الطغاة الليبراليون
- تقدّم الليبرالية نفسها كضمير العالم الحديث، عقيدة تتغنى بالحقوق والعقل وسيادة القانون، لكنها دائماً بنَت نظامها على الإقصاء والعنف.
- الليبرالية تبرّر حروبها وانقلاباتها وحصاراتها بزعم الدفاع عن الحرية، وتحوّل المقاومة إلى صورة للتطرف، وتعاقب الضعفاء باسم العدالة والنظام.
في جوهانسبرغ، أمام 3,500 من الحاضرين المتفاعلين، ألقت فرانشيسكا ألبانيزيي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة للأراضي الفلسطينية المحتلة، محاضرة نيلسون مانديلا لهذا العام. لم تلتزم كلماتها بلباس الدبلوماسية المهذب، ولم تشاطر المدح الذاتي الليبرالي، بل قطعت مباشرة في صميم العنف الذي ينسج خيوطه خلف ستار النظام العالمي الليبرالي، من حروب استعمارية واحتلالات إلى تدرجات عنصرية ما تزال تتربّص تحت لغة حقوق الإنسان وسيادة القانون.
بدأت ألبانيزي بمحاولة استرجاع مانديلا من صورة تمجيده الليبرالي، مؤكدة التزامه بـ«عدم قابلية الحرية للتجزئة». لنتذكر أن مانديلا لم يرفض دعم النضال الفلسطيني، ولم ينكر الدور الحاسم لكوبا في كويتو كوانافالي، دليل على أن إنسانيته كانت مشدودة بالتضامن ضد الإمبريالية. بالنسبة إليها، كان تكريم مانديلا الحقيقي يعني استعادة هذا الخيط الدقيق: الإصرار على أن يكون الإنسان كاملاً يتطلب الاعتراف بإنسانية الجميع، بلا حدود. وختمت بكلمتين سقطتا كضربة مطرقة على جمهورها: الطغاة الليبراليون. عبارة لم تظهر في نسخة خطابها المنشورة في ديلي مافريك، الصوت الليبرالي الأبرز في جنوب أفريقيا.
تعرضت ألبانيزي للتشويه وحتى للعقوبات في العواصم الغربية لمجرد قولها ما يمكن للجميع رؤيته: حرب إسرائيل في غزة إبادة جماعية، والنظام الدولي المصمم لمنع مثل هذه الجرائم يصاب بالشلل عندما يكون الجاني حليفاً للإمبراطورية. كانت دعوتها إلى جنوب أفريقيا لتكريم مانديلا بحد ذاتها عملاً من أعمال الاستمرارية التاريخية. مثل مانديلا قبلها، تحدثت ألبانيزيي ليس فقط عن القانون والحقوق بل عن السلطة والنفاق، وعن الحاجة لمواجهة الهيمنة أينما ارتدت قناع الحضارة. ورفضاً للمجاز، وصفت الوضع في غزة بأنه أبوكاليبتي، بالمعنى اليوناني الأصلي للكشف. وقالت: «الإبادة الجماعية قد اخترقت حجاب المايا»، كاشفة ليس عن شذوذ، بل عن بنية النظام العالمي.
وذكّرت بأن تعليمها الأوروبي لم يعرّفها على أن المحرقة سبقتها الإبادة الجماعية للأهيرو والناما في ناميبيا، وأن الفاشية الأوروبية استلهمت أساليبها في تجريد الإنسانية من إرث المستعمرات. وحذّرت من أن وهم العرق المتفوّق لم يمت مع النازيين، بل «يتقرّح في العالم اليوم». غزة ليست حالة استثنائية في الحضارة الغربية، بل جزء من نسقها المستمر، كشف جديد في سلسلة أبوكاليبتية طويلة تمتد عبر الاستعمار.
ديمقراطية العرق المتسلط
تقدّم الليبرالية نفسها كضمير العالم الحديث، عقيدة تتغنى بالحقوق والعقل وسيادة القانون، لكنها دائماً بنَت نظامها على الإقصاء والعنف. من ولادة اقتصاد العبيد في الأطلسي إلى حروب الاحتلال التي رافقت انتشار «التجارة الحرة»، كان وعد الحرية الليبرالي قائماً على حرمان الآخرين من حريتهم. أولئك المفكرون الذين كتبوا عن الحقوق الطبيعية دافعوا عن المستعمرات والمزارع، والدول التي أعلنت مساواة الإنسان استمدت ثروتها من الفتوحات والإبادة والاستيلاء والاستعباد. كما أوضح دومينيكو لوسوردو، فإن الثورات الليبرالية الكبرى الثلاث، في إنكلترا والولايات المتحدة وفرنسا، العبودية بدلاً من القضاء عليها. وُلدت الليبرالية والعبودية العنصرية جنباً إلى جنب، مانحتين ما أطلق عليه «حرية العرق المتسلط» (Herrenvolk freedom): حرية للعرق الحاكم قائمة على خضوع الآخرين واستعبادهم.
