معاينة Hero

غزة: قصة إبادة جماعية

  • مراجعة لكتاب «غزة: قصة إبادة جماعية» تحرير فاطمة بوتو وسونيا فاليرو. يضع هذا الكتاب الإبادة في غزة ضمن تاريخ الاستعمار الاستيطاني والعنف الإمبريالي، بوصفها عملية مستمرة تتكشف عبر القتل والتجويع والتهجير وتدمير شروط الحياة. يجمع الكتاب شهادات ونصوصاً تعيد مركزية التجربة الفلسطينية الحيّة وتكسر برودة الأرقام عبر استحضار الوجوه والأسماء والقصص.

أعيذُكِ أنْ تصابي

أو تعاني

فقدْ حوّطتُ بالسبعِ

المثاني 

مِنَ الفسفورِ طعمَ البرتقالِ

وألوانَ السحابِ

مِنَ الدخانِ 

أعيذُكِ

إنَّ مَنْ عَشِقا وماتا

سينقشعُ الغبارُ

ويضحكانِ

مقتطف من قصيدة «أعيذك»، لهبة أبو ندى. 

وُلد هذا النص في الأسابيع الأولى من الإبادة الجماعية، قبل وقت قصير من استشهاد هبة أبو ندى في غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلها في خان يونس، غزة، في 20 تشرين الأولأكتوبر 2023، قبل أن تكمل عامها الثاني والثلاثين.

 

لا تزال قصة الإبادة الجماعية في غزة قيد الكتابة. أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، في أحدث حصيلة صدرت في أثناء كتابة هذه السطور بتاريخ 24 شباط/فبراير 2026، استشهاد ما لا يقل عن 72,073 فلسطينياً وإصابة 171,749 آخرين منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. لكن هذه الحصيلة الرسمية للشهداء، التي تواصل ارتفاعها يومياً، لا تلامس سوى جزءاً من الحقيقة، لأنها تحصي فقط من وصلوا إلى المستشفيات أو سُجّلوا قتلى بوصفهم ضحايا مباشرين للعنف العسكري الإسرائيلي. أما الوفيات غير المباشرة، من مجاعة أو تعرّض للعوامل الطبيعية القاسية أو حرمان من الرعاية الطبية، ومعها من بقوا تحت الركام، أو احتُجزت جثامينهم في مراكز احتجاز، أو ابتلعهم الإخفاء الذي يمارسه النظام الإسرائيلي، فما تزال خارج العدّ. خلص تقرير نشرته ذا لانسيت في تموز/يوليو 2024، بالاستناد إلى منهجية كمية تأخذ هذه المعطيات في الحسبان، أن عدد الوفيات المنسوبة إلى الإبادة الجماعية قد يصل إلى 186,000 وفاة أو أكثر. وقدّم تقرير صادر في تموز/يوليو 2025، واستند إلى منهجية مشابهة، تقديراً يرفع الحصيلة المحتملة إلى 680,000.

مع ذلك، تعجز الإحصاءات عن احتساب وطأة المعاناة الإنسانية، كما تعجز عن تحديد الامتداد الكامل لحيّز الإفناء في قطاع غزة. غالباً ما تحجب الأرقام حياة الأفراد بدل أن تمثّلها، وكلّ حياة فلسطينية تُزهَق في الإبادة الجماعية المتواصلة هي مأساة قائمة بذاتها. وعلى خلاف الإحصاءات، تتيح القصص نقل التجربة الإنسانية ومشاركتها. ومن خلال القصص الرقمية، التي بثّها الفلسطينيون أنفسهم في خلال «أول إبادة جماعية منقولة مباشرة في العالم»، شهد كثيرون منّا هول «حرب» إسرائيل على الحياة. وأمام هذا المشهد، يبدو حتى مفهوم «الإبادة الجماعية» عاجزاً عن الإحاطة بما يتجاوز القول، أو عن أن ينوب لغوياً عمّا يستعصي على النطق.

تعجز الإحصاءات عن احتساب وطأة المعاناة الإنسانية، كما تعجز عن تحديد الامتداد الكامل لحيّز الإفناء في قطاع غزة

يشكّل أدب السيرة الذاتية، ومعه السرد الشخصي والشهادات المباشرة، سمةً راسخة ومهمّة في الأدب الفلسطيني الحديث. ومن اللافت أن كثيراً من اليوميات والمختارات التي تضم شهادات مباشرة عن الإبادة الجماعية المتواصلة صدرت منذ العام 2023. ويختلف كتاب «غزة: قصة إبادة جماعية» عن هذه الشهادات المباشرة لأنه يعتمد مقاربة متعددة الأشكال، تضم التحليل والكتابة التقريرية والشعر والأعمال الفنية ولوحات الرواية المصوّرة والمقابلات، إلى جانب شهادات مباشرة من داخل غزة وخارجها. وعلى هذا النحو، تقدّم المختارات مشهداً بانورامياً للإبادة الجماعية من خلال تجارب وخبرات وممارسات ثقافية لمساهمين فلسطينيين، في غالبيتهم، من غزة والأراضي المحتلة والشتات في العالم.

