معاينة هل يبني ترامب ICE كشرطته السرّية الخاصة؟

هكذا دواليك
هل يبني ترامب ICE كشرطته السرّية الخاصة؟
في ظلال ال MAGA

في بداية عام 2026، أطلق أحد عناصر الوكالة الفيدرالية لضمان أمن الحدود والهجرة (ICE) النار على المواطنة الأميركية، رينيه غود، في مدينة مينيابوليس. برّر ترامب الأمر زاعماً أن الناشطة في شبكات الدفاع المجتمعية عن حقوق المهاجرين في أحياء المدينة هي «شخصية عنيفة» تُطارد عناصر الوكالة. بعد أقل من شهر، نفّذ عناصر آخرون من ICE ما يشبه إعداماً ميدانياً - وُثق بالصوت والصورة - لمواطن أميركي آخر يدعى آليكس بريتي. مجدّداً، خرج ترامب واصفاً الرجل بالعدائي المسلّح، وهاجم خصومه السياسيين في المدينة، وأطلق الشتائم على النائبة الديمقراطية من أصول صومالية، إلهان عمر، محوّلاً النقاش إلى الحديث عن مخاطر المهاجرين من أصول صومالية، الذين اتهمهم بالتورّط في عمليات احتيال واسعة النطاق في المدينة وسرقة خيراتها.

لا جديد في مواقف ترامب، فهو يعتبر أنّ المهاجرين هم العدو المثالي الذي يحتاجه لتبرير بعض سياساته التنفيذية، التي تهدف إلى إحكام القبضة على الحياة الديمقراطية ودولة القانون، وعسكرة المجتمع في الولايات المتحدة الأميركية. فمنذ ولايته الرئاسية الأولى (2021-2017)، لم يتوانَ الرجل عن استخدام كل القوة الممكنة لإثبات جدّيته في القضاء على ظاهرة الهجرة المتزايدة في المجتمع الأميركي. أعاد تحديد صلاحيات الوكالة الفيدرالية للسيطرة على الحدود والهجرة (ICE)، وبنى جداراً مع المكسيك، واتهم المهاجرين بأبشع الجرائم ونعتهم بأقبح الصفات. كما أصدر سلسلة من الأوامر التنفيذية مثل حظر دخول مواطني بعض الدول الإسلامية، وخاض معارك قضائية بشأن إجراءات الترحيل والحدّ من منح الإقامات الدائمة.

أمّا في ولايته الثانية، فيبدو أن الرجل عاد لينتقم، مدعوماً بأفكار مهندسي بيان اليمين المتطرّف الأميركي (مشروع 2025). في خلال المئة يوم الأولى من حكمه تحوّل كابوساً حقيقياً لملايين المهاجرين والمهاجرات. باختصار، ومن موقعه على رأس السلطة التنفيذية الأميركية، شكّل ترامب الرافعة السياسية والإعلامية الأهم لخطاب الكراهية والتحريض ضدّ هذه الفئة من سكان الولايات المتحدة. أعاد تفعيل قانون «الأعداء الأجانب» الذي يعود إلى حقبة الحرب العالمية الثانية، ولم يُستخدم في التاريخ سوى ثلاث مرات، وعجّل بترحيل المئات من المهاجرين الذين وُصفوا بالمجرمين الخطيرين على الرغم من صدور أمر قضائي بوقف تفعيل القانون. كما أصدر قراراً بإنهاء الحق باللجوء وأوقف قبول طلبات اللجوء كلياً لمدة 90 يوماً، وألغى الوضع القانوني لحوالي نصف مليون مهاجر، ونفذ الكثير من توصيات مشروع 2025 المتعلّقة بالهجرة، وتحديداً فيما يخص تأشيرات الدخول المؤقتة للعمّال، وتعليق مقابلات التأشيرات الخاصة بالطلاب الدوليين. بل إن إدارته أوقفت منحة بقيمة 2,5 مليار دولار لصالح جامعة هارفرد ومنعتها من الحق بقبول طلاب أجانب ( يمثلون حوالي ربع العدد الإجمالي للطلاب)، وذلك على خلفية الحرب في غزة ورفض إدارة الجامعة إمداد السلطات الأمنية بمعلومات عن سلوكيات الطلاب والتدخل في نزاع قانوني لم يحسم بعد. لكن ترامب، المقتنع بالتكليف الإلهي لإنقاذ أميركا، يحتاج لذراع أمني وعسكري يرتبط مباشرة بإدارته ويعنى حصراً بتنفيذ إستراتيجيته للترحيل الكبير أو ما يمكن اعتباره الحل النهائي لمسألة الهجرة في الولايات المتحدة. 

