gas

هل أطاحت الحرب بطموحات الريادة المصرية في تسييل الغاز؟

قررت الحكومة المصرية، مطلع آذار/مارس الماضي، تعليق صادراتها اليومية من الغاز بهدف تأمين احتياجات السوق المحلية، وذلك بعد مغادرة آخر شحنة في اليوم الأول للحرب إلى شركتي شل وبتروناس. ولم يلبث أن تعمّق هذا التوجّه مع قرار دولة الاحتلال تعليق صادراتها من الغاز إلى مصر، إثر إعلان حالة التأهب القصوى في حقل ليفياثان خشية تعرّضه لضربات إيرانية، ما جعل أمن الطاقة المصري رهينة للاعتبارات العسكرية الإسرائيلية.

وبلغت الواردات المصرية اليومية نحو 9.9 ملايين متر مكعب، في حين تصل القدرة التصديرية لمحطة إدكو للغاز الطبيعي المسال، الواقعة شرق مدينة الإسكندرية، إلى 7.2 ملايين طن سنوياً، أي ما يعادل نحو 10 مليارات متر مكعب من الغاز. وتُعد هذه المحطة المنفذ الرئيسي لإمدادات الغاز البحرية المصرية، إذ تضطلع بدور استراتيجي في معالجة الغاز وتسييله ثم تصديره إلى الأسواق العالمية، ولا سيما الأوروبية مثل تركيا وإيطاليا، فضلاً عن كندا، المرتبطة بعقود شراكة مع شركتي شل وبتروناس.

دفع هذا الاضطراب الحكومة المصرية إلى تسريع جهود تنويع مصادر الغاز وتعزيز موقعها التصديري، إذ وقّعت أواخر آذار/مارس اتفاقاً إطارياً مع قبرص لتصدير وتسويق الغاز القبرصي من حقلي «كرونوس» و«أفروديت» عبر محطتي إدكو ودمياط. وتزامن ذلك مع مشاورات لتوقيع مذكرة تفاهم مع نيقوسيا، إلى جانب إعلان شركة «إيني» الإيطالية عن اكتشاف غازي جديد في المياه المصرية.

تعكس هذه التحركات الرسمية في القاهرة مسعى حثيثاً لمعالجة أزمة الطاقة، وفي الوقت نفسه السعي إلى ترسيخ موقع مصر كمركز إقليمي للطاقة في شرق المتوسط؛ وهو طموح قديم تعزّزت فرصه عقب الحرب الروسية-الأوكرانية. غير أن تعقيدات المشهد الجيوسياسي، وتداخل العوامل الإقليمية، حالت دون تحقيق هذا الهدف على نحو مستقر، قبل أن تأتي الحرب الأخيرة على إيران لتكشف هشاشة هذه الطموحات.

وعلى الرغم من ذلك، لم تتخلّ مصر عن هذا المسار. لكن يبقى السؤال مطروحاً: هل تستطيع مصر تجاوز الاضطرابات السياسية في المنطقة، والتحرّر من التشابك القائم مع إسرائيل، التي نجحت في ربط منظومة الغاز المصرية بإنتاج حقولها، وبالإيقاع المتقلّب للحروب التي تقرّر إشعالها؟

أفق الريادة

وقّعت الحكومة المصرية في نيسان/أبريل 2022 اتفاقية مع الاتحاد الأوروبي لتعزيز التعاون في مجالات إمدادات الغاز الطبيعي المسال والهيدروجين الأخضر المنتج من الطاقة المتجددة، بما يربط بين أسواق أوروبا وأفريقيا. وقد اعتُبرت هذه الخطوة إنجازاً دبلوماسياً مهماً، تزامن مع التحضيرات لمؤتمر COP27 الذي استضافته مدينة شرم الشيخ، وعكست طموح القاهرة إلى ترسيخ دور ريادي في تطوير منظومة الغاز الطبيعي، باعتبارها ركيزة لتحوّل أوسع في قطاع الطاقة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

تمكّنت مصر، مستفيدة من وفرة إنتاج حقول الغاز البحرية، من تحقيق الاكتفاء الذاتي عام 2019، قبل أن تتجه سريعاً نحو تصدير الغاز الطبيعي المسال. وقد سادت آنذاك توقعات بإمكانية توظيف هذا الاكتفاء في دعم التوسع في الطاقة المتجددة، بما يتيح توليد فوائض كهربائية قابلة للتسويق. وفي هذا السياق، برزت ملامح استراتيجية مصرية تسعى إلى الريادة الإقليمية في قطاعات الغاز والكهرباء والطاقة النظيفة، مع ربط هذا التوجه بأجندة مواجهة التغيرات المناخية.

