كيف صنعت السياسات الاقتصادية الملامح السكانية لتونس
الديمغرافيا لا تكذب
لا تُقرأ الديمغرافيا بوصفها مجرد تراكمٍ محايد للأرقام، بل باعتبارها أرشيفاً اجتماعياً صامتاً يسجّل، من دون خطابٍ أو تبرير، نتائج السياسات العمومية والاختيارات الاقتصادية طويلة المدى. ومن هذا المنظور، تكشف نتائج التعداد العام للسكان والسكنى في تونس لعام 2024 عن تحوّل عميق في البنية السكانية. لا يمكن فصله عن المسار الاقتصادي الذي عرفته البلاد منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، مع الانخراط المتدرّج في نموذج نيوليبرالي أعاد تشكيل علاقة الدولة بالمجتمع والسوق والزمن الديمغرافي نفسه.
بلغ عدد سكان تونس في 6 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 حوالي 11.97 مليون نسمة، وهو ما يعكس استمرار النمو السكاني ولكن بوتيرة متباطئة بوضوح. فقد تراجع المعدل السنوي للنمو الديمغرافي إلى 0.87% بين عامي 2014 و2024، بعد أن كان يتجاوز 2% في خلال فترات سابقة من تاريخ الدولة الوطنية. هذا التباطؤ ليس مجرد نتيجة «طبيعية» للانتقال الديمغرافي، بل هو أيضاً مؤشر اجتماعي مركّب يعكس تغيّراً في أنماط الإنجاب، وتحوّلات في موقع الأسرة، وتآكلاً في الأفق الاقتصادي للأجيال الشابة، في سياق يتسم بعدم اليقين وارتفاع كلفة العيش وضعف الحماية الاجتماعية.
تكشف بنية الأعمار عن أحد أكثر التحوّلات دلالة: تسارع شيخوخة السكان. فقد ارتفعت نسبة الأشخاص الذين تفوق أعمارهم 60 سنة بشكل ملحوظ، وبلغ مؤشر الشيخوخة 73.9% في العام 2024، في مقابل 12% فقط في العام 1966. كما ارتفع متوسط العمر1 إلى 35.5 سنة، والعمر الوسيط2 إلى 32.1 سنة، ما يؤكّد انتقال تونس إلى مرحلة ديمغرافية متقدّمة تتسم بانكماش قاعدة الهرم السكاني واتساع قمته. في المقابل، تراجعت نسبة الأطفال بين 0 و4 سنوات إلى حوالي 5.9% من مجموع السكان، وهو تراجع يعكس نجاح سياسات تنظيم الأسرة في مراحل سابقة، وأيضاً تحوّل الإنجاب إلى قرار اقتصادي محفوف بالمخاطر في ظل هشاشة التشغيل وارتفاع تكاليف السكن والخدمات.
هنا يتقاطع الديمغرافي بالاقتصادي بشكل مباشر. فمنذ اعتماد برامج الإصلاح الهيكلي، ثم تعميق الخيارات النيوليبرالية القائمة على تقليص دور الدولة الاجتماعية، وتحرير السوق، وضرب منظومات الدعم، فتغيّرت الشروط المادية لإعادة إنتاج المجتمع. لم تعد الأسرة التونسية فضاءً محمياً نسبياً، بل أصبحت وحدة تتكيّف مع منطق السوق، وتعيد حساباتها الإنجابية وفق معادلات الدخل غير المستقر، والبطالة الممتدة، وضعف التغطية الاجتماعية. وهو ما توضحه أيضاً نسبة الإعالة الديمغرافية لكبار السن التي بلغت 28% على المستوى الوطني، بما يعني أن قاعدة المشتغلين باتت تتحمل عبئاً متزايداً في سياق اقتصاد عاجز عن خلق قيمة مضافة وفرص عمل كافية.
وتتعمّق هذه التحولات عند النظر إلى التفاوتات الجهوية. يبيّن التعداد استمرار تمركز سكاني قوي في الإقليم الثاني (تونس الكبرى والساحل الشمالي الشرقي)، الذي يضم حوالي 33% من السكان، في مقابل ضعف الجاذبية الديمغرافية للأقاليم الداخلية والجنوبية. هذا التوزيع ليس معطى جغرافياً بريئاً، بل هو نتاج تاريخ طويل من سياسات تنموية غير متوازنة، عزّزت منطق المركز والهامش، ودَفعت نحو الهجرة الداخلية والخارجية كآلية تكيّف ديمغرافي مع الفقر والتهميش. فبعض الولايات الداخلية لا تسجل سوى نمو سكاني ضعيف أو حتى سالب، ما يعكس نزيفاً بشرياً مستمراً، خصوصاً في الفئات الشابة والنشيطة.
