معاينة النيوليبرالية كشبكة: قراءة في قضية إبستين

النيوليبرالية كشبكة: قراءة في قضية إبستين

  • عاد اختزال الشبكة في عقدة، والعقدة في شخص، والشخص في ملف قضائي. هنا تعمل الفضيحة كآلية فصل: تفصل بين الجريمة كبنية علاقات، والجريمة كفعل فردي. الديمقراطية، التي تُفترض أنها تقوم على الشفافية والمساءلة، تتحول إلى مسرح لإدارة الانتباه.
  • لا تُهدّد الفضيحة الرأسمالية الجديدة بقدر ما تُمتحن بها قدرتها على امتصاص الصدمة، وإعادة توزيع المسؤوليات، وحصر الضرر ضمن حدود قابلة للإدارة. ما يُطرح بوصفه «سقوطاً أخلاقياً» يتحوّل إلى عملية ضبط للرواية والمدى ولما يُقال وما يُترك في الظل.

حين أُعيد فتح ملف جيفري إبستين، لم تكن فظاعة الأفعال المنسوبة إليه ما هزّ الرأي العام فقط، بل كثافة العلاقات التي أحاطت به. رجل بلا مسار مهني تقليدي واضح، من دون مؤسسة كبرى تحمل اسمه، ومع ذلك يتحرّك بثقة بين مليارديرات، ورؤساء سابقين، وأمراء، وجامعات مرموقة، ومراكز بحث. هذه المفارقة ليست تفصيلاً ثانوياً في القصة، بل مدخلاً لفهمها: كيف يمكن لشخص واحد أن يتموضع في تقاطع هذا العدد من الحقول المختلفة من دون أن يُنظر إليه بوصفه خللاً في النظام؟ وكيف يمكن لشبكة بهذه السعة أن تعمل لسنوات طويلة قبل أن تنكشف جزئياً فقط، ثم تُختزل في سردية فردية عن انحراف أو جشع أو مرض شخصي؟

قضية إبستين، إذا ما قُرئت خارج منطق الإثارة الإعلامية، تكشف عن شكل اشتغال أعمق: لا تعمل الرأسمالية المعاصرة عبر السوق بوصفه آلية تخصيص للموارد فقط، بل عبر شبكات معقدة من العلاقات تتجاوز الحدود الرسمية بين السياسة والمال والمعرفة. وفي هذا السياق، لا يعود السؤال: ماذا فعل إبستين؟ بل كيف أصبح ممكناً أن يحتل موقع الوسيط بين عوالم تبدو، في الظاهر، مستقلة؟ كيف تحوّل إلى نقطة ربط بين رأس المال المالي والسلطة السياسية والمؤسسات الأكاديمية، بحيث صار وجوده بحدّ ذاته مورداً شبكياً؟

منذ عقود، أُعيد تنظيم المجال العام وفق منطق يَعِد بالتحرّر من ثقل الدولة وإطلاق قوى المنافسة. غير أن ما تكشفه الوقائع هو إعادة تموضع الدولة لا انسحابها: أجهزة قضائية تفاوض، صفقات ادعاء مخففة، حدود مرنة لتطبيق القانون. ليست المسألة في غياب القواعد، بل في كيفية تفعيلها داخل علاقات قوة غير متكافئة. في حالة إبستين، لا يثير الدهشة مضمون الاتهامات فقط، بل قدرة الشبكة المحيطة به على امتصاص الصدمات الأولى، وعلى إعادة توصيف الحدث، وعلى تقليص نطاق المساءلة. ما بدا كفضيحة أخلاقية كان في الوقت نفسه اختباراً لقدرة البنية على حماية نفسها.

النشر الجزئي للوثائق، النقاشات الإعلامية، التحقيقات المتعددة، كلها تمنح انطباعاً بعمل ديمقراطي نشط. غير أن هذا النشاط قد يتحوّل إلى بديل عن مساءلة الشبكة نفسها

تُظهر قضية إبستين أن الرأسمالية، في طورها النيوليبرالي، تعمّق منطق الشبكات بدل أن تُضعفه. فبينما يُطلب من الأفراد العاديين الامتثال لمعيار الأداء الفردي وتحمل كامل المسؤولية عن أفعالهم، تتشكّل في الأعلى دوائر مغلقة من الثقة المتبادلة، تُدار فيها المخاطر بصورة جماعية. هنا لا تُلغى المنافسة، لكن يُعاد صياغتها داخل حدود مرئية وغير مرئية، ليصبح الوصول إلى الدوائر المناسبة أكثر أهمية من الامتثال للقواعد المجرّدة. الشبكة لا تُلغِي المؤسسة، لكنها تعبرها، وتستخدمها، وتعيد تعريف أدوارها.

لم يكن إبستين مجرد مموّل أو متبرّع، بل كان صانع وصلات. لم تكن قدرته على الجمع بين رجال أعمال وسياسيين وأكاديميين تفصيلاً اجتماعياً، بل كانت جوهر موقعه. في عالم تتزايد فيه أهمية «العقد» التي تمر عبرها التدفقات المالية والرمزية، يصبح الوسيط الذي يربط بين الحقول المختلفة أكثر تأثيراً من الفاعل الذي يعمل داخل حقل واحد. هكذا يتضح أن السلطة المعاصرة لا تتمركز في المؤسسات الرسمية فقط، وإنما في نقاط الربط بين المؤسسات. ومن يسيطر على هذه النقاط يمتلك قدرة استثنائية على التحرّك في الظل من دون أن يكون خارج النظام.

