غزّة كحدث عالمي

غزّة كحدث عالمي

  • يكشف تتبّع معاني غزّة بوصفها حدثاً عالمياً عبر هذه السياقات المتقاطعة، ألمانيا والولايات المتّحدة ويهود العالم، أن اتهامات معاداة السامية تتشابك، في كلّ حالة، مع قلب أدوار الضحية ومرتكب الجريمة، ومع مواجهات زائفة مع الماضي، مدبّرة لحجب الحقيقة والتنصّل من المسؤولية.
  • تبقى فلسطين، بطبيعة الحال، نقطة الصفر في غزّة بوصفها حدثاً عالمياً. فالفلسطينيون هم فاعلو هذا الحدث، وقد صار صوتهم وحضورهم أشدّ وضوحاً الآن على المسرح العالمي، وهم موضوعه أيضاً بوصفهم أهدافاً إسرائيلية؛ إذ إن تصاعد الانتباه العالمي إلى محنة الفلسطينيين يدفع الصهاينة إلى مستويات جديدة من القمع المشحون بالغضب.

تتواصل معاني غزّة في الانكشاف. فقد تناولت تقارير بليغة وموثّقة بعناية، مثل تقارير المقرّرة الخاصة للأمم المتّحدة المعنية بالأراضي المحتلّة، وأعمال سينمائية حظيت بإشادة واسعة، مثل «صوت هند رجب» (2025)، وقصائد مثل «إذا كان لا بدّ أن أموت» لرفعت العرعير (2024)، وتحليلات لمؤرخين فلسطينيين مثل رشيد الخالدي وقانونيين مثل ربيع إغبارية، إلى جانب أعمال كثيرة أخرى، دلالات هجوم الأرض المحروقة الذي تشنّه إسرائيل، وهجماتها المتكرّرة على مواقع توزيع المساعدات و«المناطق الآمنة»، وتكتيكات الحصار والتجويع، وتهجيرها ملايين الفلسطينيين إلى تلك «القفار التي لا تخطر على بال، من الركام ومياه الصرف والجثث المتحلّلة»، كما وصفتها المقرّرة الأممية.1 

هنا، أريد أن أتناول جانباً مختلفاً من الهجوم الإبادي الإسرائيلي على غزّة: دلالته بوصفه حدثاً عالمياً، أي منعطفاً تاريخياً مفصلياً يكشف طبيعة زمننا ويفصح عنها. أسعى إلى ذلك بنبرة تتحرّك بين السياسي والاجتماعي والفلسفي والشخصي. أجادل بأن «غزّة» تدلّ على أزمة تطال النظام الأخلاقي الذي ساد في معظم الغرب في خلال نصف القرن الماضي. فقد ترسّخ هذا النظام في الولايات المتّحدة منذ سبعينيات القرن العشرين، وخدم تبرير الهيمنة العالمية الأميركية والتوسّع الإسرائيلي، وارتكز إلى الإبادة النازية لليهود بوصفها المثال الأقصى على الشر الجذري، محدّداً الأفق الذي يمكن من خلاله التفكير في الظلم وسبل تقويمه.2 لكن أوشفيتز نفسها تُستدعى اليوم لتبرير إبادة جماعية جديدة. بذلك، يظهر النظام الأخلاقي الغربي المتمحور حول الهولوكوست ممزّقاً، عاجزاً عن إخفاء الجرائم الفاقعة التي ترتكبها الدولة الإسرائيلية وداعمها الأميركي أو احتوائها. في اللحظة الراهنة، تسعى «غزّة» إلى أن تحلّ محلّ «أوشفيتز» بوصفها الرمز الأشدّ فظاعة لجرائم عصرنا.

أوشفيتز نفسها تُستدعى اليوم لتبرير إبادة جماعية جديدة. بذلك، يظهر النظام الأخلاقي الغربي المتمحور حول الهولوكوست ممزّقاً، عاجزاً عن إخفاء الجرائم الفاقعة التي ترتكبها الدولة الإسرائيلية وداعمها الأميركي أو احتوائها

هذا، في كلّ الأحوال، هو السيناريو الذي أستكشفه هنا. وصلت إليه عبر مسار متعرّج أخذني حول العالم، حرفياً وذهنياً، في عامي 2024 و2025: إلى ألمانيا، حيث قوبلت إشارات محدودة إلى التضامن مع فلسطين بمطالبات بالتراجع عنها؛ وإلى الولايات المتّحدة، حيث صعدت موجة واسعة من الاحتجاجات الطلابية ضد الإبادة الجماعية الجارية ثم قُمعت؛ وإلى «الجماعة اليهودية»، حيث أخذت عائلات ممتدّة، ومنها عائلتي، تلغي عشاء الفصح السنوي لأنها لم تعد قادرة على التحدّث بعضها مع بعض عمّا تفعله إسرائيل؛ وأخيراً إلى اليابان، حيث دُعيت إلى إلقاء محاضرة عن غزّة وسط تعاطف واسع ومفاجئ مع الفلسطينيين، بدا كأنه لا يلقى اعتراضاً يُذكر، على الرغم من تأييد واسع لأميركا بدا راسخاً بالقدر نفسه.

في تلك المحطّة الأخيرة، في كيوتو، وبينما كنت أفكّر في ما سأقوله، استوقفتني ملاحظتان. أولاً، عولجت «غزّة» بطرق مختلفة في هذه السياقات. لكن، ثانياً، وتحت هذه الاختلافات، لاحت صور متشابهة وأنماط متكرّرة، ومخاوف ومراوغات متقاربة. فقد عادت إلى السطح، في كلّ موقع وبحدّة شرسة، أسئلة الضحايا والجلادين والمواجهة الأخلاقية مع ماضٍ بدا مستقراً نسبياً. عند هذه النقطة، بدا لي أن في الإمكان قراءة أزمة نظام عالمي لم تعد جرائمه قابلة للاحتواء في صورة «أوشفيتز». وما يلي يوسّع هذه الفرضية في شكل رحلة تعود إلى المحطّات الأساسية في مساري الأصلي: ألمانيا، والولايات المتّحدة، و«يهود العالم»، مع توقّفات قصيرة في اليابان وإسرائيل وفلسطين. في كلّ حالة، أسعى إلى كشف الخصوصيات المحلية والأنماط الأوسع من التصدّع الأخلاقي التي تجعل من «غزّة» حدثاً عالمياً.

***

أبدأ بألمانيا، وبملاحظة شخصية سريعة. في أيار/مايو من عام 2024، تقرّر أن أبدأ عملي أستاذة زائرة في جامعة كولونيا، بعدما اختارتني الجامعة لهذا المنصب في العام السابق. كنت قد جهّزت نفسي للسفر، ثم وصلني أن رئيس الجامعة يريد مني أن «أوضّح» مواقفي من إسرائيل/فلسطين. فقد علم للتوّ أنني كنت من بين 400 من الفلاسفة الأميركيين الذين وقّعوا رسالة مفتوحة في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2023، دانت الغزو الإسرائيلي لغزّة بوصفه سطواً استعمارياً استيطانياً على الأرض، وحذّرت من إبادة جماعية وشيكة. من وجهة نظره، أسقطت تلك الرسالة أهليتي لتولّي أستاذية ألبرتوس ماغنوس. أما طلبه أن «أوضّح» مواقفي، فلم يكن في الواقع سوى مطالبة بأن أتبرّأ منها علناً. وعندما رفضت، سحب تعييني وندّد بي أمام الصحافة الألمانية.3 ومع انتشار الخبر، بدأت تصلني رسائل كراهية من أشخاص في إسرائيل. وبقيت رسالة واحدة محفورة في ذاكرتي: «حتى أحفاد النازيين لا يطيقونك، يا عاهرة الكابو».

