معاينة archive map british empire

الإجماع: من واشنطن إلى لندن

  • أكبر فارق بين إجماع واشنطن وإجماع لندن هو أنّ ما يهم الآن هو «السياسة، يا غبي!» لا الاقتصاد. فالديمقراطية الليبرالية تتعرض للتهديد.
  • الاقتصاد الجيد لا يدعم ببساطة تقليص تدخل الدولة إلى الحد الأدنى، ولا استبعاد القطاع الخاص. فالأمر أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. نعم، أعقد مما يحتمله «الإجماع». وفي الأثناء، تتصاعد عالمياً الترامبية. 

تكوّن إجماع واشنطن من 10 وصفات للسياسات الاقتصادية، وسوّقته مؤسسات واشنطن متعددة الأطراف في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، وفي مقدّمها صندوق النقد والبنك الدوليين، باعتباره «الحزمة المعيارية» لإصلاح اقتصادات الدول النامية التي تعاني أزمات حادّة. استخدم الاقتصادي البريطاني جون ويليامسون مصطلح إجماع واشنطن للمرة الأولى عام 1989، وشكّل هذا الإجماع أساساً لسياسات عالمية هدفت إلى تعزيز الأسواق الحرّة محلياً وعالمياً، وتقليص دور الدولة عبر الخصخصة وتحرير أسواق العمل والمال من التنظيم. دعت هذه السياسات إلى خفض الإنفاق الحكومي والعجوزات وترك السوق يعمل وفق منطقه الخاص. وعملياً، مثّل إجماع واشنطن مجموعة إرشادات اقتصادية لما عُرف لاحقاً بالنيوليبرالية.

تَكرّس الإجماع النيوليبرالي في سبعينيات القرن العشرين، بوصفه الإطار المهيمن للسياسات الاقتصادية نتيجة ما بدا فشلاً في الإدارة الكلية الكينزية بعد الحرب العالمية الثانية، مع تعثّر النمو الاقتصادي وارتفاع التضخّم والبطالة. يظلّ سبب هذا الفشل موضع خلاف داخل الاقتصاد السائد. ويرى الكينزيون أنّه نتج عن تبديل واضعي السياسات الاقتصادية «قواعد اللعبة»، فيما يؤكد النيوليبراليون وخبراء النقد أنّ الإدارة الحكومية للاقتصاد الكلي شوّهت السوق ولم تؤدِّ إلا إلى تفاقم التقلّبات.

أرى أنّ التفسير الماركسي هو الأقرب إلى جوهر المسألة. ارتبط ازدهار ما بعد الحرب العالمية الثانية، مع معدلات مرتفعة نسبياً من النمو الاقتصادي ومستويات قريبة من التشغيل الكامل (على الأقل في الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة)، بارتفاع ربحية رأس المال، ما أتاح الاستثمار المنتج ووفرة قوة العمل التي خضعت للاستغلال في أنحاء أوروبا وآسيا. غير أنّ قانون ماركس لانخفاض معدل الربح فرض مفاعيله في نهاية المطاف، فانخفضت الربحية على نحو حاد منذ منتصف ستينيات القرن العشرين وطوال السبعينيات. وقع أول ركود عالمي في عامي 1974–1975، وتلاه الركود التضخمي، أي جمود الإنتاج بالتوازي مع ارتفاع التضخّم. عندها برزت ضرورة إنعاش الاقتصادات الرأسمالية عبر تغيير السياسات الاقتصادية: التخلّي عن الإنفاق الحكومي المرتفع وعن التدخل في الأسواق وسحق النقابات العمالية وخصخصة أصول الدولة وتحويل الاستثمار عالمياً نحو مناطق العمل الرخيص في الجنوب العالمي. أتاح التطبيق الناجح لهذه السياسات في ثمانينيات القرن العشرين تعافي الربحية جزئياً، وهو ما رسّخ قناعة الاقتصاد السائد بإجماع واشنطن.