دويلة ICE في الدولة الفدرالية 

منذ الأسبوع الأول لولايته الثانية، اتخذ ترامب قرارات تنفيذية مباشرة لتحويل وكالة ICE إلى إحدى أكبر الوكالات الأمنية الفيدرالية، من حيث الصلاحيات والتمويل والعتاد والقدرات اللوجستية الضخمة. وهي تخضع بشكل كلي لوزارة الأمن الداخلي التي تديرها كريستي نيوم، إحدى المقرّبين من ترامب والمعروفة كأبرز حلفائه السياسيين، وبعدائها المطلق للمهاجرين واللاجئين، وهي التي تزعم علانية أن الولايات المتّحدة تتعرّض لاجتياح من الجنوب عبر تدفّق المهاجرين غير الشرعيين.

ومن الواضح أن جهاز ICE يؤدّي دور أداة الترهيب الداخلية الأكبر في مشروع ترامب السياسي، وهو يسعى بشكل حثيث لاستخدامه كجهاز لمكافحة معادي السياسة الترامبية

رفعت إدارة ترامب ميزانية الوكالة ثلاثة أضعاف ميزانيتها الأساسية، بإضافة حوالي 75 مليار دولار على مدى أربع سنوات إلى التمويل الأساسي البالغ 10 مليارات دولار سنوياً. وبذلك أصبحت الوكالة أكثر وكالة أمن فيدرالية تمويلاً، بمعدل إنفاق سنوي يصل إلى حدود 29 مليار دولار، ما يضعها في مصاف جيوش دول كبرى مثل تركيا وكندا وأستراليا وإيطاليا. وفي العام 2025، تضاعفت قدرات الوكالة في إدارة معسكرات الاعتقال، وحالياً يبلغ عدد المعتقلين لديها حوالي 73 ألف شخص (47% فقط منهم لديهم إدانات سابقة أمام القضاء الأميركي، لكن من غير الممكن معرفة طبيعتها)، موزّعين على حوالي 1,400 مركز في مختلف الولايات الأميركية. وتسعى إدارة ترامب لزيادة الطاقة الاستيعابية لمعسكرات الاعتقال التابعة لـ ICE إلى حوالي 100 ألف شخص. وبحسب البيانات المتوفرة، فقد قامت الوكالة بترحيل حوالي 600 ألف شخص في السنة الأولى، مع الإدعاء أن جهود الوكالة دفعت نحو 1.9 مليون مهاجر إلى المغادرة الطوعية.

وفي المقابل، جرى الاستثمار في توسيع قدرات الوكالة للقيام بالمهام المنوطة بها، مثل مهام التتبع والتوقيف وإدارة مراكز الحجز والاعتقال. وارتفع عدد عاملِي الوكالة في خلال بضعة أشهر من 10 آلاف عنصر إلى حوالي 22 ألف عنصر، يتمتعون بجملة من المزايا المالية التي تتكوّن من راتب سنوي يتراوح ما بين 50 ألف و90 ألف دولار أميركي، مع مكافأة سنوية تصل إلى نحو 50 ألف دولار، وسداد للقروض الجامعية، بالإضافة إلى أجور ساعات العمل الإضافية وبرامج تقاعد سخية. ويضاف الى هؤلاء أكثر من 17 ألف من العناصر المنضوية في وكالات أمنية فدرالية أخرى تُكلّف بتقديم خدمات ومهام مرتبطة بعمل ICE. كما جرى تخفيض مدّة الإعداد والتدريب للعناصر الجُدد من 22 أسبوعاً إلى 47 يوماً فقط، أما عناصر الشرطة المنتدبين فقلّصت مدة إعدادهم من 4 أسابيع إلى حوالي 40 ساعة من التدريب عن بعد عبر تطبيقات إلكترونية. 

وبالتدقيق بالحملات الدعائية للوكالة لاستقطاب العناصر، يُلاحظ التركيز المفرط على استخدام الشعارات السياسية والقومية المشابهة أو المستوحاة بشكل مباشر من بروباغندا المجموعات اليمينية المتطرّفة المؤمنة بتفوق العرق الأبيض في أميركا، أو مجموعات «النازيون الجُدد» كما جرى الحديث عن استعمال شعارات مستوحاة من الحقبة النازية في ألمانيا. الواضح أن الهدف الأساس هو حشد أكبر عدد ممكن من العناصر المناصرة للشعارات السياسية لترامب وحلفائه السياسيين. توضح دراسة أجريت عن الخلفية العرقية للعناصر المستقطبة أن النسبة الأكبر منهم تتشكّل من الذكور البيض. 