لا تكمن خطورة هذه البنية في سرّيتها المطلقة، بل في طابعها الاعتيادي. العلاقات بين السياسة والمال، بين الجامعات والمتبرعين، بين العمل الخيري والمصالح الاقتصادية، ليست بحد ذاتها غير قانونية. لكنها، حين تتكاثف داخل شبكة ضيّقة، تُنتج شكلاً من الحصانة يصعب تفكيكه. تفترض المساءلة القانونية فاعلين محددين وحدوداً واضحة، بينما تعمل الشبكة عبر تداخل الأدوار وتوزيع المسؤوليات. ما من مركز معلن يمكن الإشارة إليه، وما من قرار واحد يُختزل فيه المسار بأكمله. هناك تراكم للروابط، وتبادل للمنافع، وصمت متبادل يُعيد إنتاج نفسه.

تكشف قضية إبستين أيضاً عن منطقة رمادية بين العام والخاص. منزله ليس مجرد فضاء خاص، بل نقطة التقاء لفاعلين عموميين. تبرعاته ليست مجرد أفعال خيرية، بل استثمارات رمزية تفتح أبواباً أكاديمية وسياسية. حضوره في مؤسسات البحث لا يُفهم بوصفه دعماً مالياً فقط، بل كآلية اندماج في دوائر إنتاج المعرفة. في هذه المنطقة البينية، يتعذّر الفصل الصارم بين ما هو مشروع وما هو ملتبس. وهنا تحديداً تتشكّل شروط الإمكان لوقائع يصعب تصنيفها ضمن ثنائية قانوني/غير قانوني بشكل بسيط.

لم تؤدِّ الفضيحة، حين انفجرت، إلى انهيار هذه البنية، بل إلى إعادة ترتيبها. تركزت الأنظار على الشخص، على موته في السجن، على نظريات متضاربة، بينما تراجعت الأسئلة البنيوية حول طبيعة العلاقات التي أحاطت به. جرى اختزال الشبكة في اسم، وتحويل البنية إلى حدث. بهذا المعنى، لم تكن الفضيحة تهديداً للنظام بقدر ما كانت لحظة إعادة إنتاج له عبر إدارة الصدمة. فحين يُختزل المشكل في فرد، تُترك العلاقات التي مكّنته من موقعه دون مساءلة جذرية.

إذا كانت الرأسمالية قد اشتغلت دائماً عبر تحالفات بين المال والسلطة، فقد عمّمت النيوليبرالية هذا التحالف وحوّلته إلى شبكة عابرة للحدود والقطاعات. لم يعد التراكم ممكناً من دون وصلات متعدّدة المستويات، ولم تعد الحماية مرتبطة فقط بالمنصب الرسمي، بل بالموقع داخل نسيج العلاقات. من هنا، لا تبدو قضية إبستين استثناءً شاذاً، بل تكثيفاً لمنطق يعمل يومياً في مستويات أقل درامية. إنها تذكير بأن النظام لا يقوم على عقود مكتوبة فقط، بل على روابط غير مكتوبة، وأن ما يُدار في الظل ليس خارج الرأسمالية، بل أحد أشكال اشتغالها.

حصر القضية في الأخلاق يُخفف من راديكالية السؤال. لأن السؤال الأخلاقي يطلب إدانة فاعل، بينما السؤال البنيوي يطلب تفكيك شكل التنظيم الذي ينتج فاعلين قابلين للاستبدال

الإشكالية التي تفرض نفسها، إذن، لا تتعلق بإدانة شخص بعينه، بل بفهم الكيفية التي تُنتج بها الشبكات مواقع حصينة داخل نظام يُفترض أنه قائم على تكافؤ الفرص والمساءلة. إذا كانت السلطة تتوزّع اليوم عبر نقاط الربط أكثر مما تتجسّد في مؤسسات صلبة، فكيف يمكن التفكير في مساءلة تتجاوز الوجوه لتطال البنية؟ وكيف يمكن كشف منطق الظل من دون الوقوع في تبسيط يختزل الشبكة في سردية مؤامرة؟ في هذا التوتر بين العلن والظل، بين الفرد والبنية، تتحدّد أهمية قراءة قضية إبستين لا كفضيحة أخلاقية فحسب، بل كمدخل لتحليل رأسمالية تتقن العمل عبر الشبكات، وتتعزّز أكثر كلما ادّعت أنها لا تعمل إلا عبر السوق.

