الصورة: Unsplash/Pey Khakbaz
هل يمكن إغراق إيران في العتمة؟
تتصاعد المخاوف من احتمال ضرب محطات الطاقة في إيران كما هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولا سيّما في حال ردّت إيران باستهداف منشآت الطاقة والكهرباء في دول الخليج. ويكتسب هذا الاحتمال أهمية إضافية نظراً إلى طبيعة قطاع الكهرباء في إيران، الذي يضمّ أكثر من 130 منشأة إنتاج رئيسية، موزّعة ضمن نظام لا مركزي يمتدّ على مساحات جغرافية واسعة.
انطلاقاً من ذلك، قد تؤدّي الضربات المتتالية إلى إرباك أمن الطاقة الإيراني وإلحاق أضرار ملموسة به، لكنّ تدمير النظام الطاقي بالكامل يبدو أمراً بالغ الصعوبة. فماذا نعرف عن أبرز منشآت الكهرباء في إيران؟ وهل ثمّة قدرة فعلية على شلّها وإغراق البلاد في العتمة؟
واقع قطاع الكهرباء في إيران
لا تزال إيران تعتمد بشكل شبه كامل على الوقود الأحفوري في مزيجها الطاقوي، إذ تشكّل مصادر النفط والغاز نحو 92% من إجمالي هذا المزيج. ويُعدّ الغاز الطبيعي المصدر الأساسي لتوليد الكهرباء، بحصّة تقارب 85% من الإنتاج، يليه الفيول بنسبة 7%، ثم الطاقة الكهرومائية (5%)، فالطاقة النووية (2%)، وأخيراً الطاقة المتجددة بنسبة لا تتجاوز 1%.
في عام 2024، بلغت القدرة الإنتاجية المركّبة نحو 78 ألف ميغاواط، موزّعة على حوالى 130 محطة حرارية منتشرة على كامل الجغرافيا الإيرانية، ما يجعل إيران في المرتبة الثانية إقليمياً من حيث إنتاج الكهرباء بعد السعودية. ومع احتساب المنشآت غير الأحفورية، بما فيها النووية والمتجددة، يرتفع العدد الإجمالي للمنشآت إلى أكثر من 300 منشأة.
غير أنّ هذه القدرة النظرية لا تنعكس بالكامل في الإنتاج الفعلي، نتيجة العقوبات وتراجع أعمال الصيانة في عدد من المحطات. فبحسب البيانات المتاحة، بلغ الإنتاج في عام 2024 نحو 385 ألف غيغاواط ساعة (بما يعادل قدرة تشغيلية تقارب 45 ألف ميغاواط)، في حين وصل الطلب إلى حوالى 70 ألف ميغاواط خلال فترات الذروة، ما يعني وجود فجوة واضحة في تلبية الطلب، خصوصاً في أوقات الاستهلاك المرتفع.
من حيث البنية التقنية، تستحوذ محطات الدورة المركّبة (CCGT) على الحصة الأكبر من القدرة الحرارية بنحو 38%، تليها الوحدات العاملة على الغاز بنسبة 26%، ثم الوحدات البخارية بحوالى 17%.
أما شبكة الكهرباء، فتتميّز بطابع لا مركزي واسع النطاق، إذ تمتد خطوط النقل لأكثر من 133 ألف كيلومتر، وترتفع إلى ما يفوق 1.3 مليون كيلومتر عند احتساب شبكات التوزيع، إضافة إلى مئات آلاف المحوّلات وآلاف المحطات الفرعية. هذه البنية الموزّعة تعزّز مرونة النظام، لكنها في الوقت نفسه ترفع من تعقيد استهدافه أو تعطيله بشكل شامل.
ما هي أبرز منشآت الطاقة في إيران؟
تشير المعطيات إلى وجود نحو 20 محطة كهرباء تتجاوز قدرة كلّ منها 1,000 ميغاواط، من أصل حوالى 130 منشأة حرارية، فيما تفوق قدرة بعضها 2,000 ميغاواط، ما يجعلها العمود الفقري لمنظومة الإنتاج الكهربائي في البلاد.
تُعدّ محطة «دمافند» قرب طهران من أكبر محطات توليد الطاقة الحرارية في الشرق الأوسط، بقدرة تقارب 2,900 ميغاواط، وتعتمد على الغاز الطبيعي. تليها محطة «شهيد سليمي» بقدرة تقارب 2,200 ميغاواط (من نوع الدورة المركّبة CCGT)، والتي تؤمّن جزءاً أساسياً من إمدادات الكهرباء في شمال إيران، إلى جانب محطة «رودشور» بقدرة مماثلة تقريباً، وهي أيضاً من المحطات العاملة على الغاز.