غزة ليست حالة استثنائية في الحضارة الغربية، بل جزء من نسقها المستمر، كشف جديد في سلسلة أبوكاليبتية طويلة تمتد عبر الاستعمار
حين انتفض المستعبدون في هايتي وهزموا جيوش إسبانيا وبريطانيا وفرنسا، كشفوا زيف الشمولية الأوروبية. واجهت تلك الثورة، وهي أعظم فعل تحرري في التاريخ الحديث، العزلة والعقاب، ما يوضح أن الحرية الليبرالية لم تُخلق للجميع. على مر القرون، لم يكن هذا التناقض مجرد شذوذ بل جزءاً من بنية العالم. لم تنفصل الثورات الديمقراطية في أوروبا وأميركا عن مصادرة أراضي السكان الأصليين واستمرار العبودية العرقية. وولدت الثورة الصناعية على القطن المقطوف بأيدي مستعبدة. وعندما طالب المستعبدون أو الشعوب المستعمَرة بالحرية المعلنة من العاصمة، قوبلوا بالمجازر، من انتفاضات الكاريبي في القرن الثامن عشر إلى حروب كينيا والجزائر وفيتنام في القرن العشرين. من تسمانيا إلى ناميبيا، حملت المستعمرات الاستيطانية منطق الإبادة الجماعية الأوروبية عميقاً حتى القرن العشرين.
اتقنت الليبرالية فن إدارة تناقضاتها عن طريق الإبعاد. تم تفويض العنف إلى الحدود والمستعمرات والمناطق الهامشية. في الداخل، سيادة القانون؛ في الخارج، قانون القوة. تعايش إيمان التنوير بالإنسانية الجامعة مع افتراض أن بعض الشعوب لم تُعد أو لم تكن كاملة الإنسانية. يُدرس مقال جون ستيوارت ميل في العام 1859 «عن الحرية» كنموذج للحجة الليبرالية من أجل الحرية، لكنه كان صريحاً بأن «الاستبداد وسيلة شرعية للحكم عند التعامل مع البرابرة». وفي العام نفسه، أُعدم جون براون. لم تكن العنصرية فرضية تاريخية، بل خياراً دائماً.
منذ نشأتها، لم تكن الحرية الليبرالية يوماً شاملة؛ فقد كانت دائماً محدودة بالعرق والإمبراطورية. هذه البنية النفسية لا تزال قائمة اليوم، حين تُبرّر وفيات عشرات الآلاف في غزة كأضرار جانبية، ويُستغل القانون الدولي كسلاح من قبل الغرب.
أدرك كبار المفكرين السود في القرن العشرين هذا على الفور. كتب دبليو.إي.بي. دو بوا في العام 1947: «لا توجد فظاعة نازية… إلا وما كانت الحضارة المسيحية الأوروبية تمارسها منذ زمن طويل ضد الشعوب الملونة». وبعد ثلاث سنوات، لاحظ إيمي سيزير أن جريمة الفاشية تكمن في نقل أوروبا لما كانت تمارسه على مستعمراتها منذ أمد بعيد إلى أرضها.
كل حياة إنسانية تُعد حياة
بالنسبة إلى الجنوب أفريقيين، هذا النقد ليس مجرد نظرية؛ يختصر تاريخ بلادهم سرد العالم بأسره: لغة الحضارة والملكية، وادعاء الوجود كامتداد غربي في قلب أفريقيا، بُنيت على الاستيلاء العنصري والهيمنة. وعندما سُحق الفصل العنصري أخيراً، لم يُستبدل بنظام يعارض الرأسمالية الليبرالية، بل دُمجت في نسق عالمي أكبر. جاءت الديمقراطية السياسية مصحوبة بالأرثوذكسية النيوليبرالية، واستُخدمت الهيبة الأخلاقية للتحرّر لتغذية مشروع سيادة السوق.
جريمة الفاشية تكمن في نقل أوروبا لما كانت تمارسه على مستعمراتها منذ أمد بعيد إلى أرضها
يفسّر هذا التاريخ قوة الانفعال التي أثارتها محاضرة البانيزي. فالقضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية تتجاوز مجرد المناورة القانونية؛ لم تجدّد فقط إمكانية أن يكون القانون الدولي حقاً للجميع بدلاً من أداة للسيطرة الغربية، بل وأكدت على شمولية بديهية: كل حياة إنسانية لها قيمتها، ولا يمكن لأي شعب أن يكون دون القانون، ولا لأي دولة أن تعلو عليه.
