مقابل كل 100 ليرة يُنتجها اللبنانيون يستهلكون 120 ليرة: فمن أين يأتي الفارق؟
في عام 2024، بلغ استهلاك لبنان 120% من ناتجه المحلي الإجمالي. الجملة تبدو تقنية، ومعناها بسيط إلى حدّ الفجاجة: ففي مقابل كل 100 ليرة من السلع والخدمات التي يُنتجها سكان لبنان، يستهلكون ما قيمته 120 ليرة. الفارق ليس استدانة من المستقبل فحسب، بل تبعية مفرطة للتدفقات الآتية من اللبنانيين العاملين في الخارج.
هذا الواقع ليس مستجدّاً. فمنذ انتهاء الحرب الأهلية عام 1990، ظلّ استهلاك لبنان يفوق ناتجه في معظم السنوات. وحتى في أحسن مؤشراته، في عام 2005، لم تنزل النسبة تحت 96.5%. لكن ما فعله الانهيار المالي أنه وسّع الفجوة بدل أن يضيّقها: من 104% عام 2018 إلى 139% عام 2020، ثم 120% عام 2024.
تقول القراءة الشائعة إن اللبنانيين «يعيشون فوق إمكاناتهم». وهي قراءة مضلّلة لأنها تقلب اتجاه السببية. فالنسبة لم ترتفع لأن الاستهلاك ارتفع، بل لأن الإنتاج انهار أسرع من الاستهلاك. وهذا ليس تفصيلاً إحصائياً، بل هي القصة كلها: بلدٌ فقد قدرته على الإنتاج بمعدلات أعلى من قدرته على الشراء، فصار أكثر حاجة إلى الخارج لا أقل، والذين يسدّون فاتورته اليوم هم الذين اضطروا إلى مغادرته.
1. ماذا يعني أن يستهلك بلد أكثر مما ينتج؟
ما يُستهلك في بلد ما يأتي حصراً من مصدرين: إما مما أنتجه هذا البلد، وإما مما استورده. وإذا تجاوز الاستهلاك الإنتاج، فإن ذلك ينعكس تلقائياً في عجز خارجي، يتمثل في فاتورة استيراد استهلاكي ضخمة، يتطلّب سدادها تدفقات مالية من الخارج. فالفارق بين الإنتاج والاستهلاك يكون مستورد بالضرورة، ولا بدّ لأحدهم أن يدفع ثمنه بعملة أجنبية.
وحين يكون الاقتصاد «سليماً» بالمعنى الحسابي البسيط، يفيض الإنتاج عن الاستهلاك، فيتحوّل الفائض إلى ادخار، ويتحوّل الادخار إلى استثمار، ويوسّع الاستثمار الطاقة الإنتاجية للسنة التالية. أي إن الفائض هو الآلة التي يعيد بها الاقتصاد إنتاج نفسه ويكبر.
أما حين يفوق الاستهلاك الإنتاج بصورة دائمة، فلا فائض ولا ادخار. يبقى الاقتصاد قائماً، لكن على شرط واحد: أن يستمر تدفق المال من الخارج. وهذا الشرط ليس تحت سيطرة أحد في الداخل، وهو ما يجعل مصير البلد كله رهن قرارات تُتّخذ خارجه.
2. هل ارتفع الاستهلاك؟ أم انهار الإنتاج؟
انخفض الاثنان معاً، لكن بسرعتين مختلفتين. فبين عامَي 2018 و2020، وبالأسعار الثابتة لعام 2019 (أي بعد تصحيحها من عوامل التضخّم)، تراجع الناتج المحلي الإجمالي 33.4%، فيما تراجع الاستهلاك 24.6%. وحتى عام 2024، بقي الناتج أدنى بنسبة 35.3% من مستوى 2018، في مقابل تراجع في الاستهلاك بنسبة 27%.
وهذا يقلب المعنى السياسي للرقم رأساً على عقب: 120% ليست علامة على استهلاك مفرط، بل على إنتاج ميت.
والاستهلاك نفسه لم ينكمش بالتساوي. فاستهلاك الأسر هو الذي تلقّى الصدمة كاملة، بعدما تبخّرت المداخيل وارتفعت الأسعار وامتنع الناس عن الإنفاق تحسّباً للأسوأ. أما استهلاك الحكومة فسجّل ارتفاعاً طفيفاً في الفترة نفسها. أي إن الانكماش لم يكن شاملاً بل كان انكماش في استهلاك الأسر تحديداً.
أما سبب موت الإنتاج فمعروف ولا يحتاج إلى فرضيات: توقّف تمويل المصارف للأعمال، وهربت الرساميل إلى الخارج، وانصرف المستثمرون. وحين تتوقف آلة الإنتاج فترة طويلة، لا تعود بمجرّد عودة الطلب، لأن المعدات تُصفّى والعمّال يهاجرون والمهارات تتبدّد.