أفرزت الرؤية الترامبية للعالم مقاربة اقتصادية جديدة تُعرف بالجيو-اقتصاد، حيث تُدار الاقتصاديات عبر التحرّكات السياسية، وحلّت المصالح السياسية الضيّقة للتكتلات محل المصالح الطبقية الأوسع لرأس المال

لكن عاد قانون ماركس لانخفاض معدل الربح يضغط على رأس المال. ومع نهاية القرن العشرين، بدأت ربحية رأس المال بالانخفاض مجدداً، وفي عامي 2008–2009 وقع انهيار مالي عالمي والأزمة المالية العالمية. كشف ذلك فشل سياسات النيوليبرالية وإجماع واشنطن. توقّفت العولمة بصورة حادّة، ودخلت الاقتصادات الكبرى مرحلة الكساد الطويل مع مستويات متدنية من النمو في الناتج المحلي الإجمالي والاستثمار والتضخم والتوظيف. عندها بات لزاماً على الاقتصاد السائد إعادة النظر في روحه الاقتصادية السائدة.

بدايةً، جرت محاولة لمراجعة إجماع واشنطن عبر وزارة الخارجية الأميركية في عهد الرئيس بايدن. كان من المفترض استبدال التجارة الحرة وحرية تدفقات رأس المال وغياب التدخل الحكومي باستراتيجية صناعية تتدخل فيها الحكومات لدعم الشركات الرأسمالية وفرض الضرائب عليها بما يحقق أهدافاً وطنية. كان من المتوقّع اعتماد مزيد من ضوابط التجارة وحركة رأس المال وتوسيع الاستثمار العام وزيادة الضرائب على الأغنياء. سيكون الشعار «كل دولة لنفسها»: لا اتفاقات عالمية بل ترتيبات إقليمية وثنائية؛ لا حرية حركة بل رأس مال وعمل خاضعان للسيطرة الوطنية، إلى جانب تحالفات عسكرية جديدة لفرض هذا الإجماع الجديد.

وُضع إجماع واشنطن المُعدَّل جانباً مع تولّي ترامب الرئاسة بدل بايدن عام 2025. وبدلاً من ذلك، كُرّس النهج الترامبي في وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأخيرة، ما فتح مساراً جديداً بالكامل، على الأقل بالنسبة إلى الولايات المتحدة. أفرزت الرؤية الترامبية للعالم مقاربة اقتصادية جديدة تُعرف بالجيو-اقتصاد، حيث تُدار الاقتصاديات عبر التحرّكات السياسية، وحلّت المصالح السياسية الضيّقة للتكتلات محل المصالح الطبقية الأوسع لرأس المال، الأمر الذي فرض على الاقتصاد السائد البحث عن مقاربة جديدة، أي الجيو-اقتصاد.

لكن في المقابل، يبرز الآن إجماع لندن المنافس، كما يسمّيه، بنبرة تنبؤية، فريق من الاقتصاديين في صميم التيار السائد في مدرسة لندن للاقتصاد. فمنذ عام 2023، طوّر هذا الإجماع أكثر من 50 من أبرز الاقتصاديين وخبراء السياسات في المدرسة. وفي عام 2025، نشروا عملهم بعنوان: إجماع لندن: مبادئ اقتصادية للقرن الحادي والعشرين.

فما الذي يميّز إجماع لندن عن إجماع واشنطن النيوليبرالي؟ يوضّح تيم بيسلي وأندريس فيلاسكو، محرّرا كتاب مدرسة لندن للاقتصاد، ذلك في الفصل التمهيدي. ترسم الجملة الأولى من المقدّمة وجهة الإجماع الجديد: العودة إلى جون ماينارد كينز! ويستشهد المحرّران بقول كينز الشهير إن «الأفكار، لا المصالح الراسخة، هي الخطِرة خيراً كانت أم شرّاً». يفترض هذا أنّ تصويب السياسات يؤدّي إلى تصويب الاقتصادات. في الواقع، تُخطئ النظرة المثالية لدى كينز. فالمصالح الراسخة، أي المصالح الاقتصادية للطبقة الحاكمة، هي التي تقود الأفكار. وقد أفسحت الإدارة الكلية الكينزية المجال للنيوليبرالية وإجماع واشنطن في ثمانينيات القرن العشرين لأن السياسات الكينزية توقّفت عن خدمة مصالح رأس المال، بمعنى أن ربحية رأس المال بدأت بالانخفاض. واليوم، بعدما كُشف أيضاً فشل النيوليبرالية، بات لا بدّ من بروز أفكار جديدة تخدم مصالح رأس المال.

