الأقنعة والغربة والذات في زمن الرأسمالية لماذا نبحث عمّا لا وجود له؟

الأقنعة والغربة والذات في زمن الرأسمالية
لماذا نبحث عمّا لا وجود له؟

  • الأقنعة ليست عائقاً أمام التحقّق، بل أدواتنا لفهم العالم والتفاعل معه. كل قناع نرتديه، وكل دور نؤديه، ليس مجرد غطاء يخفي الحقيقة، بل أحد أشكالها. 

  • ما نسمّيه تمثيلاً أو ادعاءً هو الطريقة التي تتجسّد بها ذواتنا ضمن شروط محددة. المشكلة لا تكمن في الأقنعة، بل ربما في الاعتقاد بأن الخلاص يكمن في إزالتها.

يحب كثيرون منا أن يتخيّلوا أن وراء كلماتنا وأفعالنا ووظائفنا وهوياتنا ومحادثاتنا المحرجة وادعاءاتنا، «ذاتاً» أخرى أكثر صدقاً، تشبه من نكون حقاً. ذاتٌ تختبئ خلف الأقنعة والأداءات والادعاءات التي نضطر إليها كي ننجو اجتماعياً بأقل قدر ممكن من الاحتكاك أو الخسارة. ذاتٌ نتعرّف إليها في المرآة، ونلوذ بها حين نخطئ، ونعتذر إليها حين نكذب، ونستدعيها في لحظات الوحدة كأنها الشاهد الوحيد على حقيقتنا.

ينسجم هذا الخيال مع فكرة راسخة في الثقافة الحديثة: أن الذات الحقيقية كامنة في العمق، تحت طبقات العادة والأدوار الاجتماعية ومحاولات التكيّف. وكلما توغّل الفرد أكثر في داخله، وتحرّر من شروط الواقع وضغوطه، اقترب خطوة إضافية من «حقيقته» الأصلية، من ذلك المكان الداخلي الذي لا تلوّثه الفوضى الخارجية، ولا يطاله التناقض.

لكن ماذا لو انطوى هذا الوعد نفسه على وهم؟ ماذا لو لا يوجد جوهر ثابت أصلاً؟ ماذا لو لا نكتشف الذات الحقيقية، بل نصنعها عبر التكرار، والظروف التاريخية والاجتماعية، والرغبات، والتنازلات اليومية؟ وماذا لو لا يقود الإصرار على البحث عن ذات داخلية نقية إلى الحقيقة، بل إلى مزيد من القلق، والشعور بالذنب، والاغتراب؟

الأقنعة ليست ما يخفي الحقيقة

يرى سلافوي جيجك، متأثراً بتيارات نقدية وفلسفية سابقة، أن القصة المطمئنة التي نرويها لأنفسنا عن «الذات الداخلية» أو «الذات الحقيقية» ليست صحيحة، إنما بناء أيديولوجي مريح. تمنحنا فكرة وجود جوهر داخلي نقي ومخفي خلف الأقنعة الاجتماعية والادعاءات اليومية وهماً بالثبات والمعنى، لكنها لا تصف ما نحن عليه فعلياً. في قراءة جيجك، لا تخفي الأقنعة التي نرتديها، أو الأدوار التي نؤديها، أو الصور التي نصنعها عن أنفسنا، حقيقة أعمق، إنما تشكّل هذه العناصر الحقيقة نفسها.

القصة المطمئنة التي نرويها لأنفسنا عن «الذات الداخلية» أو «الذات الحقيقية» ليست صحيحة، إنما بناء أيديولوجي مريح

ما نُظهره للعالم، وما نحبّه، وما نشتكي منه، وما يقلقنا، وما يشعرنا بالازدواجية أو الزيف، لا ينحرف عن حقيقتنا، بل يعبّر عنها. لا توجد غرفة سرية في الروح تحتوي على نسخة أصلية من الذات تنتظر الاستعادة. لذلك، لا يدلّ الشعور الدائم بأننا لم ننجح في العثور على أنفسنا على خلل فينا، بل يكشف افتراضاً خاطئاً بأن هناك ذاتاً ينبغي العثور عليها.

من هنا، ينتقد جيجك فكرة وجود قناع يخفي «الذات الحقيقية» وجوهراً داخلياً ثابتاً. تحمل الأقنعة، بالنسبة إليه، من الحقيقة أكثر مما ننسبه إلى «ذواتنا الحقيقية». يقول: «نحن لا نرتدي الأقنعة لنخفي حقيقتنا، بل نخفي أقنعتنا كي نتمكّن من العيش اجتماعياً. القناع، في هذه الحالة، لا يحجب الحقيقة، بل يكشف فائضها». بهذا المعنى، تكشف الشخصيات أو الصور التي نُظهرها للعالم، سواء في التفاعل الاجتماعي أو في الفضاء الرقمي، جوانب من ذواتنا أكثر صدقاً مما نتصوّره عن «جوهرنا الداخلي» غير المرئي. يعمل القناع، في هذا السياق، كبنية رمزية واجتماعية تنظّم الهوية، وكنقطة تلاقٍ بين التمثيلات اللغوية والتوقعات الاجتماعية والتصورات الذاتية، وكلها تقوم على حقيقة أساسية هي عدم اكتمال الذات.


