إشكاليات التحول الرقمي للوسائط الملموسة في العالم العربي
هل ولّى زمن الطيبين؟
إنّ التسميات الجيلية، في رأيي، ليست سوى أداة تحليلية لقراءة الفروق بين الرؤى الجماعية للعالم بحسب الفئات العمرية، ولا أودّ شخصياً أن أحصر نفسي فيها أو أن أتبنّاها بالمطلق. في العالم العربي، وربما في أماكن أخرى من العالم أيضاً، يُطلق مصطلح «جيل الطيبين» على من عاشوا تسعينيات القرن الماضي، إلى جانب أبناء الثمانينيات، بل وحتى السبعينيات.
أختلف مع هذا التأطير، لأن الحنين إلى الماضي، أو ما يُعرف بالنوستالجيا، هو في حدّ ذاته نتاج ثانوي للتباين بين الأجيال في رؤيتها للعالم. فلكل جيل ما له وما عليه، أو كما نقول بالعامية «المليح والوحيش»، بل إنني أشدّد على أن لكل جيل أسبابه الموجبة دائماً، لأننا محكومون بالتغيير. أما ما يدور في فلك «الأخلاق»، فهو نسبي وموضوعي في أصله.
يُتداول بين العامة أن أولئك الذين عاشوا طفولتهم خلال تسعينيات القرن الماضي هم آخر ورثة تركة «الأيام الجميلة»: أولئك الذين كانوا يتبادلون فيما بينهم سلع الوسائط الملموسة، من أعمال فنية وألعاب إلكترونية، أو الذين اكتشفوا ذائقتهم الموسيقية عبر البحث والتجربة، لا عبر الخوارزميات. هذا هو الحنين إلى الماضي في أبهى صوره. وهو حنين يتجدّد باستمرار، ويتجاوز الفئات العمرية والتسميات الجيلية، ويتزيّن دائماً بنفحات من الصدق والبساطة.
لكن إذا تحدّثت إلى شخص من «الجيل زد»، مثلاً، ستجد أنه هو الآخر قد تأثر، إلى حدّ ما، بما نطلق عليه نحن، من جيل الألفية وجيل إكس، «الزمن الجميل». لذلك، لن أبحث في هذا المقال الفروق الجيلية في ذاتها، بل فيما قد يشكّل فاصلاً جيلياً يتعلق بالوسائط الملموسة (physical media).
فالإعلام التلفزيوني عبر الكابل (cable) ما زال حاضراً بيننا، لكن خدمة الفيديو حسب الطلب (video on demand) أصبحت بدورها أكثر اعتماداً. كذلك ما تزال الأقراص المدمجة (CDs) وأقراص الفيديو الرقمية (DVDs) والسينما قائمة، لكن منصات مثل «سبوتيفاي» و«نتفليكس»، وسائر نموذج رأسمالية المنصات، هي التي تهيمن اليوم.
تقوم حجتي على أن الانتقال من الوسائط المادية إلى الوسائط الرقمية، لا الحنين إلى الماضي بطبيعة الحال، هو العلامة الفارقة الحقيقية لـ«جيل الطيبين». أي إن الفاصل بين الأجيال سيصبح مرئياً عندما تكتمل عملية التحوّل من الوسائط الملموسة إلى غير الملموسة.
عندها يصبح هناك فعلياً جيلان: جيل ما قبل التحوّل التام، وجيل ما بعده.
أستعرض في هذا المقال ثلاث إشكاليات بدأت تتبلور مع الانتقال من الوسائط الملموسة إلى الوسائط غير الملموسة: زوال الملكية الفردية للوسائط عموماً، ومحدودية الوصول إليها، والفرط في الرقابة والمراقبة على استخدامها.
الملك لله.. والشركات
تخيّل أنك دخلت عطلة نهاية الأسبوع وقررت أن تحيي سهرة مع أصدقائك في المنزل. تتوجّه إلى أقرب متجر لبيع أقراص الـDVD وتختار فيلماً أو أفلام عدة. أمامك خياران: إما استئجار القرص وإعادته لاحقاً إلى المتجر، وهو ما كان شائعاً لدى من لم يلجؤوا إلى شراء الأفلام المقرصنة، أو شراؤه وإضافته إلى رفوف مكتبتك المنزلية.