ويعزّز الموقع الجغرافي لمصر في شرق المتوسط من هذه الطموحات، إذ يؤهلها، نظرياً، لتأدية دور محوري في تزويد أسواق الطاقة في ثلاث قارات. وقد تعزّز هذا الدور مع الاكتشافات الكبرى في المياه العميقة، وعلى رأسها حقل ظهر الذي اكتشفته شركة «إيني» في آب/أغسطس 2015، ويُعد أكبر اكتشاف غازي في شرق المتوسط باحتياطي يُقدّر بنحو 850 مليار متر مكعب. وقد مثّل هذا الاكتشاف نقطة تحوّل، إذ أتاح توفير فائض قابل للتصدير عبر محطات التسييل المصرية، وبحلول عام 2020 كان الحقل يساهم بنحو 40% من إجمالي الإنتاج اليومي للغاز في البلاد.

في موازاة ذلك، دفعت هذه التحولات شركة «سيمنز» إلى تنفيذ 3 مشاريع كبرى لمحطات توليد الكهرباء بنظام الدورة المركبة، بقدرة إجمالية بلغت 14.4 غيغاوات، بين عامي 2016 و2018، وهي قدرة تكفي لتزويد نحو 40 مليون مواطن بالكهرباء. وبحلول حزيران/يونيو 2019، ارتفعت القدرة المركبة الإجمالية في مصر إلى 58.4 غيغاوات وفق بيانات الشركة القابضة لكهرباء مصر. وفي غضون عام واحد فقط، تحوّل عجز إنتاج الكهرباء، الذي كان يُقدّر بنحو 6 غيغاوات، إلى فائض بلغ 13 غيغاوات بحلول عام 2020.

هذا الفائض فتح الباب أمام طموحات تصدير الكهرباء إقليمياً، حيث بدأت القاهرة في نيسان/أبريل 2020 مشاورات لربط شبكات الكهرباء مع السودان، مع خطط أوسع للربط عبر ليبيا والسودان لتغذية أسواق مجاورة. وضمن هذا التصور، برزت دول مثل تشاد كوجهات محتملة، لا سيما في ظل محدودية الوصول إلى الكهرباء فيها، والتي لم تتجاوز نسبتها 12% عام 2018. 

1

تقوم استراتيجية الطاقة طويلة الأجل ضمن إطار «رؤية مصر 2030» على ضمان أمن الإمدادات، وتعزيز مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي، وتعظيم الاستفادة من الموارد المتجددة، إلى جانب خفض كثافة استهلاك الطاقة ورفع كفاءتها. ويُعدّ قطاع النفط والغاز ركيزة أساسية في الاقتصاد المصري، إذ يساهم بنحو 15% من الناتج المحلي الإجمالي، ويستحوذ على قرابة 31% من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر، ما يجعله أحد أكثر القطاعات حيوية وتأثيراً.

وتحتل مصر موقعاً متقدماً في إنتاج الغاز الطبيعي على مستوى القارة الأفريقية، حيث تُعد ثالث أكبر منتج بعد الجزائر ونيجيريا. وتشير بنية مزيج الطاقة إلى اعتماد كبير على الوقود الأحفوري، إذ يشكّل النفط والغاز الطبيعي نحو 49.5% و46.2% على التوالي من إجمالي إمدادات الطاقة الأولية، أي ما يتجاوز 95% من هذا الإجمالي. كما يعتمد قطاع توليد الكهرباء بشكل رئيسي على الغاز الطبيعي بنسبة تقارب 60%، ما يعكس عمق الترابط بين أمن الطاقة وإنتاج الغاز.

وقد دفع هذا الواقع الحكومة المصرية إلى تكثيف الاستثمارات في البنية التحتية لقطاع الطاقة، بما يشمل إعادة تشغيل محطات التصدير المتوقفة، وتوسيع قدرات التسييل، وتعزيز أطر التعاون الإقليمي عبر منصات مثل منتدى غاز شرق المتوسط، في سياق سعي القاهرة لترسيخ مكانتها الجيوستراتيجية كمركز إقليمي للطاقة.

غير أن هذه الطموحات تصطدم بتحديات بنيوية، في مقدمتها حالة عدم الاستقرار السياسي في المنطقة، والتي تُلقي بظلالها على استدامة الاستثمارات، وتحدّ من قدرة مصر على تحقيق أهدافها الاستراتيجية في قطاع الطاقة على المدى الطويل.

