Fuel Barrels

ارتفاع صادرات النفط العراقي عبر سوريا
جسر مؤقّت أم حلقة في سلسلة تصدير إقليمية

ارتفعت شحنات الوقود العراقي المصدّرة عبر سوريا إلى البحر المتوسط تدريجياً منذ انطلاقها في آذار/مارس، ما أتاح لبغداد مساراً بديلاً لنقل الوقود إلى الأسواق الدولية في ظل الاضطرابات وإغلاق مضيق هرمز بسبب الحرب الإقليمية.

ولّدت هذه الزيادة الحادة إيرادات مباشرة وإمدادات وقود لسوريا، كما أعادت أجزاء من البنية التحتية النفطية في البلاد إلى العمل بوصفها حلقة للعبور والتصدير.

وبحسب بيانات حصرية حصلت عليها «سيريا ريبورت»، ارتفع عدد الصهاريج العابرة من العراق بين آذار/مارس ومنتصف أيلول/سبتمبر من 44 صهريجاً يومياً إلى نحو 1,500 صهريج، كما قفزت الشحنات الشهرية المارة عبر سوريا من 245 ألف برميل إلى 8.43 ملايين برميل.

ارتفاع حاد في تدفقات زيت الوقود العراقي

يقول مصدر رفيع في الشركة السورية للنفط، طلب عدم الكشف عن هويته، إن حجم زيت الوقود العراقي المصدّر بالصهاريج إلى الأراضي السورية ارتفع بنسبة 47% بين آب/أغسطس ومنتصف أيلول/سبتمبر، إذ زاد الحجم اليومي من نحو 191 ألف برميل إلى 281,250 برميلاً. 

وسجّلت الكميات في أيلول/سبتمبر أعلى مستوى لها منذ بدء عمليات تصدير الوقود العراقي عبر سوريا في آذار/مارس. 

وارتفعت الصادرات الشهرية من نحو 245 ألف برميل في آذار/مارس إلى كمية متوقعة تبلغ 8.43 ملايين برميل في أيلول/سبتمبر.

1
2

تنطلق الصهاريج من المصافي العراقية، وخصوصاً مصافي محافظة البصرة في جنوب العراق ومصفاة الدورة في بغداد ومصفاة بيجي في شمال البلاد. وتدخل معظم الشحنات سوريا عبر معبر الوليد والتنف الحدودي، فيما تسلك كميات أقل معبر ربيعة الذي أُعيد فتحه في نيسان/أبريل لتخفيف الضغط على معبر الوليد.

بعد دخولها الأراضي السورية، تتجه الصهاريج إلى ميناء بانياس النفطي في محافظة طرطوس على ساحل البحر المتوسط. ويُفرّغ الوقود في منشأة كبيرة تضم نحو 24 خزاناً فولاذياً للتخزين، تبلغ سعتها الإجمالية نحو 5 ملايين برميل.

ترتبط هذه الخزانات بنظام رسو تقليدي متعدد العوامات في المياه العميقة، وهو نظام هندسي بحري يُستخدم لرسو ناقلات النفط والغاز المسال وتثبيتها بعيداً عن رصيف الميناء، ما يتيح نقل الوقود إليها في عرض البحر بعيداً عن الساحل.

وبحسب المصدر في الشركة السورية للنفط، تأتي إسبانيا وهولندا والولايات المتحدة في صدارة وجهات السفن التي تغادر بانياس محمّلة بزيت الوقود العراقي، فيما تُشحن كميات أقل إلى مصر وكوريا الجنوبية والصين.

حصة سوريا من الوقود وإيرادات العبور

لم يكشف الجانبان العراقي والسوري علناً تفاصيل الاتفاق الذي ينظّم صادرات الوقود. وقال المصدر في الشركة السورية للنفط إن الجانب السوري يحصل على نحو 20% من إجمالي قيمة الشحنات.

ويمكن للحكومة أن تتقاضى حصتها نقداً أو أن تحصل على جزء منها عيناً في صورة وقود، من خلال عدد من حمولات الصهاريج شهرياً وفق حاجات البلاد. وفي الحالة الثانية، يُوجّه الوقود إلى مصفاة حمص من دون أن يصل إلى بانياس.

ووفق المصدر، يتعذّر تقدير القيمة الشهرية لحصة سوريا من الوقود لعدم وضوح آلية احتساب سعره.

وبما أن العراق يرسل إلى مصفاة حمص منتجات نفطية مكرّرة لا نفطاً خاماً، يُضخ زيت الوقود العراقي مباشرةً من خزانات المصفاة عبر خطوط الأنابيب إلى محطات توليد الكهرباء السورية القريبة، ومنها محطتا الزارة وحمص الحراريتان، حيث يُستخدم وقوداً لتوليد الكهرباء.

وإضافة إلى حصتها من الشحنات، تحصل الحكومة السورية على إيرادات من العبور والخدمات التي تقدّمها، بما فيها رسوم التفريغ وتأجير خزانات للتخزين المؤقت. وتتراوح هذه الرسوم بين دولارين و3 دولارات للبرميل، وتدفعها الشركات المتعاملة لا الحكومة العراقية. وهذا يعني أن الحكومة السورية قد تكون حصلت في آب/أغسطس وحده، حين بلغت الشحنات 5.73 ملايين برميل، على ما بين 11.4 و17.1 مليون دولار من رسوم الخدمات.

تزايد أعداد الصهاريج

ارتفع عدد صهاريج الوقود التي تعبر يومياً من العراق إلى سوريا من 44 صهريجاً في آذار/مارس إلى نحو 1,500 صهريج حالياً وفق المصدر في الشركة السورية للبترول.