هل تعيش تونس تحوّلاً ديمغرافياً «طبيعياً»، أم أنها تواجه استنزافاً سكانياً ناتجاً عن نموذج اقتصادي يعجز عن إعادة إنتاج المجتمع؟
في قلب هذه المعطيات تبرز إشكالية مركزية تفرض نفسها بإلحاح: هل تعيش تونس تحوّلاً ديمغرافياً «طبيعياً»، أم أنها تواجه استنزافاً سكانياً ناتجاً عن نموذج اقتصادي يعجز عن إعادة إنتاج المجتمع؟ بعبارة أخرى، هل شيخوخة السكان وتراجع الخصوبة هما علامة نضج اجتماعي، أم نتيجة انسداد اقتصادي دفع الأفراد إلى تأجيل الإنجاب، والهجرة، والانكفاء؟
لا يمكن للإجابة أن تكون تقنية أو محايدة. فالتعداد يكشف أيضاً عن تحوّلات في بنية الأسر، حيث انخفض متوسط حجم الأسرة إلى 3.45 أفراد في العام 2024، بعد أن كان يفوق 5 أفراد في سبعينيات القرن الماضي. ويعكس هذا التحول تفكّك النموذج الأسري الموسّع، وصعود الأسرة النووية الصغيرة، وهو مسار غالباً ما ترافقه سياسات سوق الشغل المرن، وتراجع السكن الاجتماعي، وتحميل الأفراد مسؤولية المخاطر الاجتماعية التي كانت الدولة تتحمل جزءاً منها سابقاً.
كما أن ضعف نسبة السكان الأجانب (0.55%)، على الرغم من موقع تونس الجغرافي، يطرح بدوره سؤال الجاذبية الاقتصادية. فالدولة التي تعاني من هجرة كفاءاتها، ومن شيخوخة سكانها، لا تستقطب في المقابل قوى عاملة مستقرة قادرة على تعويض هذا النقص، وهو ما يعمّق الاختلال الديمغرافي على المدى المتوسط.
إن قراءة نتائج تعداد 2024 تفضي إلى خلاصة أساسية: لم تعد الديمغرافيا التونسية تتحرك بإيقاعها الذاتي، بل أصبحت رهينة اختيارات اقتصادية أعادت تشكيل الزمن الاجتماعي للسكان. فالنيوليبرالية لا تغيّر مؤشرات النمو والتوازنات المالية فقط، بل تعيد، في العمق، صياغة قرارات الإنجاب، والهجرة، والعيش المشترك، وبالتالي مستقبل المجتمع ذاته. ومن هنا، لا تبدو الأرقام محايدة، بل تتحوّل إلى شهادة إدانة صامتة لمسار تنموي لم ينجح في تحويل التحوّل الديمغرافي إلى فرصة، بل جعله عبئاً اجتماعياً مفتوحاً على كل الاحتمالات.
من الانتقال الديمغرافي إلى الانكماش الاجتماعي: تباطؤ النمو، تراجع الخصوبة، وتغيّر معنى الإنجاب
لم يعد تباطؤ النمو الديمغرافي في تونس ظاهرة يمكن تفسيرها حصرياً ضمن منطق «الانتقال الديمغرافي» الكلاسيكي، القائم على التحسن الصحي، وارتفاع مستوى التعليم، وتغير القيم الأسرية. فالأرقام التي يكشفها التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024 تُظهر مساراً أكثر التباساً، حيث يتقاطع التراجع الديمغرافي مع انسداد اجتماعي واقتصادي، يجعل من هذا التباطؤ نتيجةً لتآكل شروط العيش أكثر مما هو ثمرةُ تحولٍ حداثيّ مكتمل. فحين ينخفض المعدل السنوي للنمو السكاني إلى 0.87% في خلال العقد الأخير، لا يكون السؤال الديمغرافي الأساسي هو «كم عدد السكان؟» بل «في أي شروط اجتماعية يُعاد إنتاج المجتمع؟».
تُظهر بنية الأعمار تقلّصاً واضحاً في الفئات العمرية الصغرى، في مقابل توسّع متسارع في الفئات المتقدّمة في السن. غير أن هذا التحول لا يترافق مع دينامية اقتصادية قادرة على استثمار ما تبقى من الفئات النشيطة، ولا مع دولة اجتماعية قادرة على استيعاب كلفة الشيخوخة. وهنا تكمن إحدى المفارقات المركزية للحالة التونسية: مجتمع يشيخ قبل أن يراكم الثروة، ويتباطأ نموه السكاني في اقتصاد لم يحقق بعد انتقاله الإنتاجي. فالشيخوخة التي تُعد في تجارب أخرى نتيجة نجاح تنموي، تتحوّل في السياق التونسي إلى عبء ديمغرافي، لأن القاعدة الاقتصادية التي يُفترض أن تحملها تظل هشة، وغير قادرة على ضمان الاستدامة.