إبستين كعقدة: الوساطة بوصفها شكلاً للسلطة

لم تكن قوة جيفري إبستين في ثروة مُعلنة أو منصب رسمي، بل في موقعه كوسيط بين عوالم لا تلتقي عادةً من دون ترتيب مسبق. الوقائع الأساسية معروفة: إدانة أولى عام 2008 بصفقة ادعاء في فلوريدا خفّفت التهم إلى حد كبير؛ استمرار تحركه في الأوساط الأكاديمية والمالية بعد تلك الإدانة؛ شبكة علاقات ضمت رؤساء سابقين، أفراداً من العائلة المالكة البريطانية، مديري صناديق تحوط، علماء بارزين، وشخصيات إعلامية؛ ثم اعتقاله مجدداً عام 2019 وموته في السجن في ظروف أثارت أسئلة عن الإهمال أو التواطؤ. لكن قراءة هذه الوقائع كسلسلة أحداث منفصلة تُخفي ما يكشفه تسلسلها: لم يكن إبستين محمياً بقرار واحد، بل بسلسلة علاقات أعادت إنتاج موقعه بعد كل انكشاف.

صفقة 2008 ليست مجرد إجراء قانوني مخفّف، بل مثال ملموس على تفاوض يتم في الظل بين الادعاء والدفاع، حيث تُستبعد شهادات ضحايا من اتفاق يُبرم خلف الأبواب المغلقة. لم يُلغَ القانون، بل أُعيد تكييفه. بعد الإدانة، لم يُقصَ إبستين من المجال العام؛ بل عاد إلى حضور مناسبات، وإلى تقديم تبرعات لمؤسسات بحثية مرموقة، وإلى استقبال شخصيات في منازله. هنا لا نرى «خللاً» في النظام، بل قدرة شبكة على استيعاب حادثة من دون أن تُقصي عقدتها المركزية.

الأمر لا يتعلق فقط بالأشخاص الذين زاروا منازله أو استخدموا طائرته، بل بالبنية التي جعلت هذه اللقاءات ممكنة ومقبولة اجتماعياً. كانت منازله في نيويورك وبالم بيتش وباريس تُستخدم كمساحات عبور: سياسي يلتقي بمموّل، عالم يحصل على دعم لمشروع، مستثمر يتعرّف إلى شخصية نافذة. لم يكن إبستين دائماً الطرف الأقوى في كل علاقة، لكنه كان الطرف الذي يربط بين أطراف أقوى منه. هذا الدور الوسيط هو ما منحه موقعاً لا يتناسب مع غموض مصدر ثروته.

حتى في المجال الأكاديمي، لم يكن حضوره مقتصراً على التبرع، بل على الدخول في شبكات إنتاج المعرفة. لقاءات خاصة، دعوات، مشاريع بحثية. لم تكن الجامعات ضحية مباشرة، لكنها كانت جزءاً من شبكة تطبيع: رجل مدان جنسياً يُستعاد إلى فضاء مرموق لأن علاقاته تُسهِّل الوصول إلى موارد. هنا لا يظهر تواطؤ صريح بقدر ما يظهر تدرّج في التغاضي، وتفضيل للمكاسب الرمزية على المسافة الأخلاقية.

عندما اعتُقل عام 2019، لم يُفهم الحدث كاستمرارية لمسار طويل، بل كقطيعة. انصبّ التركيز الإعلامي على شخصه وعلى نظريات متضاربة عن موته، بينما تراجعت الأسئلة عن آليات إعادة إدماجه بعد 2008، أو عن طبيعة العلاقات التي ظلت قائمة على الرغم من علم كثيرين بإدانته السابقة. لم يُنهِ موته في سجن فيدرالي عالي الحراسة القضية، بل حوّلها إلى لغز. وهنا مرة أخرى، تحوّل الانتباه من الشبكة إلى الحدث.

لم تكن المرأة في هذه القضية مجرد ضحية فردية، بل عنصراً في آلية الوساطة. تشير الوقائع إلى نمط: فتيات قاصرات يُستدرجن عبر شبكات تجنيد، يُقدّمن كجزء من بيئة اجتماعية تُحيط بالوسيط. الجسد هنا لا يُختزل في جريمة، بل يُدرج في منطق تبادل: جذب، إغراء، اختبار ولاءات. وهذا لا يعني أن كل من دخل دائرة إبستين كان مشاركاً واعياً، لكن يعني أن الشبكة استخدمت العلاقات الشخصية كوسيط لإعادة ترتيب المواقع. لم يكنّ النساء خارج الاقتصاد الشبكي، بل في قلبه، بوصفهنّ أدوات لإنتاج علاقة أو توثيق صلة أو اختبار حدود.

إذا نظرنا إلى الوقائع مجتمعة، يتضح أن ما منح إبستين قوته لم يكن سراً واحداً، بل قدرته على التحرك بين مستويات مختلفة من الشرعية. قانونياً مدان، اجتماعياً مقبول في دوائر معينة، مالياً مفيد، سياسياً غير مُزعج. هذا التعدد في المواقع هو ما سمح له بالبقاء. الشبكة لم تكن بنية خفية بالكامل، بل كانت علنية جزئياً، تعمل في منطقة رمادية حيث لا يُطرح السؤال مباشرة.