الذات في خدمة النظام

قد يبدو استدعاء كارل ماركس في نقاش «الذات الحقيقية» غير مناسب، فهو لم يتعامل مع مفهوم الذات بالمعنى النفسي الحديث. لكن ما قدّمه يساعد في فهم سبب شعور كثيرين منا بالاغتراب عن أنفسهم. بحسب ماركس، يقود اغتراب الإنسان عن نتائج عمله، وعن عملية العمل نفسها، وعن إمكاناته البشرية، وعن الآخرين، إلى اغترابه عن ذاته. غير أن هذا الاغتراب لا يعني فقدان جوهر داخلي، إنما ينتج مباشرة من علاقة قسرية مع العمل والزمن والحاجة، ضمن نظام اقتصادي يسلب الأفراد السيطرة على وقتهم وطاقاتهم وعلاقاتهم وإيقاع حياتهم. بعبارة أخرى، لا تشعر بالاغتراب لأنك فقدت جوهرك الداخلي، إنما لأن حياتك وعملك لم يعودا ملكك.

لكن الرأسمالية لا تكتفي بإنتاج هذا الاغتراب، إذ تعيد تأطيره وتقلبه على رأسه. فبدلاً من فهم القلق والشعور بالفراغ والغربة عن النفس بوصفها نتائج مباشرة للضغوط الاقتصادية والسياسية، والمنافسة المستمرة، وسياسات التقشف، وانعدام الأمان الوظيفي، واتساع الفقر واللامساواة، تُقدَّم هذه الحالات بوصفها مشكلات فردية: بدلاً من مساءلة النظام وشروطه، فلنجرّب تحسين هالتنا الروحانية.

قد يبدو استدعاء كارل ماركس في نقاش «الذات الحقيقية» غير مناسب، فهو لم يتعامل مع مفهوم الذات بالمعنى النفسي الحديث. لكن ما قدّمه يساعد في فهم سبب شعور كثيرين منا بالاغتراب عن أنفسهم

في هذا السياق، يتحوّل البحث عن الذات الحقيقية إلى شكل من خصخصة المعاناة. يُطلب من الفرد أن يتغيّر، ويتعالج، ويتأقلم، ويتحسّن نفسياً، ويطوّر أدواته اجتماعياً واقتصادياً، في رحلة لا تكتمل أبداً، كأنه قارض يدور بلا توقف على عجلة تطوير الذات.

ذوات منقسمة

إذا لم تكن هناك ذات حقيقية، ولا جوهر ثابت، ولا نواة داخلية صافية، فما الذي يتبقى لنا؟ ما يتبقى هو الحركة نفسها، الذات المتعددة غير المكتملة، المنقسمة بين ما نظهره وما نتوق إليه. «الذات المنقسمة» بحسب جاك لاكان، ليست خللاً أو خطأً ينبغي تصحيحه، بل حقيقة أساسية للوجود الإنساني.

مهما حاولنا، ستبقى هناك فجوة دائمة بين الأنا التي نعرضها للعالم وبين رغباتنا اللاواعية. نحن لا نتماثل، ولا يمكن أن نتماثل بالكامل، مع أنفسنا. الهوية لا تُبنى حول جوهر ثابت، بل حول هذا النقص نفسه، حول عدم الاكتمال الذي يجعل التمثيل ممكناً. أي نسخة أنت؟ تلك التي تكذب كي يمرّ اليوم؟ التي تتظاهر بالقوة؟ التي تنهار في الداخل؟ أم تلك التي لا تظهر إلا حين لا يراك أحد؟ أنت جميعها، خليط معقّد ومتشابك من اللغة والظروف والأدوار والرغبات.

الأقنعة ليست عائقاً أمام التحقّق، بل أدواتنا لفهم العالم والتفاعل معه. كل قناع نرتديه، وكل دور نؤديه، ليس مجرد غطاء يخفي الحقيقة، بل أحد أشكالها. ما نسمّيه تمثيلاً أو ادعاءً هو الطريقة التي تتجسّد بها ذواتنا ضمن شروط محددة. المشكلة لا تكمن في الأقنعة، بل ربما في الاعتقاد بأن الخلاص يكمن في إزالتها.

ما نسمّيه تمثيلاً أو ادعاءً هو الطريقة التي تتجسّد بها ذواتنا ضمن شروط محددة. المشكلة لا تكمن في الأقنعة، بل ربما في الاعتقاد بأن الخلاص يكمن في إزالتها

ولكن إذا لم يكن هناك توجّه داخلي أو قدر ثابت نسبياً من القيم أو المزاج، فبماذا نفسّر شعورنا بالاختلال، وبأننا خذلنا أنفسنا أو خنّاها في تصرفات معينة؟ الندم والخجل والفخر والارتياح ليست انفعالات عابرة بالضرورة، بل تفترض كذلك وجود نوع من الاستمرارية، يتجاوز الظروف أو الموقف، وأن انسجاماً داخلياً ما قد تخلخل. تشير الأبحاث النفسية حول سمات الشخصية إلى قدر من الثبات القابل للقياس. فمع أن السلوك يتبدّل بتبدّل السياق، فإن الميول العامة، مثل الانطواء والعُصابية والتعاطف والضمير الحي، تُظهر استمرارية مع مرور الوقت. هذا لا يثبت وجود «جوهر» بالضرورة، لكنه قد يعقّد فكرة أن الذات ليست سوى تكرار وظروف ولغة.

الذات، في النهاية، ليست نواة ثابتة نقية، كما أنها ليست قناعاً فقط. هي علاقة متحرّكة بين الاثنين: انقسام يفتح إمكانية التغيّر، وخيط من الاستمرارية يربط ما كنا عليه بما نصبحه، من دون وعود بانسجام كامل، ومن دون توهان في ضياع تام.

    بدار سالم

    كاتبة فلسطينية.