يتجلى هذا التناقض بوضوح في مسألة الخصوبة. فتراجع عدد الأطفال، وانخفاض حجم الأسرة، لا يعكسان فقط تغيراً في القيم أو أنماط العيش، بل يكشفان عن تحوّل الإنجاب إلى قرار اقتصادي عالي الكلفة. لم تعد الأسرة التونسية تتعامل مع الإنجاب باعتباره امتداداً طبيعياً للحياة الاجتماعية، بل باعتباره التزاماً مادياً طويل الأمد في سياق يتسم بعدم الاستقرار. ارتفاع كلفة السكن، وتدهور الخدمات العمومية، وتراجع الحماية الاجتماعية، كلها عوامل أعادت تعريف معنى الإنجاب من «استثمار اجتماعي» إلى «مخاطرة فردية». وهنا يظهر أثر السياسات الاقتصادية النيوليبرالية بشكل غير مباشر ولكن عميق، إذ لم تُلغِ هذه السياسات الإنجاب صراحة، لكنها جعلته مشروطاً بقدرة الأسر على تحمّل أعباء لم تعد الدولة مستعدة لتقاسمها.
تتعمّق هذه المفارقة حين نلاحظ أن تراجع الخصوبة لا يصاحبه تحسن ملموس في شروط إدماج النساء في سوق العمل أو في توزيع عادل لأعباء الرعاية. فالنساء، اللواتي يُفترض أن يكنّ في قلب «الانتقال الديمغرافي المتقدم»، يجدن أنفسهن أمام معادلة مزدوجة: مشاركة غير مستقرة في سوق الشغل، ومسؤولية إنجاب ورعاية لا تحظى بالدعم المؤسساتي الكافي. وهكذا، لا يصبح تأجيل الإنجاب أو تقليصه تعبيراً عن تحرّر فردي بقدر ما يصبح آلية تكيّف مع اقتصاد لا يوفّر الضمانات الأساسية.
لم تُنتج السياسات التنموية غير المتكافئة فوارق في الدخل والخدمات فحسب، بل أعادت تشكيل البنية السكانية ذاتها، إذ تفقد الجهات المهمّشة فئاتها الشابة، وتُترك مع قاعدة ديمغرافية أقل قدرة على التجدّد
أما على المستوى الجهوي، فإن تباطؤ النمو السكاني لا يتوزع بشكل متجانس، بل يعكس خرائط اللامساواة الاقتصادية نفسها. الجهات الداخلية والجنوبية تشهد في آنٍ واحد نزيفاً ديمغرافياً وشيخوخة متسارعة، نتيجة الهجرة الداخلية المستمرة نحو المناطق الساحلية والعاصمة. هذه الهجرة لا تُقرأ فقط كحركة سكانية، بل كاستراتيجية اجتماعية للبقاء في ظل اقتصاد متمركز. لم تُنتج السياسات التنموية غير المتكافئة فوارق في الدخل والخدمات فحسب، بل أعادت تشكيل البنية السكانية ذاتها، إذ تفقد الجهات المهمّشة فئاتها الشابة، وتُترك مع قاعدة ديمغرافية أقل قدرة على التجدّد.
في هذا السياق، يكتسب مفهوم “الانكماش الاجتماعي” دلالته الكاملة. فهو لا يعني تراجع عدد المواليد أو تباطؤ النمو فقط، بل يعني تقلص الأفق الاجتماعي، وانكماش التوقعات، وضعف الثقة في المستقبل. المجتمع الذي يؤجل إنجابه هو مجتمع يشكّ في قدرته على ضمان حياة كريمة لأبنائه. والمفارقة هنا أن هذا الشك يتغذى من خطاب اقتصادي يُحمّل الأفراد مسؤولية اختياراتهم، في حين تُصاغ هذه الاختيارات داخل بنية اقتصادية تضيق فيها فرص الأمان.
لا يمكن، تبعاً لذلك، قراءة التحولات الديمغرافية في تونس بوصفها مساراً خطياً نحو «الحداثة السكانية». فهي مسار متشظٍ، يحمل في داخله توتراً بين منطق الانتقال ومنطق الانسداد. الدولة التي نجحت تاريخياً في التحكم في النمو السكاني، لم تنجح بالقدر نفسه في بناء اقتصاد قادر على تحويل هذا التحكم إلى فرصة تنموية. والنتيجة هي ديمغرافيا منضبطة في مجتمع غير مستقر، وخصوبة منخفضة في اقتصاد لم ينجز انتقاله الاجتماعي.
