الفساد يقتل: 76 مليون سنة ضائعة من العمر
نحو 76 مليون سنة من الحياة الصحية تُفقَد كل عام بسبب الفساد في أنظمة الرعاية الصحية حول العالم، أو ما يعادل 7.6 ملايين شخص يخسر كل منهم عشر سنوات من حياته الصحية. هذا ليس رقماً محاسبياً ولا تقديراً نظرياً، بل كلفة بشرية مباشرة تُقاس بسنوات من العمر تُستنزف بالمرض والإعاقة والموت الذي كان يمكن تجنّبه.
هذا ما يكشفه تقرير نقاشي جديد صادر عن منظّمة الصحّة العالمية، يربط بين الفساد في القطاع الصحي وخسارة ملايين الأشخاص لسنوات صحية من حياتهم. فمن خلال تقدير حجم الأموال التي تُحوَّل أو تُهدر من ميزانيات الصحة العامة، ثم احتساب ما كان يمكن لتلك الموارد أن توفّره من تدخلات صحّية مثبتة الفعالية.
غالباً ما يُختزل الفساد في الرعاية الصحية في لغة تقنية باردة، باعتباره مسألة «حوكمة» أو بنداً تحت عنوان «الهدر». غير أن هذه الأرقام تعيد تعريفه بوصفه عامل خطر صحّي رئيسي، لا يقلّ فتكاً عن العوامل المعروفة للأمراض والوفيات. فهو يترجم عملياً إلى أدوية لا تصل، وخدمات لا تُقدَّم، وأنظمة تُضعف قدرة الناس على الوقاية والعلاج في اللحظات الحاسمة.
وبهذا المعنى، لا يكون الحدّ من الفساد مجرّد إصلاح إداري أو أخلاقي، بل تدخلاً صحياً منقذاً للحياة. فكل تقليص للهدر والاختلاس وسوء الاستخدام في القطاع الصحي يعني عملياً استعادة ملايين السنوات من الحياة الصحية، وتحويل الموارد المهدورة إلى رعاية يمكن أن تُنقذ أرواحاً وأن تخفّف معاناة يمكن تفاديها.
1. ما الذي يعنيه فعلياً «الفساد في الرعاية الصحية»؟
لا يقتصر الفساد في قطاع الصحة على الرشاوى الكبرى أو الفضائح التي تتصدّر العناوين. فبحسب التقرير، يُعرَّف الفساد بأنه أي إساءة لاستخدام السلطة الموكلة لتحقيق مكاسب شخصية داخل النظام الصحي، سواء ارتكبها مسؤولون حكوميون، أو مقدّمو رعاية في القطاع الخاص، أو شركات أدوية، أو مورّدون، أو شركات تأمين تتحكّم في المال والدواء والقرارات التي يفترض أن تُتخذ لمصلحة المرضى.
في الواقع، يتخذ هذا الفساد أشكالاً مألوفة ومؤلمة في آنٍ. قد يكون دفعة غير رسمية تطلبها ممرضة لرؤية مولود جديد، أو طبيباً يوجّه المرضى من مستشفى عام إلى عيادته الخاصة، أو موظّف مشتريات يتلقى رشوة للموافقة على عقد مُبالغ في قيمته، أو مسؤولين كباراً يضخّمون كلفة بناء مستشفى ويستولون على الفارق. وهناك الفساد الأقل وضوحاً: موظفون وهميون يتقاضون رواتب من دون عمل، تغيبٌ مزمن عن الدوام، أدوية رديئة الجودة تُشترى لأنها أرخص أو لأنها تخدم شبكة مصالح، ومعدّات لا تعمل لكنها تُسجَّل كمُسلَّمة ومُدفوعة.
في جميع هذه الحالات، لا تختفي الأموال من الميزانيات على الورق. تبدو أرقام الإنفاق الصحي ثابتة، فيما تُستنزف الموارد التي كان يفترض أن تذهب إلى علاج المرضى وتحسين الخدمات. والنتيجة ليست فقط هدر المال العام، بل إفراغ النظام الصحي من قدرته الفعلية على الرعاية، حيث يدفع المرضى الثمن بصحتهم، ووقتهم، وأحياناً بحياتهم نفسها.
2. تسرّب هائل في ميزانيات الصحة
عند جمع هذه الممارسات معاً، لا يعود الفساد حوادث متفرّقة، بل يتحوّل إلى تسرّب منظّم وضخم من ميزانيات الصحة العامة. فقد قدّرت دراسات عالمية سابقة أن ما بين 10% و25% من الإنفاق الصحي قد يضيع بسبب الفساد. أمّا الورقة النقاشية لمنظمة الصحة العالمية، فتعتمد تقديراً أكثر تحفظاً، ومع ذلك تصل إلى نتيجة صادمة. فبحسب هذا التقدير، تخسر الحكومات حول العالم نحو 7% من ميزانياتها الصحية العامة سنوياً بسبب ممارسات فاسدة، أي ما يعادل حوالى 441 مليار دولار كل عام. وهو رقم كافٍ لإعادة رسم خريطة الرعاية الصحية العالمية لو أُنفِق حيث ينبغي.
تتحمّل البلدان المرتفعة الدخل أكثر من نصف هذه الخسائر، لأنها تمثّل أكثر من أربعة أخماس الإنفاق الصحي العام عالمياً. لكن الكلفة الحقيقية، والأشد فتكاً، تقع على عاتق البلدان المنخفضة والمتوسّطة الدخل. ففي هذه السياقات، قد تتجاوز الخسائر 10% إلى 20% من ميزانيات صحية هي أصلاً شحيحة، ما يجعل أثر الفساد مضاعفاً وخانقاً.
