Tamar_jacket_on_H851

كيف أثّرت الحرب على الغاز الإسرائيلي ومستهلكيه؟

أعلنت وزارة الطاقة الاسرائيلية عن قرارها إعادة بدء إنتاج الغاز الطبيعي من حقل «ليفياثان» الأكبر في إسرائيل بعد وقفه لمدة 5 أسابيع منذ بدء الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، في حين أبقت على قرار إيقاف الإنتاج من حقل «كاريش» الأقرب إلى لبنان، بحيث سيشكّل هذا القرار متنفّساً لكلّ من مصر والأردن اللتين تعتمدان بشكلٍ رئيسي على واردات الغاز الإسرائيلي. 

مع ذلك، أدّى توقّف الإنتاج من الحقلين إلى مراكمة خسائر لا تقلّ عن 500 مليون دولار، ناهيك عن اضطرار إسرائيل إلى الاعتماد على مصادر الطاقة من الوقود الأحفوري الأكثر كلفة والمستوردة من الخارج، كما أخّرت مشاريع التطوير المقدّرة بأكثر من 35 مليار دولار. 

فما هي تأثيرات الحرب الأميركية - الإسرائيلية على قطاع الغاز الإسرائيلي؟

map

تداعيات وقف الإنتاج في حقلي «ليفياثان» و«كاريش»

في 28 شباط/فبراير الماضي، ومع بدء الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، أعلنت وزارة الطاقة الإسرائيلية الإيعاز إلى مشغلّي حقلي «ليفياثان» و«كاريش» وقف الإنتاج فيهما مؤقّتاً نتيجة تعاظم المخاطر الأمنيّة من استهدافهما، في حين أبقت على حقل «تامار» مشغّلاً مع تعديل وجهة إنتاجه لتأمين احتياجات السوق المحلّي من الغاز الطبيعي. وقد أدى ذلك إلى وقف صادرات الغاز الإسرائيلية إلى كل من مصر والأردن اللذين يعتمدان بشكلٍ أساسي على واردات الغاز الإسرائيلي، كما إلى انخفاض الإنتاج الوطني وفقدان الإيرادات الحكومية والضرائب المرتبطة بقطاع الغاز. 

من جهة أخرى، أدى الإقفال إلى زيادة تكاليف إنتاج الكهرباء بسبب الاعتماد المتزايد على الفحم والديزل، والتي تأتي معظمها من أذربيجان (عبر تركيا) ومن كازاخستان (عبر روسيا). ففي ظروف أكثر طبيعيّة، يمثّل الغاز الطبيعي، الذي يُنتج كلّه من تلك الحقول الثلاثة، حوالي 70% من إنتاج الكهرباء في إسرائيل وحوالي 45% من إجمالي إمدادات الطاقة فيها. بالإضافة إلى ذلك، صدّرت إسرائيل في العام 2024 حوالي 47% من إنتاجها السنوي، أو حوالي 13,2 مليار متر مكعب إلى كلّ من مصر والأردن، ففي حين يُستخدم 10% من إنتاج «ليفياثان» في السوق المحلي، يذهب ما تبقى إلى مصر والأردن. أمّا «كاريش»، فيساهم إنتاجه بحوالي 50% من الاستهلاك المحلي، في حين تذهب نسبة 50% الأخرى للتصدير. على أثر كل ذلك، بدأت مصر والأردن باتّخاذ إجراءاتٍ استثنائيّة لترشيد الاستهلاك في حال إطالة أمد الانقطاعات لتجنّب الوقوع في العتمة.

هذا وقدّ قدّرت وزارة الطاقة الإسرائيلية كما خبراء آخرين الخسائر الناجمة عن إقفال الحقلين بحوالي 300 مليون شيكل في الأسبوع، أي أنّ إجمالي خسائر الأسابيع الخمس الماضية تُقدّر بحوالي 1,5 مليار شيكل أو حوالي 500 مليون دولار. 

من جهته، أشار مدير عام شركة «إينرجين» اليونانية المنشأ والمشغّلة لحقل «كاريش» أن الشركة تُنفق حوالي 10 ملايين دولار شهرياً للحفاظ على منشآتها البحرية المغلقة في حالة تأهّب لإعادة الإنتاج، وأن توقّف الإنتاج يشكل ضربة قاسية للاقتصاد المحلي وللشركة نفسها. هذا وقدّ قرّرت الشركة تأجيل طرح توقّعاتها لعام 2026 بشأن إنتاج إسرائيل وتكاليفها وصافي ديون المجموعة، إلى حين اتضاح الصورة، مع العلم أنها سجّلت صافي خسائر بحوالي 258 مليون دولار في عام 2025.