إعادة التموضع المصري

مثّلت الحرب الروسية الأوكرانية فرصة استثنائية لقطاع الغاز الطبيعي في مصر، إذ أسهمت في تعويض جزء من خسائر الاتحاد الأوروبي عقب حظر الغاز الروسي، ما منح دفعة قوية لما يمكن تسميته بـ«دبلوماسية الغاز». غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تلاشى مع تصاعد الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران، وما رافقها من توسيع رقعة التصعيد في الإقليم، من اليمن وسوريا وصولاً إلى لبنان وإسرائيل.

تتميّز مصر بكونها الدولة الوحيدة في شرق المتوسط التي تمتلك بنية تحتية متكاملة لإعادة تصدير الغاز الطبيعي المسال من الدول المجاورة، ما رسّخ موقعها كمركز إقليمي للطاقة، بقدرة تسييل تبلغ نحو 12.7 مليون طن سنوياً عبر محطتي إدكو ودمياط. إلا أن التطورات الإقليمية، ولا سيما تداعيات الحرب على قطاع غزة، شكّلت اختباراً قاسياً لهذا الدور، بعدما تعطّلت صادرات الغاز من حقل تمار إلى مصر عام 2023. وتكرّر المشهد لاحقاً مع تعليق صادرات حقل ليفياثان المتجهة إلى القاهرة عبر العريش، عقب الحرب على إيران.

تزامن ذلك مع تراجع حاد في إنتاج حقل ظهر منذ عام 2022، على الرغم من أنه كان يُفترض أن يحافظ على مستويات إنتاج مستقرة حتى عام 2045. فقد انخفض الإنتاج من نحو 2.96 مليار قدم مكعب يومياً عام 2021 إلى قرابة 1.38 مليار قدم مكعب بحلول 2025، نتيجة مشكلات تتعلق بإدارة عمليات الاستخراج. وأدى هذا التراجع إلى زيادة هشاشة سوق الطاقة المحلي، ورفع حساسية البلاد تجاه أي اضطراب في الواردات، ما انعكس مباشرة على قطاع الكهرباء، خصوصاً في ظل أزمات انقطاع التيار التي تكررت خلال سنوات حرب الإبادة.

في ضوء هذه الهشاشة، أعطى الرئيس عبد الفتاح السيسي أولوية لاحتواء التصعيد عبر المسارات الدبلوماسية، بهدف الحد من التداعيات الاقتصادية والطاقية للأزمة. وفي هذا السياق، تبرز العلاقة مع إسرائيل كعنصر حاسم في معادلة الغاز، نظراً لكون محطات التسييل المصرية تمثّل حلقة الوصل بين الغاز الإسرائيلي والأسواق الأوروبية. ويُفسَّر ضمن هذا الإطار توقيع اتفاقية شراكة عام 2025 تهدف إلى مضاعفة صادرات الغاز الإسرائيلي إلى مصر من 0.6 مليار قدم مكعب يومياً في 2024 إلى 1.25 مليار قدم مكعب، إلى جانب خطط إنشاء خط أنابيب «نيتسانا» لربط البلدين بحلول عام 2028.

غير أن هذا التكامل المتزايد يحمل في طيّاته مخاطر بنيوية، إذ يعمّق من تبعية مصر لتدفقات الغاز الإسرائيلية، ويجعل استقرار صادراتها رهينة للتقلبات الجيوسياسية وسلوك إسرائيل في المنطقة. وفي حال توقّف هذه الإمدادات، تجد القاهرة نفسها مضطرة للاعتماد على السوق الفورية العالمية، بما يحمله ذلك من كلفة مرتفعة وضغوط على ميزان المدفوعات. وقد بدأت هذه التداعيات بالظهور مبكراً، مع تسجيل عجز تجاري تجاوز مليار دولار شهرياً في الأسابيع الأولى للحرب، إلى جانب تجميد استثمارات، وانسحاب شركات دولية من جولات التراخيص، وخروج رؤوس أموال قُدّرت بنحو 8 مليارات دولار خلال الأسبوع الأول فقط.

2

الاقتصاد السياسي للغاز والهشاشة المصرية

تُشكّل واردات الغاز من إسرائيل نحو 15% من إجمالي واردات مصر، مع خطط لرفعها إلى 12 مليار متر مكعب سنوياً بحلول عام 2030. ويعني ذلك أن أي اضطراب إقليمي مرتبط بالسياسات الإسرائيلية ينعكس مباشرة على ميزان المدفوعات المصري، محوّلاً العلاقة التجارية إلى أداة ضغط جيوسياسي تمنح تل أبيب نفوذاً واسعاً. وفي هذا السياق، تتحوّل الأصول السيادية المصرية، وفي مقدمتها محطات تسييل الغاز، إلى منصات لإعادة تصدير الغاز الإسرائيلي نحو أوروبا، بما يعيد تشكيل موقع مصر في سلاسل القيمة الإقليمية للطاقة.

