هكذا دواليك
كيف يصنع اليمين الأميركي ديكتاتوره
في ظلال الـ MAGA
لم تنبثق المؤسّسات السياسية في الغرب، ولا سيما في الولايات المتحدة، من مبادئ أزلية. بل تطوّرت نتيجة صراع طبقي تاريخي محدّد. وبالتالي، لم تكن الديمقراطية غاية في ذاتها، بل وسيلة لخدمة وظائف مختلفة في لحظات متنوّعة من تطوّر الرأسمالية.
في العصر الحديث المبكر، كانت الديمقراطية شعار البورجوازية الصاعدة لانتزاع السلطة من الطبقة الإقطاعية. وفي مرحلة ما بعد الحرب الثانية، أصبحت الإطار الحوكمي الذي تدير من خلاله المجتمعات الغربية الصراعات الطبقية، وتُثبِّت اقتصاديات قائمة على الاستهلاك، وتُظهر تفوقاً أيديولوجياً على الأنظمة الشيوعية. لطالما بدت الديمقراطية، في خلال معظم القرن العشرين، غير قابلة للفصل عن الرخاء والازدهار الاقتصادي ووصفت بكونها الوعاء القيمي والأخلاقي الأسمى. إلا أن استقرار هذا الترتيب كان يعتمد على ظروف مادية لم تعد موجودة. فمنذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، قامت العولمة الاقتصادية ومع توسّع ترييع الاقتصاد وهيمنة القطاع المالي والتغير التكنولوجي، وتصاعد عدم المساواة، تآكلت الأسس التي استندت عليها الشرعية الديمقراطية. وبعد حوالي 45 عاماً من الهيمنة الإيديولوجية النيوليبرالية، أصبح من الواضح تعطل النظام الليبرالي المهيمن عن تأمين مصالح البورجوازية بشكل أساسي وعدم قدرته على الاستمرار بتوسيع هوامش الاستغلال ومراكمة فوائض القيم. هكذا، ومن ما بعد أزمة العام 2008، بدأت تورمات النظام الحوكمي الغربي بالبروز وعبرت عن نفسها بالكثير من اللحظات التاريخية كان أبرزها لحظة انفكاك عقد الاتحاد الأوروبي الموسع مع بريطانيا وتلاها وبشكل رئيس زلزال وصول دونالد ترامب للرئاسة الأميركية في العام 2016.
في فترته الرئاسية الأولى، لم يخفِ ترامب نيته هدم النظام الليبرالي المهيمن الموروث من مرحلة ما بعد الحرب ونسخته الأكثر ليبرالية والمسامة بثقافة «اليقظة» إنطلاقاً من واشنطن وابتداءً بها. لم يتوانَ عن البوح بما لا تنطق به ألسن الساسة النمطيين وتصرف وفقاً للمنطق الشومبيتري القائل بأن الرأسمالية لا تعيد خلق نفسها إلا عبر المرور بمرحلة تدميرية شاملة أي ما يعرف بالهدم الخلّاق (Creative Destruciton). وفي فترته الرئاسية الثانية - وكأننا نعتبر أنه لم يمر على البيت الأبيض ساكنٌ يدعى جوزيف بايدن - يستكمل ترامب مساره التدميري ليعيد خلق الهيمنة الليبرالية بنسختها المحافظة واليمينية والغارقة بالموروثات والأيديولوجيا الدينية. فيما يلي نستعرض بعض النقاط الأساسية التي تحاول تفكيك البنية المادية لمسار حكم ترامب في سنته الأولى.
ترامب، رافعة سياسية لليمين المتطرّف
في يوم تنصيب دونالد ترامب تحدّث مستشاره السابق، ستيف بانون، معلقاً بالقول إن هذه ثورة شعبوية قومية تتراكم منذ زمن طويل. بالنسبة إليه يتطلّب الأمر فهماً حقيقياً لكيفية عمل النظام الإطاري، وما هي الحلول الشعبوية اللازمة لتغييره. يتساءل بانون عما إذا كان ترامب يستغلهم كقوى يمينية شعبوية، فيجيب نفسه بالنفي القاطع ومحدّداً أنهم لم يكونوا ليشكّلوا هذه الحركة لولا ظهور ترامب.