ماذا يعني إعادة الإنتاج من حقل «ليفياثان»؟

يأتي قرار إعادة الإنتاج اذاً على وقع معلومات عن طلب أميركي بذلك، إذ أن مشغّل الحقل هي شركة «شيفرون» الأميركية، وعلى وقع معطيات أخرى عن إلحاح مصري أردني بإعادة إنتاج الغاز وتصديره جوبه برفض إسرائيلي على مدى الأسابيع الماضية.

وقالت وزارة الطاقة الإسرائيلية إن استئناف الإنتاج سيمكّن من إمداد جميع العملاء بالغاز الطبيعي، واستئناف صادرات الغاز إلى الدول المجاورة، وزيادة إيرادات الضرائب الحكومية، ومرونةً أكبر في إدارة قطاعي الكهرباء والصناعة. وسيساهم إعادة الإنتاج بتخفيف الضغوط والأعباء على مصر بالتحديد، فمنذ 28 آذار/مارس الماضي، بدأت الحكومة المصرية بتطبيق إجراءات لترشيد استهلاك الطاقة بما في ذلك إغلاق المحال التجارية والمطاعم ومراكز التسوق في التاسعة مساء، وتقليل الإضاءة في الشوارع واعتماد العمل من بعد. 

إلى ذلك، قد يُرسل إعادة الإنتاج إشارات إيجابية، ولو طفيفة، في أسواق الغاز ويخفّف الضغط على أسعار الغاز في أوروبا التي ارتفعت في الأسابيع الماضية في ظلّ مخاوف من انقطاع الإمدادات وتداعيات إقفال مضيق هرمز.

على الصعيد العسكري، تُشير الخطوة إلى تقييم أمني استخباري أنّ حجم المخاطر باستهداف المنشآة التي تبلغ قيمتها 1.5 مليار دولار قد تغيّرت، في حين أُبقي على منصّة الإنتاج في كاريش الأقرب إلى لبنان مقفلة.

توقّف الإنتاج يؤجّل مشاريع التطوير

سيؤدّي استمرار وقف الإنتاج من بعد الحقول كما استمرار أمد الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران في زيادة المخاطر المحيطة بقطاع الغاز الطبيعي في إسرائيل، ويؤخّر مشاريع التطوير التي كان مخطّط لها. ففي كانون الأول/ديسمبر الماضي،  وافقت شركة «شيفرون»  وشركاؤها على خطط لتوسيع الإنتاج في حقل «ليفياثان» وتوريده إلى مصر ودول أخرى بقيمة تقارب 35 مليار دولار، بما يضمن استمرار تدفّق الغاز الإسرائيلي إلى السوق المصرية حتى عام 2040 على الأقل. وستساهم الحرب بتأجيل هذه العمليّات بالتأكيد.

إلى ذلك، حذّرت شركة إينرجين أن استمرار الحرب الى ما بعد أيار/مايو المقبل سيؤدي إلى تأخير تطوير مشروع «كاتلان» للغاز والمقدّرة بحوالي مليار دولار أميركي. و«كاتلان» عبارة عن مجموعة آبار متّصلة تم اكتشافها في العام 2022 بين حقلي «كاريش» و«تانين» وستمسح بزيادة إنتاج الغاز بحوالي 1.1 مليار قدم مكعب. وافقت الحكومة الإسرائيلية على المشروع في العام 2023 وبدأ العمل على تطويره في العام 2024 مع توقّع إنتاج الغاز في العام 2027.

من جهة أخرى، وقبل بضعة أسابيع من اندلاع الحرب، أعلنت الحكومة الإسرائيلية عن دورة التراخيص الخامسة والتي شملت 6 رقع بحريّة بمساحة إجمالية تقارب 8,600 كيلومتر مربع. وكانت الحكومة تأمل جذب شركات عالمية لها، لكن الحرب دفعت إلى تأجيل الجولات الترويجية التي كانت مقرّرة وإلى تجميد الإجراءات المتعلقة بالمناقصة مؤقتاً.

    مارك أيوب

    باحث في مجال الطاقة، طالب دكتوراه في إيرلندا، وزميل في معهد عصام فارس في الجامعة الأميركية في بيروت.