تُظهر نتائج التعداد، في عمقها، أن الديمغرافيا التونسية أصبحت مرآة دقيقة للسياسات الاقتصادية. فهي تكشف، من دون خطاب أيديولوجي، كيف يُترجم التقشف وتفكيك الدعم وضعف الاستثمار العمومي، إلى قرارات إنجاب مؤجلة وأسر أصغر ومجتمع أكثر هشاشة على المدى الطويل. وفي هذا المعنى، لا يُعد تباطؤ النمو الديمغرافي مجرد مؤشر إحصائي، بل علامة سياسية صامتة على حدود نموذج تنموي جعل من الاستقرار الديمغرافي هدفاً، من دون أن يجعل من الاستدامة الاجتماعية أولوية.
جغرافيا اللامساواة السكانية: التمركز، الهجرة الداخلية، وإعادة إنتاج المركز والهامش
تكشف نتائج التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024 أن جغرافيا السكان في تونس لم تعد مجرد انعكاس محايد للتوزيع الطبيعي أو للتاريخ العمراني، بل أصبحت تعبيراً مكثفاً عن مسار طويل من الاختيارات الاقتصادية والسياسية التي أعادت إنتاج التفاوتات الجهوية عبر الزمن. فالتمركز السكاني المتواصل في أقاليم بعينها، في مقابل استنزاف بشري صامت في أقاليم أخرى، لا يمكن قراءته كظاهرة ديمغرافية مستقلة، بل كأحد مخرجات نموذج تنموي قام على تركيز الاستثمار، والخدمات، وفرص الشغل في فضاءات محددة، وترك بقية المجال الوطني في موقع التكيّف أو الهجرة.
يبيّن التعداد أن الإقليم الثاني، الذي يضم تونس الكبرى والساحل الشمالي الشرقي، يحتضن حوالي 33% من مجموع السكان، في حين لا تتجاوز حصة الإقليم الخامس الجنوبي 10.8%، على الرغم من اتساعه الجغرافي وثرائه النسبي بالموارد. لا يعكس هذا التفاوت اختلافات في الكثافة السكانية فقط، بل يكشف عن منطق تراكمي جعل من المركز فضاءً جاذباً للسكان ورأس المال، ومن الهامش خزّاناً ديمغرافياً يُفرغ تدريجياً من فئاته الشابة. فالهجرة الداخلية، التي لا تُقاس دائماً بشكل مباشر، تظهر هنا في شكل اختلالات عمرية واضحة: تسجّل أقاليم الداخل نسباً أعلى من الشيخوخة، ومتوسطات عمر أكبر، في مقابل بنية عمرية أكثر شباباً نسبياً في الأقاليم الساحلية والعاصمة.
تظل الأسرة في المناطق المهمّشة وحدة حماية اجتماعية بديلة عن الدولة والسوق، في حين تميل في المناطق المتمركزة اقتصادياً إلى الانكماش، مع ارتفاع كلفة السكن وتغير أنماط العمل
وتبرز المفارقة بوضوح عند مقارنة مؤشر الشيخوخة بين الأقاليم. فالإقليم الأول، الذي يضم ولايات الشمال الغربي، يسجل مؤشراً يفوق 100%، ما يعني أن عدد من هم فوق 60 سنة يفوق عدد الأطفال دون 15 سنة، في حين يظل هذا المؤشر أدنى نسبياً في الأقاليم التي تستقطب الهجرة الداخلية. هذه الشيخوخة المبكرة في مناطق لم تستفد تاريخياً من دينامية اقتصادية قوية تكشف أن الهجرة لا تعيد توزيع السكان فقط، بل تعيد توزيع الأعمار والقدرة على التجدد الاجتماعي. فالجهات التي تفقد شبابها تفقد في الوقت نفسه قدرتها على إنتاج الثروة المحلية، وعلى تجديد نسيجها الاجتماعي، ما يدخلها في حلقة مفرغة من التراجع الديمغرافي والاقتصادي.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن سياسات الدولة منذ عقود، حيث تم توجيه الاستثمار العمومي والبنية التحتية والخدمات ذات القيمة المضافة نحو الساحل والعاصمة، في حين تُركت الجهات الداخلية تعتمد على اقتصاد هش، غالباً ما يرتكز على الفلاحة ضعيفة الإنتاجية أو على وظائف عمومية محدودة. هذا الاختلال البنيوي جعل من الهجرة الداخلية خياراً شبه إجباري، لا بحثاً عن الشغل فقط، بل بحثاً عن شروط عيش أساسية: تعليم أفضل، خدمات صحية أكثر انتظاماً، وربط أوثق بالشبكات الاقتصادية. وهكذا، تصبح الحركة السكانية استجابة عقلانية لاختلالات المجال، لكنها في الآن نفسه تعمّق هذه الاختلالات.