 ترسم المقالات الافتتاحية في الكتاب ملامح السياق التاريخي-السياسي للإبادة الجماعية المتواصلة. وتشدد يارا هواري على أن الأساس المادي للدعم الأميركي لإسرائيل، أي «العلاقة الخاصة» التي منحت الضوء الأخضر للإبادة الجماعية، يقوم على المصالح الإمبريالية الطويلة الأمد للولايات المتّحدة في الشرق الأوسط. ويتتبع نصّ هواري سلالة الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي، من هرتسل إلى نتنياهو، ليؤكد أن الإبادة الجماعية، ومعها التطهير العرقي المتواصل لفلسطين المحتلة، لا تشكّل انحرافاً طارئاً، بل تواصل مشروع بدأ قبل أكثر من قرن.

 تُفكّك ماري طرفة أيديولوجيا الصهيونية العنصرية التفوقية في تحليلها للمجتمع الإسرائيلي، مستندةً إلى كتب المرحلة الابتدائية ومقالات الصحف والنصوص الأكاديمية والوثائق التاريخية والأقوال الموثّقة، من كلام الأطفال في الشارع إلى مداخلات أعضاء الكنيست، وإلى تصنيف للمنشورات الصادمة واسعة الانتشار التي نشرها جنود جيش الحرب الإسرائيلي في غزة على وسائل التواصل الاجتماعي. ويُظهر هذا التحليل أن الصهيونية صنعت من إسرائيل مجتمعاً «مريضاً» على المستوى النفسي، يتعلّم فيه المواطنون اليهود أن يروا الفلسطيني «عبر منظار البندقية».

تكتب مريم البرغوثي من قلب الضفة الغربية المحتلة، وتستعيد الأعوام الثلاثة التي سبقت 7 تشرين الأول/أكتوبر، تلك التي «مهّدت لحملة إسرائيل المتواصلة على غزة وما بعدها». وشهدت تلك الأعوام جولة جديدة من التوسع الاستعماري الاستيطاني، والضمّ، وتصاعد التطهير العرقي، إلى جانب شنّ هجوم على غزة، وارتفاع حالات الاعتقال الإداري وعمليات القتل خارج نطاق القضاء، فضلاً عن ضربات الطائرات المسيّرة والغارات الجوية وتجريب أسلحة جديدة في الضفة الغربية المحتلة، مثل مسيّرة «كوادكوبتر» التي تنتجها شركة إلبيت سيستمز، والتي ظهرت لاحقاً في غزة. وفي خلال تلك المرحلة، غدا إطلاق النار على الفلسطينيين وقتلهم في الأراضي المحتلة، ولا يزال، مشهداً يومياً متكرّراً: «أُطلق النار عليهم عند الحواجز، وفي أثناء قيادتهم ولعبهم وصلاتهم». وتشدّد البرغوثي على أن «النصف الأول من العام 2023 شهد، حتى قبل الإبادة الجماعية، أكثر الفترات دموية بحق الفلسطينيين منذ أن بدأت الأمم المتّحدة تسجيل الوفيات في العام 2005»، بما في ذلك «أعداد غير مسبوقة من الأطفال». ومع تتابع أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر، تكتب البرغوثي: «راقبنا ونحن مشلولون»، ثم تضيف: «كنّا نعرف ما الذي سيأتي، لأنه سبق أن جاء إلينا».

يضع طارق بقعوني عملية طوفان الأقصى، الهجوم الذي قادته حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، في سياق تاريخ المقاومة الفلسطينية ونضالات أوسع مناهضة للاستعمار. وينظر إلى الهجوم، الذي قُتل فيه أكثر من 1,200 شخص، بوصفه «عرضاً غير مسبوق ودامياً لعنف مناهض للاستعمار»، لا يُفهم إلا بوصفه ردّاً على «إصرار إسرائيل، على مدى أكثر من 75 عاماً، على احتلال شعب آخر ومحاصرته وحرمانه من حريته وحقه في تقرير المصير».