بعد حوالي 45 عاماً من الهيمنة الإيديولوجية النيوليبرالية، أصبح من الواضح تعطل النظام الليبرالي المهيمن عن تأمين مصالح البورجوازية بشكل أساسي وعدم قدرته على الاستمرار بتوسيع هوامش الاستغلال ومراكمة فوائض القيم
لكن هذه الحركة التي يقودها ترامب ترتكز على أسس إيديولوجية متجذّرة في قوى اليمين الأميركي المتطرّف التي اجتهدت لأربع سنوات فصلت بين الفترتين الرئاسيتين لتضع رؤيتها المتكاملة لتفكيك الدولة الإدارية الفدرالية وإعادة بنائها على صورتها ومثالها، كما وردت في «مشروع 2025» الصادر عن مؤسسة التراث (هيريتدج) المحافظة، والذي يشكّل البيان المحافظ الجامع لقوى اليمين المتطرّف وجماعات التفوّق الأبيض في أميركا.
تتشكل الوثيقة الأساسية للمشروع من حوالي 900 صفحة، عمل عليها قرابة 400 من أبرز الباحثين والسياسيين والمفكرين والناشطين المحافظين في الولايات المتحدة، وكان من بينهم حوالي 140 فرداً شغلوا مناصب في إدارة ترامب في خلال ولايته الأولى.
تُقدم هذه الوثيقة نفسها كأجندة يمينية لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية وآليات الحكم في واشنطن، بما يمنح سلطات أوسع للرئيس وأعضاء إدارته المعينين. وبحسب الاتحاد الأميركي للحريات المدنية (ACLU)، يقدم المشروع رؤية ديستوبية لمستقبل أميركا، يحول فيها الرئيس إلى ما يشبه الملك ذي صلاحيات مطلقة، فوق آليات المحاسبة، ليقود سياسات في أربعة مجالات أساسية:
أولاً، العائلة والمجتمع: إعادة ترسيخ قيم العائلة التقليدية كركيزة لنمط الحياة الأميركي، مع التركيز على تجريم الإجهاض والتراجع عن السياسات الضامنة لحقوق مجتمع الميم عين وقضايا النوع الاجتماعي.
ثانياً، الإدارة الفيدرالية: إعادة تحديد أدوار جميع الوكالات الفيدرالية وتقليص حجمها والحد من استقلاليتها، عبر وضعها تحت السيطرة المباشرة للرئيس.
ثالثاً، الحدود والهجرة: الدفاع عن حدود أميركا وحماية سيادتها مع التشدد في سياسات الهجرة والملاحقة الكاملة للمهاجرين غير الشرعيين.
رابعاً، الحريات الفردية: التركيز على ضمان الحقوق الفردية في العيش بحرية كما تُفهم من منظور المحافظين.
ولا يخفي معدّو هذا البيان عدائهم لمؤسسات مثل مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) ومركز السيطرة على الأمراض (CDC)، كما يعلنون النية لإلغاء وزارة التعليم والانقضاض على سياسات حماية العمال والحق في التنظيم النقابي. من جهة أخرى، وعلى الرغم من نفيه أي علاقة بالمشروع خلال الحملة الانتخابية، عيّن ترامب بعد فوزه مجموعة من أبرز المشاركين في إعداد وثائق المشروع في مناصب رفيعة بإدارته، ومن بينهم:
راسل فووت: المسؤول عن مكتب الإدارة والميزانية، المشرف مباشرة على تنفيذ السياسات الرئاسية في الوكالات الفيدرالية وأحد أبرز مهندسي مشروع 2025 والملقب برئيس الظل.
