أول مسح ميداني في غزّة:
حصيلة الضحايا أعلى بـ35% من الأرقام الرسمية
كلّما اتّسع نطاق الدمار الذي يطال البنية التحتية المدنية والمنظومات الصحية، ازدادت صعوبة توثيق عدد الضحايا بدقّة. فحين تُقصف المستشفيات، وتنهار أنظمة المعلومات، ويُهجَّر السكّان قسراً، لا يعود العدّ مجرّد عملية إحصائية، بل يتحوّل إلى مهمة شبه مستحيلة.
في دراسة جديدة عن أعداد ضحايا الإبادة الجماعية في قطاع غزّة، نشرتها مجلة «لانسيت للصحة العالمية»، أجرى فريقٌ بحثي مسحاً ميدانياً مباشراً شمل 2,000 أسرة تضمّ 9,729 فرداً، خلال الفترة بين كانون الأول/ديسمبر 2024 وكانون الثاني/يناير 2025. ويُقدّر المسح أنّ حصيلة الوفيات العنيفة، أي التي حدثت بفعل القتل المباشر، تفوق أرقام وزارة الصحة الفلسطينية بنحو 35%، وهو فارقٌ كبير يعكس فجواتٍ بنيوية في آليات الإحصاء خلال الحرب.
لا يقتصر الأمر على الرقم الإجمالي؛ إذ تُفصّل الدراسة توزيع الوفيات بحسب الفئات العمرية والجندرية، مُظهرةً نسباً مرتفعة بين النساء والأطفال وكبار السن، فضلاً عن رصدها ما يُعرف بـ«الوفيات غير العنيفة الزائدة»، أي الناجمة عن انهيار النظام الصحي، وانقطاع الخدمات الأساسية، ونقص الغذاء والدواء. وهذه خسائر غالباً ما تبقى خارج العدّ الرسمي، على الرغم من كونها نتيجة مباشرة للعدوان والدمار الشامل.
وتكتسب نتائج المسح أهميتها من كونها تتجاوز آلية الإحصاء الرسمية التي تعتمدها وزارة الصحة في غزة، والتي تقوم أساساً على تسجيل الوفيات المؤكَّدة داخل المستشفيات. فهذه المنهجية، على أهميتها، تعجز عن الإحاطة بالحجم الفعلي للكارثة في ظلّ انهيار النظام الصحي، وتعطّل قواعد البيانات، وتدمير المستشفيات، وتسوية أحياءٍ ومدنٍ كاملة بالأرض. ومن هنا، تبرز قيمة المعطيات الميدانية التي تقدّمها الدراسة بوصفها أداةً ضرورية لسدّ فجوات العدّ الرسمي، ولتكوين صورةٍ أقرب إلى الواقع عن الكلفة البشرية للإبادة.
1. الفجوة العددية: نحو ثلث الوفيات غير مُحتسب
تُقدّر الدراسة وقوع 75,200 وفاة عنيفة بين 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 و5 كانون الثاني/يناير 2025. وبما أنّ المسوح السكانية لا تُنتج رقماً يقينياً واحداً، يحدّد الباحثون نطاقاً تقديرياً يتراوح بين 63,600 و86,800 وفاة. وحتى عند اعتماد الحدّ الأدنى من هذا المجال، فإنّ الحصيلة تشير إلى مستوى هائل من العنف قياساً بحجم القطاع، بما يعادل نحو 3.4% من سكان غزة.
في المقابل، بلغ عدد الوفيات العنيفة المُعلَن من وزارة الصحة في غزة للفترة نفسها 49,090 وفاة. أي أنّ الرقم الرسمي يقلّ بنسبة 34.7% عن التقدير المركزي للدراسة، ما يعني أنّ الإحصاء الرسمي يغفل قرابة ثلث الوفيات العنيفة. وتؤكّد هذه النتائج ما خلصت إليه دراسات أخرى اعتمدت منهجيات مختلفة، وهو أنّ بيانات وزارة الصحة لا تُضخّم الحصيلة، بل تميل إلى التقليل من إجمالي الوفيات المباشرة.