3. من يسدّ العجز بين الإنتاج والاستهلاك؟
لتغطية الفجوة التاريخية بين الاستهلاك المحلي والإنتاج، اعتمد لبنان لعقود على الاستيراد وتدفق تحويلات المهاجرين اللبنانيين، ما أدى إلى ترسيخ عجز مزمن في الميزان التجاري والحساب الجاري، وساهم في ترسيخ هذا الواقع نموذجٌ اقتصادي يكافئ التجارة والأنشطة الريعية، على حساب تطوير القطاعات الإنتاجية الموجّهة لتلبية السوق المحلية أو تعزيز الصادرات.
وأتت الأزمة المالية والاقتصادية لتُكرّس الاعتماد على الاستيراد بدل أن تحدّ منه، إذ تُظهر بيانات الحسابات القومية ارتفاع مساهمة الواردات في تغطية الاستهلاك المحلي إلى متوسط 39.4% خلال الفترة 2020-2024، في مقابل 23.6% خلال 2015-2019.
لم يحدث هذا لأن لبنان صار يستورد أكثر. فمؤشر حجم استيراد السلع، الذي يُنقّي الأرقام من أثر التضخّم، لا يزال أدنى بنحو نقطتين مئويتين من مستواه عام 2019، وبنحو 16 نقطة مئوية عن مستوى 2018، فيما بقي استيراد الخدمات أدنى بنحو 43 نقطة مئوية عن 2018. الاستيراد إذاً تراجع أيضاً، لكنه صار يغطّي حصة أكبر من استهلاك متقلّص، لأن ما تبقّى من إنتاج محلي عاجز عن تغطيتها.
من أين يأتي المال؟ ظلّ الدخل المتاح للاستهلاك في لبنان لعقود أعلى من الناتج المحلي الإجمالي، إذ بلغ في المتوسط نحو 115% منه بين عامَي 1997 و2007، بفضل تحويلات المغتربين والهبات وعوائد استثمارات اللبنانيين في الخارج. لكنّ حجم هذه الفجوة تغيّر نوعياً بعد الانهيار. ففي الفترة 2015-2019، بلغ متوسط الناتج نحو 52.4 مليار دولار مقابل دخل متاح متوسطه 53.9 مليار، أي بفارق 1.5 مليار دولار لا يتجاوز 3% من الناتج. وفي الفترة 2020-2024، هبط متوسط الناتج إلى 24.06 مليار دولار مقابل دخل متاح متوسطه 29.48 ملياراً، أي بفارق 5.42 مليارات دولار يعادل نحو 22% من الناتج. تضاعف الفارق المطلق 4 مرات تقريباً، أما وزنه النسبي فتضاعف 7 مرات.
ومصدر هذا المال معروف: تحويلات المغتربين. فقد قفزت مساهمة التحويلات الخارجية من نحو 5-6% من الناتج عام 2019 إلى أكثر من 30% عام 2020 ونحو 35% عام 2021، ثم تراجعت تدريجياً إلى نحو 20% عام 2024، أي إنها بقيت عند أضعاف مستواها قبل الأزمة.
باختصار، البلد صدّر عمّاله واستورد أجورهم. من غادروا هرباً من انهيار سوق العمل هم أنفسهم من يموّل اليوم استهلاك من بقوا.
لطالما اعتمد لبنان على مصادر تمويل خارجية، مثل تحويلات المغتربين، والهبات التي تقدّمها المنظمات الدولية، وعوائد استثمارات الشركات اللبنانية في الخارج، لتعويض قصور الدخل المحلي في تمويل فاتورة الاستيراد الضخمة.
لذلك، ظلّ الدخل المتاح للاستهلاك في لبنان أعلى من الناتج المحلي الإجمالي لعقود. مثلاً، تُظهر بيانات وزارة الاقتصاد أنه، خلال الفترة الممتدة بين عامي 1997 و2007، بلغ الدخل المتاح للاستهلاك (أو الادخار) في المتوسط نحو 115% من الناتج المحلي الإجمالي.
لكنّ هذا الفارق ليس حقيقية رياضية، نشأت بشكل طبيعي ومستقل، بل نتاج السياسات الاقتصادية المُعتمدة في البلاد منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1990. إذ ساهمت الحكومات المتعاقبة في تقويض النمو المستدام في الناتج المحلي الإجمالي، عازفة عن الإنفاق الاستثماري ومتجاهلة تطوير البنية التحتية للإنتاج. بينما سعت في الوقت نفسه الى توسيع الدخل المتاح للاستهلاك وتحقيق فوائض في ميزان المدفوعات من خلال جذب التدفقات المالية والرأسمالية عبر توسيع نطاق الدولرة، وتثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار، واعتماد معدلات فائدة مرتفعة لاستقطاب الودائع الأجنبية.