تظهر نتائج التعداد أيضاً أن التفاوت الجهوي لا يقتصر على الحجم السكاني، بل يمتد إلى بنية الأسر وأنماط العيش. فمتوسط حجم الأسرة يرتفع في الأقاليم الداخلية والجنوبية ليبلغ قرابة 4 أفراد في بعض الولايات، مقابل أقل من 3 أفراد في العاصمة. لا تعكس هذه الفروق اختلافات ثقافية فقط، بل ترتبط أيضاً بمسارات اقتصادية متباينة: حيث تظل الأسرة في المناطق المهمّشة وحدة حماية اجتماعية بديلة عن الدولة والسوق، في حين تميل في المناطق المتمركزة اقتصادياً إلى الانكماش، مع ارتفاع كلفة السكن وتغير أنماط العمل. المفارقة هنا أن المناطق الأكثر فقراً هي التي تحافظ نسبياً على أسر أكبر، في حين تشهد المناطق الأكثر اندماجاً في الاقتصاد النقدي تقلصاً أسرع، ما يعكس توتراً بين الحاجة الاجتماعية والقدرة الاقتصادية.
كما تكشف مؤشرات التعليم والتغطية الاجتماعية عن عمق هذه الجغرافيا غير المتكافئة. يسجل الإقليم الثاني أعلى نسب التعليم العالي وأفضل مؤشرات التغطية الاجتماعية، في حين تتدنى هذه المؤشرات في ولايات الداخل، حيث ترتفع نسب الأمية والتسرب المدرسي، خصوصاً في الفئات العمرية الشابة. وتعني هذه المعطيات أن الهجرة الداخلية ليست انتقالاً مكانياً فحسب، بل انتقالاً طبقياً أيضاً، حيث يغادر الأفراد المناطق التي تضعف فيها فرص الارتقاء الاجتماعي نحو فضاءات توفر إمكانية أفضل لتثمين رأس المال التعليمي. لكن هذا الانتقال لا يتم من دون كلفة، إذ يفاقم الضغط على المدن الكبرى، ويعمّق الفجوة بين المركز والهامش.
في هذا السياق، تبدو جغرافيا اللامساواة السكانية في تونس نتيجة مباشرة لتفاعل ثلاث ديناميات: تمركز اقتصادي مزمن، هجرة داخلية انتقائية، وغياب سياسات إقليمية قادرة على كسر هذا التراكم. الدولة التي نجحت نسبياً في إدارة التحول الديمغرافي على المستوى الوطني، أخفقت في إدارة توزيعه المجالي. والنتيجة هي مجتمع لا ينكمش عددياً في بعض المناطق فقط، بل ينكمش اجتماعياً، حيث تفقد الجهات المهمشة قدرتها على تأدية دور فاعل في إعادة إنتاج المجتمع.
الأخطر في هذا المسار أن هذه الجغرافيا غير المتوازنة تكتسب مع الزمن طابعاً بنيوياً يصعب عكسه. فكل موجة هجرة داخلية تُضعف القاعدة السكانية للجهات الطاردة، وتُقلّص قدرتها على جذب الاستثمار مستقبلاً، ما يعمّق تبعيتها للمركز. وفي المقابل، تستفيد الجهات المستقبِلة من فائض ديمغرافي شاب، لكنها تواجه تحديات حضرية واجتماعية متزايدة، من بطالة حضرية، وضغط على السكن والخدمات، واتساع الهشاشة داخل المدن.
هكذا، تكشف نتائج التعداد أن اللامساواة الجهوية في تونس لم تعد مجرد تفاوت في التنمية، بل أصبحت نظاماً سكانياً قائماً بذاته، يُعيد إنتاج المركز والهامش عبر الديمغرافيا. فالسياسات الاقتصادية التي راهنت على النمو المتمركز لم تنتج تفاوتاً في الدخل فقط، بل أعادت تشكيل الخريطة السكانية، وجعلت من الحركة الديمغرافية آلية صامتة لتدبير الأزمة. وفي هذا المعنى، لا تُقرأ الأرقام بوصفها معطيات تقنية، بل بوصفها شهادة على مسار طويل جعل من المجال أحد أبرز ضحايا الاقتصاد السياسي في تونس.
ديمغرافيا بلا أفق؟ شيخوخة السكان، تآكل الدولة الاجتماعية، وسؤال الاستدامة المجتمعية
لم تعد الشيخوخة السكانية في تونس مجرّد مرحلة عمرية تُضاف إلى المسار الديمغرافي، بل تحوّلت إلى حالة اجتماعية كاشفة لاختلالات أعمق في بنية الدولة والمجتمع. فالتقدّم في السن يتم اليوم في سياق يتسم بتقلص الأدوار الحمائية للمؤسسات العمومية، وبإعادة تحميل الأفراد والأسر مسؤولية تدبير الزمن الطويل للحياة. هذه المفارقة، حيث يطول العمر في الوقت الذي يقصر فيه الأفق الاجتماعي، تجعل من الشيخوخة تجربة مشروطة بالهشاشة أكثر مما هي تعبير عن تحسن نوعية العيش. فالمجتمع لا يشيخ فقط، بل يشيخ وهو أقل قدرة على تحويل هذا التقدّم العمري إلى مورد اجتماعي.