المفارقة التي تكشفها الوقائع ليست نظرية: رجل بلا منصب رسمي استطاع أن يؤثر في مسارات علاقات بين نخب عالمية. نظام يُفترض أنه قائم على الشفافية والمساءلة سمح بإعادة تدوير شخص مدان جنسياً داخل فضاءات مرموقة. فضيحة كبرى لم تُنتج محاسبة واسعة للشبكة بقدر ما أنتجت سردية مركزة على فرد. هذه ليست استنتاجات مفاهيمية، بل قراءة لسلسلة أحداث تُظهر أن الرأسمالية المعاصرة تعمل عبر وسطاء يصنعون الروابط أكثر مما يملكون السلطة الرسمية.

قضية إبستين، من هذا المنظور، ليست استثناءً أخلاقياً بل مثالاً واقعياً على كيفية اشتغال الوساطة كسلطة. ليس لأن هناك مركزاً سرياً يُدير كل شيء، بل لأن النظام يسمح بظهور عقد قادرة على ربط العوالم المختلفة، وعلى امتصاص الانكشاف حين يحدث. السؤال السوسيولوجي هنا لا يتعلق بإدانة شخص، بل بفهم كيف يمكن لشبكة علاقات أن تُعيد إنتاج نفسها على الرغم من الفضيحة، وكيف يمكن لعقدة أن تظل فاعلة حتى بعد سقوطها.

الدولة المُعاد توجيهها: من حارسة القانون إلى مديرة المخاطر 

يحتاج فهم «الدولة المُعاد توجيهها» أن نبدأ من الوقائع التي جعلت قضية إبستين ممكنة، لا من الشعارات. في 2008، لم تُغلق القضية لأن الدولة «غابت»، بل لأن جهازاً من أجهزتها اشتغل بمنطق إدارة الخطر وتفكيك الكلفة السياسية والقانونية: صيغ اتفاق عدم ملاحقة بحيث يُخفّف التعرض الفدرالي لإبستين، ويُبقي الاتفاق بعيداً من العلن قدر الإمكان، مع ترتيبات تُظهر كيف يمكن للقانون أن يتحول إلى هندسة للضرر بدل أن يكون آلية مساءلة كاملة. تضمّن الاتفاق نفسه لغة تتوقع ألا يُجعل جزءاً من السجل العام، وضبط التعامل مع الضحايا بطريقة تُدار من داخل التفاوض القانوني لا من داخل محاكمة علنية. هنا تظهر «الدولة» كمنظومة قادرة على إنتاج حلٍّ إداري-قضائي يَحصر الخطر ويُوزّعه، لا ككيان يحسم أخلاقياً في مواجهة شبكة نفوذ.

ما منح إبستين قوته لم يكن سراً واحداً، بل قدرته على التحرك بين مستويات مختلفة من الشرعية. قانونياً مدان، اجتماعياً مقبول في دوائر معينة، مالياً مفيد، سياسياً غير مُزعج.

في 2019، عندما وُجّهت لإبستين اتهامات فدرالية في نيويورك تتعلق بالاتجار الجنسي بقاصرات والتآمر، عاد الجهاز الفدرالي نفسه ليشتغل بمنطق مختلف: إعادة فتح الكلفة التي تم تجميدها سابقاً، ورفع مستوى المخاطر على الشبكة المحيطة. هذا التبدل لا يثبت أن الدولة «استيقظت»، بل أن أجهزة الدولة تتصرف داخل توازنات متغيرة: ضغط رأي عام، تغير أولويات الادعاء، تغير موازين الحماية. المهم هنا ليس المفاضلة الأخلاقية بين 2008 و2019، بل ما تكشفه الحالتان معاً: الدولة لا تنسحب من المشهد النيوليبرالي، بل يُعاد برمجة دورها بين وظيفتين متلازمتين: ضمان الاستقرار وتقليل الفوضى والكلفة السياسية، واحتواء السمعة عبر تحييد الفضيحة أو حصرها.

كيف تشتغل «إعادة البرمجة» هذه داخل الشبكات؟ تُظهر الوقائع في ملف إبستين أن ما حمى الرجل لم يكن قراراً واحداً، بل قابلية المؤسسات الرسمية لأن تُدار كعُقد داخل شبكة: النيابة، الشرطة المحلية، القضاء، السجون الفدرالية، وحتى قنوات المعلومات والإعلام. الاتفاقات والملفات والتوقيتات كلها أمثلة على أن السلطة لا تمر عبر نصوص القانون فقط، بل عبر من يملك القدرة على التفاوض، وعلى الوصول، وعلى تحويل القضية من «محاكمة علنية» إلى «تسوية قابلة للإدارة». هنا بالضبط يصبح معنى «الدولة مديرة مخاطر» ملموساً: إدارة خطر النخبة ومنع امتداد الاتهام إلى دوائر أوسع، إدارة خطر المؤسسة وحماية سمعة جهات رسمية من اتهام التقصير، وإدارة خطر النظام القضائي عبر تجنب محاكمات طويلة كاشفة.