يكشف التعليق التالي لمؤلفي إجماع لندن عجزهم عن إدراك ذلك، إذ يقولون إن «لا يوجد مصمّم أعظم يرسم المسار التطوّري للعالم، حيث يشكّل التجريب والخطأ مسار التغيير. كما تؤدّي الصدفة دورها، فما زالت المجتمعات عاجزة عن منع المصادفة من تحديد مصيرها». وفق هذا المنظور، ما يجري في الاقتصادات ليس سوى نتاج الصدفة؛ ولا وجود لقوانين عامة يمكن أن توفّر إرشادات للتغيّرات والاتجاهات الاقتصادية؛ وكلّ ما يمكن فعله هو التكيّف مع الظروف المتبدّلة. فما هي هذه الظروف في القرن الحادي والعشرين التي أحدثت ثقوباً واسعة في أفكار إجماع واشنطن؟ يذكر المؤلفون «تحدّيات جديدة يسهل تعدادها: تغيّر المناخ، وفقدان التنوّع البيولوجي، والأوبئة، وأشكال متعدّدة من اللامساواة، والآثار غير المرغوبة للتكنولوجيا، واقتصاد عالمي متفكّك، والشعبوية والاستقطاب، والحرب في القارّة الأوروبية، وتراجع الدعم للديمقراطية الليبرالية في بلدان كثيرة». نعم، كثير بالفعل، بل ما اصطلح على تسميته تعدّد الأزمات في الرأسمالية.

يسعى مؤلفو إجماع لندن إلى الإبقاء على اقتصاد قائم على السوق، ولكن مقروناً بمزيد من النزعة المساواتية. ركّز إجماع واشنطن على الأول، فيما يرغب إجماع لندن في إضافة الثاني

فما التغييرات التي ينبغي على الاقتصاد السائد إدخالها للتكيّف والتبدّل واستبدال إجماع واشنطن بإجماع لندن؟ يسعى مؤلفو إجماع لندن إلى الإبقاء على اقتصاد قائم على السوق، ولكن مقروناً بمزيد من النزعة المساواتية. ركّز إجماع واشنطن على الأول، فيما يرغب إجماع لندن في إضافة الثاني.

بدايةً، ثمّة أمور ينبغي استعادتها، وفي مقدّمها العولمة. فبحسب المؤلفين، أسهمت العولمة في تحقيق فوائد عديدة لسكان العالم، إذ «يصعب المجادلة ضدّ القول إن الانخفاضات الكبيرة في الفقر العالمي التي تلتها تعود، ولو جزئياً، إلى قدر أكبر من الانفتاح الاقتصادي». حقاً؟ تُظهر جميع الدراسات التجريبية أنّ مستويات الفقر العالمي — أياً كانت طريقة قياسها — انخفضت بعد تسعينيات القرن العشرين بصورة شبه حصرية نتيجة القفزة الكبيرة في الدخل الفردي في أكثر بلدان العالم سكاناً، أي الصين. لو أُخرجت الصين (وإلى حدّ ما الهند) من معادلة الفقر، لما سُجّل سوى انخفاض طفيف أو معدوم في الفقر العالمي. بل إن مؤلفي مدرسة لندن للاقتصاد يقرّون بأن «الآثار غير المتكافئة للعولمة لا يمكن تجاهلها. فالتغيّرات في حجم التدفّقات التجارية وتركيبها تُحدث آثاراً غير متساوية بوضوح على الدخول بين الأفراد».