اتهام إسرائيل بالإبادة الجماعية يعني مواجهة مباشرة للنظام العالمي بعد الحرب الباردة، حيث تدّعي القوى الغربية احتكار العنف المشروع. ويكشف رد فعل تلك القوى، بين الاستهجان والغضب، عن مدى ضآلة صبر العالم الليبرالي تجاه الحكم الذي ينبثق من الأسفل.
تكرّرت هذه النبرة على صفحات ديلي مافريك نفسها، التي نشر فيها غريغ ميلز وراي هارتلي مقالاً يزعم أن قضية جنوب أفريقيا ستجعلها «منبوذة». وكتبوا أنها «كشفت» أن حكومة المؤتمر الوطني الأفريقي ليست «صديقة للقيم الليبرالية». وكانوا على حق، فالقيم الليبرالية دائماً ما منحت الحرية للبعض مقابل الخراب الذي يلحق بالآخرين.
حين نادت ألبانيزي بـ«الطغيان الليبرالي»، لم تكتفِ بوصف النفاق فحسب، بل سمّت نظاماً للهيمنة يعيش على الذرائع الأخلاقية. فالليبرالية تبرّر حروبها وانقلاباتها وحصاراتها بزعم الدفاع عن الحرية، وتحوّل المقاومة إلى صورة للتطرف، وتعاقب الضعفاء باسم العدالة والنظام.
من الكونغو إلى العراق، أبدع العالم الليبرالي في بناء إمبراطورية البراءة، حيث يُصوَّر عنفه دائماً على أنه متردّد ونادم وضروري. في خلال الحرب الباردة، دعمت الحكومات الغربية الانقلابات في إيران وتشيلي والكونغو وغواتيمالا، وأيدت الفصل العنصري، وخاضت حروباً في كوريا وفيتنام والجزائر، كل ذلك تحت شعار الدفاع عن الحرية.
كما كتب فرانز فانون في العام 1956، حين بدأت العنصرية الصريحة تتراجع من المجتمع المهذب، أعادت الظهور تحت ستار «العنصرية الثقافية»، ادعاء بالحضارة الشاملة يضع الغرب دائماً في المركز. صار الاندماج متاحاً للبعض، بينما بقيت الهيمنة قاعدة لأغلب البشر. عنفها دائماً متردد، دائماً نادم، دائماً ضروري. وعندما غزت الولايات المتحدة فيتنام، ادعت الدفاع عن الديمقراطية؛ وعند قصفها بلغراد أو بغداد، صاغت التدخل الإنساني شعاراتها. يمول الاتحاد الأوروبي معسكرات الاحتجاز في أفريقيا وهو يحتفي بنفسه كحارس لحقوق الإنسان، بينما الولايات المتحدة تفرض العقوبات على ثلث الدول باسم الحرية.
للدجل الأخلاقي هذا تبعات لا تقتصر على الخارج، بل تمتد إلى الداخل أيضاً. فالمنطق الذي يفرّق بين حضاري وبرِّي يعيد إنتاج نفسه في الهياكل المحلية: المهاجر المحتجز، والفقير المجرَّم، والمحتج الذي يخضع للرصد. يمثل العنف الإمبريالي قوساً يعود ليصيب الداخل.
اتهام إسرائيل بالإبادة الجماعية يعني مواجهة مباشرة للنظام العالمي بعد الحرب الباردة، حيث تدّعي القوى الغربية احتكار العنف المشروع
لكن كشف هذا الواقع لا يعني رفض كل الإنجازات الليبرالية مثل تمديد الاقتراع وكبح السلطة التعسفية والدفاع عن الحقوق التي تحققت بصعوبة من خلال النضال، بل يعني رؤية كيف بقيت هذه المكاسب محصورة داخل نظام لا يستطيع تقديمها للجميع، ولا يمكنه بطبيعته تحقيق المساواة أو السلام. ارتكزت الدولة الليبرالية دائماً على هيكل طبقي يركز الثروة، وعلى بنية إمبريالية تنقل التكاليف. يخفي وعدها بالتقدم حقيقة الاستغلال.