من داخل هذا السياق نفهم لماذا تظهر شخصيات معروفة في قلب الفضيحة حتى لو لم تُتهم جنائياً. ليس لأن «الشهرة» بحد ذاتها دليل، بل لأن الشبكات التي تُنتج النفوذ تجمع بحكم وظيفتها سياسيين ورجال أعمال ووسطاء. يوضح مثال دونالد ترامب كيف تعمل الشبكة كمنطق تقاطع: هناك توثيق لعلاقة اجتماعية في التسعينيات وبداية الألفية، واقتباس مشهور من 2002 يصف إبستين بـ «الممتع»، ويشير إلى تفضيله «نساء أصغر سناً». وفي المقابل، يُظهر تفكيك سجلات الرحلات كيف تُستعمل البيانات الجزئية سياسياً: تظهر أسماء على رحلات داخلية، لكن لا توجد في السجلات العامة المتاحة أدلة على زيارات إلى الجزيرة الخاصة. هذه التفاصيل ليست هامشية؛ إنها تُظهر كيف تُدار الفضيحة داخل اقتصاد المخاطر السياسي، حيث يصبح «ذكر الاسم» جزءاً من صراع على السمعة، فيما تظل آلية الشبكة نفسها، أي كيف ولماذا كانت اللقاءات ممكنة، أقل مساءلة.

والأهم أن ظهور الأسماء في ملفات إبستين يأخذ أشكالاً مختلفة: دفتر عناوين واتصالات، صور، دعوات، رحلات، وسائط اجتماعية. مجرد الوجود في دفتر عناوين لا يساوي مشاركة في جريمة، لكنه يضعنا أمام حقيقة شبكية: الوسطاء يجمعون «عناوين» قبل أن يجمعوا «أفعالاً»، ويحولون الاتصال إلى قدرة. الدولة، حين تتعامل مع هذا النوع من القضايا، تميل بالضرورة الإجرائية إلى التعامل مع أفعال قابلة للإثبات القضائي، بينما يبقى الكثير من «البنية العلائقية» خارج نطاق الاتهام المباشر. هنا تتأسّس فجوة بين ما تكشفه الفضيحة اجتماعياً وما تستطيع الدولة محاكمته قانونياً.

إذا أردنا قراءة «الدولة كمديرة مخاطر» من خلال قضية إبستين تحديداً، فهناك ثلاث وقائع حاسمة: أولاً، تسوية 2008 كنموذج لتحويل العدالة إلى هندسة ضرر، حيث يُنتج الجهاز القضائي مخرجاً يقلل الانكشاف ويحاصر الخطر داخل مساحة قابلة للتحكم. ثانياً، عودة 2019 كنموذج لتحوّل أولويات إدارة الخطر، حيث تُعاد صياغة الملف ضمن اتهام فدرالي يرفع سقف التهديد على إبستين نفسه وعلى من قد يتورط إن ظهرت أدلة. ثالثاً، تداول أسماء معروفة كمؤشر على طبيعة الشبكات التي يعيش فيها الوسيط: شبكة لا «تثبت» شيئاً جنائياً بمجرد المعرفة، لكنها تُفسر لماذا يكون الوسيط قادراً على الحركة بين الحقول، ولماذا تتحول الفضيحة إلى معركة سمعة تتفوق أحياناً على معركة مساءلة.

الخلاصة الواقعية التي تهم سوسيولوجياً هي أن النيوليبرالية لا «تضعف الدولة» بقدر ما تُعيد تعريف وظيفتها: لا تختفي الدولة من حياة السوق والشبكات، بل تُصبح طرفاً في ترتيب المخاطر، أي تقليل الفوضى، وحماية المؤسسات من الانكشاف، وإنتاج حلول قابلة للإدارة حتى عندما تكون الحقيقة الاجتماعية أوسع من حدود الملف القضائي. ومن هنا نفهم كيف يمكن لشخص مثل إبستين، كعقدة، أن يعيش طويلاً داخل النظام: لأن الشبكات تمنح الوصول، ولأن الدولة حين تُعاد توجيهها تصبح قادرة على إدارة الخطر الذي تنتجه الشبكات بدل أن تُفكك الشبكات نفسها.

المنطقة الرمادية: حين يتداخل العام والخاص

المنطقة الرمادية ليست استثناءً في الرأسمالية المعاصرة إنها شرط عملها. حين نتحدث عن «تداخل العام والخاص» لا نعني مجرد فسادٍ عارض أو خلطٍ إداري بين دولة وسوق، بل نعني إعادة ترتيب عميقة لحدود الشرعية نفسها: ما الذي يُعد قراراً عاماً؟ ما الذي يُعد مصلحة خاصة؟ من أين تبدأ المسؤولية المؤسسية وأين تنتهي؟ في الرأسمالية الجديدة، المشبعة بمنطق الحوكمة والقياس والخصخصة والتعهيد، لم يعد الحد الفاصل بين المجالين خطاً واضحاً، بل أصبح مساحة واسعة من الترتيبات التي تُدار عبر تفاهمات غير مكتوبة، وعبر شبكات وصول، وعبر أدوات قانونية وتنظيمية تبدو «محايدة» لكنها تُنتج نتائج منحازة. هنا تحديداً يتقدم «الظل» من كونه هامشاً إلى كونه طريقة اشتغال: قرارات لا تُعلن كقرارات، مصالح لا تُسمّى مصالح، وتوافقات تُنجَز بوصفها «إجراءات».