ويرى المؤلفون أنّ جانباً آخر من العولمة لم ينل ما يكفي من التقدير، ويتعلّق بكيفية توزيع الريوع. يستطيع حاملو حقوق الملكية الفكرية زيادة ريوعهم عبر الاستعانة بمصادر خارجية في التصنيع. «فعلى الرغم من أنّ عمالقة التكنولوجيا مثل «أبل» لا ينتجون إلا القليل داخل الولايات المتحدة، فإن ريوع منتجاتهم تتراكم لدى شركة آبل حيث تختار التصريح عنها». وقد أدّى ذلك إلى إثراء الطبقات الريادية (الناجحة)، التي ترتفع عوائدها كلما استطاعت خفض تكاليف الإنتاج، كما أسهم في خلق مصادر جديدة للّامساواة داخل البلدان.

لكن ما هي هذه الريوع؟ إنّها، بوضوح، الرؤية الكينزية للأسواق غير الكاملة والاحتكارات. فالأرباح مقبولة (إذ لا تُذكر كلمة ربح إلا مرة واحدة في الفصل التمهيدي)، أمّا الريوع فغير مقبولة. تُفترض الريوع على أنّها «أرباح صافية»، أي دخل يُستخرج عبر الاحتكار. ويرى خبراء مدرسة لندن للاقتصاد أنّ هذا هو سبب اللامساواة واختلال الكفاءة. في المقابل، يُقبَل الربح بوصفه قيمة يستولي عليها رأس المال عبر استغلال العمل وتُعاد توزيعه من خلال المنافسة بين الرساميل. ومع ذلك، يظلّ الربح الجزء الأكبر بفارق واسع من فائض القيمة الذي يحقّقه رأس المال.

حتى التركيز على الريوع وحدها، كما يفعل المؤلفون، يثير إشكالية. فالريوع، على ما يبدو، يصعب فرض الضرائب عليها. «توجد مشكلات تقنية في تحديد الريوع وقياسها بدلاً من العوائد العادية وهي ما يقصده المؤلفون بـ الأرباح». وتزداد المهمة صعوبة في عالم التدمير الخلّاق، حيث تحفّز الأرباح الابتكار (وهو ما يصحّ فعلاً!). يشيرون هنا إلى نموذج التدمير الخلّاق للنمو، الذي نال بسببه فيليب أغيون وجون فان رينن مؤخراً ما يُسمّى جائزة نوبل في الاقتصاد. ويُعيد هذان الفائزان إحياء نظرية جوزيف شومبيتر (التي طوّرها انطلاقاً من ماركس)، ويجادلان بأن النمو في الاقتصادات الرأسمالية يتحقق عبر التدمير الخلّاق، أي عبر دورات الازدهار والانكماش. ويخلص مؤلفو مدرسة لندن للاقتصاد إلى أنّ «ريوع الابتكار تحفّز الاستثمارات في الابتكار، وبالتالي فإن القضاء على جميع الريوع عبر التحرير والمنافسة قد يكون، في الواقع، مضراً بالنمو. لكن لا يجوز السماح لهذه الريوع الابتكارية بأن تكبر أكثر من اللازم، لأن مبتكري الأمس يميلون إلى استخدام ريوعهم لمنع الابتكارات اللاحقة، إذ لا يرغبون في أن يصبحوا ضحايا التدمير الخلّاق أنفسهم». فريوع الابتكار (وهي في الحقيقة أرباح) ضرورية للنمو، لكنها قد تتحوّل إلى ريوع احتكارية ضارّة. لذلك لا يُراد فرض الضرائب على الأرباح، أي «الريوع الابتكارية»، بل على «الأرباح الصافية»، أي الريوع. ومع ذلك، قد يصبح من الضروري فرض ضرائب على محاولات احتكار الابتكار وخلق الريوع. هكذا تبدو المسألة معقّدة. «فإذا قيّد النظام المنافسة وأخفق في فرض الضرائب على الريوع، فإن ذلك من شأنه تقويض الثقة في نظام السوق». غير أنّ فرض الضرائب على الثروة لا يقدّم مخرجاً من هذه المعضلة، لأن «الثروة يصعب قياسها وغالباً ما تكون قابلة للنقل عبر الحدود. ومن دون مستوى من التعاون العالمي يبدو غير واقعي اليوم، فمن غير المرجّح أن تؤمّن ضرائب الثروة إيرادات أكبر بكثير».