لكن في عام 2011، ونتيجة مجموعة من التطورات الداخلية والخارجية، تعرّض هذا النموذج الاقتصادي لصدمة مفصلية، إذ سجّل ميزان المدفوعات عجزاً غير مسبوق بنحو 2 مليار دولار أميركي. وشكّل ذلك بداية أزمة مستمرة، إذ باتت التدفقات المالية والرأسمالية الداخلة إلى لبنان، أقل من التدفقات الخارجة منه، ما حتّم على الدولة ومصرف لبنان اتخاذ خيارات ترقيعية، راكمت المخاطر ورفعت كلفة الانهيار اللاحق، كما شهدنا في عام 2019.
إثر الانهيار الكامل للنموذج وبعد الأزمة المالية والمصرفية، انكمش كلّ من الناتج المحلي الإجمالي والدخل المتاح، إلا أن الفجوة بينهما اتسعت لصالح الأخير. ففي حين بلغ متوسط الناتج المحلي الإجمالي نحو 52.4 مليار دولار أميركي خلال الفترة 2015–2019، بلغ متوسط الدخل المتاح للاستهلاك نحو 53.9 مليار دولار، أي بفارق محدود قدره 1.5 مليار دولار. لكن، خلال الفترة 2020–2024، انخفض متوسط الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 24.06 مليار دولار، مقابل متوسط دخل متاح للاستهلاك بلغ 29.48 مليار دولار، ليرتفع الفارق بينهما إلى نحو 5.42 مليارات دولار أميركي.
4. لماذا لا تعتبر التحويلات حلاً؟
لا ينبغي النظر إلى تعزيز التحويلات كحل للأزمة، لا تؤدي التحويلات إلى سدّ الفجوة بقدر ما تعيد إنتاجها، إذ تسهم في زيادة الاستهلاك والواردات ورفع سعر الصرف الحقيقي، ما يضعف القدرة التنافسية للقطاعات المنتجة للسلع القابلة للتبادل، أي السلع التي يمكن تصديرها أو منافسة السلع المستوردة.
ونتيجة لذلك، يتعمّق الاعتماد على التحويلات مجدداً ضمن حلقة مفرغة، ولا سيما أن أثرها يبقى محصوراً في دعم الطلب على المدى القصير، من دون أن تتحوّل إلى عامل محفّز لنمو اقتصادي مستدام. فالتحويلات تصل إلى الأسر لا إلى المصانع. وهي تموّل الاستهلاك اليومي والأقساط والدواء، وهذا ضروري وحيوي للأسر المتلقية، لكنه لا يبني طاقة إنتاجية ولا يخلق وظيفة. وتؤدي التحويلات دوراً تعويضياً عن الحماية الاجتماعية التي لا تقدّمها الدولة. أي إن ما يُفترض أن يكون التزاماً عاماً مموّلاً من ضرائب عادلة صار تحويلاً خاصاً يعتمد على أن يكون لكل أسرة ابن في الخارج. ومن لا ابن له في الخارج، يُترك وحده.
5. إذن كيف يمكن الخروج من حالة الأزمة المزدوجة؟
يحتاج لبنان إلى نموذج اقتصادي جديد يتجاوز النموذج الذي انهار عام 2019، بعدما فقد شروط استمراره. ويتطلب ذلك خطة حكومية تسعى إلى نمو اقتصادي مستدام، يعزز الإنتاج ويقلّص الاستيراد ويعوّض عن الحاجة المفرطة للتمويل الخارجي.
ويتطلب ذلك مواجهة شبكة المصالح التي نشأت ضمن النموذج السابق، والتي لا تزال تسعى إلى حماية مكاسبها عبر تعطيل أي مسار إصلاحي ونقل كلفة الخسائر إلى الأسر الأكثر تضرراً من الأزمة. إذ يستحوذ أعلى 10% دخلًا على أكثر من 55% من الدخل الوطني، ويحاولون الحفاظ على نمط استهلاكهم وأرباحهم التجارية والريعية من خلال تقويض استهلاك الـ 90% الآخرين.
إلا أن الحكومة اللبنانية اختارت، حتى الآن، الانسجام مع مصالح هذه الشبكة، عبر تبنّي سياسة تقشف اقتصادي تُحمّل الأزمة للفئات التي تكبّدت أكبر الخسائر في قدرتها الاستهلاكية. فهي تسحب السيولة من السوق من خلال زيادة الاعتماد على الضرائب الاستهلاكية، وتمتنع عن توسيع الإنفاق العام أو تحسين رواتب وأجور موظفي القطاع العام.
وفي الوقت نفسه، تُعفي الفئات الأعلى دخلاً - والأكثر استهلاكاً - إلى حدّ كبير من تحمّل كلفة الأزمة، سواء عبر تجنّب فرض ضرائب أكثر عدالة على الدخول المرتفعة أو عبر عدم تحميل المصارف التجارية نصيبها من الخسائر، وغيرها من السياسات المتاحة.