كم يخسر الناتج المحلي الإجمالي بسبب الحرب؟
قام خبراء صندوق النقد الدولي بتحليل مجموعة كبيرة من البيانات المتاحة للفترة بين 1946 و2024، بهدف استكشاف تأثير الحروب على الناتج المحلي الإجمالي في البلدان التي تعرّضت لها، ومقارنتها مع البلدان التي لم تتعرض لها. فماذا كانت النتائج؟
7% خسائر تراكمية في خلال 5 أعوام
مع بداية الحرب، ينخفض الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط بنحو 3% في البلدان التي تشهد حروباً، ويستمر هذا التراجع في السنوات التالية، لتصل الخسائر التراكمية إلى نحو 7% في خلال 5 أعوام، وغالباً ما تكون هذه الخسائر أكبر من تلك الناتجة عن الأزمات المالية أو الكوارث الطبيعية الكبرى.
من أين تأتي هذه الخسارة؟
تنشأ هذه الخسائر نتيجة تراجع جميع مكونات الناتج المحلي الإجمالي، أي إجمالي موارد الإنفاق داخل الاقتصاد، بما في ذلك إنفاق الأسر والشركات والحكومة، إضافة إلى الإنفاق المرتبط بالتجارة الخارجية.
- إنفاق الشركات:
تدفع الحروب رؤوس الأموال وتدفقات الاستثمار إلى الهروب من البلاد، كما يتراجع النشاط الاقتصادي بسبب تدمير المباني والآلات ونقص العمال نتيجة الوفاة والنزوح. ويتم تحويل جزء من الموارد المتبقية من الاستخدام المدني إلى الاستخدام العسكري. كما تصبح عملية الإنتاج أقل كفاءة نتيجة ارتفاع أكلاف الإنتاج وتضرر البنية التحتية وتعطّل قطاعات النقل والطاقة والاتصالات. وعلى المدى الطويل، تضعف بيئة الاستثمار بشكل جذري بسبب تحويل الإنفاق العام من المشاريع الداعمة للنمو إلى الإنفاق العسكري والمساعدات الإنسانية وإصلاح البنية التحتية الأساسية، إضافة إلى التراجع المستمر في رأس المال البشري نتيجة توقف التعليم، وفقدان الخبرة العملية، وتدهور الحالة الصحية.
- إنفاق الأسر:
يؤدي النزوح وتعطّل الأنشطة التجارية إلى تراجع دخل الأسر. وتحاول الأسر الحفاظ على مدخراتها لتغطية الاحتياجات الأساسية، لكن هذه المدخرات قد لا تكون كافية أمام ارتفاع الأسعار الذي قد يصل إلى نحو 35% بعد 5 سنوات من اندلاع النزاع المسلّح أو الحرب، ما يؤدي بدوره إلى انخفاض إجمالي الطلب على السلع والخدمات.
- الإنفاق الحكومي:
في بداية الحرب يرتفع الإنفاق الحكومي بالمقارنة مع فترات السلم، ويرجع ذلك أساساً إلى زيادة الإنفاق العسكري. لكن بعد مرور سنوات عدّة، يصبح إجمالي الإنفاق الحكومي أقل مما كان عليه في فترات ما قبل الحرب، حيث يواجه تحديات متعددة، أبرزها صعوبة تحصيل الضرائب نتيجة تراجع النشاط الاقتصادي وضعف القدرات الإدارية، وارتفاع الضغوط التضخمية وأثرها على الحساب الجاري، إلى جانب استنزاف الاحتياطيات الأجنبية.
- الإنفاق على التجارة الخارجية:
في ظل الحرب، تنخفض الواردات بشكل حاد، لكن الصادرات تنخفض بشكل أكبر، ما يؤدي إلى تدهور الميزان التجاري. وتتضرر قدرة التصدير بسبب تعطّل الإنتاج المحلي وتفضيل المستوردون التعامل مع دول أو مناطق خارج مناطق النزاع. وتؤدي هذه الأوضاع إلى نقص في العملات الأجنبية، ومع ضعف الطلب المحلي أيضاً، يتم تقييد الاستيراد، وفي بعض الحالات يتم ترشيده لصالح السلع العسكرية والسلع الأساسية.