وفي هذه المنطقة الرمادية يتبدل دور الدولة: لا تختفي، ولا تتراجع كما يدّعي الخطاب السوقوي، بل تتغير وظيفتها. تصبح الدولة أقلّ «حارسةً» لقانونٍ واحد على الجميع، وأكثر «مديرةً» لتوازنات حساسة: توازن الاستقرار، والسمعة، والمخاطر السياسية، والمخاطر الاقتصادية، ومخاطر انكشاف الشبكات. لم يعد السؤال: هل القانون موجود؟ بل: كيف يُفعَّل؟ وبأي سرعة؟ وعلى من؟ وبأي كلفة؟ وفي هذا السياق، تعمل الدولة كثيراً عبر التنظيم غير المباشر، عبر تفويض وظائف إلى فاعلين خاصين، عبر صيغ «تنسيق» تتجاوز البرلمان والرأي العام، وعبر تحويل النزاعات إلى ملفات تقنية بدل أن تبقى قضايا سياسية. وحين تُدار السلطة عبر التقنية والقياس والمؤشرات، يصبح من السهل نقل مركز القرار إلى أماكن أقل ظهوراً: لجان، مذكرات تفاهم، عقود خدمات، ترتيبات تسوية، شبكات استشارة، صيغ امتثال داخل الشركات، ومؤسسات «مجتمع مدني» تُموَّل وتُوجَّه ضمناً. كل ذلك لا يحدث في العلن الصريح، لكنه ليس سراً مطلقاً؛ إنه شبه علني: معروف لكنه غير محسوب سياسياً.

تُقرأ قضية إبستين عادةً بوصفها فضيحة أخلاقية: رجل منحرف، استغلال جنسي، ضحايا، أسماء لامعة. لكن هذا التأطير الأخلاقي، مهما كان ضرورياً لإنصاف الضحايا، يميل إلى إخفاء ما هو أكثر إدانة للنظام: كيف أمكن لهذه الوقائع أن تستمر طويلاً داخل شبكة علاقات تربط المال بالنفوذ، والجامعة بالتمويل، والسياسة بالرعايات، والعدالة بالتسويات؟ لم يكن إبستين قوة لأنه «خارج» المؤسسات، بل لأنه يتحرك في المسافة بينها: هو ابن المنطقة الرمادية. لم يحتج إلى منصب رسمي لكي يؤثر، لأن التأثير لم يعد حكراً على المنصب، بل صار وظيفة الوصول: من يَجمع الأشخاص، يخلق السياقات، ينسج الثقة، ويصنع الترتيبات، يملك قوة تفوق أحياناً صاحب القرار الرسمي. كان إبستين عقدة وصل: لا يحكم عبر قانون، بل عبر ترتيب اللقاء، فتح الباب، وصل الشخص بالشخص، تزويد شبكة بحلقة مفقودة.

لم تكن الفضيحة تهديداً للنظام بقدر ما كانت لحظة إعادة إنتاج له عبر إدارة الصدمة. فحين يُختزل المشكل في فرد، تُترك العلاقات التي مكّنته من موقعه دون مساءلة جذرية

السرّ هنا ليس تفصيلاً فضائحياً، بل آلية تشغيل. السرّ في الرأسمالية الجديدة ليس «معلومة مخفية» فحسب، بل علاقة قوة: من يعرف، من يملك الملفات، من يستطيع أن يُلمّح من دون أن يصرّح، من يوزّع المعلومات على شكل جرعات، من يحوّل المعرفة إلى دينٍ رمزي أو إلى حماية. يخلق السرّ اعتماداً متبادلاً: كل من يدخل المنطقة الرمادية يدخل معها في اقتصاد صامت من الولاءات، ليس بالضرورة عبر أوامر مباشرة، بل عبر إدراك ضمني أن «الأمور تُدار هكذا». هنا تتشكل مواطن حصانة: ليس لأن أحداً فوق القانون نظرياً، بل لأن القانون نفسه يصبح قابلاً لإعادة الصياغة عبر التفاوض، وقابلاً للحصر عبر الإجراءات، وقابلاً للاحتواء عبر تقنيات إدارة السمعة. التسوية، الاتفاق، الإجراء، الخطأ الإداري، كلها مفردات تُحيل إلى شكل من تقليص الكلفة بدل مواجهة البنية.

تكشف قضية إبستين أيضاً كيف تتداخل مؤسسات المعرفة والعمل الخيري مع السلطة. التمويل ليس بريئاً سياسياً حتى حين يتخذ شكل منحة أو دعم بحث أو تبرع لجامعة. حين يدخل المال الجامعة لا يشتري معدات أو مختبرات فقط، بل يشتري موقعاً: حضوراً في شبكة العلماء، شرعية ثقافية، قدرة على الاقتراب من منتجي الخطاب والخبرة. وفي الجهة الأخرى، تستفيد المؤسسة من الموارد ومن «الاسم» ومن قنوات جديدة. هنا لا نحتاج إلى افتراض مؤامرة؛ يكفي منطق المصالح المتقاطعة. تقوم المنطقة الرمادية على هذه الصفقات الصغيرة التي لا تبدو فاضحة كلٌ على حدة، لكنها تُراكم بنية تُطبع الاستثناء، وتعيد إدماج من يفترض أن يُقصى.