أذهلتني سرعة ذلك كلّه ووحشيته. لكنني لم أكن وحدي، بأي حال، في تلقّي هذه المعاملة في ألمانيا في تلك الفترة. شملت الحالات الأخرى الروائية الفلسطينية عدنية شبلي، التي أُلغيَت جلسة تكريمها عن رواية «تفصيل ثانوي» في معرض فرانكفورت للكتاب في عام 2023؛ والكاتبة الإنكليزية-الألمانية شارون دودوا أوتو، التي سحبت منها مدينة بوخوم جائزة بيتر فايس لعام 2023؛ والفنانة والمخرجة الفلسطينية إميلي جاسر، التي أُلغيَت محاضرتها في هامبورغر بانهوف؛ والقيّم المقيم في برلين أنيس دوبلان، الذي أُلغيَ معرضه عن الأفرو-مستقبلية في متحف فولكفانغ في إسن؛ والفنانة اليهودية الجنوب أفريقية كانديس برايتز، التي أُلغيَ معرضها في متحف سارلاند. تعرّض هؤلاء كلّهم، وغيرهم كثيرون، للإلغاء في ألمانيا بسبب انتقادهم حرب إسرائيل الإبادية على غزّة وتعبيرهم عن التضامن مع الفلسطينيين. وشعرت بالفخر لأنني كنت بينهم.

في أساسها، تمثّل المكارثية الفيلوسامية شكلاً من معاداة السامية بمعنييها معاً: معاداة اليهود ومعاداة العرب. فغايتها الحقيقية رفع تقدير المؤسسة الألمانية لذاتها، لا رفاه الساميين

يكمن التبرير الرسمي لهذه الإلغاءات في النسخة الألمانية الخاصة من مصلحة الدولة العليا، التي تربط مصالح الأمة الألمانية بالأمن القومي الإسرائيلي ربطاً لا ينفصم؛ فإضعاف الثاني يعني، حكماً، تقويض الأولى. وتفترض هذه الصيغة أنها تفي بمسؤولية ألمانيا عن قتل النازيين 6 ملايين يهودي، من دون أن تتحمّل، بطبيعة الحال، أي مسؤولية عن ملايين آخرين قتلهم النازيون: الشيوعيين، وذوي الإعاقة، والمثليين، والبولنديين، والروس، والأوكرانيين، والروما والسنتي. وقد يبدو موقف ألمانيا من اليهود، في البداية، مناسباً بل جديراً بالإعجاب، إذا قورن ببلدان كثيرة، منها الولايات المتّحدة واليابان، لم تتحمّل مسؤولية الفظائع التي ارتكبتها. لكن ينبغي معارضة هذه العقيدة الألمانية، على الرغم من ذلك، لأنها تربط المسؤولية عن إبادة اليهود على يد النازيين بالدعم غير المشروط لدولة إسرائيل، لا بواجب صون حقوق الإنسان الكونية، ولا حتى بالتزامات تعويضية خصوصاً تجاه اليهود. ويتحوّل هذا الدعم، بدوره، إلى تأييد مطلق لكلّ فعل إسرائيلي يُتخذ باسم «الأمن القومي»: موجات التطهير العرقي ضد الفلسطينيين بعد نكبة عام 1948؛ واحتلال الجيش الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وضمّ القدس الشرقية؛ وتدمير المنازل الفلسطينية؛ وسجن الناشطين الفلسطينيين وتعذيبهم واغتيالهم؛ وتشجيع الاستيطان الصهيوني والتحريض على عنف المستوطنين؛ واستخدام التجويع والقصف العشوائي ضد غزّة. وهذه الأفعال، مجتمعة، تقدّم مؤشراً واضحاً إلى نية الإبادة الجماعية.4

يحظى ذلك كلّه، وأكثر منه، بدعم الدولة الألمانية، بوصفه دليلاً على ضمير جديد ونظيف تجاه اليهود. وفي الوقت نفسه، ينصّب المسؤولون الألمان أنفسهم أوصياء على أي صوت يهودي ينتقد إسرائيل، فلا يكتفون بإملاء ما ينبغي أن نقوله ونفكّر فيه، بل يلقّنوننا أيضاً واجباتنا ومصالحنا بصفتنا يهوداً، ويقرّرون معنى اليهودية، ومن هو اليهودي «الحقيقي» ومن ليس كذلك. ويبدو هذا مهيناً خصوصاً لليهود اليساريين الذين يحتجّون على الإبادة الجماعية في غزّة بالاستناد إلى «يهودية أخرى»، أي تراث كوني يضم موسى بن ميمون، وسبينوزا، وهاينه، وفرويد، وبنيامين، وأينشتاين، ودويتشر، وأرنت، وجوديث باتلر، بين كثيرين آخرين. أما صرخة هؤلاء اليهود في وجه الفظائع الإسرائيلية فهي: «ليس باسمنا!». بالنسبة إلينا، يمثّل اختزال الفكر اليهودي في الأحلام المسيانية المحمومة لليمين الإسرائيلي المتطرّف وممكّنيه في الولايات المتّحدة نفياً لواقعنا وتاريخنا.

«المكارثية الفيلوسامية» هو التعبير الذي صاغته سوزان نيمان، الفيلسوفة اليهودية الأميركية المقيمة في برلين، لوصف هذا الضبط الفكري.5 تشرح نيمان كيف تحدّى طلاب ألمانيا الغربية في ستينيات القرن العشرين رفض جيل آبائهم الاعتراف بحجم جرائم النازيين. وبحلول ثمانينيات القرن العشرين، صارت فكرة «التعامل مع» الماضي النازي إجماعاً مؤسسياً في الجمهورية الاتحادية.6 وتشكّلت ثقافة كثيفة لإحياء ذكرى الهولوكوست، عبر المتاحف والمناهج المدرسية والنصب العامة، إلى جانب الفكرة القائلة إن أي نقد لإسرائيل قد يشكّل، في ذاته، خطوة على الطريق المعادي للسامية نفسه. وكما تروي نيمان، ردّت حكومة ميركل على صعود حزب «البديل من أجل ألمانيا» من أقصى اليمين بإنشاء لجنة اتحادية لمكافحة معاداة السامية في عام 2018، بمشورة من السفارة الإسرائيلية، ثم تكرّر النموذج سريعاً على مستوى الولايات. لكن بحلول عام 2019، انتقل حزب «البديل من أجل ألمانيا» نفسه، مثل أحزاب أوروبية كثيرة من أقصى اليمين، إلى موقع مؤيد لإسرائيل، واقترح حظر حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات في ألمانيا. وبعدما تبنّت الأحزاب الرئيسية هذه القاعدة، صارت تمنع أي شخص يُعدّ «قريباً» من الحملة من الكلام أو الأداء أو العرض في أي فضاء ثقافي مموّل من الدولة. وإلى جانب اللجان المدعومة من الدولة لمكافحة معاداة السامية، شكّل ذلك خطوة حاسمة أخرى في مأسسة «الفيلوسامية» الألمانية.7

أضاء تعبير نيمان، «المكارثية الفيلوسامية»، الصلة بين هذا «الحبّ لليهود» المريب وتكتيكات سياسية تشبه تكتيكات معاداة الشيوعية الأميركية في الحرب الباردة: الإدراج على القوائم السوداء، وأيمان الولاء، والوشاية بيساريين آخرين أمام لجان الكونغرس. وكما تلاحظ، بحقّ، فإن «الحبّ» المقصود هنا تشييئي ونرجسي، غارق في الصور النمطية، ومقيّد بتصوّرات ألمانية عمّا يعنيه أن يكون المرء يهودياً وكيف ينبغي له أن يكون؛ فهو ليس انفتاحاً على «الآخر»، بل إغلاقاً دونه. ثم إن المودّة الزائفة والمبالغ فيها تجاه جماعة من الساميين، أي «اليهود»، تُستخدم لتبرير اضطهاد مشبع بالكراهية لجماعة أخرى هي الفلسطينيون. وتُضخَّم التهديدات التي تطال اليهود تضخيماً فادحاً، حين لا تُختلق من الأساس. أما معاناة الفلسطينيين فتُمحى وتُدفع إلى اللامرئي، كأنها غير موجودة.