لا يجوز السماح لهذه الريوع الابتكارية بأن تكبر أكثر من اللازم، لأن مبتكري الأمس يميلون إلى استخدام ريوعهم لمنع الابتكارات اللاحقة، إذ لا يرغبون في أن يصبحوا ضحايا التدمير الخلّاق أنفسهم

ربما لا يكمن الحل في السعي إلى إعادة توزيع الريوع نحو استخدامات منتِجة عبر الضرائب، بل في التدخّل المباشر في العملية الإنتاجية. يتابع المؤلفون: «الاعتماد على السوق في معظم قرارات التخصيص يكون غالباً صائباً عند النظر إلى الإنتاج الخاص». لكن «ليست كل العلل الاقتصادية والاجتماعية قابلة للتصحيح، أو ينبغي تصحيحها، عبر إعادة التوزيع بعد الإنتاج؛ فبعضها يحتاج إلى تصحيح قبل الإنتاج أو أثناءه، فيما بات يُسمّى اليوم إعادة التوزيع المسبق». ويستشهدون بمداخلة كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي، أوليفييه بلانشار، في مساهمته ضمن كتاب مدرسة لندن للاقتصاد، حيث يقول إن «تدخّلاً أكثر مباشرة في مسار السوق، بدل مسار إعادة التوزيع، قد يكون مطلوباً».

غير أنّ هذه الإشارة المتردّدة إلى الملكية المشتركة لرأس المال الخاص والاستثمار العام تُستبعَد سريعاً. فوفق المؤلفين، أثبتت المؤسسات المملوكة للدولة أنّ «إدارتها بالغة الصعوبة وتفادي عدم الكفاءة فيها أمر عسير». كما أنّ هناك «شبه إجماع» على أن الملكية في قطاعات مثل السلع الاستهلاكية والخدمات هي الأفضل عندما تكون في الملكية الخاصة. ومع ذلك، يمكن، على سبيل النقاش لا أكثر، طرح حجّة الملكية العامة في حالة الاحتكارات الطبيعية وبعض أنواع البنى التحتية الأساسية.

وعليه، لا تدخل الملكية العامة للقطاعات الأساسية بغرض توجيه الاقتصادات ضمن إجماع لندن - ولا مفاجأة في ذلك، فمؤلفوه، في نهاية المطاف، أتباع كينز لا ماركس. لكن بوصفهم كينزيين، يدافعون عن تعزيز قدرة الدولة. ماذا يعني ذلك؟ يعني، على ما يبدو، استخدام الدولة لدعم الاقتصاد القائم على السوق. «فعلى خلاف المثال الليبرتاري الأسطوري للدولة الصغيرة، يتطلّب إنشاء اقتصاد سوق فعّال طيفاً من المؤسسات الداعمة للسوق، القانونية والتنظيمية. ولا تتطوّر الأسواق في بلدان كثيرة لأن الدولة ضعيفة وعاجزة».

غير أنّ المؤلفين لا يدعون إلى دور استثماري قيادي للدولة في الاقتصادات الرأسمالية. بالنسبة إليهم، تعني قدرة الدولة «القدرة على تحصيل الإيرادات لتمويل ما تقوم به الحكومة من دون اللجوء المفرط إلى الدين؛ والقدرة القانونية–الإدارية على توفير إطار مستقر يستطيع ضمنه الفاعلون الخاصون اتخاذ قراراتهم، ولا سيّما قرارات الاستثمار التي تنطوي على التخلّي عن موارد اليوم مقابل عائد غير مؤكّد في المستقبل؛ و قدرة التنفيذ، أي ليس فقط تصميم السياسات، بل تنفيذها بفعالية».