يبرز هذا التوتر بشكل خاص حين ننظر إلى العلاقة بين الأجيال. فالفئات النشيطة تجد نفسها في وضعية مزدوجة: مطالَبة بإعالة من سبقها عمراً، وفي الوقت نفسه عاجزة عن تأمين استقرارها الاقتصادي الخاص. هكذا، يصبح التضامن بين الأجيال أقل انتظاماً، وأكثر خضوعاً لمنطق التكيّف الفردي. المفارقة هنا أن المجتمع الذي استثمر طويلاً في الصحة والتعليم، يجد نفسه غير قادر على استثمار هذا الرصيد في بناء دورة تضامن مستدامة. فالزمن الذي كسبته الأجساد لم يُترجم إلى زمن مؤسسي قادر على الحماية.
تتجلى هذه المفارقة أيضاً في الفضاء الجهوي. فالتقدّم في السن لا يتوزع بالتساوي، بل يتكثف في المناطق التي شهدت لعقود نزيفاً بشرياً صامتاً. الجهات التي فقدت شبابها لصالح مراكز الجذب الاقتصادي أصبحت اليوم فضاءات تعيش تقدماً عمرياً أسرع، لكن بموارد أقل. في هذه المناطق، لا تُدار الشيخوخة عبر سياسات رعاية أو شبكات دعم مؤسسية، بل تُترك لتدبير عائلي يتآكل بدوره. وهكذا، تتحول الجغرافيا إلى عنصر مضاعف للهشاشة: فالتقدّم في السن في الهامش لا يحمل المعنى نفسه الذي يحمله في المركز، حيث تظل الخدمات والبنى التحتية أكثر توفراً.
يتعمق هذا التناقض عندما نربط الشيخوخة بتغيّر بنية الأسرة. فالأسر أصبحت أصغر حجماً، وأكثر نووية، وأقل قدرة على امتصاص الصدمات الاجتماعية. ومع ذلك، يُعاد تحميلها دوراً متزايداً في رعاية كبار السن. المفارقة أن الأسرة، التي تقلّصت بفعل التحولات الاقتصادية ونمط العيش الحضري، تُطلب منها وظائف اجتماعية كانت تُؤدّى سابقاً ضمن إطار جماعي أو مؤسسي. هذا التوتر بين تقلص البنية العائلية واتساع أدوارها يعكس انتقال الرعاية من المجال العمومي إلى المجال الخاص، من دون أن يُعوض ذلك بإطار تضامني جديد.
في هذا السياق، لا تبدو الشيخوخة مجرد مسألة صحية أو ديمغرافية، بل تجربة اجتماعية مشروطة بعدم اليقين. لم يعد التقدم في العمر مرتبطاً تلقائياً بالاستقرار أو بالاعتراف الاجتماعي، بل غالباً ما يقترن بالاعتماد، وبالخوف من فقدان الدخل أو الرعاية. تعيد هذه التجربة تعريف موقع كبار السن داخل المجتمع، حيث يتحولون من فاعلين في دورة الحياة الاجتماعية إلى موضوعات للقلق والتدبير. والمفارقة أن هذا التحول يحدث في مجتمع يُفترض أنه راكم خبرة طويلة في إدارة السكان، لكنه لم يواكب هذه الإدارة بإعادة بناء العقد الاجتماعي.
المجتمع يملك موارد بشرية أكثر تأهيلاً، لكنه يفتقر إلى الإطار الاقتصادي والمؤسسي القادر على تحويل هذا التأهيل إلى استدامة اجتماعية
يظهر هذا التوتر بوضوح في العلاقة بين التعليم والعمل والشيخوخة. فالأجيال الأصغر سناً أكثر تعليماً من سابقاتها، لكن هذا الرأسمال المعرفي لا يُترجم إلى استقرار مهني أو إلى قدرة على تمويل أنظمة تضامن طويلة الأمد. وفي المقابل، تعيش الأجيال الأكبر عمراً فترة أطول من الحياة، لكن في سياق تتراجع فيه الضمانات المرتبطة بالتقاعد والرعاية. المفارقة هنا أن المجتمع يملك موارد بشرية أكثر تأهيلاً، لكنه يفتقر إلى الإطار الاقتصادي والمؤسسي القادر على تحويل هذا التأهيل إلى استدامة اجتماعية.