توم هومان: المسؤول الأعلى عن أمن الحدود.
جون راتكليف: مدير وكالة الاستخبارات المركزية (CIA).
ستيفن ميلر: نائب كبير موظفي البيت الأبيض ومستشار الأمن الداخلي.
وقد ضمت الإدارة الكثير غيرهم في مواقع قيادية مختلفة. وفي سنة من حكمه، يمكن القول إن ترامب عمل على تحقيق قدر كبير (قرابة النصف وفقاً لبعض التحليلات) مما يقترحه «مشروع 2025» تحت ما يُسمى في الوثيقة «العهد المحافظ».
حكم العائلة وآلية مراكمة الثروة
لم يتوقف دونالد ترامب يوماً عن تزويد الرأي العام المتخصّص ومؤسسات المجتمع المدني المعنية بقضايا النزاهة والحوكمة بأمثلة واقعية مباشرة عن حالات تضارب المصالح بين دوره كرئيس منتخب وإمبراطوريته الاقتصادية. فهو لا يخفي ذلك، بل يعتبر نفسه غير معنيٍ بأي اتهام مرتبط بسوء استغلال السلطة للتربح أو لدعم المؤسسات الاقتصادية التي تملكها عائلته.
في ولايته الأولى، جرى توثيق حوالي 3,400 حالة لتضارب المصالح، بمعدل حالتين في اليوم. وكانت غالبية هذه الحالات تعود لاستخدام المؤسسات الفيدرالية والحكومية الأخرى، بالإضافة إلى الحكومات الأجنبية وبعثاتها الدبلوماسية، للمنشآت الخاصة المملوكة للرئيس، وعلى رأسها فندق ترامب الشهير في واشنطن ومنتجع Mar-a-Lago الشهير الذي يملكه في فلوريدا، للقيام بأنشطة وزيارات وفعاليات. كما تضمنت هذه المخالفات حوالي 67 اتفاقية تجارية مع حكومات أجنبية، وعلى رأسها الصين بحوالي 46 اتفاقية. قدّرت مجلة فوربس إجمالي المداخيل التي حصلت عليها إمبراطورية ترامب الاقتصادية في هذه الفترة بحوالي 2.4 مليار دولار أميركي، في حين كشف الإفصاح المالي للرئيس عن كونه حصل على حوالي 1.6 مليار دولار من خارج راتبه الحكومي، الذي تبرع به للأعمال الخيرية (ويمثل 0.1% من مداخيله).
حوّلت عائلة ترامب الرئاسة الأميركية إلى ما يشبه الدجاجة التي تبيض ذهباً، بعد أن انخرطت في مجموعة واسعة من الأنشطة الاقتصادية والمالية في أميركا والعالم
لكن الوضع اختلف كلياً في الولاية الثانية، إذ حوّلت عائلة ترامب الرئاسة الأميركية إلى ما يشبه الدجاجة التي تبيض ذهباً، بعد أن انخرطت في مجموعة واسعة من الأنشطة الاقتصادية والمالية في أميركا والعالم، وعلى رأسها شركات العملات الرقمية ومراكز البيانات والمتاجر الرقمية، بالإضافة إلى العقارات وأندية الغولف وغيرها. هكذا، وفي أقل من سنة من تنصيبه رئيساً، جَنَت العائلة حوالي 1.8 مليار دولار، تأتي غالبيتها من شركة العملات الرقمية التي تأسست مؤخراً. وفي تقدير آخر، كشف تحقيق لصحيفة وول ستريت جورنال أن مجمل أعمال العائلة حققت ما مجموعه 4 مليارات دولار بحلول كانون الأول/ديسمبر 2024. وفي تحقيق نُشر مؤخراً على شبكة إن بي سي (NBC) الإخبارية، جرى توثيق قيام الكثير من كبار المموِّلين، وتحديداً شركات قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بتقديم منح بملايين الدولارات لمؤسسة MAGA التي يديرها ترامب. يذكر التقرير اسم شركتي OpenAI وPalantir، واللتان حظيتا في وقت لاحق، بعد التبرع، بعقود حكومية كبيرة. بالإضافة إلى ذلك، وُثِّقت تبرعات كبيرة (تزيد على مليون دولار) من أفراد حصلوا فيما بعد على عفو رئاسي لأقاربهم المتهمين بجرائم مالية كبرى. تتداخل الميادين السياسية والمالية والأمنية بشكل كبير في شبكة العلاقات الاقتصادية التي تدير أعمال عائلة ترامب، والتي تضم بعضاً ممن شُغلوا في مناصب رسمية مثل ستيف ويتكوف وأبنائه، وجاريد كوشنر (صهر ترامب)، وبولس مسعد (والد صهره الثاني)، بالإضافة إلى هاورد لوتنيك (وزير التجارة)، وأبناء ترامب، وزوجته ميلانيا ترامب، وابنه الأصغر بارون، بحسب ما كشفه تقرير مفصّل لصحيفة نيويورك تايمز. ويربط التقرير بين استثمارات حكومات أجنبية في شركات ترامب وحصول تلك الحكومات على عقود كبرى لشراء سلع إستراتيجية، كالرقائق الإلكترونية على سبيل المثال.
ميكانيزمات إخضاع الإعلام
لا تُخفي الإدارة الأميركية الحالية عداءها تجاه وسائل الإعلام، ولا يُفَوِّت ترامب نفسه أي فرصة للانقضاض على المراسلين، سواء في اجتماعات البيت الأبيض، أو من على متن طائرته الرئاسية، أو أثناء ظهوره أمام الكاميرات. في العام 2025، وبعد أقل من 9 ساعات على تنصيبه، وقَّع أمراً تنفيذياً قضى بقطع التمويل عن عشرات المؤسسات الصحفية الدولية التي تعمل على دعم حرية التعبير والإعلام. أما في الداخل، فكان أداء الرجل يتسم بدرجة أعلى من العدائية؛ فبناءً على أوامر الرئيس، أوقفت الحكومة تمويلاً قيمته حوالي 1.7 مليار دولار كان مخصّصاً لأكثر من 1,500 وسيلة إعلام أميركية، من بينها شبكتا NPR وPBS المعروفتان بتقديم مستوى رصين من المحتوى التحليلي للمشهد السياسي الأميركي. وبالتدقيق في استراتيجية الإدارة الأميركية للتعاطي مع الإعلام، يمكن رصد تنوع التكتيكات الهجومية التي تهدف إلى إعادة تشكيل المشهد الإعلامي بما يخدم الدعاية الداعمة للرئيس، ويساهم في تحقيق «العهد المحافظ» الوارد في وثيقة مشروع 2025. نستعرض أدناه، على سبيل المثال لا الحصر، بعضاً من هذه التكتيكات:
إصدار عفو رئاسي شامل عن حوالي 1,500 أميركي جرى اعتقالهم ومحاكمتهم بسبب أحداث الكابيتول في السادس من كانون الثاني/يناير 2021، حين اقتحموا مبنى البرلمان الأميركي واشتبكوا مع رجال ألأمن مهدّدين سلامة أعضاء الكونغرس. تضم لائحة المستفيدين من هذا العفو حوالي 14 شخصاً ينتمون إلى ميليشيات يمينية متطرفة كبراود بويز وآوتاه كييبرز.