في حملاتهم الميدانية، تتحرّك عناصر ICE وفق إستراتيجية «الغزوات الكبرى» التي تستهدف مدناً بعينها، وغالباً ما تكون من المناطق المحسوبة على خصوم ترامب السياسيين من صقور الديمقراطيين، كما يحصل الآن في مينيسوتا حيث أُغْرِقَت المدينة بحوالي 2,000 عنصر مُدَجّجين بكامل العتاد العسكري. تستهدف مجموعات ICE الميدانية، في الغالب، أماكن تجمّع المهاجرين في الأحياء وأماكن العمل وحتى أماكن التسوّق، وقد جرى توثيق قيامهم بحملات تفتيش للمنازل. وترتكز هذه المجموعات في عملها على شبكة معقّدة من وسائل المراقبة الإلكترونية، وتحديداً لشبكات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى تتبّع أجهزة الهاتف للمهاجرين وتحديد أماكنهم، كما تقوم بحملات بحث وتحرّ ميدانية غير معلنة ومموّهة، إمّا بزي الشرطة المحلية أو بالملابس المدنية. في الكثير من الحالات، يتم اعتقال المهاجرين من قاعات المحكمة أو قاعات الانتظار في دوائر الهجرة لدى قيامهم بتجديد أو متابعة طلبات الهجرة.

بشكل عام، تعمل مجموعات ICE على فرض جو من الترهيب المباشر في المدن التي تستهدفها، كما حصل في شيكاغو وواشنطن وفيلادلفيا وغيرها. وتقوم بشكل أساسي باعتماد أساليب مخادعة، كإدعاء القيام بتحقيق عن جرائم معينة، أو الطلب من الأشخاص المستهدفين الخروج من منازلهم للحديث، وذلك لتبرير الاعتقال من دون الحصول على مذكرات قضائية. بالمحصلة، يُعتمَد على كل الطرق الممكنة، حتى تلك المخالفة للقوانين النافذة، بغية النجاح في اعتقال الأفراد المستهدفين. بدورها، قدَّمت إدارة ترامب كامل الدعم السياسي والقانوني الممكن. 

ترامب، المقتنع بالتكليف الإلهي لإنقاذ أميركا، يحتاج لذراع أمني وعسكري يرتبط مباشرة بإدارته ويعنى حصراً بتنفيذ إستراتيجيته للترحيل الكبير

بعد أقل من أسبوع على قتل رينيه غود في مينيابوليس، أعاد الحساب الرسمي لوزارة الأمن الداخلي الأميركية نشر مقتطف من مقابلة لستيفن ميلر، القيادي الأبرز في إدارة ترامب وأحد مهندسي مشروع 2025 والمعروف بعدائه المطلق للمهاجرين، يذكر فيها أن عناصر ICE يتمتعون بحصانة مطلقة أثناء تأدية أعمالهم الميدانية: «إلى جميع ضباط ICE: تتمتّعون بحصانة فيدرالية في أداء واجباتكم. أي شخص يمدّ يده عليكم أو يحاول إيقافكم أو عرقلة عملكم يرتكب جريمة جنائية. تتمتّعون بالحصانة في أداء واجباتكم، ولا يمكن لأحد — لا مسؤول في المدينة، ولا مسؤول في الولاية، ولا مهاجر غير شرعي، ولا محرّض يساري أو متمرّد محلي — أن يمنعكم من الوفاء بالتزاماتكم وواجباتكم القانونية».

بدوره، قام نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس بالثناء على منطق «الحصانة المطلقة» للعناصر الفيدرالية في معرض تعليقه على حادثة قتل رينيه غود، بعد يوم واحد من الحادثة، ليعود ويتراجع عن هذا الأمر لاحقاً، ويتحدّث عن إمكانية التحقيق مع العناصر التي تخطئ. من جهته، ظهر غريغ بوفينو، المسؤول الأعلى عن حملة ICE الحالية في مينيسوتا، والذي اشتهر بارتداء معطف عسكري شبيه بذلك الذي كان يرتديه ضبّاط الشرطة السرّية النازية، مدافعاً بشكل مطلق عن العنصر الذي قتل آليكس بريتي في الأسبوع الماضي. كان هذا قبل أن تقوم إدارة تراكب بسحب بوفينو وعدد من عناصره من مدينة مينيسوتا تحت وطأة تفاقم الاحتجاجات، التي تهدّد باندلاع حالة من الاحتراب الداخلي في المدينة قد يصعب التحكّم بها. 