 

3

تنظّم 4 شركات عمليات نقل الوقود بالصهاريج من العراق إلى سوريا، 3 منها عراقية والرابعة سويسرية. وتستحوذ أكبرها، وهي شركة «ليتون» (Lytton SA)، على القسم الأكبر من عمليات النقل. وتعرّف الشركة نفسها بأنها شركة عالمية لتجارة السلع مقرها جنيف، ومتخصصة في النفط الخام والمنتجات النفطية المكرّرة.

وبحسب السجل التجاري السويسري، سُجّلت «ليتون» شركة مساهمة في العام 2022 برأسمال قدره مليون فرنك سويسري، أي ما يعادل نحو 1.2 مليون دولار. ولا يكشف السجل أسماء المساهمين الحاليين أو توزيع حصص الملكية بينهم.

ولا تتضمن قاعدة بيانات «موني هاوس» (Moneyhouse) أي معلومات عن هيكل ملكية الشركة. ويَرِد فيها اسم حكيم دربوش بصفته العضو الوحيد في مجلس إدارة الشركة، مع تمتّعه بصلاحية التوقيع منفرداً، فيما يَرِد اسم جان جوليان كانتالوب بصفته مديراً يتمتع بالصلاحية نفسها.

ودربوش خبير في قطاع الطاقة ويعمل في مجال التداول، ويحمل دكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة ليفربول وعمل باحثاً في معهد أكسفورد لدراسات الطاقة بين العامين 2009 و2012، وهو متخصص في أسواق الطاقة والغاز في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

أما كانتالوب، فلا تتوافر معلومات إضافية عنه سوى تعيينه مديراً في «ليتون».

جسر مؤقت نحو مسار نفطي طويل الأمد

يقول سعد خيرو، خبير الطاقة والمسؤول السابق في الشركة السورية لنقل النفط، إن الأهمية الحقيقية للمسار العراقي عبر سوريا لا تكمن في الكميات المنقولة وحدها، بل في أنه أعاد جزءاً مهماً من البنية التحتية النفطية السورية إلى العمل بوصفه حلقة في سلسلة تصدير إقليمية.

ويوضح خيرو أن نقل أكثر من ربع مليون برميل يومياً بالصهاريج يشكّل حجماً كبيراً جداً بالنسبة إلى النقل البري،ويفرض ضغطاً استثنائياً على الطرق والمعابر الحدودية ومرافق التفريغ والتخزين في بانياس.

ويضيف أن المسار الحالي ينبغي اعتباره جسراً لوجستياً مؤقتاً، لا نموذجاً مثالياً على المدى الطويل. فأي زيادة كبيرة أخرى في الكميات ستصطدم سريعاً بقيود تتعلق بالمعابر الحدودية والطرق وعدد الصهاريج المتاحة وسرعة التفريغ والتخزين والتحميل. ولذلك، قال إن الترتيب الحالي يمثّل حلاً مؤقتاً إلى حين استكمال العمل على خط أنابيب بين العراق وسوريا، وهي عملية ستستغرق سنوات.

وتسارعت في الأشهر الأخيرة خطط إنشاء ممر نفطي عراقي إلى البحر المتوسط عبر سوريا. ففي تموز/يوليو، وقّع العراق وسوريا مذكرة تفاهم لتطوير خط أنابيب يمتد من حديثة إلى بانياس، ويرتبط تاريخياً بمسار كركوك إلى بانياس. ورافق ذلك اتفاق على إجراء دراسات فنية ومالية مع ائتلاف يضم «شيفرون» (Chevron) وشركة «يو سي سي القابضة» (UCC Holding) القطرية و«تي آي كابيتال» (TI Capital).

لكن المشروع لا يزال في مرحلة دراسة الجدوى والتصميم ولم تبدأ أعمال إنشائه بعد. وقدّرت مصادر نقلت عنها «رويترز» كلفته بما لا يقل عن 15 مليار دولار، وقدرته الأولية بنحو مليوني برميل يومياً، فيما قد يستغرق تنفيذه ما يصل إلى أربع سنوات. 

وتعتمد جدوى خط الأنابيب الممتد من حديثة إلى بانياس على مشروع آخر داخل العراق، هو خط الأنابيب الممتد من البصرة إلى حديثة. ومن المتوقع أن ينقل هذا الخط النفط الخام من حقول جنوب العراق إلى غربه، قبل تمريره عبر الأراضي السورية نحو بانياس. لذلك، لن يكون تنفيذ الجزء السوري وحده كافياً لإنشاء مسار تصدير واسع النطاق ينطلق من حقول البصرة.

وفي 10 أيلول/سبتمبر 2026، قال وزير النفط العراقي باسم خضير إن بغداد تعتزم رفع قدرتها على التصدير عبر خطوط الأنابيب في سوريا وميناء جيهان التركي، من مستوى يراوح بين 180 و200 ألف برميل يومياً إلى أكثر من مليون برميل يومياً. وتندرج هذه الخطة ضمن مسعى أوسع لرفع قدرة العراق الإجمالية على التصدير إلى 5 ملايين برميل يومياً.

ولا تزال الأهداف المعلنة حتى الآن تقديرات قد تتغيّر تبعاً للتصميم النهائي للمشروع. ولم تُتخذ بعد قرارات استثمارية نهائية، كما لم يُعلَن جدول زمني ملزم لأعمال الإنشاء. لذلك يبقى نقل الوقود العراقي بالصهاريج عبر سوريا الخيار الواقعي الوحيد على المدى القصير.

4
5

نُشِر هذا المقال في The Syria Report في 15 أيلول/سبتمبر 2026، وتُرجِم إلى العربية ونُشِر في موقع «صفر» بموجب اتفاق مع الجهة الناشرة.

    سري أبو المنى

    أستاذ فلسفة في التعليم الثانوي، وطالب ماجيستير في الفلسفة