أوروبا، كما لاحظ سيزير، «لا يمكن الدفاع عنها» ليس كمكان، بل كمشروع، تصوّر في البداية كحضارة مسيحية تحدّد نفسها في مواجهة الإسلام، ثم كمركز للعقل تحدد في مواجهة الهمجية. وفي العام 1492، جاء طرد اليهود والمسلمين من إسبانيا وهبوط كولومبوس في الكاريبي كميلاد لهيمنة ذلك المشروع على العالم، مبرر أولاً بلغة الدين، ولاحقاً، تحت لواء الليبرالية، بلغة العلم والعرق. وظل الادعاء بالتفوق الحضاري ثابتاً لا يتغير.
مقاومة السلطة
غير أن القناع بدأ يتصدع. صار النظام «القائم على القواعد» الذي أعلن بعد العام 1991 اليوم يُخترق علناً من قبل صانعيه؛ وتضعف هيبة الأخلاق الغربية أمام سجل العراق وأفغانستان وغزة المكشوف. كانت هناك لحظات سابقة حين ارتفع فيها ستار نهاية الإمبراطورية كشعور بالكشف: حروب فرنسا في الهند الصينية والجزائر التي مزقت أوهام الجمهورية؛ ملايين خرجت ضد حرب فيتنام؛ أكبر احتجاجات لندن عشية دمار العراق، كل لحظة كانت رفعة قصيرة للحجاب قبل أن يُسدل مرة أخرى.
في أرجاء الجنوب العالمي، تتشكل ثقة جديدة، شعور بأن مركز الثقل الأخلاقي للتاريخ قد يتحرك. قضية جنوب أفريقيا في لاهاي جزء من هذا التحول، وكذلك أشكال التضامن الإقليمي الممتدة من أميركا اللاتينية إلى آسيا. هذه حركات أولية وغير متكاملة بعد، لكنها تحمل صدى باندونغ: قناعة بأن الشعوب التي حكمتها الإمبراطوريات الليبرالية قد تستعيد صوتها مجدداً باسمها.
ولهذا السبب أشعلت كلمات ألبانيزي حماسة جمهورها. فالتصدي للطغيان الليبرالي يعني رفض اللغة القديمة الخاضعة، حيث يضطر الجنوب للتوسل فيما يحكم الشمال. ويعني الإصرار على أن السلطة الأخلاقية لا تكون لمن يملكون القوة، بل لمن يتحدونها ويقاومونها.
إمكانية التجدد
إذا كان النظام الليبرالي طاغياً، فماذا بعده؟ لم تصف ألبانيزي أيديولوجية جديدة، لكن دعواها كانت ضمنياً نداء لأخلاق المساواة خارج نطاق الإمبراطورية، نظام يرتكز على التضامن لا على الشفقة أو العمل الخيري. ولتحقيق ذلك، ينبغي إعادة بناء القانون الدولي من الأسفل واستعادة الديمقراطية من قبضات الأوليغارشية ومواجهة الاستبداد الاقتصادي الذي اعتادته الليبرالية وكأنه أمر طبيعي.
في أرجاء الجنوب العالمي، تتشكل ثقة جديدة، شعور بأن مركز الثقل الأخلاقي للتاريخ قد يتحرك. قضية جنوب أفريقيا في لاهاي جزء من هذا التحول
هذه التحولات بعيدة الحدوث، لكنها ليست مستحيلة. وعندما يكون الكشف عن نهاية العالم حقيقة، يفتح ذلك باب التجدد. وما يجب أن ينتهي، كما قالت، هو قدرة الغرب الليبرالي على ستر عنفه، على إعادة «حجاب المايا» في كل مرة يُمزق فيها. القوى التي تغذي الطغيان الليبرالي هائلة، وسردياتها متجذرة في المؤسسات والخيال العالمي. لكن الشقوق بدأت تظهر، ومن خلالها يلوح أفق جديد.
يوشك عصر الهيمنة الكونية لأوروبا الذي انطلق في 1492 على الانتهاء. لن تحقّق التحولات الاقتصادية والسياسية تغير ميزان القوة الأخلاقية ونهاية الهيمنة الغربية العدالة وحدها، لكنها قد تحرّر أخيراً فكرة الحرية من الحضارة التي ادعت ملكيتها.
ختمت البانيزي كلمتها بـ«الطغيان الليبرالي»، حاملة قوة عميقة، تصدح كالمعدن في الأذن. للتفكير بما وراء الطغيان الليبرالي، ينبغي لنا، كما أرشد سيزير، أن «نرى بوضوح ونفكر بوضوح، وهذا يعني أن نكون خطرين في رؤيتنا».
نُشِر هذا المقال في 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 في Tribune، وتُرجِم إلى العربية ونُشِر في موقع «صفر» بموافقة مسبقة من الكاتب.