تأخذ هذه المفارقات بعداً أنثروبولوجياً حين ننظر إلى معنى الزمن ذاته. لم يعد الزمن الاجتماعي متجانساً بين الأجيال: يعيش الشباب زمن الانتظار والتأجيل، في حين يعيش كبار السن زمناً ممدداً بلا ضمانات. هذا الانفصال بين زمنين، لا يجمعهما أفق مشترك، يضعف الشعور بالاستمرارية المجتمعية. فالشيخوخة لا تُعاش في الجسد فقط، بل في العلاقة المتوترة بين الماضي والمستقبل، حيث يصبح الحاضر مساحة لإدارة القلق أكثر مما هو مجال لبناء المشاريع.
في هذا الإطار، لا يمكن فهم الشيخوخة السكانية بمعزل عن تآكل الدولة الاجتماعية. فالدولة التي أعادت تعريف دورها وفق منطق الكلفة والنجاعة، لم تطور في المقابل تصوراً جديداً للرعاية يتناسب مع التحولات الديمغرافية. وبدلاً من إعادة بناء أدوات الحماية، جرى تفويض الرعاية إلى الأسرة والسوق، من دون ضمانات كافية. المفارقة أن هذا التفويض يحدث في مجتمع لم تُبنَ فيه سوق رعاية قوية، ولم تُدعَّم فيه الأسرة بالموارد اللازمة، ما يجعل الشيخوخة تجربة تفاوض يومي مع الندرة.
تطرح هذه المعطيات سؤال الاستدامة المجتمعية بشكل ضمني ولكن ملحّ. فالمجتمع الذي يطيل أمد الحياة من دون أن يؤمّن شروط العيش الكريم في هذا الأمد، يواجه خطر تفكك الرابط بين الأجيال. والمفارقة الكبرى أن هذا الخطر لا يظهر في شكل صدمات مفاجئة، بل في شكل تحولات صامتة: تقلص التضامن، تزايد الاعتماد، وتحوّل الشيخوخة إلى مسألة خاصة بدل أن تكون شأناً عمومياً. في هذا المعنى، لا تُفهم الديمغرافيا هنا كعلم للأعداد، بل كمرآة لعلاقة المجتمع بذاته وبمستقبله.
تونس بعد تعداد 2024: الأرقام تكشف إلى أين يسير المجتمع
إذا كان التعداد العام للسكان والسكنى لعام 2024 يُقرأ عادة بوصفه وثيقة إحصائية لقياس الحجم والتوزيع، تكشف قراءته الختامية ما هو أعمق من ذلك بكثير: إنه سجلّ للتحولات البنيوية التي عرفها المجتمع التونسي في خلال العقود الأخيرة، ومرآة دقيقة لآثار نموذج اقتصادي أعاد تشكيل بنية السكان، وأعاد تعريف علاقتهم بالدولة، وبالمستقبل. لا تكتفي الأرقام بوصف ما هو قائم، بل ترسم اتجاهات واضحة لما هو آتٍ.
يتمثل أول هذه الاتجاهات في تباطؤ النمو الديمغرافي بشكل غير مسبوق. فبلوغ عدد السكان حوالي 11.97 مليون نسمة، مع معدل نمو سنوي لم يتجاوز 0.87% بين عامي 2014 و2024، يعني أن تونس خرجت عملياً من مرحلة التوسع السكاني، ودخلت مرحلة التجدّد المحدود. هذا التباطؤ، حين يُقارن بتاريخ الدولة الوطنية، لا يمكن فصله عن التحولات الاقتصادية العميقة: ارتفاع البطالة، هشاشة التشغيل، وتراجع قدرة الدولة على تأدية دور الضامن الاجتماعي. لم تعد الخصوبة المنخفضة نتيجة «اختيار ثقافي» فقط، بل انعكاس مباشر لاقتصاد جعل من الاستقرار شرطاً نادراً، ومن المستقبل مجالاً غامضاً.
ويتعزز هذا الاتجاه عند النظر إلى البنية العمرية. فارتفاع مؤشر الشيخوخة إلى 73.9%، وبلوغ متوسط العمر 35.5 سنة، يكشفان أن المجتمع التونسي يتقدم في السن بوتيرة سريعة، من دون أن تتوافر الشروط الاقتصادية والمؤسساتية التي تجعل من هذا التقدم مكسباً. فنسبة الإعالة الديمغرافية لكبار السن التي بلغت 28% تعني أن قاعدة السكان النشيطين مطالَبة بإعالة فئة متنامية من كبار السن في سياق اقتصادي ضعيف النمو. هنا، تتحول الشيخوخة من علامة نجاح صحي إلى تحدٍّ اجتماعي مركزي، خصوصاً في ظل محدودية منظومات التقاعد والحماية.