تقييد مراسلي البيت الأبيض؛ في شباط/فبراير من العام الماضي، أعلنت الناطقة الصحافية باسم البيت الأبيض، كارولين لافييت، بكل ثقة، قراراً حصر المشاركة في تغطية أنشطة الرئيس وفعاليات البيت الأبيض بـ«الفريق الإعلامي للرئيس». وكانت هذه بداية الإعلان عن الخطة العملية لمحاولة الإطباق على الإعلام الأميركي التقليدي، تحت شعار «إفساح المجال للإعلام الجديد». بالنتيجة، فُتحت أبواب البيت الأبيض أمام منتجي المحتوى الرقمي من بين الأكثر يمينية في أميركا، كستيف بانون وبين شابيرو، والمنصة التابعة لمعهد التراث (هيريتيدج) الذي أطلق مشروع 2025، بالإضافة إلى منصة تيرنينغ بوينت اليمينية التي أطلقها الناشط شارلي كيرك الذي اغتيل في العام الماضي. ومن بين أبرز الأسماء التي تمت إضافتها كان براين غلين، المراسل الذي حاول التنمّر على (أو: الاستهزاء بـ) بدلة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في خلال الاجتماع الشهير في البيت الأبيض. بالمحصلة، أدخل ترامب مناصريه الأكثر تطرفاً ليكونوا محللي ومناقشي زواره وأفكاره. كما جرى توثيق جلسات استماع خاصة بمندوبي المنصات الإعلامية المناصرة لشعارات الـ MAGA (إجعل أميركا عظيمة مجدداً). بالتدقيق في استراتيجية الإدارة الأميركية للتعاطي مع الإعلام، يمكن رصد تنوع التكتيكات الهجومية التي تهدف إلى إعادة تشكيل المشهد الإعلامي بما يخدم الدعاية الداعمة للرئيس، ويساهم في تحقيق «العهد المحافظ» الوارد في وثيقة مشروع 2025
تُشكل الدعاوى القضائية سلسلةً لا متناهية تستهدف كبريات المؤسسات الإعلامية، من صحيفتي نيويورك تايمز ووول ستريت جورنال، إلى شبكات بي بي سي وABC، وصولاً إلى مجلس إدارة جائزة البوليتزر. في المقابل، حصل ترامب على حوالي 32 مليون دولار (من شبكة ABC وشركة باراماونت) كتعويضات لتجنب الذهاب إلى المحكمة، على الرغم من الإجماع على هشاشة حججه القانونية. كما يتدخل ترامب بشكل مباشر في صفقة الاستحواذ على استوديوهات وارنر برذرز ديسكفوري، الشركة المالكة لمحطة CNN، داعماً جهود شركة باراماونت في هذا السياق، ومشدداً على ضرورة بيع القناة وتفكيكها، في رد مباشر على تغطيتها النقدية لسياساته. يُذكر أنه قام سابقاً بدعم جهود باراماونت للاستحواذ على تيك توك أميركا ضمن تحالف من رجال الأعمال، بهدف السيطرة على المنصة التي تُعد أحد أهم قنوات الوصول إلى المعلومات للشباب والجمهور الأميركي بشكل عام، وتحديداً في خلال الحرب على غزة.
العسكرة وترهيب المجتمع
في خريف العام الماضي، وفي خلال حديثه أمام أكبر حشد لكبار الجنرالات وضباط الجيش الأميركي في التاريخ، أعلن ترامب صراحة نيته لاستخدام قوات الجيش في معركته الداخلية، محدداً أن بعض المدن الأميركية الخطرة - في إشارة للمدن التي يحكمها الديمقراطيون - يجب أن تكون كحقول تدريب لعناصر الجيش في «الحرب على العدو الداخلي» الذي يجب السيطرة عليه قبل فوات الأوان.