جاء ردّ إسرائيل إبادياً منذ البدء. وكما تكتب ليلى العريان، حوّلت إسرائيل غزة إلى «قفص قتل، صار فيه كل فلسطيني... يُعامَل بوصفه عدواً، وهدفاً مشروعاً للذبح». وتوثّق العريان الوجوه المتعددة التي استهدفت بها إسرائيل المدنيين منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، وكيف دمّرت في الوقت نفسه «كل ما يمنح الحياة ويُبقيها ممكنة»:

«استهدفت الجامعات والمدارس والمساجد والكنائس والمخابز والمستشفيات والمنازل. منازل كثيرة. وهاجمت محطات المياه وقوارب الصيد وقوافل المساعدات. واستهدفت أطفالاً كانوا يجلبون الماء وبالغين اصطفّوا للحصول على الطحين وناساً دفنوا موتاهم وجدّات لوّحن برايات بيضاء. وقنصت أطفالاً في الرأس والقلب. وأعدمت رجالاً من مسافة قريبة أمام زوجاتهم وأطفالهم. ولم تدع حتى الموتى ينعمون بالسكينة، إذ جرفت المقابر ونبشت الجثامين مراراً».

يختلف كتاب «غزة: قصة إبادة جماعية» عن هذه الشهادات المباشرة لأنه يعتمد مقاربة متعددة الأشكال، تضم التحليل والكتابة التقريرية والشعر والأعمال الفنية ولوحات الرواية المصوّرة والمقابلات، إلى جانب شهادات مباشرة من داخل غزة وخارجها

تلفت العريان أيضاً إلى الاختصار WCNSF (طفل جريح ليس له عائلة على قيد الحياة)، وهو اختصار خاص بغزة، يستخدمه العاملون في القطاع الصحي منذ بداية الإبادة الجماعية لعلاج الأطفال وحمايتهم. تحيل صفة «جريح» في هذا التعبير إلى الجروح الجسدية، غير أن العبارة تستدعي كذلك التفكير في الندوب النفسية والعاطفية التي يحملها هؤلاء الأطفال، وهي ندوب يتعذر تصور مداها.

وصفت اليونيسف غزة بأنها «مقبرة للأطفال». ومن بين ركام هذه الأرقام، تستعيد إيمان بشير بعضاً من ذكرى هؤلاء الأطفال، وهي تعود إلى حياتها معلّمةً في مدرسة للبنات في بيت حانون. وتتذكر طالباتها السابقات بوصفهن «شابات امتلأت حيواتهن بالمقاومة النسوية»، و«وجدن في الكلمات قوة»، و«كتبن قصصاً صارت فيها النساء بطلات، ونظمن قصائد غضبت للظلم». تمنح بشير بعض هؤلاء الشابات، اللواتي سرقتهن الإبادة الجماعية، أسماءً وملامح وشخصيات تجعل حضورهن ممكناً في الخيال. ومن بينهن جنان المصري، «حضور هادئ لكن متوهج»، وكانت «ابتسامتها الخجولة تكشف فخرها حين يصفّق لها الآخرون». واختيرت جنان لتلقي كلمة عن السلام، لكن غارة جوية إسرائيلية قتلتها قبل أن «تقولها للعالم». وتكتب بشير: «لا شيء يهيّئ معلّمة لحضور جنازات طالباتها، واحدة تلو الأخرى». ثم تسأل: «ماذا كان يمكن أن يصبحن لو أن العالم اكترث بما يكفي ليحمي حقهن في الحلم؟».

تلفت سوزان أبو الهوى النظر إلى النزوع الإفنائي للاستعمار، بوصفه قوة تُخضع وتستغلّ وتهجّر وتدمّر أشكال الحياة كلها، بما في ذلك الأرض نفسها، في خدمة مقاصده الخاصة. ويتناول مقالها الكيفية التي أفنت بها إسرائيل الحياة غير البشرية والموائل الطبيعية والتنوع الحيوي في قطاع غزة. وعلى الرغم من أن النطاق الكامل لهذه الإبادة البيئية ما يزال غير معلوم، فإن محو الأراضي الرطبة في وادي غزة، وهي موقع رئيس لاستراحة ملايين الطيور المهاجرة، أفضى إلى تقدير يرى أن نحو 250 نوعاً من الطيور قد ينقرض بسبب الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة.

 وتتناول نينا لاخاني أيضاً الإبادة البيئية في فصل يوثّق ما خلّفته إسرائيل من دمار بيئي في قطاع غزة والطرق المتعددة التي حوّلت عبرها الغذاء والمياه إلى سلاح. ويرسم النص موازاة لافتة بين إسرائيل وغواتيمالا من خلال استخدامهما تكتيكات الأرض المحروقة لارتكاب الإبادة الجماعية والسعي إلى الفصل الدائم بين السكان الأصليين وأراضيهم. وفي الفصل التالي تشارك نور الياقوبي تجربتها في النجاة من الحصار والمجاعة في غزة. وتصف الحاجة اليومية إلى البحث عن الغذاء والمياه وتقنينهما وإحساس الجوع والعطش والحلم بالخبز ثم مفارقة أن «كيس الطحين صار أعظم ما يبعث في نفسها الطمأنينة». وتروي أيضاً بتأثر تجربتها في إرضاع طفلتها الأولى ليا في ظل هذه الظروف الكارثية.