في أساسها، تمثّل المكارثية الفيلوسامية شكلاً من معاداة السامية بمعنييها معاً: معاداة اليهود ومعاداة العرب. فغايتها الحقيقية رفع تقدير المؤسسة الألمانية لذاتها، لا رفاه الساميين. إنها تعد بتحويل أحفاد النازيين، الذين يُفترض أنهم مثقلون بالذنب، إلى أبطال في سياسات الذاكرة، وبارعين في مواجهة الماضي. ولكي تنجح هذه الصيغة، ينبغي تصوير ضحايا ألمانيا اليهود بوصفهم أنقياء وخيّرين؛ إذ إن أي اعتراف بجرمية الدولة الإسرائيلية يهدّد بزعزعة هذا التوازن الهش. وربما يساعد ذلك في تفسير حالة يورغن هابرماس، الذي أعلن في بيان بعنوان «مبادئ التضامن» أن مجرّد طرح سؤال النوايا الإبادية الإسرائيلية في غزّة يتجاوز الحدود بالنسبة إلى أي ألماني. وقد بُرّر ذلك باسم «الإيثوس الديمقراطي للجمهورية الاتحادية الألمانية، الموجّه نحو واجب احترام الكرامة الإنسانية».8 غير أن هذا الحرص على الكرامة الإنسانية لم يشمل الفلسطينيين في غزّة، ولا المسلمين في ألمانيا في مواجهة تصاعد الإسلاموفوبيا.9 ومن المؤكد أن عدداً مهماً من المثقفين الألمان احتجّ بقوة على إدراج المتكلمين عن غزّة على القوائم السوداء، ودافع عن المبادئ الأساسية لحرية الضمير وحرية التعبير، حتى حين اختلف حول سياسة الهجوم الإسرائيلي.10 وقد أدّى ذلك إلى توسيع الشقوق، ولو قليلاً، في جدار المكارثية الفيلوسامية.

***

في الولايات المتّحدة، في هذه الأثناء، أخذت آثار «غزّة بوصفها حدثاً عالمياً» تتكشف في اتجاه مختلف وبوتيرة أسرع: من اتساع الاحتجاج إلى القمع الفج. فقد أشعل الغزو الإسرائيلي لغزّة موجة احتجاج هائلة في كلّ ولاية تقريباً. في نيسان/أبريل وأيار/مايو من عام 2024، انتفض طلبة أكثر من 140 حرماً جامعياً، ونظّموا طيفاً واسعاً من التحركات التضامنية مع فلسطين، جاءت في معظمها لا عنفية: مسيرات، ووقفات، ومخيمات اعتصام، واحتلالات، وإضرابات، واعتصامات، احتجاجاً على المذبحة الإسرائيلية وعلى تسليح إدارة بايدن لها وتمويلها. وامتدّت هذه التحركات على كامل الطيف الطلابي: فلسطينيين وعرباً أميركيين، بلا شك، لكن أيضاً لاتينيين وآسيويين أميركيين، وأميركيين أفارقة و«بيضاً إثنيين»، ومسيحيين وملحدين، ومسلمين ويهوداً. دخل كثيرون منهم السياسة الاحتجاجية للمرة الأولى؛ ودفعتهم التجربة إلى الراديكالية، فانضموا إلى مجموعات مثل الحملة الأميركية من أجل حقوق الفلسطينيين، وطلاب من أجل العدالة في فلسطين، وصوت يهودي من أجل السلام، وليس باسمنا، والاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا. ومن خلال مشاركتهم في حلقات تثقيفية ومجموعات دراسة، تعرّفوا إلى تاريخ الاستعمار الاستيطاني والفكر المناهض للإمبريالية. بالنسبة إلى ناشطة قديمة من جيل عام 1968، بدا الأمر شديد القرب من الأيام الكثيفة والمحمومة للحركة الأولى المناهضة لحرب فيتنام، ومؤشراً إلى نهضة في الراديكالية الأميركية؛ نهضة تبني على احتلوا وول ستريت وحياة السود مهمة، وتضيف إليهما بُعداً أممياً أشدّ وضوحاً.

ثم، في حزيران/يونيو من عام 2024، أُخمدت هذه الموجة الأولى بسرعة خاطفة. وبتحويل اتهامات زائفة بمعاداة السامية إلى سلاح، تلاقى صهاينة يهود يمينيون مع قوميين مسيحيين محافظين في هجوم منسّق على المحتجّين. أخلت قوات شرطة معسكرة مخيمات الاعتصام، واعتقلت طلبة واعتدت عليهم بوحشية. وطردت الجامعات طلبة، وحظرت فروعاً جامعية لطلاب من أجل العدالة في فلسطين وصوت يهودي من أجل السلام، وامتنعت عن تسليم شهادات. وسحبت شركات محاماة خاصة كبرى عروض عمل سبق أن قدّمتها إلى طلبة في عامهم الأخير. ولاحق متصيّدو الإنترنت من أنصار «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» وصهاينة المحتجّين عبر الإنترنت، وبلّغوا وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك عن أشخاص ظنّوا أنهم عرب. حصل ذلك كلّه باسم مكافحة معاداة السامية، بعد مساواتها بنقد إسرائيل والتضامن مع الفلسطينيين. هكذا عبرت المكارثية الفيلوسامية المحيط الأطلسي.

تظهر «غزّة» بوصفها علامة على تصدّع في النظام الأخلاقي الغربي، في محاولة لأن تحلّ محلّ «أوشفيتز» بوصفها الرمز الجديد للفظائع الإنسانية

لكن هل عبرته حقاً؟ عند النظر إلى الوراء، يتضح أن المكارثية، في صيغتها الأميركية الأصلية، حملت أصلاً خيطاً فيلوسامياً، على الرغم من أنها سبقت التركيز على أوشفيتز. وقد سُخّرت لمشروع الحرب الباردة الهادف إلى عزل الاتحاد السوفياتي داخل نظام رأسمالي عالمي جديد تهيمن عليه الولايات المتّحدة، فشكّلت جزءاً من مسعى أوسع لإعادة تشكيل ثقافة سياسية داخلية بقيت فيها نزعات الجبهة الشعبية قوية. وتمثّلت إحدى الحركات الأيديولوجية الأساسية في إعادة وسم الحليف السوفياتي في زمن الحرب، عبر الجمع بين الشيوعية والنازية بوصفهما توتاليتاريتين توأمين، يجمع بينهما رفض ملحد لـ«الحضارة اليهودية-المسيحية». وقد شاع مفهوم التقليد اليهودي-المسيحي أصلاً على يد ليبراليين ومناهضين للفاشية في مرحلة ما بين الحربين، ولا سيما لإيصال رسالة مفادها أن على المسيحيين حماية اليهود من النازيين، ثم أُعيد توظيفه سلاحاً في ترسانة معاداة الشيوعية في خلال الحرب الباردة.11 دعت هذه الصيغة الجديدة اليهود الأميركيين إلى التخلّص من ارتباطهم بالبلشفية وإثبات وطنيتهم عبر الانضمام إلى الحملة ضد الحمر، وهي دعوة سارع كثير من «قادة الجماعة» إلى قبولها.12 وفي الوقت نفسه، ساعد ربط المكارثية بالدفاع عن القيم اليهودية-المسيحية في تمييز هذه الصيغة الأحدث من الشعبوية اليمينية الأميركية عن صيغ سابقة اتسمت بمعاداة صريحة لليهود وبالعنصرية معاً.13