اليوم، يبدو الخيار أسهل بكثير إذا استبعدنا القرصنة؛ فأي تطبيق لخدمة الفيديو حسب الطلب، مثل «نتفليكس»، يتيح لك عناوين قد تفوق بكثير ما كان يحتويه ذلك المتجر. لكن الفارق لا يكمن في عدد الأفلام، بل في أنك لم تعد تمتلك أياً منها. فالمنصة هي التي تقرر ما يظهر في كتالوغها وما يختفي منه بهدوء.
يمكنك بالطبع شراء نسخة رقمية بدلاً من الاشتراك، لكن حتى في هذه الحالة لا تسمح لك حقوق النشر بإعارة النسخة إلى صديق أو بتحقيق أي استفادة فعلية من سلعة يُفترض أنك تمتلكها. وينطبق الأمر نفسه على الموسيقى؛ إذ حلّ الاستماع عبر المنصات محل تشغيل ألبوم موجود على الرف. وعلى الرغم من أن الألبومات لا تزال تُطبع على أقراص الفينيل (vinyl) والأقراص المدمجة وتباع في الأسواق، فإن هذه التجارة آخذة في الانحسار، فيما بات بعض المنتجين يفضّلون الشراكات مع المنصات تفادياً لتكاليف الإنتاج.
الشراء الرقمي يمنحك شكلاً من أشكال الملكية، فيما يجرّدك من حق الانتفاع الكامل بما اشتريته. يمكنك الاستمتاع باللعبة، لكنك لا تستطيع إهداءها، أو إعادة بيعها، أو استخدامها بأي طريقة تتجاوز حدود الاستخدام الشخصي
قد يعترض أحدهم بأن بوسع المستهلكين دائماً شراء نسخة مادية إذا أرادوا ذلك. غير أن المشكلة تكمن في أن الأجهزة اللازمة لتشغيل هذه النسخ إما سُحبت من الأسواق أو باتت في طريقها إلى الاختفاء. وما إعلان شركة «سوني» الأخير عن إنهاء عصر الأقراص في أجهزتها عموماً إلا مثال جليّ على ذلك (Lauren Forristal, 2026). فكل من يشتري لعبة «بلايستيشن» اعتباراً من كانون الثاني/يناير 2028 لن تكون لديه نسخة مادية يحتفظ بها. أما «إكس بوكس» (Xbox)، فمن المفترض أن تحذو حذو «سوني»، لتبقى «نينتندو»، ربما، الوحيدة التي ستواصل إنتاج الألعاب الملموسة (Reynolds, 2026).
لكن المسألة تتجاوز البعد الجمالي أو متعة امتلاك رف مليء بالألعاب. فالشراء الرقمي يمنحك شكلاً من أشكال الملكية، فيما يجرّدك من حق الانتفاع الكامل بما اشتريته. يمكنك الاستمتاع باللعبة، لكنك لا تستطيع إهداءها، أو إعادة بيعها، أو استخدامها بأي طريقة تتجاوز حدود الاستخدام الشخصي.
وما يلفت الانتباه هنا هو أن هذا الأمر يُفرض كأمر واقع من جانب شركة، لا بموجب إرادة حكومة ولا نتيجة دينامية العرض والطلب في السوق. فالشركة نفسها تدير السوق التي تطرح فيها عناوين ألعابها، ولا توفّر أي آلية لتثبيت الألعاب من الأقراص. ومن ثمّ، فهي لا تتحكم في المنتج وحده، بل في طريقة الوصول إليه أيضاً. وينطبق الأمر نفسه على عمالقة صناعة الألعاب الإلكترونية وبيعها، بعدما أصبحت منتجاتهم إلكترونية بامتياز.