وتقرّ الدراسة أيضاً بحدود العمل الميداني تحت القصف. فخلال جمع البيانات، كانت غزة مقسّمة إلى مناطق متاحة وأخرى يتعذّر الوصول إليها. وتقدّر الورقة أنّ ما بين 20% و22% من سكان غزة قبل العدوان، أي نحو 449 ألفاً إلى 494 ألف شخص، كانوا يقيمون في شمال غزة ومدينة غزة ورفح، وهي مناطق تعذّر على الفرق الميدانية دخولها بسبب القتال النشط والقيود على الحركة التي فرضتها إسرائيل. ولمعالجة هذا القيد، جرى اختيار العيّنة في المناطق المتاحة، واستخدام تجمّعات النازحين لتمثيل المحافظات غير المتاحة.
وعلى الرغم من أنّ هذا الإجراء يُعدّ حلاً عملياً في سياق استثنائي، فإنه يشكّل في الوقت نفسه قيداً جوهرياً على دقّة التقدير، إذ إنّ الأُسر التي أُبيدت بالكامل، أو التي بقيت خارج نطاق المسح في شمال غزة، لم تدخل ضمن حسابات الدراسة، ما يرجّح أن تكون الحصيلة الفعلية أعلى من التقديرات الواردة فيها.
2. توزيع الضحايا: المدنيون الأكثر هشاشة في الصدارة
تُظهر نتائج الدراسة أنّ النساء والأطفال (دون 18 عاماً) وكبار السن (فوق 64 عاماً) شكّلوا 56.2% من مجموع الوفيات العنيفة، أي ما يُقدَّر بنحو 42,200 وفاة. ويتوزّع هذا الرقم على 22,800 طفل، و16,600 امرأة بين 18 و64 عاماً، و2,870 شخصاً فوق 64 عاماً، إضافةً إلى 32,900 رجل بين 18 و64 عاماً.
وتشير الدراسة إلى أنّ وزارة الصحة في غزة أفادت بأن 54.0% من الوفيات المسجَّلة كانت بين النساء والأطفال وكبار السن، وهي نسبة «تتطابق بدرجة وثيقة» مع تقدير المسح البالغ 56.2%.
ويعني ذلك أنّه حتى لو كان النظام الرسمي يُغفل جزءاً من الوفيات من حيث العدد الإجمالي، فإنّ نمط توزيع الضحايا ديموغرافياً كان يُلتقط بصورة متّسقة. وبذلك، فإنّ المعطيات الميدانية المستقلة تعزّز الاستنتاج القائل بأنّ الكلفة البشرية للحرب طالت المدنيين على نطاق واسع، بما في ذلك الفئات الأكثر هشاشة، ما يُبقي الاتهامات المتعلقة بالاستهداف الواسع للمدنيين قائمة.
3. الوفيات غير المباشرة: كبيرة ولكن دون القتل المباشر
شكّلت الوفيات غير المباشرة مصدر قلقٍ بالغ منذ الأيام الأولى للإبادة، ولا سيما في ضوء التدمير المنهجي لشروط البقاء في قطاع غزة، من غذاءٍ ومياه ومأوى ورعاية صحية وخدمات صرف صحي.
يُقدّر المسح وقوع 16,300 وفاة غير عنيفة خلال الفترة المدروسة. ولعزل الجزء المرجّح ارتباطه بظروف الحرب، احتسب الباحثون ما مجموعه 8,540 وفاة زائدة غير عنيفة، أي تلك التي تجاوزت العدد الطبيعي المتوقع في فترة مماثلة في غياب الحرب.