تلقّى ترامب نفسه، كما هو معروف، درساً في التكتيكات المكارثية على يد مهندسها الأبرز، روي كوهن، اليهودي اليميني الذي أدار حملة السيناتور مكارثي المعادية للشيوعية.14 ومنذ البداية، بدت حربه «المناهضة لليقظة» ضد الجامعات، وضد المجتمع المدني عموماً، مقتبسة مباشرة من كتيّب مكارثي: إذ صوّرت الجامعات بوصفها محاضن للتعصّب، يضطهد فيها «أساتذة ماركسيون» الطلبة المحافظين. لكنه في ولايته الثانية جعل العنصر الفيلوسامي صريحاً، ووضعه في قلب هجوم إدارته على مؤسسات التعليم العالي الأميركية. ففي الأشهر الأولى، فتح مكتب الحقوق المدنية في وزارة التعليم تحقيقات متعددة في جامعات بتهمة «التسامح مع معاداة السامية» و«الفشل في حماية» الطلبة اليهود والإسرائيليين، أي السماح باحتجاجات جامعية ضد تدمير إسرائيل لغزّة، فضلاً عن برامج التنوع وإجراءات قبول يُزعم أنها قائمة على التمييز الإيجابي.

دُعم ذلك بتهديدات ترامب بإنهاء التمويل الاتحادي أو تقليصه، وبقطع وزارة التجارة والبنتاغون منحاً لمشاريع محددة، وإطلاق وزارة العدل تحقيقات ودعاوى إضافية. ومن بين الجامعات التي استُهدفت: هارفارد، وبرنستون، وكولومبيا، وبراون، وكورنيل، وديوك، ونورث وسترن، وبنسلفانيا، وجامعة فرجينيا، وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس.

في الواقع، تضمّ كثير من هذه الجامعات أعداداً كبيرة من اليهود بين طلبتها وهيئاتها التدريسية وخريجيها ومانحيها الأثرياء. وتمتلك معظمها أوقافاً خاصة ضخمة، بما أتاح لها رفض الابتزاز، والتكتل في جبهة موحّدة، والردّ. لكنها، بدلاً من ذلك، رضخت كلّها تقريباً، ووقّعت اتفاقات خاصة مع ترامب، ودفعت الغرامات الاعتباطية التي طالب بها: كولومبيا: 200 مليون دولار، براون: 50 مليون دولار، كورنيل: 60 مليون دولار، نورث وسترن: 75 مليون دولار.15 وفي ذلك، اتبعت مساراً سبق أن رسمته شركات محاماة كبرى، ومتاحف ومراكز ثقافية رئيسة، رضخ كثير منها أيضاً لمطالب ترامب. أما الاستثناء الجزئي فتمثّل في هارفارد، التي نجحت في مواجهة بعض هذه المطالب في المحكمة، بينما حاولت أيضاً التفاوض على اتفاق؛ وفي شباط/فبراير من عام 2026، زاد ترامب منفرداً الغرامة المفروضة على هارفارد بتهمة «معاداة السامية» من 200 مليون دولار إلى مليار دولار.16

تقاطعت الحملة ضد «معاداة السامية» في الجامعات مع هجوم الإدارة على المهاجرين. فبينما صُوّرت الجامعات بوصفها بؤراً للمشاعر المعادية لليهود، وصُوّر اليهود والإسرائيليون بوصفهم ضحايا، قُدّم الفلسطينيون ومؤيدوهم بوصفهم مضطهِدين، ليحلّوا محل «الحمر» الذين شُيطنوا في خمسينيات القرن العشرين، ويصبحوا هدفاً للترحيل. وقد خطّط لهذه التكتيكات ستيفن ميلر، ونفّذتها «قيادة» وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك نفسها التي دافعت لاحقاً عن قتل محتجَّين اثنين في مينيابوليس. وباتت هذه التكتيكات تشمل خطف طلبة أجانب داكني البشرة على أيدي شرطة هجرة ملثّمة، فضلاً عن الابتزاز المالي للمؤسسات التعليمية. وفي هذه النسخة الفيلوسامية، اندمجت معاداة اليسار الشرسة التي طبعت المكارثية الأصلية مع عنصرية صريحة.

خلّفت هذه التطورات آثاراً كبيرة في الولايات المتّحدة. فقد مال التوازن المفترض بين القوة والرضا، الذي عدّه غرامشي السمة المميّزة للهيمنة البرجوازية-الديمقراطية، لمصلحة «القائد» الذي يزدري الرضا جهاراً، ويلوّح بالتهديد بالقوة: الإكراه المالي، والملاحقة القانونية، والاحتجاز، والترحيل، مدعوماً بالقوة نفسها. وتراجعت الاستقلالية النسبية للمجتمع المدني؛ إذ أظهرت مراكز تشكيل الرأي، التي كانت تعدّ نفسها مستقلة عن الدولة، خضوعها لها. وإذا سألنا عمّا أتاح هذا التحوّل الكبير، يتضح أن أقوى أداة اقتحام في ترسانة الترامبية كانت تهمة «معاداة السامية».17

واليوم، فضلاً عن ذلك، تحمل المكارثية الفيلوسامية الأميركية إسلاموفوبيا صريحة. فمنذ البداية، استبعد مفهوم «الحضارة اليهودية-المسيحية» المسلمين، حتى وهو يقبل اليهود شركاء صغاراً؛ غير أن الإسلام المحافظ ظلّ شريكاً محتملاً في مواجهة «الخطر الأحمر». وبعد زوال هذا الخطر، صار ممكناً اعتبار الإسلام التهديد الرئيس للقيم الغربية، التي أُعيد تعريفها الآن عبر استدعاء «أوشفيتز». وفي هذه النسخة من المكارثية، صار التصنيف أكثر مرونة من أي وقت مضى، إذ يخلط الفلسطينيين والمسلمين والعرب والفرس والمهاجرين داكني البشرة على اختلافهم، لاستهداف كبش فداء اللحظة. وبينما تُلصق بجماعة مشيطنة وصمة جماعة أخرى، يُخلط القوميون الفلسطينيون العلمانيون بـ«إرهابيي حماس» والملالي الإيرانيين، بوصفهم جميعاً مدفوعين بمعاداة سامية تقود حتماً إلى أوشفيتز ثانية. لكن هذه العودة الثانية للدعوة إلى الدفاع عن «الحضارة اليهودية-المسيحية» تفوح منها رائحة المهزلة، كما تبيّن النزعة الحربية الكاريكاتورية في مقطع نشره «وزير الحرب» لدى ترامب، وجمع فيه صوت هيغسيث وهو يتلو الصلاة الربانية بفيديو لـ«صواريخ تُطلَق، وسفن حربية تمخر، ومظلّيين يهبطون من السماء».18 وبالروح نفسها، رفض ترامب الأسماء التي اقترحها البنتاغون للهجوم الأميركي على إيران لأنها مائعة أكثر من اللازم، و«عمّده»، على طريقة قصص مارفل المصوّرة، باسم «الغضب الملحمي». هنا أيضاً، وعلى المستوى الجيوسياسي، تنحلّ جهود إعادة تأسيس الهيمنة الأميركية على أرضية أخلاقية إلى تأكيد فجّ للقوة ترافقه تبجحات صبيانية.