وقد تجلّى هذا الاعتماد بوضوح في أيار/مايو الماضي، عندما أدّى إغلاق مُجدول للصيانة في حقل ليفياثان إلى انقطاع الإمدادات عن قطاعي الأسمدة والبتروكيماويات في مصر. وفضّلت الحكومة حينها احتواء الغضب الشعبي الناتج عن انقطاع الكهرباء عن المنازل، حتى لو كان ذلك على حساب تعطّل قطاعات صناعية حيوية، ما يكشف ترتيب الأولويات في إدارة الأزمة. ويزيد هذا الاعتماد من تعقيد الدور السياسي لمصر، إذ يقيّد قدرتها التاريخية كوسيط رئيسي في القضية الفلسطينية، في ظل امتلاك إسرائيل أداة مباشرة للضغط عبر التحكم في تدفقات الغاز، وهو ما حدث بالفعل لأسباب أمنية وعملياتية.

إلى جانب هذا البعد الجيوسياسي، تؤدّي الشركات الأجنبية دوراً حاسماً في تشكيل بنية قطاع الغاز. فبعد إعلان القاهرة عام 2019 استهداف تحقيق الاكتفاء الذاتي ووقف استيراد الوقود خلال أربع سنوات، تم توقيع عقود استثمارية تجاوزت 10 مليارات دولار، تضمنت حوافز واسعة للمستثمرين في التنقيب والإنتاج، خاصة في المناطق غير المطورة. وقد سُمح للمستثمرين بالتحكم في حصصهم من الإنتاج بدلاً من بيعها للحكومة بأسعار ثابتة، إضافة إلى حصولهم على نحو ثلث الإنتاج لتغطية تكاليف الاستكشاف، على أن يُقسَّم الباقي مع الحكومة التي تحتفظ بحق شراء حصة المنتج وفق أسعار متفق عليها مسبقاً.

لكن هذه الترتيبات لم تُفضِ إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي، بل على العكس، تحوّلت مصر إلى مستورد صافٍ للغاز بحلول عام 2025، إذ استوردت نحو 6.6 ملايين طن متري، بعدما كانت قد حققت فائضاً تصديرياً بلغ 7 ملايين طن عام 2022. وانعكس هذا التحول بوضوح على ميزان المدفوعات، إذ انقلب ميزان تجارة الغاز من فائض قدره 8.3 مليارات دولار في 2022 إلى عجز بلغ 4.6 مليارات دولار في 2024، أي ما يعادل نحو 1.2% من الناتج المحلي الإجمالي. وتشير التقديرات إلى استمرار هذا الاتجاه التصاعدي في الواردات حتى نهاية العقد على الأقل.

ومع توقيع اتفاقية الغاز مع إسرائيل في صيف 2025 بقيمة 35 مليار دولار تمتد حتى عام 2040، لاستيراد نحو 130 مليار متر مكعب، سعت الحكومة إلى تأمين الطلب المحلي. غير أن تكرار قطع الإمدادات مرتين خلال أقل من عام كشف هشاشة هذا التكامل، إذ اضطرت مصر إلى اللجوء للسوق الفورية واستيراد 75 شحنة عاجلة بتكلفة إضافية بلغت 3.75 مليارات دولار.

في المحصلة، بات تشغيل منظومة الطاقة والكهرباء في مصر شديد الارتهان لتدفقات الغاز الإسرائيلية، حتى مع التوسع في البنية التحتية للاستيراد. وتظل هذه التدفقات خاضعة لاعتبارات سياسية وأمنية بالدرجة الأولى، وهو ما انعكس في تصريحات وزارة البترول مع بداية الحرب، حين أعلنت اتخاذ إجراءات استباقية لتأمين احتياجات السوق عبر عقود طويلة الأجل، لكنها على الرغم من ذلك واجهت فجوة هيكلية تُقدَّر بنحو 2 مليار قدم مكعب يومياً، ما يعكس عمق الاختلالات في بنية أمن الطاقة المصري.

سيناريوهات ما بعد الحرب

لا يمكن الجزم بانهيار الطموح المصري في الريادة الإقليمية لقطاع الطاقة، على الرغم من أن الحرب الأخيرة كشفت هشاشة النموذج القائم، في ظل غياب مؤشرات واضحة على مسار مستقبلي مستقر. ومع ذلك، توحي التحركات المصرية بإمكانية تبلور سيناريوهات عدة في المدى القريب، يظل أفضلها مشروطاً بدرجة الاستقرار الإقليمي، وسلوك المستثمرين، وحدود التصعيد العسكري الذي قد تنخرط فيه إسرائيل.