ماذا يحصل بعد الحرب؟
تواجه الحكومات بعد الحروب أعباء كبيرة في إعادة الإعمار، إلى جانب ارتفاع الدين العام. وترتبط القدرة على سداد هذه التكاليف بحجم المساعدات الخارجية والتحويلات المالية، واستقرار العملة، وعودة الاستثمارات الأجنبية.
وتعتمد جميع هذه العوامل على مدى استقرار وقف إطلاق النار، وكثيراً ما يكون وقف إطلاق النار هشاً، إذ تُظهر البيانات أن نحو 40% من حالات ما بعد الحرب العالمية الثانية تعود فيها الدول إلى النزاع خلال 5 سنوات.
عندما تكون هناك احتمالات لعودة القتال، لا يتحسن الناتج الاقتصادي بشكل يُذكر. أما في حال استمرار وقف إطلاق النار، يبدأ الاقتصاد بالتعافي، لكنه يكون بطيئاً ويختلف من بلد إلى آخر. وفي المتوسط، يرتفع الناتج تدريجياً ليصل إلى نحو 3.9% بعد 5 سنوات من انتهاء النزاع.
يرافق هذا التعافي المحدود في الناتج ارتفاع في الأسعار، مما يشير إلى أن الطلب يتعافى بوتيرة أسرع من العرض. ويعود ذلك إلى تباطؤ نمو رأس المال والإنتاجية في ظل استمرار حالة عدم اليقين، ما يجعل المستثمرين أكثر حذراً في قراراتهم، كما قد يرتبط بالقيود التمويلية التي تواجهها الشركات المحلية بعد انتهاء النزاع.
في المقابل، يتعافى عرض العمالة بشكل أسرع، إذ ينتقل العمال من الأنشطة العسكرية إلى الأنشطة المدنية، ويعود اللاجئون تدريجياً إلى بلدانهم. إلا أن زيادة المعروض من العمالة مقارنة بالطلب عليها قد يؤدي إلى انخفاض الأجور.
هل هذه القصّة كلّها؟
يقدّم تحليل صندوق النقد الدولي صورةً مهمة عن الكلفة الاقتصادية للحروب، إلا أنها في الوقت نفسه تكشف عن حدود الأداة التي يستخدمها للقياس. فالناتج المحلي الإجمالي يقيس الإنتاج والاستهلاك في سنة معينة، ولذلك لا يمكنه قياس عمق الجرح الاجتماعي وحجم الخسارة الحقيقية.
ويخفي الناتج المحلي الإجمالي خلف متوسطاته: الناس الذين ماتوا أو تشوّهوا أو خسروا مساكنهم ومصادر دخلهم، الأطفال الذين لم يتعلموا، والشباب الذين هاجروا ولن يعودوا، والنسيج الاجتماعي الذي تمزّق، والصدمات النفسية الجماعية التي تتوارثها الأجيال من دون أن تجد لها سطراً في أي تحليل اقتصادي.
يقيس الناتج المحلي الإجمالي التدفق لا الرصيد، أي ما يُنتج سنوياً، لا ما تراكم على مدى أجيال من بنية تحتية ومؤسسات وإرث تاريخي وثقافي، وهي رساميل صامتة تستغرق عقوداً لبنائها وأياماً لتدميرها، ولا يعكس الناتج المحلي الإجمالي قيمتها الحقيقية لا حين تُبنى ولا حين تُدمَّر.
لهذا كله، فإن الخسارة الحقيقية للحرب أكبر بكثير مما تُظهره نسبة الـ7% وأعمق مما تستطيع هذه الصورة أن تحتويه.