***

إذا مثّلت هذه بعض الطرق التي تردّد بها صدى «غزّة بوصفها حدثاً عالمياً» في ألمانيا والولايات المتّحدة، فقد شكّلت أيضاً أزمة هوية مفصلية ليهود القرن الحادي والعشرين. وفي أثناء ذلك، أعادت فتح خطوط صدع قديمة متأصلة في التقليد اليهودي. فبخلاف الأديان التوحيدية الأخرى، تقوم اليهودية على فكرة إله واحد هو، في الوقت نفسه، إله الجميع وربّ «الشعب المختار»؛ أي كوني وقبلي في آن. وقد اضطرّ من يعرّفون أنفسهم يهوداً إلى مصارعة هذا الالتباس دائماً. لكن «غزّة بوصفها حدثاً عالمياً» تطرح المشكلة من جديد في أشدّ صورها حدّة. فالسؤال المُلح لدى يهود الشتات هو كيفية العلاقة بإسرائيل، وهو سؤال يقسم الجماعة بعمق. من جهة، تقف أعداد متزايدة تنفر فزعاً من إبادة جماعية ترعاها الدولة، فتتبنّى مناهضة الصهيونية، وتنضم إلى مجموعات مثل صوت يهودي من أجل السلام وليس باسمنا، التي تتخذ من يهوديتها نفسها منطلقاً لمعارضة «الدولة اليهودية». وبذلك، تستدعي فكرة «يهودية أخرى»، لكن ما يعنيه ذلك على وجه الدقة غير واضح. هل تشكّل مناهضة الصهيونية نفسها هوية من هذا النوع؟ أم تقصد معنى أكثر عينية لـ«اليهودية»: دينياً أو ثقافياً أو سياسياً؟

تنطوي «غزّة»، بالنسبة إلى الفلسطينيين، على معانٍ متعددة ومتناقضة: ضرر مادي هائل مع ظهور عام متجدّد، وقمع متصاعد مع دعم متزايد، ويأس مع أمل

يتيح تاريخ اليهودية طيفاً من النماذج غير الصهيونية والمناهضة للصهيونية للهوية اليهودية. وتكفي عينة صغيرة تشمل التيارات الأرثوذكسية التي عارضت تأسيس الدولة الصهيونية منذ البداية، بوصفه شكلاً من «عبادة الأوثان» يستبق مجيء المسيح؛ والتيارات الإصلاحية التي لا ترى في اليهود «شعباً» إثنو-قومياً، وترى فيهم جماعة إيمانية؛ واليهود الفلسطينيين والعرب في «الييشوف» قبل عام 1948، الذين انضموا إلى المسلمين والمسيحيين في معارضة الاستيطان الصهيوني؛ والحركة الجماهيرية للبونديين في بولندا وروسيا، الذين رفضوا الصهيونية بوصفها انهزامية وبرجوازية، ودعوا إلى استقلال ثقافي يهودي داخل دولة عمالية متعددة الثقافات، فضلاً عن يهود شرق أوروبيين من غير البونديين أصرّوا على أنهم يملكون أصلاً أمة في منطقة الاستيطان اليهودي ولغة قومية هي اليديشية؛ ويهود الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الذين رأوا في الصهيونية امتداداً للاستعمار الأوروبي وبلوروا هويات عربية-يهودية؛ وقراء «جويش ديلي فوروارد» في الولايات المتّحدة الذين، مثل البونديين، لم يروا أي تناقض بين النضال لبناء الاشتراكية حيث هم وبين كونهم يهوداً؛ أو «الصهاينة الثقافيين» مثل بوبر، الذين عارضوا تأسيس الدولة الإثنو-قومية الاستيطانية-الاستعمارية. ويعيد اليوم النظر في هذه التقاليد كلّها من يبحثون عن هوية يهودية مخصوصة منفصلة عن إسرائيل.19

هناك مسار آخر، أكثر تقشفاً، يبحث عن «يهودية» لا ترتكز إلى خصوصية جماعية. وعلى نحو قريب مما سمّاه دويتشر «اليهودي غير اليهودي»، يبدو هذا الموقف كونياً حتى النخاع.20 وعلى الرغم من أنه ينطلق من التجربة اليهودية، فإن جوهره يتجاوز نقطة البداية تلك. ومثل عاشق الجمال لدى ديوتيما في «مأدبة» أفلاطون، يتخفّف هذا اليهودي من الخصوصية التي بدأ منها، فيما يبلغ «مفهومها المطهّر» في نهاية الرحلة. إنه متجه إلى الخارج، لا مستغرق في ذاته، تضامني ومنفتح على الآخرين. ويجذب هذا المنظور خصوصاً اليهود المندمجين مثلي. لكن تعبير دويتشر يطرح، مع ذلك، مشكلة. فما الذي يميّز، في النهاية، «اليهودي غير اليهودي» عن «غير اليهودي» اليساري الذي يشاركه الكونية الأخلاقية نفسها؟ هل يكفي أن يفهم نفسه بوصفه نتاج تقليد معقّد ومنقسم داخلياً كي يحافظ على هوية يهودية مميّزة؟ أم إن صيغة دويتشر محطة على طريق إذابة الهوية اليهودية تماماً، وهل سيكون ذلك أمراً فظيعاً؟ ما زالت الخيارات هنا تحتاج إلى معالجة. لكن الخلاصة بالنسبة إلى جميع اليهود المناهضين للصهيونية تقريباً، في علاقتهم بالنظام الأخلاقي المتمحور حول أوشفيتز، واضحة. فبعيداً من تفسير الإبادة النازية لليهود بوصفها حدثاً فريداً لا يقارن، نضعها داخل القائمة الطويلة والمروّعة للإبادات التاريخية، بما فيها الإبادة التي ترتكبها إسرائيل الآن. وبالنسبة إلى هذا النوع من اليهود، تُفهم عبارة «لن يتكرّر ذلك أبداً» حرفياً وقطعياً وكونياً: لن يتكرّر ذلك أبداً، من أي أحد، بحقّ أي أحد. نقطة.