يرتبط تحقق هذه السيناريوهات أساساً بمدة الحرب وحجم الأضرار التي قد تلحق بالبنية التحتية للطاقة في المنطقة. وفي حال تثبيت هدنة، بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تمديدها مؤخراً، وافتراض انتهاء الحرب خلال 6 أشهر من دون أضرار إضافية كبيرة، قد تتمكن مصر من استئناف وارداتها من الغاز الإسرائيلي، إلى جانب الغاز القبرصي من حقلي «كرونوس» و«أفروديت»، بما يسمح بإعادة تشغيل محطتي إدكو ودمياط بكامل طاقتهما خلال عام من انتهاء الحرب. غير أن هذا السيناريو لا يخلو من كلفة، إذ سيستمر الضغط على ميزان المدفوعات، ما يدفع الحكومة إلى مواصلة سياسات التقشف، مثل ترشيد استهلاك الطاقة والإغلاق المبكر، وهو ما ينعكس سلباً على قطاعات اقتصادية أخرى.

أما في حال تعثّر هذا المسار واستمرار الحرب مع تصعيد إقليمي أوسع، قد يضع الحقول الغازية في مرمى التهديدات، فإن توقف تدفقات الغاز نحو مصر بشكل مستدام سيدفعها إلى الاعتماد المتزايد على الأسواق الفورية العالمية، بتكلفة أعلى. وقد يؤدي ذلك إلى تضخم فاتورة الاستيراد الشهرية، متجاوزة مستويات 1.65 مليار دولار التي أُعلن عنها سابقاً، فضلاً عن تراجع كفاءة تشغيل محطات التسييل إلى أقل من 30% من طاقتها. وفي هذا السياق، قد نشهد انسحاباً تدريجياً لشركات الطاقة الكبرى، إلى جانب استمرار نزوح رؤوس الأموال، ما يفاقم الأزمة الاقتصادية ويزيد الضغط على العملة المحلية، مع ما يستتبعه ذلك من ارتفاع معدلات التضخم وتوسّع في الاقتراض، والدخول في حلقة مفرغة من الديون.

في المقابل، يبرز خيار ثالث قد يشكّل نافذة للخروج من الأزمة، يتمثل في إعادة توجيه الاستراتيجية نحو الاستثمار في الطاقة المتجددة، خصوصاً الهيدروجين الأخضر. وقد اتخذت مصر بالفعل خطوات تنظيمية في هذا الاتجاه، من بينها إصدار القانون رقم 2 لسنة 2024، وإنشاء المجلس القومي للهيدروجين الأخضر لتنسيق السياسات والضوابط الفنية للقطاع. غير أن هذا المسار يواجه تحديات حقيقية، أبرزها ارتفاع كلفة التمويل، وتسعير المخاطر، وأعباء خدمة الدين، ما يضعف القدرة التنافسية مقارنة بدول مثل الهند والصين.

إضافة إلى ذلك، تبرز إشكالية بنيوية في توجّه معظم مشاريع الهيدروجين نحو التصدير، بنسبة تصل إلى 95%، ما قد يؤدي إلى تهميش قطاعات محلية حيوية مثل الأسمدة والأمن الغذائي. كما أن إنشاء بنى تحتية معزولة مخصصة للتصدير، دون دمجها في الشبكة المحلية، قد يقوّض أهداف خفض الانبعاثات، ويُبقي الاعتماد قائماً على الوقود الأحفوري لتلبية الطلب الداخلي، بعد توجيه الموارد المتجددة نحو الأسواق الخارجية.

في المحصلة، تبدو مصر أمام مفترق طرق استراتيجي يتطلب مراجعة شاملة لسياسات إنتاج الطاقة وتوزيعها، في ضوء التعقيدات الجيوسياسية الراهنة. وقد يفرض الواقع التخلي، مؤقتاً، عن طموحات الريادة الإقليمية، لصالح أولويات أكثر إلحاحاً تتعلق بتأمين الإمدادات، واحتواء المخاطر الاقتصادية، وبناء نموذج طاقة أكثر توازناً واستدامة.

    منى يسري

    صحافية مصرية وباحثة سابقاً في مركز دال للإنتاج الإعلامي والأبحاث، درست الاقتصاد السياسي، ومهتمة بالعلوم الاجتماعية وقضايا السيادة الغذائية.