كيف يؤسّس قانون «الفجوة المالية» لتعثّر جديد بعد حين؟
ينفي رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، ووزراء في حكومته، وجود أي نيّة للتصرّف باحتياطي الذهب لسدّ الخسائر المصرفية. يقدّم هؤلاء القانون رقم 46/1982 الذي يمنع التصرّف بالذهب كدليل على تطميناتهم، مُتجاهلين أنّ هذا القانون يمكن تغييره بقانون آخر في أي وقت.
غير أنّ المسألة لا تكمن هنا، بل بأنّ جميع السيناريوهات التي يمكن استخلاصها من أحكام مشروع قانون «الانتظام المالي واسترداد الودائع»، تبيّن أنّ الذهب لا يمكن إلّا أنّ يكون قد أُدرِج ضمن حسابات مُعدّي المشروع (وزير الاقتصاد عامر بساط، ووزير المالية ياسين جابر وحاكم مصرف لبنان كريم سعيد)، فكلّما زاد اللجوء إلى الذهب تقلّصت «الفجوة» حسابياً، وكلّما استُبعِد الذهب اتّسعت الفجوة وحصل تعثّر جديد.
ما يطرحه القانون لا يحلّ المعضلة بل يؤجّل انفجارها، فهو لن يمنع ترتيب التزامات مالية إضافية على الدولة اللبنانية وبالتالي دافعي الضرائب، ولن يكفل القدرة على تسديد كامل الديون القديمة أو دفع أي ديون جديدة قد تقترضها الدولة مستقبلاً، وسيؤدّي إلى تعثّر جديد، ولو بعد حين، وإنّما بشروط أشدّ قسوة بعد زيادة الدين العام واستنزاف الذهب أحد أهم الأصول السيادية اللبنانية.
وهنا لبّ المسألة. إن تجريد الدولة من إيراداتها المستقبلية وأصولها المملوكة لتحمّل خسائر المصارف ودفع الودائع يرفع مخاطر عدم قدرتها على سداد الديون. وهذا ما يفسّر اعتراض صندوق النقد الدولي على مشروع القانون، لا انطلاقاً من موقف أيديولوجي ضدّ إنقاذ المصارف، بل من تشخيص تقني بأنّ توسيع الالتزامات السيادية المترتّبة على الدولة اللبنانية لسدّ الخسائر يهدّد قدرتها على تسديد القروض المستقبلية التي قد تستخدمها، مثل القرض الذي تسعى للحصول عليه من الصندوق.
يقترح المشروع ضمان ردّ الودائع التي لا تتجاوز 100 ألف دولار على مدى 4 سنوات، بتمويل مشترك بين المصارف ومصرف لبنان، على أن تُحدّد مساهمة مصرف لبنان بسقف أقصاه 60%. أمّا الودائع التي تتجاوز هذا السقف، فيُدفع لأصحابها مبلغ 100 ألف دولار نقداً، بينما يُحوّل الرصيد المتبقي إلى أوراق مالية (سندات دين) طويلة الأجل مدعومة بأصول سيادية يصدرها مصرف لبنان بآجال استحقاق تتراوح بين 10 سنوات للودائع التي تتراوح بين 100 ألف ومليون دولار، و15 سنة للودائع بين مليون و5 ملايين دولار، وصولاً إلى 20 سنة للودائع التي تتجاوز 5 ملايين دولار، مع فترة سماح 5 سنوات، وحدّ أدنى للسداد بنسبة 2% سنوياً اعتباراً من السنة الخامسة، على أن تتحمّل المصارف 20% فقط من قيمتها.
لفهم مآلات هذا المشروع والمنطق الذي اعتمده معدّوه، وضع الخبير المالي مايك عازار سيناريوهات ماليّة عدّة، تنطلق جميعها من الإقرار بعدم القدرة على ردّ الودائع فوراً، وتختلف في كيفية توزيع الخسائر بين المودعين ومصرف لبنان والدولة. وهنا لا يدور النقاش بين «حلّ» و«لا حلّ»، بل بين أشكال مختلفة من توزيع الخسائر تفضي إلى ترحيلها زمنياً، ودور احتياطي الذهب في تقليص الفجوة حسابياً.
1. السيناريو المرجّح حكومياً
لنبدأ بالودائع التي تقل عن 100 ألف دولار. بحسب أرقام مصرف لبنان حتى تشرين الثاني/نوفمبر 2025، بلغت قيمة الودائع بالعملات الأجنبية لدى القطاع المصرفي نحو 86 مليار دولار. تفترض محاكاة توزيع الخسائر أن متوسّط قيمة ردّ أول 100 ألف دولار من الودائع تبلغ نحو 20 مليار دولار، يساهم مصرف لبنان بنحو 12 مليار دولار منها (9 مليار عبر استخدام احتياطي العملات الأجنبية لديه و3 مليار دولار من الذهب) على أن تتحمّل المصارف 8 مليارات دولار على مدار 4 سنوات.
في خلال هذه الفترة، تقوم المصارف بإعادة رسملة بقيمة 3 مليارات دولار.بعد إعادة رسملة مصرف لبنان، من المتوقّع أن يحتفظ مصرف لبنان بأصول بقيمة 26 مليار دولار يمكنه استخدامها لسداد الشهادات (وفق أسعار الذهب في تشرين الثاني/نوفمبر 2025)، على افتراض أن كامل احتياطي الذهب متاح للاستخدام لتسديد ما تبقى من ودائع تتجاوز 100 ألف دولار بعد تحويلها إلى سندات طويلة الأجل.