يتماهى هذا مع ما أطلق عليه يانيس فاروفاكيس «الإقطاعية التكنولوجية» أو «التكنو-إقطاعية» (Technofeudalism)، وهي حالة يراها متجاوزة للرأسمالية نفسها (راجع هنا للمزيد)، بالنظر إلى أن الملكية كانت إحدى السمات الفارقة التي حدّدت الرأسمالية. وفي كتابه «التكنو-إقطاعية: ما الذي قتل الرأسمالية»، يشبّه فاروفاكيس هذا الوضع بشراء منزل مع احتفاظ البنّاء بالمفتاح الرئيسي؛ إذ يصبح دخولك إلى المنزل رهناً بإرادته، ويكون له أن يخرجك منه من دون أن تكون لك إمكانية فعلية للجوء إلى القانون. فأنت، بهذا المعنى، لا تمتلك شيئاً، بل تحوز امتيازاً مؤقتاً ومشروطاً. والنتيجة ترتيب ريعي بطبعه، يمنح الشركة سلطات تحكم وحوكمة يصفها نيك سرنيتشيك ضمن مفهوم «رأسمالية المنصات».
وتخبرنا الأجهزة المشغِّلة لهذه الوسائط بالقصة نفسها. فهل لاحظ أحد من «جيل الطيبين» أن أجهزة الحاسوب المكتبية والمحمولة باتت تُباع، منذ سنوات، من دون مشغلات للأقراص المدمجة؟ ثمة أسباب اعتيادية لذلك، تبدأ من اعتبارات التصميم ولا تنتهي عند التوفير في تكاليف الإنتاج. لكن الأثر غير المباشر تمثّل في دفع المستخدمين نحو نظام السحابة (the cloud system).
فمن خلال إزالة القدرة على التشغيل والتخزين المحليين، تحوّل الشركات ما كان يُعدّ شراءً لمرة واحدة وبسعر ثابت إلى نفقات متغيرة ودائمة على شكل اشتراكات. ومن ثمّ، يتيح البث السحابي لهذه الشركات خلق ندرة رقمية اصطناعية.
فهي تمتلك الترخيص وتمتلك في الوقت نفسه البنية التحتية التي يعمل عليها المنتج، ولهذا الجمع بين الأمرين تبعاته. يمكن خفض سرعة النطاق الترددي، وفرض رسوم على ميزات معينة بوضعها خلف فئات اشتراك متدرجة، بل ويمكن ببساطة إلغاء إمكانية الوصول إلى منتج ما بمجرد أن تصبح استضافته على الخادم غير مربحة (Bayrak, Conley and Wilkie, 2011). وهذا التحول لا يحدث دفعة واحدة، بل يتسلل ببطء، وهو ما يجعل إعلانات من نوع إعلان «سوني» جديرة بالقراءة والتأمل بعناية.
وقد سلكت شركة «أبل» مساراً مشابهاً في بناء حظيرتها المغلقة حول خدمة (iCloud). فقد كانت من أوائل من ألغوا منافذ بطاقات (SD)، قبل أن تعيد بعضها لاحقاً، كما ألغت مشغلات الأقراص المدمجة، ولم يعد بالإمكان ترقية مساحة التخزين المحلية في أجهزة «ماك بوك»، فيما أُبقيت مساحة التخزين الأساسية في أجهزة «آيفون» منخفضة عمداً. وبالنسبة إلى أي شخص يلتقط صوراً أو مقاطع فيديو بدقة عالية، يخلق ذلك عائقاً على مستوى عتاد الجهاز (hardware)، لتُقدَّم خدمة (iCloud) بعد ذلك بوصفها الحل الطبيعي. والنتيجة أن ما يعدّه المستخدمون ملكيتهم بات يقبع على البنية التحتية لخوادم شركة «أبل» (Christophers، 2020).
ويدفع هذا التحول نحو مشكلتين إضافيتين أتناولهما في القسمين التاليين: كيف يحدّ ضعف الوصول إلى الإنترنت ممن يستطيعون المشاركة في هذا الترتيب أصلاً، وكيف يعرّض العيش داخله المستخدمين لرقابة مستمرة من جانب أطراف خارجية.