الفضيحة نفسها تُدار بمنطق رمادي: حين تظهر الأسماء، يتحوّل النقاش إلى معركة سمعة بدل أن يكون مساءلة بنيوية. «هل زار؟ هل ركب الطائرة؟ هل التقط صورة؟» أسئلة تُستعمل لتوزيع البراءة والإدانة على مستوى أفراد، بينما يظل السؤال الأهم أقل حضوراً: لماذا كانت الشبكة أصلاً ممكنة؟ لماذا كانت اللقاءات تُفهم بوصفها طبيعية؟ لماذا يستطيع وسيط أن يحوّل فضاءات خاصة إلى منصات تأثير عام من دون أن يُحاسَب بوصفه فاعلاً سياسياً؟ كيف تتحوّل الضحية إلى تفصيل في خطاب يطارد الأسماء؟ هنا يظهر ظل آخر: ظل الاستعراض. تُنتج الفضيحة ضوءاً كثيفاً، لكن هذا الضوء قد يعمي عن البنية بدل أن يكشفها، لأنه يوجّه الانتباه إلى المشهد لا إلى الآلية.

في الرأسمالية الجديدة، لا يختلط العام والخاص عرضاً؛ بل يُعاد إنتاجهما كفصل ظاهري يخفي تداخلاً عملياً. تؤدي المؤسسة الخاصة وظائف شبه سيادية: تنظيم، مراقبة، أمن، بيانات، امتثال. وتتحرك المؤسسة العامة بأدوات السوق: تعهيد، مؤشرات أداء، عقود، شراكات، حوكمة. النتيجة ليست نهاية الدولة، بل دولة تعمل بأسلوب مختلف: دولة تُسند كثيراً من سلطتها إلى ترتيبات لا تمر عبر السياسة بمعناها الكلاسيكي. ومن ثمّ يصبح الظل فضاء القرار. هذا لا يعني أن الأخلاق غير مهمة؛ بل يعني أن حصر القضية في الأخلاق يُخفف من راديكالية السؤال. لأن السؤال الأخلاقي يطلب إدانة فاعل، بينما السؤال البنيوي يطلب تفكيك شكل التنظيم الذي ينتج فاعلين قابلين للاستبدال.

قضية إبستين، بهذا المعنى، ليست «انحرافاً» يكشف هشاشة النظام؛ إنها جزء من منطق اشتغاله حين تتكثف المنطقة الرمادية وتصبح هي القاعدة. السرّ ليس حادثة، بل محرّك. والتوافقات المخفية ليست تشوهاً، بل تقنية إدارة: إدارة المخاطر، إدارة السمعة، إدارة الوصول، إدارة الاستثناء. وعندما تُدار السلطة بهذه الطريقة، يصبح مطلب «العدالة» وحده غير كافٍ إن لم يقترن بمطلب كشف البنية: كشف شبكات التمويل، علاقات الرعاية، آليات التسوية، قنوات النفوذ، وحدود ما يُعد عاماً. لأن الرأسمالية الجديدة لا تحتاج أن تُلغي القانون كي تعمل؛ يكفي أن تُعيد تعريفه داخل المنطقة الرمادية، حيث تتحوّل السياسة إلى إجراءات، وتتحوّل الحقيقة إلى ملف، وتتحوّل الفضيحة إلى مشهد، فيما تستمر الشبكة، هادئة، في إنتاج شروط إمكانية الفضيحة التالية.

خاتمة 

ليست الفضيحة في النظام الرأسمالي المعاصر لحظة انقطاع، بل لحظة كشفٍ محسوبة. إنها لا تقع خارج البنية، بل تنبثق منها، ثم تُعاد إدارتها داخلها. في هذا المعنى، لا تُقاس أهمية قضية إبستين بفظاعة الجرائم وحدها، بل بقدرتها على إظهار كيفية اشتغال النظام حين ينكشف. الفضيحة لا تُهدد الرأسمالية الجديدة بقدر ما تُمتحن بها قدرتها على امتصاص الصدمة، إعادة توزيع المسؤوليات، وحصر الضرر ضمن حدود قابلة للإدارة. ما يُطرح بوصفه «سقوطاً أخلاقياً» يتحول إلى عملية ضبط: ضبط للرواية، ضبط للمدى، ضبط لما يُقال وما يُترك في الظل.

في البداية، يبدو أن الفضيحة تُفجّر النظام: أسماء لامعة، شبكات نفوذ، تسويات قضائية، موت غامض في السجن. لكن سرعان ما يتحوّل الانفجار إلى مسار تقني. تُفتح تحقيقات، تُنشر وثائق منقّحة، تُستدعى شخصيات، يُناقش التقصير الإداري. يتقدم الإجراء على السؤال البنيوي. يُعاد اختزال الشبكة في عقدة، والعقدة في شخص، والشخص في ملف قضائي. هنا تعمل الفضيحة كآلية فصل: تفصل بين الجريمة كبنية علاقات، والجريمة كفعل فردي. الديمقراطية، التي تُفترض أنها تقوم على الشفافية والمساءلة، تتحول إلى مسرح لإدارة الانتباه.