شرطة ترامب السرية

لم يخفِ دونالد ترامب يوماً ميوله نحو عقلية حكم تصبو نحو المنطق الشمالي في إدارة شؤون الناس. يخوض ترامب حربه الضروس في الأساس ضدّ المنظومة القانونية الحاكمة في الداخل الأميركي، ويسعى بشكل رئيس إلى تفتيتها وإعادة تشكيلها بما يتلائم مع أهدافه السياسية والرؤية المحافظة التي ينتهجها الكثير من قانونيي إدارته. وفي هذا السياق، يصبح عمل ICE مشابهاً وظيفياً مع أجهزة الشرطة السرّية العاملة في خدمة الأنظمة الشمولية التي يدّعي محاربتها. ففي حين يحاول ترامب إظهار حربه الموعودة على إيران كردّ فعل على إعدامات ميدانية بحق متظاهرين سياسيين يقوم هو وإدارته بتقديم كل أنواع الدعم والحصانة السياسية والقانونية لعناصر الشرطة الخاصة بهم في عملها الميداني واعتداءاتها المتكررة على المواطنين الأميركيين، وصولاً إلى إتهام كلّ من يعارضها بـ«إرهاب داخلي».

ومن الواضح أن جهاز ICE يؤدّي دور أداة الترهيب الداخلية الأكبر في مشروع ترامب السياسي، وهو يسعى بشكل حثيث لاستخدامه كجهاز لمكافحة معادي السياسة الترامبية، وليس كمنظومة أمنية منوطة بمهمّة إنفاذ قوانين الهجرة فقط. ومن الحملات الإعلانية المشبوهة، إلى عروض القوة الميدانية، وصولاً إلى العقود التجارية الضخمة التي توقّع مع شركات السجون الخاصة، يتضح أن المنطق الاستعراضي الذي لطالما اشتهر به ترامب يتجاوز مسألة تطبيق القوانين نحو إدارة الخوف الجماعي مقدّماً شكلاً من أشكال الحلّ النهائي لمعضلة الهجرة. 

في هذا السياق، لا يمكن غضّ النظر عن الارتباط العضوي بين إدارة ترامب والمنظومة الإيديولوجية اليمينية الأكثر تشدداً، التي تم تأطيرها في وثيقة «العهد المحافظ» ضمن مشروع 2025. تدعو هذه المبادرة صراحة إلى تركيز القوة التنفيذية في يد الرئيس وإدارته، وتسعى إلى تفكيك القيود البيروقراطية، وتوسيع الاعتقال والترحيل، وإضعاف آليات الرقابة المؤسسية. هنا، تصبح ICE أداة محورية في عملية إعادة تشكيل الدولة نفسها وليس فقط لإدارة الهجرة. فيصبح الاستثناء القانوني (حين تعلق القوانين والحقوق السياسية) هو القاعدة الأساسية في تحديد جهاز أمني مثل ICE، وفهم وآليات عمله. 

أصبحت الوكالة أكثر وكالة أمن فيدرالية تمويلاً، بمعدل إنفاق سنوي يصل إلى حدود 29 مليار دولار، ما يضعها في مصاف جيوش دول كبرى مثل تركيا وكندا وأستراليا وإيطاليا

وبحجة مواجهة «الاجتياح الخارجي» القادم من الجنوب وملايين «الأعداء الخارجيين المتواجدين على أرض الوطن» بسبب الهجرة (شرعية كانت أو غير شرعية)، ولمواجهة التمرّد الداخلي المتمثل بالمجموعات السياسية اليسارية المعادية لسياسات ترامب والأجهزة البيروقراطية الرقابية، ترسّخ إدارة ترامب آليات عمل ضمن ما يمكن تسميته مناطق قانونية رمادية. فيجري تبرير أفعال القتل الميداني والاعتقال التعسفي والترهيب الجماعي للمدن الأميركية قانونياً بالحد الأدنى، وابتداع مخارج إدارية وغطاء سياسي لمواجهة حالة الحرب ضد الهجرة. تخلق هذه الممارسات وفق نظرية جورجيو أغامبن عن حالة الإستثناء، ما يمكن تسميته ب «منطقة التباس» بين تطبيق القانون وتعليقه، حيث يصبح الفرد خاضعاً للسلطة من دون أن يتمتع بحماية كاملة للحقوق. وهذا تحديداً ما تقوم به ICE بدورها الوظيفي كشرطة ترامب السرّية. ويتجلى ذلك بوضوح في الأمر التنفيذي المعنون «حماية الشعب الأميركي من الغزو»، الذي وسّع إجراءات الترحيل السريع، وقيّد قدرة المدن على رفض التعاون مع الحكومة الفيدرالية، وهو ما أدّى فعلياً إلى تقليص الضمانات وإجراءات الحماية للمهاجرين.

الخطر هنا لا يكمن في التحوّل إلى ديكتاتورية صريحة، بل في تطبيع منطق شمولي داخل نظام ديمقراطي، وبأشكال وأدوات النظام نفسه من خلال تحويل الاستثناء إلى قاعدة، وجسد المهاجر أو المعترض إلى موضوع للسلطة تتصرّف به وفق حاجاتها السياسية. هذا تحديداً ما تسعى الإدارة الحالية لترسيخه في الداخل الأميركي.