ألسنا في عصر السرعة؟
إذا كان مقدّراً للوسائط أن تنتقل كلياً إلى السحابة، فإن الأداة التي تتيح الوصول إليها تصبح شرطاً أساسياً لاستخدامها، لا مجرد وسيلة تابعة. فإمكانية الوصول وسرعة الاتصال هما اللتان تحددان، منذ البداية، شروط شراء الوسائط غير المادية واستخدامها.
تُظهر أرقام الاتحاد الدولي للاتصالات أن التغطية والاستخدام مسألتان منفصلتان في الدول العربية (راجع التقرير الصادر عام 2025). فنحو 95% من السكان مشمولون بتغطية شبكات النطاق العريض للجوال، لكن نحو 70% فقط يستخدمون الإنترنت فعلياً، أي إن الفارق بين التغطية والاستخدام يبلغ نحو 25 نقطة مئوية. ويخفي المتوسط الإقليمي بدوره تفاوتاً واسعاً بين البلدان؛ إذ تفصل 82 نقطة مئوية بين البلد ذي معدل الاستخدام الأدنى والبلدان التي تقترب من الاستخدام الشامل. بهذا المعنى، لا تشكّل «المنطقة» سوقاً واحدة بقدر ما تضم أسواقاً متفاوتة لا تجمعها إلا روابط قليلة.
ولا تقتصر المشكلة على التغطية، بل تشمل جودة الخدمة أيضاً. ظل انتشار شبكات الجيل الخامس (5G) متأخراً، وكانت الخدمة غير متاحة في ثلاثة أرباع اقتصادات المنطقة عام 2024، فيما لم تصل إلا إلى 13% من السكان. أما الإنترنت السلكي ذي النطاق العريض (fixed broadband)، وهو الاتصال الأنسب للبث المستمر ولتحميل الألعاب والموسيقى ومقاطع الفيديو، فيبلغ معدل انتشاره نحو نصف المتوسط العالمي.
القرص المدمج لا يرتّب على صاحبه رسوماً مستمرة بعد شرائه، بينما تتطلب النسخة الرقمية المرخّصة من المستخدم أن يدفع مرتين: مرة لقاء الاشتراك في الوسيط أو الخدمة، ومرة لقاء الاتصال الذي يتيح له الوصول إليها، وغالباً ما تكون الكلفة الثانية أكبر من الأولى
تفسّر البنية التحتية الأساسية جانباً من هذا التأخر. فبحلول عام 2023، كان 26% فقط من سكان المنطقة يعيشون على بعد 10 كيلومترات من أقرب عقدة للألياف الضوئية (fibre node). لذلك، يقتصر الاتصال المتاح في كثير من الأحيان على شبكات الهاتف المحمول، مع أنها أقل استقراراً في نقل المحتوى الرقمي والوسائط نفسها التي تدفع الشركات المستخدمين نحو استهلاكها.
وتحدد القدرة على الدفع بدورها من يستطيع تحويل إتاحة الإنترنت إلى استخدام فعلي. ففيما بقيت أسعار المستويات الأساسية من الإنترنت العريض للجوال في الدول العربية دون المتوسط العالمي، ظل سعر الإنترنت السلكي ذي النطاق العريض أعلى من المتوسط العالمي ومن حد القدرة على تحمّل الكلفة الذي يعتمده الاتحاد الدولي للاتصالات، والبالغ 2% من نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي. وهكذا، تصبح أشكال الاتصال الأكثر ملاءمة لاستهلاك الوسائط السحابية هي نفسها الأبعد عن متناول المستهلكين.
يُعد لبنان حالة جديرة بالذكر في هذا السياق، إذ توثّق منظمة «سمكس» (Kataya, 2023) ارتفاع أسعار الخدمة بالمقارنة مع المداخيل، ويعود ذلك جزئياً إلى اضطرار «أوجيرو»، المزود الرئيسي للخدمة، إلى تشغيل شبكتها بواسطة مولدات الديزل الخاصة. أما مصر فتقدّم نموذجاً مختلفاً للاختلال نفسه، حيث ترتفع التعرفات وتبقى باقات البيانات محددة بسقوف للاستهلاك. لذلك، باتت جودة البث تعتمد على الترتيبات التجارية بين مزود خدمة الإنترنت للأسرة والخدمة التي يحاول المستخدم الوصول إليها، بقدر اعتمادها على سعة النطاق الترددي (bandwidth) التي دفعت الأسرة ثمنها.