وعليه، لا يختلف هذا كثيراً عن الإدارة الكلية الكينزية في مرحلة ما بعد الحرب، إذ «تؤدّي الحكومة دور المؤمّن الأخير، نظراً إلى أنّ الأسواق الخاصة لا تستطيع توفير التأمين. وتقضي السياسة الثانية بأن تتحوّل الحكومة إلى صانعة السوق الأخيرة، بما يساعد على إسناد الأسواق المالية التي تتجمّد في أوقات الضغوط الاقتصادية الكلية». أي إنقاذ الإخفاقات التي يتسبّب بها القطاع الرأسمالي. ويضيف النص أنّ «السياسة المالية يجب أن تكون حصيفة، وأن تعمل على خفض صافي الدين في الأوقات الجيّدة. لذلك فإن هذا النشاط الجديد بعيد عن الدعوة إلى أن يكون كلّ شيء مباحاً في ما يتعلّق بالسياسة المالية. وعلى العكس، يتطلّب قدراً كبيراً من الانضباط المالي، والمؤسسات التي تجعل هذا الانضباط ممكناً». وبذلك، يعود الأمر في جوهره إلى إدارة كلية للموازنات.

ماذا عن القطاع المالي؟ كيف نتفادى انهياراً مالياً عالمياً جديداً كما في العام 2008؟ يبدو أنّ «تخصيص الائتمان الذي تحدّده السوق يظلّ هدفاً في إجماع لندن. لكننا نضع تركيزاً أكبر بكثير على التنظيم لمنع دورات ازدهار الإقراض وانكماشه. إن إنشاء بيئة مؤسسية للتنظيم الاحترازي الجزئي والتنظيم الاحترازي الكلي بات عنوان المرحلة لدى المصرفيين المركزيين والجهات الرقابية على المصارف في أنحاء العالم». هنا تتكرر الاستجابة الكلاسيكية في الاقتصاد السائد لانهيار 2008: مزيد من التنظيم، لكن من دون إفراط كي لا يعرقل الائتمان الموجّه إلى المؤسسات الرأسمالية.

والمفارقة هنا أنّه عند ذروة انهيار 2008، زارت ملكة بريطانيا آنذاك مدرسة لندن للاقتصاد وواجهت الخبراء المجتمعين بالسؤال: «لماذا لم تروا هذا يحدث؟». بدا خبراء المدرسة مرتبكين، ولم يصدروا ردّاً إلا عبر رسالة بعد أيام. ما سبب الانهيار المالي، بحسب مؤلفي إجماع لندن؟ يرون أنّ «الظروف الاقتصادية المواتية التي سبقت الانهيار المالي سمحت بتراكم اختلالات في القطاع المالي، وهي ظاهرة تبيّن كيف يمكن للقطاع المالي نفسه أن يكون مصدراً مهماً للصدمات، وكيف يشكّل التنظيم المالي المناسب عنصراً أساسياً ضمن سياسات الحفاظ على استقرار الاقتصاد». ويبدو أنّ تحرير التمويل المضاربي من التنظيم على نحو مفرط كان سبب انهيار 2008، وأن «الدرس المستفاد هو تجديد التشديد على كل من التنظيم الاحترازي الكلي وسياسة المنافسة في التمويل، لتقليل التقلّبات وخلق هياكل اقتصادية أكثر عدالة». أي إن المصارف وصناديق التحوّط والشركات الكبرى لا تُمسّ، بل يُكتفى بتنظيمها بصورة أفضل. غير أنّ «التنظيم» أخفق مراراً في وقف الأزمات المتكررة في الاقتصادات الرأسمالية.

الظروف الاقتصادية المواتية التي سبقت الانهيار المالي سمحت بتراكم اختلالات في القطاع المالي، وهي ظاهرة تبيّن كيف يمكن للقطاع المالي نفسه أن يكون مصدراً مهماً للصدمات

يحرص المؤلفون على إظهار الدور «الناجح» للبنوك المركزية في ضبط التضخم. إذ يقولون: «انخفضت معدلات التضخم عالمياً بعد اعتماد استهداف التضخم وبقيت كذلك لأكثر من عقدين. وعندما قفز التضخم بعد الجائحة، جزئياً بفعل صدمات عرض غير متوقعة، نجحت البنوك المركزية في خفض معدلات التضخم الرئيسة من دون التسبّب في ركود». حقاً؟ تُظهر أحدث الأدلة أنّ السياسة النقدية لدى البنوك المركزية أخفقت في تحقيق أهداف التضخم المحدّدة مسبقاً طوال مرحلة النيوليبرالية، وفي خلال الكساد الطويل في عقد 2010، وفي قفزة التضخّم بعد الجائحة.

