كيف جعلت الحرب التصدّعات مرئية؟
إذا كان ثمة ما تعلّمتُه من المدة التي أمضيتُها في صندوق النقد الدولي، فهو كيف نُخرج الرسائل المعقّدة في صورة بصرية بسيطة. وكل من عمل في بحوث الاقتصاد الكلي يعرف هذا الهوس بالعناصر البصرية. وقد صرتُ أنا أيضاً جزءاً منه.
لهذا أعددتُ اليوم مصفوفة تختصر موقعنا في مشهد العلاقات الدولية، أو بدقة أكبر، في مشهد اللاعلاقات الدولية.
وعلى الرغم من وقف إطلاق النار في الحرب الأميركية-الإيرانية، لا تزال التحالفات العالمية متصدّعة، لذلك بدا ضرورياً توسيع زاوية النظر. ففي كانون الثاني/يناير الماضي، بعد دافوس، كتبتُ أننا نشهد نهاية النظام العالمي القديم، من دون أن تتضح بعد صورة ما سيخلفه. ومع نهاية الربع الأول من عام 2026، بدأت الصورة تصبح أكثر وضوحاً.
تقدّم هذه الخريطة صورة للتباعد في العلاقات الدولية. وهي تشير إلى أن الولايات المتّحدة لم تبلغ في أي وقت سابق هذا القدر من العزلة في خياراتها، حتى في نظر البلدان التي لم تعلن قطيعة رسمية معها.
ولا يمكن ردّ ما نشهده اليوم إلى الحرب الأميركية-الإيرانية وحدها. فالحرب لم تُنتج هذا المسار بقدر ما سرّعته. إذ كانت حروب الرسوم الجمركية والتهديدات المرتبطة بغرينلاند والعداء العلني للحلفاء التقليديين والتفكيك المتعمّد للأطر المتعدّدة الأطراف التي أنشأتها الولايات المتّحدة نفسها بعد عام 1945 قد بدأت كلّها تقوّض الأسس قبل وقت طويل من الضربة الأولى على إيران. ولم تفعل الحرب سوى أنها جعلت هذه التصدّعات مرئية. كيف؟
أولاً: التفكّك عبر الأطلسي
قبل أسابيع قليلة، وفي خضم الحرب الأميركية-الإيرانية، حدث كلّ هذا دفعة واحدة: منعت إيطاليا الطائرات الحربية الأميركية المتجهة إلى إيران من التزوّد بالوقود في سيغونيلا، ورفضت بريطانيا إتاحة قواعدها، ورفضت ألمانيا بصورة قاطعة طلب واشنطن المساعدة في تأمين مضيق هرمز، ثم منعت فرنسا رحلات السلاح إلى إسرائيل. ولا يندرج هذا في باب خلافات دبلوماسية عابرة. فالدبلوماسية بقيت خارج الاشتباك هنا. الذي ظهر كان اختلالات عملياتية تقود إلى خلاصة واحدة: تضامن حلف شمال الأطلسي لم يعد قائماً.
ومع ذلك، هنا تكمن المفارقة: كانت بريطانيا تقود فعلياً ائتلافاً من 35 دولة لإعادة فتح مضيق هرمز، لا بوصفه مهمة تابعة لحلف شمال الأطلسي، بل كمبادرة منفصلة. ويكشف ذلك أمراً مهماً: أبلغ الاتحاد الأوروبي واشنطن، بعيداً من العلن، أنه لن يساعد ترامب على معالجة أزمة صنعها بنفسه، فيما تدفع أزمة الطاقة الآن نحو إعادة النظر. هذا يعني أن أوروبا ما تزال تتحرّك، لكن ليس تحت الراية الأميركية. وهي تتعلّم التحرّك من دون قيادة أميركية، وتكتشف، ربما للمرة الأولى، أنها قادرة على ذلك.
ثانياً: الوسط الواسع
بريكس والعالم العربي وآسيا. لا تعبّر هذه الكتلة عن اختيار صريح لمعارضة الولايات المتّحدة، إذ لا تملك القدرة على ذلك في الأصل. لكنها تختار التباعد. ومع تعرّضها للرسوم الجمركية، وانكشافها أمام صدمات الطاقة، وتحميلها كلفة حرب لم تبدأها، تتجه إلى التحوّط. غير أن التحوّط بهذا الحجم لا يعود سلوكاً دفاعياً فحسب، بل يغدو في ذاته تعبيراً جيوسياسياً.
وقد وجّه تقلّب قرارات ترامب، سواء في الذهاب إلى الحرب، أو التهديد بضمّ غرينلاند، أو تفكيك المؤسّسات المتعدّدة الأطراف، أو فرض رسوم جمركية شاملة على اقتصادات محدودة الهامش، رسالة واضحة إلى هذه البلدان: إن الشريك الذي عُدّ موثوقاً لم يعد قابلاً للتنبؤ. وفي الجغرافيا السياسية، يكتسب انعدام القدرة على التنبؤ وظيفة تهديد قائمة بذاتها.
ثالثاً: مجلس التعاون الخليجي: اصطفاف قائم، لكن على أسس متحرّكة
يواجه قادة الخليج مصدرين مباشرين للإحباط. فقد استهدفت إيران منشأة رأس لفان في قطر، وضربت عُمان، وهما دولتان أدّتا طوال أعوام دور الوسيط بين واشنطن وطهران. ويكشف مهاجمة إيران للبلدان التي أدّت دور الوساطة بينها وبين الولايات المتّحدة مقداراً من اليأس، وقد التقطت دول الخليج هذه الدلالة جيداً. لكن واشنطن لم تُحسن إدارة المشهد هي الأخرى. إذ ضربت الولايات المتّحدة إيران بعد تشاور محدود للغاية مع شركائها الخليجيين، وهذه واقعة لن تغيب عن ذاكرة قادة الخليج.
ثم هناك الصين، التي ساعدت السعودية على تطوير قدراتها الصاروخية، ونسجت علاقات اقتصادية عميقة في أنحاء المنطقة، وقدّمت نفسها بديلاً عن الرعاية الأميركية. لكن مع اندلاع الحرب، غابت الصين تماماً. وهذا الغياب أيضاً لن يُنسى.
سيبقى اصطفاف الولايات المتّحدة ومجلس التعاون الخليجي قائماً في الأمد القصير، لأن التهديد الإيراني المشترك ما يزال أقوى من أن يسمح بتفكيكه في خضم التوترات والمفاوضات الجارية. لكن ما بعد الحرب وما بعد الاتفاقات قد يدفعان نحو إعادة التفاوض على هندسة أمنية جديدة لا تنطلق من موثوقية الولايات المتّحدة بوصفها معطى ثابتاً. فقد قامت اتفاقات عام 2025، ذات القيمة التريليونية، على افتراضات حطّمتها هذه الحرب. ولم يبدأ هذا التفاوض في العلن بعد، لكنه بدأ فعلياً، من نواحٍ كثيرة.
تتكوّن لديّ تصوّرات عمّا قد يأتي لاحقاً، لكنني لا أريد الحسم الآن. وما يثير اهتمامي هو كيف يقرأ الآخرون هذا المشهد: ماذا ترون من مواقعكم المختلفة؟ وكيف تتوقعون أن ينتهي هذا المسار؟
نُشِر هذا المقال بالإنكليزية على مدوّنة World Debriefed، ونشرت النسخة العربية منه على موقع «صفر» باتفاق مع الكاتبة.