أما اليهود الصهاينة في الشتات، فيواجهون أزمة هوية أيضاً، لكنهم يعتقدون أن في إمكانهم حلّها عبر التشبّث أكثر بـ«أوشفيتز» وإسرائيل. في الولايات المتّحدة، يتحالفون مع قوميين مسيحيين من اليمين، يملكون بدورهم تصوراً خاصاً لمعنى أن يكونوا شعباً مختاراً. بالنسبة إلى كثيرين منهم، يعني شعار «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» إعادة تقديم البلاد بوصفها أمة مسيحية بيضاء، وهزيمة من يسعون إلى «استبدالهم»؛ أي وقف «غزو» المهاجرين وترحيل أكبر عدد ممكن منهم. وفي الوقت الراهن، في الأقل، يبدي بعض القوميين المسيحيين استعداداً لإدماج اليهود الصهاينة في ائتلافهم «اليهودي-المسيحي»، وقبولهم بوصفهم «بيضاً». لكن لاهوتهم يوحي بسيناريو آخر أقل ترحيباً. فبالنسبة إليهم، إسرائيل هي الأرض التي ينبغي أن يجتمع فيها اليهود كلّهم كي يعود المسيح ويقيم مملكته على الأرض؛ ومن يرفض منهم التحوّل إلى المسيحية يواجه عذاباً أبدياً في الجحيم، فيما يُرفع المسيحيون إلى السماء. لذلك لا تكاد هذه الصيغة من الفيلوسامية تخفي معاداة السامية الكامنة فيها. فبعيداً من قبول اليهود الصهاينة شركاء حقيقيين، تلتقي في النهاية مع معاداة السامية الصريحة لدى من ساروا في شارلوتسفيل في آب/أغسطس من عام 2017 هاتفين: «اليهود لن يستبدلونا»، ومع فروع الجمهوريين الشباب التي تداول أعضاؤها «نكاتاً» عن غرف الغاز ومديحاً لهتلر في محادثاتهم الجماعية. وينبغي التذكير هنا بأن اليمين الجديد هو الشريحة الوحيدة من المجتمع الأميركي التي ترتفع فيها معاداة السامية فعلاً.

يواجه اليهود الإسرائيليون أيضاً أزمة هوية، أدركوا ذلك أم لم يدركوه: كيف يوفّقون بين دعمهم الإبادة الجماعية في غزّة، أو إذعانهم لها في الأقل، وبين هوية متمحورة حول الهولوكوست، تقوم على الواجب الأخلاقي «لن يتكرّر ذلك أبداً»، وهو جوهر «تعليم الهولوكوست» كما يُلقَّن في كلّ مدرسة ومتحف في البلاد؟ حتى الآن، جرى التعامل مع التناقض بين الحظر الكوني للإبادة الجماعية وارتكاب الدولة الإسرائيلية لها عبر قدر من اللامنطق المشروط زمنياً: لأننا وقعنا ضحايا في الماضي، لا يمكن أن نصير مرتكبي الجريمة الآن. ويدعم ذلك شكل أصلب من العسكرة القومية: لقد تعلّمنا بالكلفة القاسية معنى عدم الردّ؛ لذلك نضرب الآن استباقياً، ونخلّص «أرضنا» من الفلسطينيين، ونمحوهم قبل أن يمحونا. وقد عبّر بنيامين نتنياهو عن هذه الفكرة في شأن إيران: ففي حين «طورد اليهود وذُبحوا» في الحقبة النازية، «نحن اليوم من يطارد أعداءه». وأضاف أنه لو لم تضرب إسرائيل إيران، لكانت «أسماء أصفهان ونطنز وفوردو وبوشهر»، أي المواقع النووية الإيرانية التي قُصفت، «تُذكر مثل أوشفيتز ومايدانيك وسوبيبور».21 بالنسبة إلى كثير من الإسرائيليين، صار لعبارة «لن يتكرّر ذلك أبداً» معنى جديد: لن يتكرّر ذلك أبداً ضدنا.

هنا، يتحوّل اليهودي بوصفه ضحية إلى «اليهودي الصلب» الذي يرفض أن يُساق مستسلماً إلى غرفة الغاز؛ ويقاتل بكلّ سلاح يمكن تصوّره، وينتصر بأي ثمن.22 وقد تجسّدت هذه الفكرة، «كنّا ضحايا في الماضي، أما الآن فنحن محاربون»، مادياً في تصميم مركز ياد فاشيم العالمي لإحياء ذكرى الهولوكوست في القدس، الذي يقود زوّاره من تجربة يهود شرق أوروبا، الموصوفين زوراً بالخنوع والوقوع ضحايا، إلى الصابرا الصلبين الذين استعادوا الوطن القديم، وأسّسوا الدولة الإسرائيلية الحديثة، وبنوا آلة القتل فيها.23 وقد تمثّل أمامي هذا «اليهودي الصلب» في تلك الرسالة التي وصلتني من إسرائيل بعد إدراجي على القائمة السوداء في كولونيا: «حتى أحفاد النازيين لا يطيقونك، يا عاهرة الكابو». يصوغ صاحب هذه الكلمات العشر صورة المنتقدين اليهود لإسرائيل بوصفهم كابو، ويقدّمهم زوراً كمتعاونين غير مكرهين يستحقون الاحتقار المشترك من «اليهود الحقيقيين» و«أحفاد النازيين». وبالمثل، يحوّل صاحب الرسالة الضحايا الفلسطينيين إلى مرتكبي جرائم نازيين، ومرتكبي الجرائم الإسرائيليين إلى ضحايا أولاً، ثم إلى محاربين. وإذ يعيد توظيف الكتيّب الألماني لرفع تقدير إسرائيل لذاتها، يروّج سردية زائفة عن الماضي كي يخفي إبادة جماعية حقيقية وجارية في الحاضر. ثم يتوّج البناء كلّه برجولة استعراضية كارهة للنساء.

ما الذي يترتّب على الهوية اليهودية داخل إسرائيل؟ هل صار التشبّث المتزايد بالقبلية الذكورية الصلبة الاستراتيجية الوحيدة المتاحة الآن؟ هل يمكن لصهيونية «ليبرالية-كونية» بعد نتنياهو أن تحتفظ بأي صدقية الآن، واستعارةً من أدورنو، «بعد غزّة»؟.24 أم ينبغي لإسرائيل أن تكفّ عن الوجود بوصفها «دولة يهودية» كي يتمكّن اليهود الذين يحملون جنسيتها اليوم من الاحتفاظ بمعنى لليهودية يستطيعون العيش معه؟ الواضح أن النظام الحاكم في إسرائيل خلق لهم صعوبات جديدة. أولاً، انكسرت العلاقة بالشتات إلى حدّ كبير. فاليهود الإسرائيليون باتوا مقطوعين عن جزء كبير من «يهود العالم»، الذي أخذ كثيرون منه يتبنّون مناهضة الصهيونية.25 وبالقدر نفسه، باتت علاقة اليهود الإسرائيليين بالأجيال المقبلة موضع سؤال، بما في ذلك أطفالهم أنفسهم، بعدما حمّلوهم ذنباً هائلاً. ماذا سيقولون عندما يطلب أحفادهم منهم تفسير هذه الإبادة الجماعية، لا تلك التي عاناها اليهود في القرن العشرين، بل تلك التي ارتكبوها في القرن الحادي والعشرين؟ صارت إسرائيل منبوذة، ومكروهة في جزء كبير من العالم، ويرجّح أن تبقى كذلك زمناً طويلاً. بالنسبة إلى اليهود الإسرائيليين أيضاً، تمثّل غزّة منعطفاً تاريخياً مفصلياً.

***

يكشف تتبّع معاني غزّة بوصفها حدثاً عالمياً عبر هذه السياقات المتقاطعة، ألمانيا والولايات المتّحدة ويهود العالم، أن اتهامات معاداة السامية تتشابك، في كلّ حالة، مع قلب أدوار الضحية ومرتكب الجريمة، ومع مواجهات زائفة مع الماضي، مدبّرة لحجب الحقيقة والتنصّل من المسؤولية. وفي كلّ حالة أيضاً، تظهر «غزّة» بوصفها علامة على تصدّع في النظام الأخلاقي الغربي، في محاولة لأن تحلّ محلّ «أوشفيتز» بوصفها الرمز الجديد للفظائع الإنسانية. ويمكن توسيع القائمة لتشمل بريطانيا، حيث فرض كير ستارمر، بدعم مؤسسي، نسخة عقابية من المكارثية الفيلوسامية على حزب العمّال، فطرد سلفه اليساري في قيادة الحزب، جيريمي كوربن، وجرّم دعم مجموعة «فلسطين أكشن» التضامنية. وفي فرنسا، أثبتت تكتيكات مؤسسية مماثلة ضد جان-لوك ميلانشون و«فرنسا الأبية» أنها أقل نجاحاً حتى الآن.