يعود مؤلفو إجماع لندن إلى مقولة بطلهم جون ماينارد كينز، القائلة إن الأفكار تقود المصالح الاقتصادية لا العكس. ووفق هذا المنحى، يزعم المؤلفون أنّ أكبر فارق بين إجماع واشنطن وإجماع لندن هو أنّ ما يهم الآن هو «السياسة، يا غبي!» لا الاقتصاد. فالديمقراطية الليبرالية تتعرض للتهديد. «من نهاية الحلم الديمقراطي في روسيا إلى تصلّب الاستبداد في الصين، ومن التراجع الديمقراطي في المجر وتركيا إلى عودة الديكتاتورية في فنزويلا ونيكاراغوا، وصولاً إلى تتابع الانقلابات في أفريقيا جنوب الصحراء، ومن التقلبات السياسية الفوضوية في الولايات المتحدة إلى تنامي خيبة الأمل من الديمقراطية في ديمقراطيات غربية راسخة، تبدو قائمة العلل السياسية طويلة ومقلقة». لا ذكر هنا لغياب الديمقراطية في السعودية أو مشيخات عربية أخرى، ولا لدمار فلسطين، إلخ. القلق الوحيد هو تراجع الديمقراطية الليبرالية في أماكن أخرى.

يشير المؤلفون إلى أنّ «الديمقراطية الليبرالية» تتعرّض للتهديد من «الشعبوية السلطوية» بسبب «ركود الأجور وتفاقم اللامساواة في الولايات المتحدة وبريطانيا، والمناطق المتروكة خلف الركب نتيجة تراجع التوظيف الصناعي، والمعاناة الإنسانية الهائلة التي أطلقتها خسائر الوظائف وإفلاسات الأسر خلال الأزمة المالية العالمية في أعوام 2007–2009». فما الجواب على ذلك؟ الجواب، بحسبهم، هو «التشديد على أهمية إجماع سياسي ليبرالي يقوم على مجتمع متماسك بوصفه أساساً للتنمية السياسية والاقتصادية». فـ«من دون وظائف جيدة بأجور جيدة، يصعب تخيّل كيف يمكن للسياسة أن تبقى سلمية ومستقرة في كثير من البلدان». نعم، ولكن أليس الإخفاق في توفير ذلك هو السبب الأساسي في التراجع المتزايد للقوة السياسية لأحزاب «يمين الوسط» و«يسار الوسط» في إطار «الديمقراطية الليبرالية»؟ وهل تستطيع الرأسمالية في القرن الحادي والعشرين أن تؤمّن وظائف جيدة بأجور جيدة، وخدمات عامة أفضل، وما شابه ذلك؟

يبدو إجماع لندن مرتبكاً ومربكاً. الشعار هو: «أعيدوا كينز»، لكن مع تشديد إضافي على «قدرة الدولة». غير أنّ المؤلفين يقولون إن «البراغماتية مطلوبة. ونحن نتفق مع بول جونسون، الذي يكتب في هذا الكتاب أنّ الاقتصاد الجيد لا يدعم ببساطة تقليص تدخل الدولة إلى الحد الأدنى، ولا استبعاد القطاع الخاص. فالأمر أكثر تعقيداً من ذلك بكثير». نعم، أعقد مما يحتمله «الإجماع». وفي الأثناء، تتصاعد عالمياً الترامبية والجيو-اقتصاد. 

نُشر هذا المقال في 16 كانون الثاني/يناير 2026 على مدوّنة مايكل روبرتس، وتُرجم إلى العربية ونُشر في موقع «مجلة صفر» بموافقة منه.