أما البنية التحتية التي يتطلبها استهلاك الوسائط عبر السحابة، من نطاق ترددي مرتفع ومستقر، وزمن استجابة منخفض، وباقات بيانات غير محدودة، فلا تتوافر على نطاق واسع إلا في بعض اقتصادات الخليج. وفي أماكن أخرى، ما زالت هذه البنية بعيدة عن الاكتمال، بما يحدّ من الوصول إلى الوسائط الرقمية.
وتترتب على ذلك كلفة ثانية على المستهلك لم تكن موجودة في عصر الوسائط المادية. فالقرص المدمج لا يرتّب على صاحبه رسوماً مستمرة بعد شرائه، بينما تتطلب النسخة الرقمية المرخّصة من المستخدم أن يدفع مرتين: مرة لقاء الاشتراك في الوسيط أو الخدمة، ومرة لقاء الاتصال الذي يتيح له الوصول إليها، وغالباً ما تكون الكلفة الثانية أكبر من الأولى. وحين يصبح هذا الاتصال مرتفع الكلفة أو غير موثوق، لا تعود المشكلة مقتصرة على إضعاف معنى الملكية، بل يصبح الانتفاع بما اشتراه المستخدم نفسه مشروطاً بقدرته الدائمة على الوصول إليه.
الرقابة على المستخدم والاستخدام
أما الكلفة الثالثة للانتقال إلى السحابة فهي المراقبة، التي تعمل على مستويين: تجارياً وحكومياً.
على المستوى التجاري، تتخذ المراقبة طابعاً تعاقدياً، ولا تكون خفية عن المستخدم من حيث المبدأ. فكل تطبيق يأتي مقروناً باتفاقية ترخيص للمستخدم النهائي، عادةً ما يوافق عليها الجميع من دون قراءتها، على الرغم من أنها تحكم العلاقة بين المستخدم ومزوّد الخدمة طوال فترة الاستخدام، وأحياناً بعد انتهائها أيضاً، إذا اعتبرنا أن البيانات المجموعة هي الأساس لا الخدمة نفسها. وينطبق الأمر على المنصات السمعية والبصرية التي تُستهلك من خلالها الوسائط الفنية اليوم، إذ تتضمن شروط الموافقة السماح بنقل بيانات الاستخدام وتحليلها، حتى حين تُسجّل لحساب مستخدمين مجهولي الهوية.
وتقوم حجة الدفاع عن هذه المراقبة التجارية على أن جمع البيانات عن الاستخدام يهدف إلى تحسين جودة الخدمة، لأنها لا ترتبط بشخص المستخدم بقدر ما ترتبط بكيفية استخدامه للمنصة. لكن الممارسة تكشف حالات تتجاوز هذا الاستخدام المعلن. ففي عام 2019، غُرّمت «يوتيوب» بمبلغ 170 مليون دولار من جانب لجنة التجارة الفدرالية والمدعي العام لولاية نيويورك، بعدما جمعت سجلات مشاهدة لمستخدمين أطفال يشاهدون محتوى مخصصاً للأطفال من دون موافقة الوالدين، بهدف تقديم إعلانات سلوكية مستهدفة (Tonsager, 2019). وفي عام 2023، فُرضت على «سبوتيفاي» غرامة قدرها 58 مليون كرونة سويدية، أي نحو 5.4 ملايين دولار، من جانب هيئة حماية الخصوصية السويدية، بموجب اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR)، لعجزها عن شرح كيفية معالجة بيانات مستخدميها حين يطلبون الاطلاع عليها (Digital Policy Alert, 2025). وفي الحالتين، يمكن القول إن الآلية واحدة: الخدمة هي الذريعة، أما المستخدم فهو السلعة.