في الجنوب الشرقي، تبرز محطة «كرمان» بقدرة تقارب 2,000 ميغاواط، فيما تؤدّي محطة «منتظر قائم» (حوالي 1,600 ميغاواط) دوراً محورياً في استقرار شبكة الكهرباء في محيط العاصمة طهران. أما محطة «رامين» في الأهواز، فتُعدّ الأكبر في جنوب غرب إيران، بقدرة تقارب 1,800 ميغاواط، وتشكل ركيزة أساسية لتغذية المناطق الصناعية هناك.
في ليل 23 آذار/مارس، أفادت تقارير عن استهدافات أميركية–إسرائيلية طالت مباني إدارة الغاز ومحطة تخفيض الضغط في أصفهان، إضافة إلى خط أنابيب الغاز المرتبط بمحطة الكهرباء في خرمشهر، بحسب وكالة «فارس» الإيرانية. غير أنّ هذه الضربات لم تؤدِّ إلى توقّف عمل المحطتين، ما يعكس قدرة نسبية على امتصاص الصدمات التشغيلية دون تعطّل فوري في الإنتاج.
منشآت الطاقة النووية في إيران
تضمّ إيران منشأة واحدة لإنتاج الطاقة النووية، هي محطة بوشهر، بقدرة تبلغ نحو 915 ميغاواط، وتقع على ساحل الخليج العربي. ويُعدّ هذا المفاعل أول منشأة نووية تجارية في البلاد، إذ تمّ ربطه بالشبكة الكهربائية عام 2011، ويساهم اليوم بحوالى 2% من إجمالي إنتاج الكهرباء.
يتولّى تشغيل المحطة حالياً فنّيون روس تابعون لشركة «روساتوم» (الوكالة الحكومية الروسية للطاقة النووية)، ويبلغ عددهم نحو 480 تقنياً. وكانت طهران قد أعلنت في عام 2019 عن خطط لبناء مفاعلين إضافيين في الموقع نفسه، بقدرة تقارب 1,000 ميغاواط لكلّ منهما.
في 17 آذار/مارس الجاري، أُفيد بسقوط صاروخ داخل حرم المحطة، ما أدّى إلى تدمير مبنى يقع على بُعد نحو 350 متراً من المفاعل، من دون أن يُصاب الأخير بأي ضرر، وفق بيان لوكالة الطاقة الذرية. وعلى إثر ذلك، جرى إيقاف تشغيل الوحدة الأولى كإجراء احترازي، فيما باشرت «روساتوم» إجلاء الموظفين غير الأساسيين.
ويُثير أي استهداف محتمل للمحطة النووية مخاطر جسيمة، إذ قد يؤدّي إلى تسرّب إشعاعي واسع النطاق، بما يحمله من تداعيات بيئية وإنسانية واقتصادية خطيرة. كما تبرز مخاوف إضافية لدى دول الخليج، التي تعتمد بشكل كبير على محطات تحلية المياه، ما يجعلها عرضة لتأثيرات مباشرة في حال تلوّث مياه الخليج.
هل يمكن أن تقع البلاد في الظلام في حال تنفيذ التهديد؟
يأتي تهديد دونالد ترامب في لحظة مفصلية من الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، ويعكس ضيق الخيارات المتاحة للضغط من أجل فتح مضيق هرمز. وفي ظلّ غياب مؤشرات حاسمة على تعطيل قدرة إيران على الردّ، فإنّ أي استهداف واسع لمنشآت الطاقة قد ينعكس سريعاً على الأسواق، مع تداعيات يصعب ضبطها أو توقّع مسارها.
من الناحية التقنية، تجعل طبيعة النظام الكهربائي الإيراني—القائم على اللامركزية والممتد على مساحات جغرافية شاسعة—من الصعب شلّه بالكامل. فشبكتي النقل والتوزيع مترابطتان ومعقّدتان، ما يعني أنّ تعطيلهما يتطلّب كميات كبيرة من الذخائر، وهجمات متزامنة ومستمرة تستهدف عدداً واسعاً من العقد والمنشآت في آن واحد.
بناءً عليه، يبدو أن انقطاعاً شاملاً للتيار الكهربائي على مستوى البلاد يبقى احتمالاً ضعيفاً في حال الاقتصار على ضربات تقليدية تستهدف المحطات الكبرى فقط، إذ يمكن للنظام امتصاص جزء من الصدمة عبر إعادة توزيع الأحمال وتشغيل قدرات احتياطية.
في المقابل، قد تؤدي الضربات—إذا حصلت—إلى اضطرابات موضعية ومؤقتة، تختلف حدّتها بحسب نطاق الاستهداف وكثافته. غير أنّ استمرارها، وتوسّعها لتشمل محطات فرعية وأنظمة التحكم، قد يراكم الضغوط على الشبكة تدريجياً، ويُضعف قدرتها على الاستمرار مع مرور الوقت، ما يرفع من احتمالات حدوث انقطاعات أوسع وأكثر تعقيداً.