لكن ينبغي أيضاً النظر في معنى غزّة بالنسبة إلى مناطق من العالم ظلّت دائماً خارج النظام الأخلاقي الغربي المتمحور حول أوشفيتز، كما تبلور في سنوات ما بعد الحرب؛ أي بالنسبة إلى من رأوا، وعن حق، أن الإبادة النازية مشكلة أوروبية، فيما لديهم فظائعهم الخاصة التي يتعاملون معها، بوصفهم ضحايا أو مرتكبي جرائم أو الاثنين معاً. وتمثّل اليابان حالة معقّدة في هذا الصدد. لا أعرف عن البلاد ما يكفي لإطلاق أحكام نهائية، لكن لديّ أسئلة. فقد لفتني في كيوتو حجم التضامن مع الفلسطينيين الذي صادفته، والغياب الظاهر للمكارثية الفيلوسامية، على الرغم من التأييد شبه الشامل لأميركا. ولا شك في أن الغياب النسبي لليهود يشكّل جزءاً من القصة. لكنني تساءلت عمّا يمكن أن يكون فاعلاً أيضاً، بما في ذلك الديناميات النفسية الخاصة باليابان في موقع الضحية، وفي مواجهة ماضيها أو عدم مواجهته. فهناك جرائم الإمبراطورية اليابانية في غزواتها لتايوان وكوريا ومنشوريا ومساحة واسعة من الصين، إذ لا تزال مسألة الاعتذارات، المقدّمة أو المحجوبة، المقبولة أو المرفوضة، حاضرة بقوة. لكن هناك أيضاً سؤال علاقة اليابان بالدولة التي ألقت عليها قنبلتين ذريتين، وقتلت نحو 250 ألف شخص، لا من أجل حسم الحرب الساخنة، التي حُسمت عملياً، بل لانتزاع سبق في الحرب الباردة التي بدأت لتوّها، ثم أعادت بناءها بوصفها وكيلاً شرق آسيوياً مناهضاً للصين، فيما اعتمدت على وكيلها الشرق أوسطي لضمان إمداداتها النفطية. كيف ينسجم التأييد لفلسطين مع التأييد لأميركا في هذا السياق؟

***

تبقى فلسطين، بطبيعة الحال، نقطة الصفر في غزّة بوصفها حدثاً عالمياً. فالفلسطينيون هم فاعلو هذا الحدث، وقد صار صوتهم وحضورهم أشدّ وضوحاً الآن على المسرح العالمي، وهم موضوعه أيضاً بوصفهم أهدافاً إسرائيلية؛ إذ إن تصاعد الانتباه العالمي إلى محنة الفلسطينيين يدفع الصهاينة إلى مستويات جديدة من القمع المشحون بالغضب. والنتيجة، فيما يعمل بعضهم على إسكات الأصوات الفلسطينية ويسعى آخرون إلى تضخيمها، هي حرب بالكلمات وبالبنادق أيضاً؛ حرب لا تدور حول سؤال ما إذا كان التابع يستطيع أن يتكلّم، فقد فعل الفلسطينيون ذلك دائماً، بل حول ما إذا أمكن سماعهم، وإلى أي مدى.

تنطوي «غزّة»، بالنسبة إلى الفلسطينيين، على معانٍ متعددة ومتناقضة: ضرر مادي هائل مع ظهور عام متجدّد، وقمع متصاعد مع دعم متزايد، ويأس مع أمل. وتنقل هذه الرسالة موجة الأعمال الحديثة عبر سجلات مختلفة، بما فيها أعمال روائية حظيت بإشادة واسعة، مثل «السماء والأرض» لسحر خليفة (2014)، و«قناع بلون السماء» لباسم خندقجي (2023)، و«ادخل الشبح» لإيزابيلا حماد (2024)، و«مدينة الحرائق» لهالة عليان (2021)، و«الضفة الثالثة لنهر الأردن» لحسين البرغوثي (2026). ويبقى السؤال المفتوح هو ما إذا أمكن لهذا المزيج المربك من الخسارة المادية والمكسب الأخلاقي أن يتجه، في نهاية المطاف، نحو انتصار سياسي.

أشرت هنا إلى أن «غزّة» تدلّ على أمور كثيرة، ليس أقلها أزمة النظام الأخلاقي الغربي. وإذا سعت الآن إلى أن تحلّ محلّ «أوشفيتز» بوصفها الرمز السائد للفظائع الإنسانية، فهل يمكن لـ«غزّة» أيضاً أن تنطوي على مبدأ الأمل: أمل التضامن والعدالة الاجتماعية، وتقرير المصير، وإعادة الإعمار والترميم، والعناية بالكوكب؟

نُشِر هذا المقال في عدد آذار/مارس – نيسان/أبريل 2026 من New Left Review، وتُرجم إلى العربية ونُشر في موقع «صفر» بموافقة مسبقة من الجهة الناشرة.

  • 1

    Francesca Albanese, ‘Genocide as Colonial Erasure: Report of the Special Rapporteur on the Situation of Human Rights in the Palestinian Territories Occupied Since 1967’, presented to the un General Assembly on 1 October 2024; Kaouther Ben Hania, The Voice of Hind Rajab, 2025; Refaat Alareer, If I Must Die: Poetry and Prose, New York 2025; Rashid Khalidi, ‘“A New Abyss”: Gaza and the Hundred Years’ War on Palestine’, Guardian, 11 April 2024; Rabea Eghbariah, ‘Toward Nakba as a Legal Concept’, Columbia Law Review, vol. 124, no. 4, May 2024.

    ملاحظة: قُدّم تقرير ألبانيز إلى الجمعية العامة للأمم المتّحدة في 1 تشرين الأول/أكتوبر 2024.

  • 2

    Peter Novick, The Holocaust in American Life, New York 1999.

    ملاحظة: هذا هو المرجع الكلاسيكي في هذا السياق.

  • 3

    ‘Open Letter’, 1 November 2023, on the Philosophy for Palestine website.

    أنظر.ي أيضاً:

     ‘Withdrawal of the Albertus Magnus Professorship 2024: Statement’, University of Cologne, 8 April 2024.

  • 4

    Albanese, ‘Genocide as Colonial Erasure’.

  • 5

    Susan Neiman, ‘Historical Reckoning Gone Haywire’, nyrb, 19 October 2023.

  • 6

    بلغ هذا الإجماع حدّاً أثار ردّ فعل من تيار من المؤرخين المحافظين، قاده إرنست نولته، رفض فكرة عدم إمكان مقارنة برنامج الإبادة النازي بإبادات جماعية أخرى. وأدّى Historikerstreit بدوره إلى تصلّب الإجماع القائل إن إبادة اليهود لا تقبل المقارنة فعلاً، وهو موقف دافع عنه يورغن هابرماس.

    أنظر.ي:

    Neiman, Learning from the Germans: Confronting Race and the Memory of Evil, New York 2019.

  • 7

    Neiman, ‘Historical Reckoning Gone Haywire’.