المراقبة الحكومية أقدم بالطبع من الإقطاع الرقمي، لكن تكنولوجيا السحابة تمنحها موطئ نفوذ جديداً؛ إذ لم يعد تنفيذ الرقابة يتطلب استهداف جمهور واسع ومتشعب، بل بات يكفي في بعض الحالات الضغط على عدد صغير من الوسطاء الذين يتحكمون بالوصول إلى المحتوى
وللمراقبة وجه آخر يتعلق بأجهزة الدولة والسلطات الحكومية. فالمراقبة الحكومية أقدم بالطبع من الإقطاع الرقمي، لكن تكنولوجيا السحابة تمنحها موطئ نفوذ جديداً؛ إذ لم يعد تنفيذ الرقابة يتطلب استهداف جمهور واسع ومتشعب، بل بات يكفي في بعض الحالات الضغط على عدد صغير من الوسطاء الذين يتحكمون بالوصول إلى المحتوى. ففي عام 2022، هددت الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع في دول مجلس التعاون الخليجي، برئاسة السعودية، باتخاذ إجراءات قانونية ضد شركة «نتفليكس» ما لم تزل المحتويات التي اعتبرت أنها تنتهك القيم الإسلامية والمجتمعية (بيان المجلس بهذا الخصوص، 2022).
ومنذ ذلك الحين، يمكن اعتبار أن السعودية انتقلت من مرحلة ممارسة الضغط على المنصات إلى مرحلة امتلاك بعضها. وقد تمأسس هذا النموذج عام 2022 عبر مجموعة «سافي» للألعاب الإلكترونية، السعودية المنشأ والمملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، والتي يرأس مجلس إدارتها ولي العهد، إذ استحوذت على «سكوبلي» (Scopely) ومجموعة «إي إس إل فايس إت» (ESL FACEIT Group)، وأنشأت «ستير ستوديوز» (Steer Studios).
وفي عام 2025، أتمت «سكوبلي» صفقة بقيمة 3.5 مليارات دولار للاستحواذ على قطاع الألعاب في شركة «نيانتيك» (Niantic)، بما في ذلك لعبة «بوكيمون غو» (Pokemon GO)، القائمة على القياس المباشر والمستمر لبيانات المواقع الجغرافية في العالم الحقيقي لمئات الملايين من اللاعبين. كما توفّر «إي إس إل فايس إت» بنية تحتية لمكافحة الغش تعمل مباشرة على أجهزة اللاعبين أنفسهم. وفي هاتين الحالتين، لا تعود هناك حاجة إلى آلية لتقديم طلب رسمي إلى منصة مستقلة، لأن المنصة نفسها أصبحت مملوكة لجهة مرتبطة مباشرة بالسلطة الحاكمة.
وقد تبدو ظاهرة الاستحواذ السعودية حالة فريدة، إذ لا تستطيع معظم الدول شراء طريقها للوصول إلى تلك المفاتيح، فتلجأ بدلاً من ذلك إلى التفاوض مع مالكي المنصات. وتشكّل حالة أغاني المهرجانات في مصر نموذجاً كاشفاً تحديداً لأنها استعصت في البداية على محاولات تطويقها. ففي عام 2020، حظرت نقابة المهن الموسيقية عروض المهرجانات، ووجّه نقيبها السابق هاني شاكر خطابات مباشرة إلى منصات «يوتيوب» و«ساوند كلاود» و«أنغامي»، التي قامت بدورها بإزالة مقاطع، بالتوازي مع تقديم شكوى إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لتفعيل سلطاته القانونية على البث. وتشير التقارير الصحفية عن الواقعة إلى أن النقابة نسّقت مع وزارة الاتصالات، فيما كان مكمن القلق أن أغاني المهرجانات انتشرت عبر قنوات تقع خارج نطاق التوزيع الحكومي، وبالتالي خارج رقابة الدولة (مبادرة الإصلاح العربي، 2020).
وبما أن مصر من أكبر أسواق «أنغامي»، ومع استعداد الدولة لحجب المنصات كلياً، يصبح موطئ النفوذ واضحاً. وفي وضع كهذا، تتجه الأجهزة البيروقراطية للدولة والشركات الباحثة عن الربح إلى التوصل إلى تسويات وتوافقات مشتركة، فيما يبقى المستخدم خارجها.