وجرى احتساب الوفيات الزائدة عبر طرح عدد الوفيات الطبيعية المسجّلة في فترة مماثلة قبل الإبادة، والبالغ 7,716 وفاة، من إجمالي الوفيات غير المباشرة التي رصدها المسح. صحيحٌ أنّ هذا الأسلوب ليس مثالياً، كما هي الحال في معظم التقديرات الاستشرافية، لكنه يظل إجراءً منهجياً شفافاً يتيح تتبّع كيفية بناء مفهوم «الوفيات الزائدة» وحسابه.
كذلك يقدّر البحث وجود 12,200 مفقود، معظمهم من الرجال بين 18 و64 عاماً (نحو 8,470 شخصاً)، إضافةً إلى نحو 3,610 أطفال. ويشير الباحثون إلى أنّ نسبة من قد يكونون متوفّين من بين هؤلاء المفقودين ما تزال غير واضحة. وبذلك، تبقى تقديرات الوفيات مقيدة بما أمكن التحقّق منه ميدانياً، فيما يظل ملفّ المفقودين الأكثر غموضاً، والأصعب حسماً من الناحية الإحصائية والإنسانية.
4. الدلالة المنهجية والسياسية للمسح
يُظهر هذا البحث أنّ مسوح وفيات الأُسر تظلّ قابلة للتنفيذ حتى في بيئات نزاع بالغة القسوة. كما يدعو إلى تعدّد مقاربات التقدير المستقلة، بدل الاكتفاء بمسارٍ واحد يُعامَل بوصفه مرجعية نهائية. هذا هو الدرس المؤسسي الكامن خلف الأرقام: حين تنهار الأنظمة الإدارية وتتصدّع قواعد البيانات الرسمية، لا يتوقّف القياس، بل يمكن إعادة بنائه بأدواتٍ ميدانية مستقلة.
في المقابل، تتحلّى الورقة بقدرٍ من التحفّظ المنهجي بشأن ما تستطيع، وما لا تستطيع، الجزم به. فقد أُجري المسح في سياق جغرافي تعذّر الوصول إلى أجزاء واسعة منه، وفي ظلّ نزوحٍ جماعي غير مسبوق، إذ إنّ 84% من سكان غزة نزحوا مرة واحدة على الأقل منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. مثل هذه الظروف تؤثّر حتماً في من يمكن الوصول إليهم ومن يُحصَون فعلياً، ولا سيّما في حالات إبادة أُسرٍ كاملة، أو بقاء الأُسر ذات المعدلات الأعلى من الوفيات داخل مناطق غير متاحة، فضلاً عن استمرار الغموض المحيط بملفّ المفقودين. لذلك ينبغي قراءة التقديرات بوصفها مؤسَّسة على دليلٍ ميداني متين، لا بوصفها حقيقةً مطلقة أو نهائية.
ومع ذلك، فإنّ اتجاه الدليل يبدو واضحاً لأي محاولة جادّة لفهم الكلفة الإنسانية للإبادة: الوفيات العنيفة الفعلية أعلى بكثير من الحصيلة الرسمية، واستهداف الفئات المدنية الأكثر هشاشة كان واقعاً موثّقاً، كما أنّ الوفيات غير المباشرة كانت كبيرة، حتى وإن لم تتجاوز القتل المباشر من حيث الحجم العددي.
وقد تحوّل التشكيك الإسرائيلي بالأرقام الصادرة عن وزارة الصحة في غزة إلى جبهة عسكرية قائمة بذاتها ضمن حملتها الإبادية على غزة. غير أنّ الطعن في نتائج مسحٍ ميداني مستقل يصبح أكثر تعقيداً من التشكيك بإحصاءٍ إداري رسمي. وفي هذا السياق، يكتسب الاعتراف الإسرائيلي المتأخّر بدقّة حصيلة وزارة الصحة دلالة إضافية، خصوصاً في ضوء ما تُظهره هذه الدراسة من أنّ الأرقام الرسمية كانت، في الحدّ الأدنى، أقلّ من الحصيلة الفعلية بما لا يقلّ عن 30%. من هنا، المسألة لم تعد ما إذا كانت الأرقام مبالغاً فيها، بل إلى أي حدّ كانت ناقصة.