وبذلك، تُعاد صياغة الجغرافيا الاقتصادية في الشرق الأوسط حول الترابط، وتُربط بمناطق أخرى مثل جنوب القوقاز وآسيا الوسطى. كما يربط ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، ومبادرة الحزام والطريق، والممر الأوسط شبكات الشرق-الغرب والشمال-الجنوب بعضها ببعض عبر جنوب القوقاز. في 8 آب/أغسطس 2025، وقّع قادة أرمينيا وأذربيجان بالأحرف الأولى على اتفاق أولي، وأصدروا بوساطة من الولايات المتّحدة إعلاناً مشتركاً شدّد على ضرورة مواصلة الجهود تمهيداً لتوقيع الاتفاق وإقراره نهائياً. والأهم أن الاتفاق استهدف تسهيل إنشاء مسار يربط أذربيجان بجيبها المنفصل عن أراضيها وبتركيا عبر جنوب أرمينيا المحاذي لإيران. ومن المفترض أن يحمل هذا مسار اسم «طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين». ويتمثّل هدفه الرئيس في ربطه بالممر الأوسط، بما يصل أوروبا بآسيا الوسطى وما بعدها، ويمنح تركيا دوراً مهماً بوصفها دولة عبور، فيما ترسّخ الشركات الأميركية موطئ قدم لها في جنوب القوقاز، وخصوصاً في أرمينيا، التي شكّلت في السابق منطقة نفوذ روسية تقليدية قرب الحدود مع إيران. وللولايات المتّحدة هدف آخر: فمن خلال دعم الممر الأوسط الذي يتجاوز روسيا وإيران، تسعى إلى زيادة عزل طهران وموسكو عن مشاريع البنية التحتية الإقليمية، وبسط نفوذها في آسيا الوسطى، والضغط على الصين.

في الشرق الأوسط، تروّج الولايات المتّحدة وشركاؤها، مثل إسرائيل والإمارات، لممرات اقتصادية مثل ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا بوصفها بديلاً عن مبادرة الحزام والطريق الصينية، سعياً إلى إدراج الهند وعدد من الفاعلين الرئيسين في المنطقة ضمن بنية اقتصادية منسجمة مع الغرب. وإذا دخل هذا المسار حيّز التنفيذ، فقد يقلّص زمن العبور على نحو كبير، بما يجعل التجارة مع أوروبا أسرع بنسبة 40% مقارنةً بمسار البحري عبر قناة السويس، التي تمرّ عبرها 12% من تجارة العالم و7% من الشحنات العالمية، ما يجعل مصر أكبر الخاسرين في الشرق الأوسط. ويهدف ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا، الذي أُطلق في عام 2023، إلى أن يصبح الذراع الاقتصادية لاتفاقات أبراهام الهادفة إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل والبلدان العربية. ومن خلاله تسعى الولايات المتّحدة أيضاً إلى تعزيز التطبيع بين إسرائيل والسعودية، لذلك تكتسب مشاركة السعودية فيه أهمية حاسمة لنجاح المشروع. وفي المقابل، يطرح مسؤولون سعوديون مساراً بديلاً يربط المملكة بتركيا عبر الأردن وسوريا، إحياءً لسكة حديد الحجاز العثمانية وتجاوزاً لإسرائيل. ومن جهتها، ستعمل إسرائيل على زعزعة استقرار سوريا وإفشال أي مسار بديل قد يعزلها عن المنطقة. ولهذا يمكن فهم جهود التطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، جزئياً، من خلال الترابط والاندماج في أطر الممرات الاقتصادية الصاعدة. وفي الوقت نفسه، قد يقود الاستبعاد من هذه الممرات إلى تهميش بعض الفاعلين، بما قد يزيد من حدّة الصراعات القائمة.