لم يكن هذا مجرد شعار يرفعه. فالرجل الذي أعاد تسمية البنتاغون ليصبح «وزارة الحرب»، بما يعبر عن حقيقة تطلعاته، نشر في سنة واحدة أكثر من 35 ألف عنصر من الجيش في العشرات من أكبر المدن الأميركية، تحت شعار «حماية تنفيذ القانون وتحقيق الأمن». وبالتدقيق في أهداف هذه العمليات (والتي بلغت أكثر من 25 عملية)، يتبين أن القسم الأكبر منها أتى لدعم قوات الهجرة والجمارك الأميركية (ICE) في تدخلاتها الميدانية، والتي كثيراً ما تترافق مع حالات كبيرة من السخط الشعبي والمواجهات. كما اتخذ إدارة ترامب جملة من القرارات التي تدفع نحو المزيد من عسكرة المجتمع الأميركي وتحديداً من حيث تخصيص مساحات شاسعة من الأراضي المشاع في المناطق الحدودية لتحويلها مخيمات اعتقال للمهاجرين تحت سلطة البنتاغون والقيام باعادة تحويل بعض القواعد العسكرية في المدن لمراكز اعتقال، بالإضافة إلى السماح بتسليح أجهزة الشرطة بعتاد حربي يمكن استعماله في مهماتها اليومية.
وسجل العام 2025 إقرار قانون الإنفاق الأضخم في تاريخ الولايات المتحدة، الذي رفع الإنفاق العسكري بحوالي 150 مليار دولار، لتتخطى ميزانية البنتاغون عتبة التريليون دولار، مع وعود جديدة برفعها إلى حوالي 1.5 تريليون دولار بحلول العام 2027، بما يتناسب مع «الجيش الحلم» الذي يريد ترامب بنائه، وما يتضمنه ذلك من مشاريع عسكرة الفضاء الخارجي.
تطويع الدولة الفدرالية
بالعودة إلى مشروع 2025، تُعتبر النظرية السياسية - نظرية السلطة التنفيذية الأحادية (unitary executive theory) - التي تدعمها مؤسسة هيريتدج (التراث) ويتشاركها الكثير من المؤسسات القانونية المحافظة وقضاة في المحكمة العليا (أعلى هيئة قضائية في أميركا)، الإطار السياسي النظري الذي يحكم رؤية ترامب للحكم وممارساته، ويمنحها الشرعية السياسية والقانونية في مسار إعادة تشكيل السلطة التنفيذية والحكومة الفيدرالية بما يتماشى مع أجندة المحافظين وقوى اليمين المتطرف.
تستند هذه النظرية على فرضيتين أساسيتين؛ الأولى هي أن الرئيس، من الناحية الدستورية، يشكل فرعاً تنفيذياً منفرداً بذاته. فالرئيس، حسب تعبير المحكمة، هو «الشخص الوحيد الذي يُشكل بمفرده فرعاً من فروع الحكومة». الفرضية الثانية هي أن الدستور، من خلال منحه «السلطة التنفيذية» لـ «رئيس»، قد أعطاه كامل السلطة التنفيذية الموكلة للحكومة – وليس «بعض السلطة التنفيذية، بل كل السلطة التنفيذية». في الجوهر يهدف المنظرون لهذه الرؤية في إدارة الحكم بإخضاع جميع موظفي الفرع التنفيذي من الحكومة «للإشراف والتحكم المستمرين من الرئيس المنتخب». ويترتب على ذلك، وفقاً لهذه النظرية، أن يكون الرئيس قادراً، بشكل مباشر أو غير مباشر، على التحكم الكلي بالحكومة ووكالاتها الفيدرالية وأجهزتها التنفيذية حتى تلك التي كفل لها القانون الاستقلالية في عملها الرقابي.
الفكرة ليست بالجديدة؛ فهي تعود لعهد نيكسون حيث لجأ إليها لإحكام سيطرته على قرارات القضاء فيما يتعلق بفضيحة ووترغيت، ثم أعادت إدارة ريغان اعتمادها وتطويرها، وكان جورج بوش الابن من مؤيديها. هي إذاً خيار مفضل لدى الجمهوريين، وإن كان كلينتون أحد معتميدها أيضاً، لكن ترامب ذهب بها إلى مستوى آخر. فكما صرّح عبر منصته الخاصة، مستشهداً بقول نابليون بونابرت «إن من ينقذ بلاده لا ينتهك أي قانون»، فهو يعتبر نفسه منزهاً عن المساءلة والمحاسبة. ويدعم نظريته هذه باعتماد سياسة الحكم عبر الأوامر التنفيذية، حيث وقّع 225 أمراً في العام 2025 فقط، ليتخطى بذلك إجمالي ما وقعه في رئاسته الأولى. هكذا يكون ترامب قد تجاوز كل رؤساء الولايات المتحدة الأميركية، ولم يسبقه في هذا الكم من الأوامر التنفيذية في السنة الأولى من الحكم سوى روزفلت في سنوات الحرب العالمية الثانية.