النيوليبرالية لا «تضعف الدولة» بقدر ما تُعيد تعريف وظيفتها: لا تختفي الدولة من حياة السوق والشبكات، بل تُصبح طرفاً في ترتيب المخاطر

تُظهر قضية إبستين أن الديمقراطية الليبرالية لا تتفكّك عبر انقلابٍ صريح، بل عبر تراكم مناطق رمادية تُدار خارج المجال السياسي المعلن. حين يتداخل العام والخاص، وحين تُحوّل السلطة إلى شبكة وصول، يصبح التصويت والتمثيل غير كافيين لضبط مراكز القوة الفعلية. ليس لأن المؤسسات الدستورية غائبة، بل لأن كثيراً من التأثير ينتقل إلى ما دون عتبة القرار الرسمي: لقاءات خاصة، تمويلات، تسويات، استشارات، ترتيبات قانونية. تكشف الفضيحة هذا الانتقال، لكنها في الوقت نفسه تُعيد حجبه عبر تحويله إلى حدث.

ما تكشفه قضية إبستين ليس فقط هشاشة الرقابة، بل قدرة النظام على إعادة إنتاج نفسه عبر إدارة الانكشاف. حين تُختزل المسألة في «من كان يعرف؟» أو «من سافر؟» أو «من التُقطت له صورة؟»، يُعاد تعريف المشكلة كمشكلة أخلاقية أو جنائية محدودة. لكن السؤال الأعمق يتعلق بالبنية التي تجعل من الوسيط قوة سياسية من دون أن يكون منتخباً أو مُعيَّناً. الديمقراطية هنا لا تُلغى، بل تُحاط بشبكة تُعيد توجيهها. القرار لا يُتخذ دائماً في البرلمان، بل قد يُحضَّر في عشاء خاص، أو في مؤسسة خيرية، أو في مكتب استشاري. الفضيحة تُظهر هذا التحضير، لكنها لا تُفككه بالضرورة.

اللافت أن النظام لا يسعى إلى إنكار الفضيحة بالكامل، بل إلى احتوائها. النشر الجزئي للوثائق، النقاشات الإعلامية، التحقيقات المتعددة، كلها تمنح انطباعاً بعمل ديمقراطي نشط. غير أن هذا النشاط قد يتحوّل إلى بديل عن مساءلة الشبكة نفسها. تُنتج الفضيحة فائضاً من الكلام يُغني عن إعادة ترتيب البنية. تُصبح الشفافية شكلاً من أشكال الإشباع الرمزي: نرى، إذن نحن نُحاسب. لكن الرؤية لا تعني التفكيك.

في هذا السياق، تكشف قضية إبستين عن توتر مركزي في الديمقراطية المعاصرة: كيف يمكن لنظام يقوم على المساواة القانونية أن يتعايش مع لا مساواة في الوصول؟ كيف يمكن لمبدأ «المساءلة أمام القانون» أن يعمل حين تتوزّع السلطة عبر شبكات غير رسمية يصعب إخضاعها للرقابة؟ الفضيحة تُحرج الديمقراطية لأنها تضعها أمام حدودها: حدود القانون حين يُطبَّق انتقائياً أو يُدار تفاوضياً؛ حدود الإعلام حين ينشغل بالوجوه أكثر من البنية؛ حدود الرأي العام حين يُستدرج إلى معارك استقطابية تُعيد إنتاج الانقسام بدل مساءلة الشبكة.

لا تعني هذه القراءة أن الديمقراطية وهم، بل أنها مُعرّضة لإعادة التوجيه. الرأسمالية الجديدة لا تُلغي الديمقراطية، بل تتعايش معها عبر تحويل جزء من السلطة إلى فضاءات لا تمر عبرها. ومن ثم، فإن الفضيحة تؤدي وظيفة مزدوجة: من جهة تكشف هذه الفضاءات، ومن جهة أخرى تُعيد تطبيعها حين تُدار كحالة استثنائية. يصبح الاستثناء قاعدة غير معلنة.

قضية إبستين، إذن، ليست اختباراً لأخلاق الأفراد بقدر ما هي اختبار لقدرة الديمقراطية على مساءلة المنطقة الرمادية نفسها. هل تستطيع أن تنتقل من محاسبة عقدة إلى تفكيك شبكة؟ هل تستطيع أن تُحوّل السرّ من أداة قوة إلى موضوع سياسي؟ أم أن الفضيحة ستبقى لحظة استهلاك جماعي تُنتج غضباً عابراً من دون إعادة ترتيب لموازين الوصول؟

الخاتمة هنا ليست دعوة أخلاقية بل سؤال بنيوي: إذا كانت الرأسمالية الجديدة تشتغل عبر الظل، عبر الوساطة، عبر التوافقات المخفية، فإن مساءلة الديمقراطية لا تبدأ من فضح الأشخاص فقط، بل من كشف شروط إمكان الشبكة. لأن الخطر ليس في وجود فضيحة، بل في أن تصبح الفضيحة جزءاً من طريقة اشتغال النظام، صمام أمان يُفرّغ التوتر من دون أن يمسّ البنية. وفي تلك اللحظة، لا تعود الديمقراطية إطاراً للمساءلة، بل تصبح مسرحاً لإدارة الانكشاف.