في حين يرى الكثير من المحلّلين أن ردّ الـ100 ألف دولار الأولى مُمكن مالياً، تبقى الإشكالية محيطة بالمبلغ المتبقي (66 مليار دولار). والواقع أنّ القانون لا يعالج الخسائر المصرفية، بل يعيد توصيفها ويرحّلها زمنياً، من ودائع مترتبة على المصارف إلى سندات دين مترتبة على مصرف لبنان، ومن خلفه الدولة أي دافعي الضرائب، في حال تبيّن أنّ إيرادات أصول مصرف لبنان غير كافية، وهو السيناريو المرجّح. وبهذا المعنى، لا يُعاد للمودعين ما فُقد منهم فتقفل القصة وكأن شيئاً لم يكن، بل يُنشأ التزام مالي جديد على الدولة يمتدّ لعقود، يستهلك مجمل إيراداتها المستقبلية، ويفرّط بجميع أصولها، ويحدّ من قدرتها على القيام بأي وظيفة اقتصادية أو اجتماعية أخرى مثل المساهمة في إعادة الإعمار، أو ترميم مباني على وشك الانهيار، أو تأمين التغطية الصحية والاستثمار بالتعليم.
عموماً، يفترض عازار أنّ التصوّر الداخلي للحكومة لتسديد الودائع المتبقية - ولو كان مُفرطاً في التفاؤل وغير واقعي - يقوم على 4 أعمدة رقمية واضحة:
- شطب واسع للودائع التي يعتبرها مشروع القانون غير نظامية وقيمتها 34 مليار دولار،
- ومساهمة المصارف بنسبة 20% من قيمة السندات الصادرة وفق افتراضات الحكومة، أما تحليل الحساسية الذي أجري فيحدّد المبلغ بنحو 2 مليار دولار سنوياً،
- واستخدام كامل احتياطي الذهب المتاح،
- فضلاً عن اعتراف الحكومة بدين بقيمة 5 مليارات دولار لصالح مصرف لبنان كجزء من تسوية على مبلغ 16.5 مليار دولار يزعم مصرف لبنان أنه دين له على الدولة. علماً أن نتيجة المفاوضات قد تفضي إلى مساهمة أكبر من الحكومة.
وبهذه الفرضيات تُقفل الفجوة محاسبياً، لكن بثمن واضح: استنزاف احتياطي الذهب كشرط لاستمرار النموذج، وشراء الوقت عبر تأجيل التعثّر لا منعه، وتحميل الدولة والمجتمع كلفة دين جديد.
هذا السيناريو هو أفضل تقدير لما تعتقد الحكومة أنه قابل للتطبيق، لكنه يفترض شطباً واسعاً للودائع وهو خيار غير محسوم قانونياً ولا حجم المبلغ معروف بحسب عازار، ومساهمة مصرفية متفائلة يشكّك فيها، فضلاً عن توافر الذهب بالكامل كأداة تمويل.
2. السيناريو المرجّح بعد إدخال تعديلات على مشروع الحكومة
ماذا يمكن أن يحدث إذا تغيّرت الفرضيات الأساسية؟
في ضوء المواقف المختلفة من مشروع الحكومة، يرى عازار أنه في حال جرى تقليل قيمة الودائع التي يفترض شطبها من 34 مليار دولار إلى 15 مليار دولار، مع استخدام نحو 10 مليارات دولار من الذهب فقط بدلاً من 26 مليار، مع ترتيب ديون أكبر على الدولة لصالح مصرف لبنان، لنصل في المحصلة إلى فجوة تراكمية لا تقلّ عن 25 مليار دولار. والأهمّ أنه سيحصل تعثّر أقرب زمنياً بحلول السنة العاشرة عند استحقاق كامل سندات الفئة الأولى (الودائع التي تتراوح بين 100 ألف ومليون دولار) نتيجة تراكم التزامات غير قابلة للسداد.
3. السيناريو المرجّح في حال عدم استخدام الذهب إطلاقاً
في حال لم يستخدم الذهب إطلاقاً وحصرت مساهمة الدولة بسندات الدين التي ستصدرها لصالح مصرف لبنان، ترتفع الفجوة إلى نحو 42 مليار دولار، ويحصل تعثّر أكبر بحلول السنة العاشرة، فلا يعود ممكناً إقفال الفجوة إلا عبر شطب إضافي واسع من السندات أو تحميل الدولة ديوناً ضخمة تفوق قدرتها على السداد.
ما يعني أن خفض نسبة استخدام الذهب أو تقليل قيمة الودائع المشطوبة لا يلغي المشكلة بل يعيد تفجيرها، ويكشف أن الذهب بمنطق مشروع القانون ليس خياراً سياسياً ثانوياً بل الشرط الوحيد لبقائه قائماً محاسبياً.
تعيد هذه الآلية إنتاج منطق النموذج الذي رُسّي بعد الحرب الأهلية، عبر ابتكار هندسات مالية وأدوات طويلة الأجل ووعود سداد مؤجّلة ومشروطة بإيرادات غير مضمونة، أوصلت في النهاية إلى الانهيار المدوّي في عام 2019. لكن الفرق الجوهري بين التعثّر الأول في عام 2019 والتعثّر الذي يؤسّس له مشروع قانون الفجوة الحالي أنّ الأول حصل مع وجود احتياطي ذهب وهامش مناورة سيادي، فيما سيقع التعثّر المقبل بعد استنزاف احتياطي الذهب، وتراكم التزامات طويلة الأجل غير قابلة للتمويل. غير أنّ هذه النتيجة لا تعني أنّ الذهب يوفّر حلاً، إنّما يشتري وقتاً إضافياً ولكن بحجم دين عام أكبر، واقتصاد أضعف، ومن دون أي شبكة أمان، ما يجعل كلفته الاجتماعية والسيادية أعلى بكثير من كلفة التعثّر الأول.