وتبرز المفارقة بشكل أوضح عند إدماج مؤشرات التغطية الاجتماعية والصحية في القراءة. فالتعداد يبيّن أن التغطية الصحية تبلغ حوالي 76%، في حين لا تتجاوز التغطية الاجتماعية 42.1%، مع تفاوتات جهوية حادة. هذه الأرقام تعني أن التقدم في العمر لا يُقابله تقدم مماثل في الحماية، وأن سنوات الحياة المضافة لا تُترجم بالضرورة إلى أمان اجتماعي. وهو ما يعكس أحد أبرز آثار النيوليبرالية: إطالة عمر السكان من جهة، وتقليص التزامات الدولة تجاههم من جهة أخرى.
على المستوى الجهوي، تكشف الأرقام أن 33% من السكان يتركزون في الإقليم الثاني (تونس الكبرى والساحل الشمالي الشرقي)، في مقابل 10.8% فقط في الإقليم الخامس الجنوبي. وهذا التمركز السكاني ليس حيادياً، بل نتيجة مسار طويل من تركيز الاستثمار والخدمات في فضاءات بعينها. فالهجرة الداخلية المستمرة من الجهات الداخلية نحو الساحل والعاصمة أعادت توزيع السكان، لكنها أعادت أيضاً توزيع الأعمار: الجهات الطاردة أصبحت أكثر شيخوخة، وأقل قدرة على التجدد، في حين تواجه الجهات المستقبِلة ضغطاً حضرياً واجتماعياً متزايداً. النيوليبرالية هنا لا تظهر في الأرقام الاقتصادية فقط، بل في الخريطة السكانية نفسها.
كما تكشف نتائج التعداد عن تحول عميق في بنية الأسرة. فانخفاض متوسط حجم الأسرة إلى 3.45 أفراد، في مقابل أكثر من 5 أفراد في سبعينيات القرن الماضي، يعكس انتقالاً اجتماعياً مهماً. غير أن هذا الانتقال يحدث في سياق تتراجع فيه الدولة الاجتماعية، ما يجعل الأسرة، على الرغم من تقلصها، تتحمل أعباء أكبر في الرعاية والدعم. المفارقة أن الأسرة أصبحت أصغر، لكن وظائفها الاجتماعية توسعت، في ظل انسحاب تدريجي للمؤسسات العمومية. وهو ما يجعل الرعاية شأناً خاصاً أكثر منه سياسة عمومية.
المفارقة أن الأسرة أصبحت أصغر، لكن وظائفها الاجتماعية توسعت، في ظل انسحاب تدريجي للمؤسسات العمومية. وهو ما يجعل الرعاية شأناً خاصاً أكثر منه سياسة عمومية
وتُظهر مؤشرات التعليم بعداً آخر لهذا المسار. فارتفاع نسب التمدرس وتحسن المستوى التعليمي، خصوصاً لدى الفئات الشابة، لا يترجمان إلى استقرار مهني أو اندماج اقتصادي واسع. لا يجد الرأسمال البشري المتوفر بيئة اقتصادية قادرة على استيعابه، ما ينعكس ديمغرافياً في تأجيل الإنجاب، وفي الهجرة، وفي ضعف القدرة على التخطيط طويل الأمد. وهنا تكمن إحدى أكثر المفارقات دلالة: مجتمع أكثر تعليماً، لكنه أقل قدرة على تحويل هذا التعليم إلى أمان اجتماعي مستدام.
عند جمع هذه المؤشرات في قراءة واحدة، يتضح أن تونس تتجه ديمغرافياً نحو مجتمع أقل تجدداً، أكثر شيخوخة، وأكثر تفاوتاً مجاليّاً. النيوليبرالية، كما تكشفها أرقام التعداد، لم تنتج فقط تباطؤاً في النمو السكاني، بل أعادت تشكيل العلاقة بين السكان والدولة، وبين الأجيال نفسها. يعيش الشباب زمناً مؤجلاً في سوق شغل هش، ويعيش كبار السن زمناً أطول في ظل حماية محدودة، وتتراجع الدولة من موقع الضامن إلى موقع المنسّق المحدود.
إن أخطر ما تكشفه أرقام تعداد 2024 ليس الانكماش الديمغرافي في حد ذاته، بل هشاشة الاستدامة المجتمعية. فالمجتمع الذي يشيخ من دون أن يعيد بناء عقده الاجتماعي، ويترك التفاوتات الجهوية تتعمق، ويُحمّل الأسرة أعباء تتجاوز قدرتها، يواجه مستقبلاً ديمغرافياً مفتوحاً على التوتر أكثر منه على التوازن. بهذا المعنى، لا يقول التعداد إن تونس تسير نحو «أزمة سكانية»، بل يقول بوضوح إنها أمام مفترق طرق: إمّا إعادة التفكير في النموذج التنموي ودور الدولة الاجتماعية، أو مواصلة إدارة التحولات الديمغرافية كتكلفة جانبية لاقتصاد لا ينتج الأمان.