  • 8

    Nicole Deitelhoff, Rainer Forst, Klaus Günther and Jürgen Habermas, ‘Principles of Solidarity. A Statement’, 13 November 2023.

    ملاحظة: البيان متاح على موقع Normative Orders Research Centre at the Goethe-Universität Frankfurt. وعلى الرغم من أن هابرماس وزملاءه أصدروا بيانهم باسم «التضامن»، فقد رفض بعد أشهر عدّة توقيع رسالة مفتوحة تحتجّ على إدراجي على القائمة السوداء من جامعة كولونيا. التضامن مع من وعلى أي أساس؟ يؤلمني أن أكتب هذا عنه، بعدما تعلّمت الكثير من هابرماس في الماضي.

    لمزيد من التأملات، أنظر.ي: ‘After Habermas’, lrb Blog, 25 March 2026.

  • 9

    طُرحت هذه النقاط في الردّ على بيان ‘Principles of Solidarity’، الذي نُشر في Guardian بعد أسبوع.

    أنظر.ي:

    Adam Tooze, Samuel Moyn, Amia Srinivasan, Nancy Fraser et al., ‘The Principle of Human Dignity Must Apply to All Peoples’, Guardian, 22 November 2023.

  • 10

    على سبيل المثال، وقّعت أكثر من 130 شخصية أكاديمية ألمانية ودولية بيان تضامن احتجاجاً على إجراء جامعة كولونيا. أنظر.ي:

    ‘Statement on the Withdrawal of Nancy Fraser’s Appointment to the Albertus Magnus Professorship at the University of Cologne’, 5 April 2024, available on the Critical Theory in Berlin website.

    أنظر.ي أيضاً:

    Hanno Hauenstein, ‘Nancy Fraser über Ausladung von Uni Köln’, Frankfurter Rundschau, 11 April 2024; Elisabeth von Thadden, ‘Ich bin kein Staat! Ich bin ein freier Mensch!’, Die Zeit, 9 April 2024.

  • 11

    K. Healan Gaston, Imagining Judeo-Christian America: Religion, Secularism and the Redefinition of Democracy, Chicago 2019.

  • 12

    كان القاضي اليهودي الأميركي إرفينغ ر. كوفمان هو من حكم على إيثل وجوليوس روزنبرغ بالموت على الكرسي الكهربائي.

  • 13

    الشكر لإيلي زارتسكي على اقتراح هذه النقطة.

  • 14

    يقدّم فيلم علي عباسي The Apprentice، الصادر في عام 2024، معالجة درامية موحية لعلاقة كوهن بترامب.

  • 15

    Alan Blinder, ‘How Universities Are Responding to Trump’, nyt, 5 February 2026; Alan Blinder and Michael Bender, ‘The Billionaire Behind Trump’s Deal for Universities’, nyt, 3 October 2025.

    ملاحظة: أما جامعتا رابطة اللبلاب اللتان استُثنيتا فهما Dartmouth College وYale، بعدما بادرتا مسبقاً إلى قمع الطلبة المؤيدين لفلسطين. أنظر.ي:

     Asher Boiskin and Isobel McClure, ‘Yale Spared for Now from Trump’s Punitive Ivy Funding Cuts’, Yale Daily News, 17 May 2025; ‘How One Ivy League University Avoided the President’s Wrath’, Economist, 1 May 2025.

  • 16

    Michael Bender and Alan Binder, ‘Trump Administration Targets Harvard with Two New Investigations’, nyt, 23 March 2026.

  • 17

    مثل مفوّضي معاداة السامية في ألمانيا، ينصّب ترامب نفسه حكماً على من يكون يهودياً حقيقياً ومن لا يكون كذلك. ولم يتردّد ترامب في أن يقرّر أي اليهود «أغبياء»، أي أولئك الذين صوّتوا لزهران ممداني في انتخابات رئاسة بلدية نيويورك في عام 2025. وقد كشف انتصار ممداني، على نحو دالّ، الحدود الشعبية للمكارثية الفيلوسامية في مدينة تُعدّ قبلة للمهاجرين وموطناً لنحو مليون يهودي، وهي أكبر جماعة من هذا النوع خارج إسرائيل. كما أن قلة قليلة اكترثت حين أدّى العمدة الجديد اليمين على القرآن.

  • 18

    Greg Jaffe and Elizabeth Dias, ‘Hegseth Invokes Divine Purpose to Justify Military Might’, nyt, 20 March 2026.

  • 19

     الشكر لآشلي بورر على إصرارها على هذه النقطة.

    للاطّلاع على مسح للنماذج، أنظر.ي:

    Ben Lorber, ‘Jewish Alternatives to Zionism: A Partial History’, Jewish Voice for Peace, 12 January 2019.

    وللاطّلاع على تاريخ جديد للبوند العمالي اليهودي، أنظر.ي:

    Molly Crabapple, Here Where We Live Is Our Country: The Story of the Jewish Bund, London 2026.

    أنظر.ي أيضاً مراجعة:

    Sam Adler-Bell: ‘“For Leftist Jews, the Bund Is a Model”: The Radical History behind one of Europe’s Biggest Socialist Movements’, Guardian, 7 April 2026.

    ولعرض متأنٍّ للمآزق الكامنة في أي محاولة للإجابة عن «المسألة اليهودية»، أنظر.ي:

    Joseph Dana, ‘The Long Shadow of the “Jewish Question”’, The Nation, 16 February 2026.

  • 20

    Isaac Deutscher, ‘The Non-Jewish Jew’ (1958), in The Non-Jewish Jew and Other Essays, London and New York 2017.

  • 21

    نُقل عن:

     David Halbfinger, ‘Israelis Don’t Feel Much Like Victors in War with Iran’, nyt, 13 April 2026.

  • 22

    Paul Breines, Tough Jews: Political Fantasies and the Moral Dilemma of American Jewry, New York 1990.

  • 23

    عن تصميم ياد فاشيم، أنظر.ي:

     Idith Zertal, ‘The Bearers and the Burdens: Holocaust Survivors in Zionist Discourse’, Constellations, vol. 5, no. 2, 1998.

    وللاطّلاع على الرأي القائل إن يهود الطبقة العاملة في الشرق ذهبوا إلى موتهم في المعسكرات بخنوع، انظر/ي: Hannah Arendt, Eichmann in Jerusalem, London 1963.

    ولردّ قوي يرى أن هذه الفئة، في المتوسط، امتلكت روابط يسارية نضالية أقوى وكانت أكثر ميلاً إلى المقاومة من اليهود الألمان «المحترمين» الذين تعرّفت أرندت إلى نفسها من خلالهم، انظر/ي: 

    Gertrude Ezorsky, ‘Hannah Arendt against the Facts’, New Politics, vol. 2, no. 4, 1963.

  • 24

    «كتابة الشعر بعد أوشفيتز عمل بربري».

    أنظر.ي:

    Theodor Adorno, ‘Cultural Criticism and Society’ (1949), in Prisms, trans. Samuel and Sherry Weber, Cambridge ma 1981, p. 34.

  • 25

    في تشرين الأول/أكتوبر من عام 2025، وجد استطلاع أجرته Washington Post بين اليهود في الولايات المتّحدة أن 61% اعتبروا أن إسرائيل ترتكب جرائم حرب في غزّة، فيما رأى 39% أنها ترتكب إبادة جماعية.

نانسي فريزر

فيلسوفة ومنظرة ونسوية أميركية، أستاذة في الفلسفة في جامعة مدينة نيويورك. تشتهر فريزر بنقد سياسات الهوية والنسوية الليبرالية المعاصرة.