ويكتسب دور القوى الخارجية أهمية خاصة هنا. فالهند، بوصفها فاعلاً صاعداً من خارج الإقليم والمنافس الرئيس للصين، تنظر إلى علاقتها بدول الخليج على أنها جزء من استراتيجيتها الأوسع غرباً، الهادفة إلى تعزيز نفوذها العالمي واحتواء دور بكين في أوراسيا. وفي المقابل، تستهدف استثمارات الصين الطويلة الأجل في الموانئ والسكك الحديدية والمناطق الصناعية في الخليج والمحيط الهندي ترسيخ حضورها الاقتصادي وتأمين مسارات إمدادات الطاقة. ومن المهم الإشارة إلى أن الهند أطلقت مسارين: يهدف ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب إلى الربط مع روسيا عبر إيران والقوقاز، بينما يهدف ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا إلى الربط مع أوروبا عبر دول الخليج وإسرائيل. ويتوقف استمرار الهند في هذه السياسة الخارجية «المتوازنة» على مآلات المفاوضات الإيرانية-الأميركية. ويُرجَّح أن يتحدد النظام المستقبلي للمنطقة لا بالديناميات السياسية التقليدية وحدها، بل أيضاً بقدرة الفاعلين على ترسيخ مواقعهم في قلب شبكات الترابط الناشئة هذه.

تأملات

تعيد هذه الممرات الاقتصادية اليوم رسم الاصطفافات الإقليمية عبر وصل نقاط الاختناق الرئيسة، من مضيق هرمز إلى باب المندب وقناة السويس، بعضها ببعض. وهي لا تدفع نحو التنافس وحده، بل قد تسهم أيضاً في تعزيز الاستقرار والترابط الإقليمي. وعلى المدى الطويل، قد تساعد البلدان الهشّة على تخفيف انكشافها إزاء الاضطرابات الناجمة عن توترات جيوسياسية أو نزاعات مسلحة، كما قد تعزّز التنويع الاقتصادي عبر ربطها بالأسواق العالمية. ومن شأن ذلك أن يعزّز الاستقلالية الاستراتيجية للفاعلين المحليين في مواجهة الفاعلين الإقليميين والعالميين. وبالنسبة إلى دول الخليج، تشكّل هذه الممرات الاقتصادية ركناً أساسياً في استراتيجيات التنويع في مرحلة ما بعد النفط. وقد تحوّل استثمارات النقل والخدمات اللوجستية والتقنيات العالية والبنية التحتية الرقمية هذه الدول إلى مراكز لوجيستية عالمية، وتجذب استثمارات أجنبية، وتولّد أرباحاً أعلى. كذلك يولّد الاعتماد الاقتصادي المتبادل قدراً من الاستقرار، إذ تنخرط بلدان المنطقة في حلول رابحة للطرفين وتحدّ من الصراعات. وقد نشهد، تبعاً لذلك، لجوء بلدان المنطقة إلى أدوات اقتصادية لتحقيق أهداف جيو-اقتصادية بدلاً من ملاحقة حلول قائمة على القوة الصلبة والعمل العسكري. وبالتوازي مع ذلك، قد تشجّع هذه المبادرات بلداناً متصدعة مثل العراق وسوريا ولبنان على الإفادة من هذه المشاريع وربط موانئها ومنافذ الدخول والخروج فيها، بما يصل الخليج بشرق المتوسط ويجذب استثمارات في البنية التحتية.

لكن يبقى السؤال الرئيس : من سيسيطر، ومن سيربط، ومن سيؤمّن، وفي أي نطاق، داخل نظام عالمي متعدد الأقطاب آخذ في التبلور؟ فالتنافس بين الفاعلين الإقليميين، ولا سيما إيران وإسرائيل وتركيا، من جهة، والفاعلين العالميين، ولا سيما الصين والولايات المتّحدة، من جهة أخرى، ستكون له آثار مباشرة في المنطقة، وقد يفرض اصطفافات جديدة. ومن هنا يبرز سؤال أساسي: هل ستسهم الممرات الاقتصادية في تعزيز التكامل الإقليمي، أم ستدفع إلى مزيد من التفكك، بحيث تخلق الممرات المتنافسة كتلاً اقتصادية متوازية تصطف مع مصالح القوى الإقليمية والعالمية المتنازعة؟

    يغيا طاشجيان

    منسّق مجموعة الشؤون الإقليمية والدولية في معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت.

    سري أبو المنى

    أستاذ فلسفة في التعليم الثانوي، وطالب ماجيستير في الفلسفة