رفع الإنفاق العسكري بحوالي 150 مليار دولار، لتتخطى ميزانية البنتاغون عتبة التريليون دولار، مع وعود جديدة برفعها إلى حوالي 1.5 تريليون دولار بحلول العام 2027، بما يتناسب مع «الجيش الحلم» الذي يريد ترامب بنائه
تتنوع الأوامر التنفيذية التي يصدرها وتختلف، لكنها تلتقي في تثبيت سلطته التنفيذية المطلقة. وعلى رأس هذه الأوامر كان ذلك الذي وقعه في شباط/فبراير 2025، والذي أعلن فيه سلطته المطلقة على الوكالات الفيدرالية التي حصّنها الكونغرس وضمن استقلاليتها عن السلطة التنفيذية (البيت الأبيض تحديداً) لدورها الأساسي في مراقبة العمل الحكومي والمحافظة على أسس الحكم الجمهوري وروح الدستور الأميركي. يأتي هذا الأمر التنفيذي بدفع قوي من راسل فووت (راجع أعلاه)، أحد أبرز الشخصيات المنخرطة في مشروع 2025 ومن كبار موظفي الإدارة الحاليين. في مقابلة مع الإعلامي اليميني تاكر كارلسون، يقول فووت إنه «يجب إنهاء مبدأ استقلالية المؤسسات الفيدرالية عن سلطة الرئيس، بل والبحث في كيفية تفكيكها». بالمحصلة ينقض ترامب على حيّز كبير من القوة المتبقية للكونغرس المنتخب ويرهق النظام القضائي بشكل يجعله متعطلاً عن القيام بمهامه.
هل قلنا إمبريالية جديدة؟
هكذا، حين قام ترامب باختطاف رئيس فنزويلا عبر استعراض غير مسبوق للقوة والمقدرة السياسية على اتخاذ قرارات غير مسبوقة ومن خارج عدة شغل النظام الليبرالي الغربي المهيمن مزهواً بالقدرة العسكرية واللوجستية على إنفاذها في وقت قياسي؛ إنما كان يعلن ومن دون أي مواربة نيته تدمير هذا النظام وقيادته المباشرة والآحادية لمسار هدمه بهدف إعادة تشكيله كما يتلائم مع رؤيته القيادية لأميركا ومن خلفها العالم. لذا وقبل الإمعان في محاولة تفسير آدائه في فنزويلا وتالياً في إيران ولاحقاً ربما في غرينلاند ومن بعدها كندا ولربما ثلاثي المكسيك وكولومبيا وكوبا، علينا محاولة فهم البنية السياسية المادية للقوة التي يعبر عنها في أدائه الحوكمي في السياق السياسي الأميركي الداخلي وأثرها على جوهر البنيان الديمقراطي الأميركي.
اختصار المشهد بشخصية ترامب وحركاته وطريقة كلامه وعصبيته وذاتية تنفع لإنتاج بعض النصوص الكوميدية لكنها لا تساعدنا في تطوير فهمنا المادي لمتممات هذه القوة وتحسين قدرتنا على التعاطي معها، ولربما البحث الجدي في خيارات المقاومة. مرة جديدة، خيار المقاومة يختارنا ولا نختاره وهلوسات نهاية التاريخ المستجدة التي يحاول البعض الدفع نحوها ليست بالضرورة بالحتميات الواجب القبول بها.