عودة بائسة
تشير الدلائل الأخيرة إلى أن مبيعات أسطوانات الفينيل تجاوزت مليار دولار في الولايات المتحدة عام 2025 وحده، مسجّلة عامها التاسع عشر على التوالي من النمو، مع مبيعات بلغت عشرات الملايين من الوحدات (Leimkeuhler, 2026). في المقابل، يواصل قرص الـCD انحداره، فيما يعود الكاسيت من هامش ضيق، مسجلاً نسب نمو مرتفعة انطلاقاً من أحجام مبيعات صغيرة.
تقاوم الوسائط المادية إذاً لاستعادة شيء من مكانتها. وقد تكون هذه معركة جديرة بالترقب بالنسبة إلى هواة هذا النوع من الوسائط، لكنها على الأرجح لن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء. فقد تعزّزت سيطرة الشركات مع صعود أنظمة السحابة، ما يجعل استعادة النموذج السابق أمراً شديد الصعوبة.
ولا يبدو أن هذا الانتعاش سيعكس مسار السوق واندماجه في نظام السحابة الريعي. فسوق البث التدفقي (Streaming) يستحوذ على 9.47 مليارات دولار من سوق تبلغ قيمتها 11.5 مليار دولار (Stassen, 2026).
في الواقع، استوعبت السوق ظاهرة العودة إلى الوسائط المادية وأعادت تمثّلها داخل منطقها نفسه. فنسخة معاد إصدارها على أسطوانة فينيل قد تكلّف أكثر من اشتراك شهر كامل في خدمة بث غير محدودة، قبل إضافة تكاليف الشحن والجمارك وشح العملة الصعبة في العالم العربي. وأصبح موقع «ديسكوغز» (Discogs) بمثابة مؤشر للأسعار، فيما تحولت الأسطوانات إلى فئة من الأصول. أما الندرة، وهي ما يمنح الأثر المادي جزءاً من قيمته، فقد جعلت اقتناءه بعيداً عن متناول عامة الناس.
يبدو إحياء الفينيل وغيره من الوسائط الملموسة تمثيلاً مصغراً للتمرّد على الحصار الرقمي، ولكن بسعر أعلى وضمن إصدارات محدودة، لا مستقبلاً قادراً على تحصين الثقافة من رأسمالية المنصات
بهذا المعنى، يبدو إحياء الفينيل وغيره من الوسائط الملموسة تمثيلاً مصغراً للتمرّد على الحصار الرقمي، ولكن بسعر أعلى وضمن إصدارات محدودة، لا مستقبلاً قادراً على تحصين الثقافة من رأسمالية المنصات والإشكاليات التي ناقشها هذا المقال.
وهذا يعيدنا إلى نوستالجيا «جيل الطيبين». فلم يكن ذلك الجيل أكثر فضيلة من غيره، بل وجد نفسه في موقع أفضل ضمن مرحلة سابقة من تطور هذا النظام. كان قادراً على امتلاك الأشياء والتصرف بها من دون رقابة صارمة، ومن دون وسيط دائم يفصل بينه وبين استخدامها والتمتع بها. أوليس ذلك من صلب الرأسمالية نفسها: حرية الحركة والتملّك؟
فأرشيفات الوسائط ليست إنجازاً أخلاقياً بمجرد جمعها، بل تعبير عن علاقة ملكية. ونحن، في المقابل، في طور التنازل عن رفوفنا من دون أن يُطلب منا ذلك صراحة.
في النهاية، لن تُستعاد الملكية عبر التسوق، بل عبر بناء الأرشيفات العامة، وإرساء ضمانات قانونية تتيح نقل المحتوى بين الوسائط، وإنشاء نسخ لا تحتاج إلى اتصال دائم بالشبكة، إلى جانب تمويل حفظ السينما والموسيقى وحتى الألعاب في عالمنا العربي.
«جيل الطيبين» لم يختف بعد، ولن يودّع آخر أفراده هذه التجربة إلا عندما يكتمل انتقال سلعة الوسائط من شكلها الملموس إلى غير الملموس بالكامل.