بالنسبة إلى بلد منخفض الدخل، لا يعني فقدان ربع ميزانية الصحة العامة مجرد أرقام في تقارير رسمية. بل يترجم عملياً إلى عدد أقل من العيادات المزوّدة بالموظفين، رفوف فارغة في صيدليات المناطق الريفية، تأخير صيانة المستشفيات، وتعطّل البنية التحتية الأساسية. ويحدث كل ذلك فيما توحي الأرقام الرسمية بأن التمويل «مستمر»، بينما الواقع الصحي على الأرض يتآكل بصمت.
3. من المال المفقود إلى سنوات الحياة المفقودة
لا يكتفي التقرير بتقدير حجم الأموال التي تسرّبت من ميزانيات الصحة، بل يطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: ماذا كان يمكن لتلك الأموال أن تُنقذ لو استُخدمت كما ينبغي؟
للإجابة، يستخدم المؤلفون نماذج الصحة العامة القياسية، ويفترضون أن الموارد المهدورة كانت ستُخصَّص لتدخّلات صحية معروفة بفعاليتها، مثل لقاحات الطفولة، وعلاج الالتهابات الشائعة، ورعاية الأمهات والمواليد، والخدمات الأساسية لإدارة الأمراض المزمنة، ثم يحسبون عدد الأمراض والوفيات التي كان يمكن تفاديها.
النتيجة صادمة: يربط التقرير بين الفساد في القطاع الصحي وخسارة نحو 76 مليون سنة حياة معدّلة باحتساب الإعاقة سنوياً. أي ما يعادل 7.6 ملايين شخص يخسر كلّ واحد منهم عشر سنوات كاملة من حياته الصحية. هنا يتحوّل الفساد من رقم مالي إلى نزف مباشر من العمر والصحة.
ولا تتوزّع هذه الخسائر بالتساوي. إذ يقدّر التقرير فقدان 18.3 مليون سنة حياة صحية في البلدان منخفضة الدخل، و28.2 مليون سنة في الشريحة الدنيا من البلدان متوسطة الدخل، و19.3 مليون سنة في الشريحة العليا من البلدان متوسطة الدخل، و10.2 مليون سنة في البلدان مرتفعة الدخل.
بمعنى آخر، لا يبدّد الفساد الأموال فحسب، بل يتجسّد كمرض قاتل: أطفال غير مُطعّمين، مضاعفات تُترك بلا علاج، ووفيات كان يمكن تجنّبها في جميع مستويات الدخل. غير أن العبء الأثقل يقع على البلدان متوسطة الدخل، حيث الكثافة السكانية مرتفعة، والأنظمة الصحية عالقة بين توسّع الطلب وضيق الموارد. هناك تحديداً، يتحوّل كل دولار «مسروق» إلى سنوات مهدورة من حياة كان يمكن أن تكون أكثر صحة وكرامة.
4. الفقراء يدفعون الثمن مرّتين
يضرب الفساد الفئات الأفقر في الصميم، لا لأنه أكثر انتشاراً هناك فحسب، بل لأنه يحمّلهم كلفة مضاعفة. ففي كثير من البلدان المنخفضة والمتوسّطة الدخل، يُهدر جزء أكبر بكثير من ميزانيات صحية هي أصلاً محدودة في ممارسات فاسدة، فتظهر النتيجة سريعاً على الأرض: عيادات بلا أدوية، كوادر ناقصة، وخدمات أضعف بكثير مما توحي به الأرقام الرسمية.
وعندما يفشل النظام الصحي العام في أداء وظيفته، لا يختفي الطلب على العلاج. بل يُدفَع المرضى إلى الدفع مرّة أخرى، إما عبر رشاوى للحصول على خدمة يُفترض أنها مجانية، أو عبر الإنفاق من الجيب في الصيدليات والعيادات الخاصة. هكذا يتحوّل الفساد من مشكلة «إدارة» إلى عبء يومي مباشر على الأسر الأكثر هشاشة.
وتُظهر دراسة أُجريت في أوغندا حجم هذا الأثر بوضوح: 1 من كل 5 أسر دفعت رشاوى للحصول على الرعاية، ولم يتمكّن 17% من المرضى من الوصول إلى الخدمات بسبب غياب الموظفين، وقُدِّر أن نحو 182 مليون دولار من أموال الصحة قد تم تحويلها، ما أدّى إلى خسارة تقارب 3 ملايين سنة حياة صحية، أي ما يعادل 300 ألف شخص يخسر كلٌّ منهم عشر سنوات من حياته الصحية.
وبالنسبة إلى الأسر الأكثر ثراءً، تمثّل هذه التكاليف عبئاً إضافياً يمكن امتصاصه. أمّا بالنسبة للأسر الأفقر، فهي تعني خيارات قاسية: بيع ممتلكات، التخلي عن العلاج، أو الوقوع في دوّامة الديون. وبهذا، لا يكتفي الفساد باستنزاف الميزانيات الصحية العامة، بل يعيد إنتاج اللامساواة في من يحصل على الرعاية ومن يُترك مريضاً.
هذا يفسّر لماذا تُفقَد عشرات ملايين السنوات الصحية في البلدان منخفضة ومتوسّطة الدخل، مقابل نحو 10.2 ملايين سنة فقط في البلدان مرتفعة الدخل. فالفساد لا يوزّع أضراره بالتساوي بل يثقل كاهل من يملكون أقلّ، ويدفعهم إلى دفع الثمن مرّتَين.