وتكشف ملكة شويخ مستويات قصوى من العنف والتعذيب والانتهاك والقتل المسموح بها داخل السجون الإسرائيلية. وتؤكد أن «إباحة العنف» هذه تصدر عن القوة القائمة بالاحتلال التي تنظر إلى الفلسطينيين بوصفهم «حيوات مباحة»، أي حيوات يُنظر إليها على أنها قابلة للإهلاك. وفي مقاله عن احتجازه داخل مركز احتجاز عسكري إسرائيلي، يعرّي مصعب أبو توهة عنف هذه الفضاءات الشبيهة بالجحيم. ويأتي النص في نثر جسدي مشحون بالعاطفة، يعبّر بصورة حادّة عن الألم الجسدي والنفسي والعاطفي الذي اختبره. 

يأتي «غزة: قصة إبادة جماعية» عملاً أساسياً يجمع أصواتاً وشهادات توثّق وحشية النظام الإسرائيلي وصمود الشعب الفلسطيني المتواصل

مع كل صفحة جديدة، تكشف هذه المختارات طيفاً متعدداً من الأهوال. وكيف يمكن أن يكون الأمر على غير ذلك؟ لكن هذه الصفحات نفسها تحمل أيضاً لحظات من الفرح والأمل والحب. نشارك أبو توهة فرحته حين يخرج من الاحتجاز، وحين يسمع فجأة ابنته تهتف «بابا!» بينما يبحث عن عائلته. وتتعلّق الياقوبي بالأمل في أن يمتلئ عالم ابنتها ليا بالألوان والنكهات من جديد يوماً ما، وتحلم بأن تتذوّق أول لقمة حلوة وأن تكبر قوية ومعافاة في حياة تتجاوز الحرب والندرة. وفي الكلمة الختامية، تضيء يارا عيد على أن «الحب في غزة حاضر في كل مكان، حتى في قلب الإبادة الجماعية»:

 لولا حبّنا لأرضنا وللفلسطينيين الذين تنتمي إليهم، كيف كنّا سنبقى أحياء؟ ولماذا كنّا سنواصل القتال من أجل تحريرها؟

يأتي «غزة: قصة إبادة جماعية» عملاً أساسياً يجمع أصواتاً وشهادات توثّق وحشية النظام الإسرائيلي وصمود الشعب الفلسطيني المتواصل. ويضيف الكتاب إسهاماً مهماً إلى الأدب الفلسطيني في الفضاء الأنغلوفوني. وتستحق محرّرتاه التقدير لأنهما جمعتا هذا العدد من الأصوات القيّمة ونسّقتاه في كتاب واحد، في ظروف بالغة القسوة.

ويمكن تسجيل ملاحظة نقدية صغيرة هنا: لو أُرفق بكل مساهمة تاريخ كتابتها، لازدادت فائدة الكتاب. فكل نص يلتقط لحظة بعينها، ويعبّر عن استجابة محددة، ويشكّل واقعة قائمة بذاتها داخل الزمن التاريخي للإبادة الجماعية. ومعرفة تاريخ كتابة هذه النصوص كانت ستساعد القارئ على وضعها في سياقاتها التاريخية الخاصة. غير أن هذا الغياب لا ينتقص من قيمة الكتاب بأي شكل. وتبقى هذه المراجعة محدودة لأنها لا تستطيع أن تشمل جميع النصوص الواردة في هذه المختارات ولا أن تنصفها جميعاً. ويستحق «غزة: قصة إبادة جماعية» أن يقرأه جمهور واسع، لكنه يطلب من قارئه أكثر من القراءة. ففي مقدمة الكتاب، يسأل أبو توهة: «لماذا نكتب؟ ولماذا نتشارك القصص؟». وقد اكتسب هذان السؤالان الكونيان إلحاحاً بالغاً لدى رواة غزة. ويحدو الأمل أن يدفعا قرّاء هذه المختارات إلى الفعل، كلٌّ بما يستطيع، من أجل وضع حدّ للإبادة الجماعية، ودعم الناجين منها، والنضال من أجل تحرير فلسطين.

نُشِر هذا المقال في 23 آذار/مارس 2026 على موقع Marx & Philosophy Review of Books، وتُرجِم إلى العربية ونُشِر في «صفر» بموجب رخصة المشاع الإبداعي.