العشرة الكبار
أقامت أنماط الأعمال والتوظيف الأميركية - بين القرن التاسع عشر ومطلع العشرين - مجمعات تصنيعية هائلة للسيارات والصلب والكهربائيات في مدن مثل ديترويت وبيتسبرغ وشيكاغو. لكن هذه الهيمنة التصنيعية تراجعت في النصف الثاني من القرن العشرين أمام سطوة شركات التوزيع والتجزئة الكبرى: تحولٌ بطيء في هيكلية السوق نقلها من نظام «يضخ» السلع نحو الأسواق في دفعات كبيرة، إلى نظام «تستجر» فيه شركات التجزئة تلك السلع إلى السوق مع حيازتها بيانات هائلة من نقاط البيع.
قلبت قدرة شركات التجزئة على فرض شروطها على المُصنّعين موازين القوى بُعيد الحرب العالمية الثانية، فقبيلها تركّز كبار أصحاب العمل في قطاع التصنيع، أما اليوم فيتربع على المشهد مزيج من شركات تجزئة وشحن، تستمد معظم قوتها من قدراتها اللوجستية.
فما نظائر القرن الحادي والعشرين لتلك التجمعات الهائلة من العمالة ورأس المال المميزة لاقتصاد التصنيع القديم؟ لقد تمثلت القوة التصنيعية لتلك الشركات في قدرتها على دمج العمليات المتنوعة تحت رقابة مركزية واحدة مع مكننة أكبر قدر ممكن من العملية الإجمالية، وبالمثل يطال التشغيل الآلي والتكتل الأنشطة اللوجستية أيضاً. يشير باحثو سلاسل التوريد إلى أنّ الميل نحو التكتل اللوجستي قد أنتج وفورات حجم وزاد الربحية عبر «آليات من بينها مشاركة المعلومات والمدخلات الوسيطة، وانتقال التكنولوجيا، والاستحواذ على الموارد».
اصطلح جغرافيو النقل على تسمية تجمع مستودعات الجملة والتجزئة حول أنظمة النقل بـ«العناقيد اللوجستية».
يشير هذا المصطلح أحياناً إلى مجمعات لوجستية منفردة، على غرار لوجيستيكس بارك كيه سي البالغ مساحة مستودعاتها 15.5 مليون قدم مربعة وهي في نمو مستمر. تفوق كلفة استئجار المساحات داخل المجمع كلفة استئجارها خارجه بميل أو ميلين، بيد أنّ الشركات المستأجرة توفر نفقاتها عبر تقاسم خدمات الصيانة والشحن والتنظيف، وتستفيد من قربها من ساحة نقل متعدد الوسائط ضخمة. يُعدّ مركز سنتر بوينت للنقل متعدد الوسائط في جولييت وإلوود بولاية إلينوي أضخم نموذج لمجمع لوجستي في الولايات المتحدة الأميركية، ويعالج سنوياً حمولة تتجاوز 3 ملايين وحدة مكافئة لعشرين قدماً، بمستوى يقارب سعة ميناءي سياتل وتاكوما مجتمعين.
يشير المصطلح تارة أخرى إلى مشروعات أضخم بكثير كمشروع ألاينس تكساس في مدينة فورت وورث، ثمرة شراكة فريدة بين القطاعين العام والخاص أنتجت مجتمعاً عمرانياً مخططاً يضم أكثر من 60 مليون قدم مربع من المساحات التجارية؛ وينسحب المصطلح أحياناً على مدن أو أقاليم موجّهة برمتها نحو اللوجستيات، كمدينة ممفيس أو منطقة إنلاند إمباير.
تتخذ هذه كلها صوراً من التجمع أو التكتل، لكن تفاوتت أهمية كل منها. يبرز ضيق سوق العمل الإقليمية عاملاً جوهرياً يقرر درجة التكتل الاقتصادي في اللوجستيات، يضاف إلى كلف الاستئجار التجاري ووجود مرافق السكك الحديدية متعددة الوسائط والطرق السريعة الكبرى وتوفر الأراضي وغيرها. ولهذه العناقيد أهمية بالغة عند العمل المنظم؛ إذ يسارع كبار أصحاب العمل إلى إغلاق بعض المنشآت عند أول بادرة من الاضطرابات العمالية؛ بالمقابل يكبّدهم إغلاق أو نقل منشآت أخرى عناءً شديداً، على سبيل المثال إغلاق المنشآت القائمة حول مطارات الشحن أو ساحات النقل متعدد الوسائط. يتيح التركيز على العناقيد اللوجستية، وفهم أسباب ظهورها، للمنظمين العماليين تحديد الأهداف الاستراتيجية بدقة أكبر، كما يُمكِّننا من رصد التحولات البنيوية الكبرى في استراتيجية الشركة.
عشر عناقيد لوجستية أميركية
أتاحت لي بيانات جمعتها عن شبكات توزيع كبار أصحاب العمل في الولايات الأميركية رسم ملامح منطقة وسطى بين المجمعات اللوجستية المنفردة والأقاليم الموجهة برمتها نحو اللوجستيات: نطاق محدد تتركز ضمنه المنشآت التوزيعية لكبار أصحاب العمل.
أدرجتُ في هذه الخريطة جميع المنشآت التوزيعية العامل فيها 400 شخص على الأقل - بناء على بيانات تطبيق تتبع الإصابات للعام 2024 التابع لإدارة السلامة والصحة المهنية - والتابعة لـ11 من أصل أضخم 15 صاحب عمل من القطاع الخاص في البلاد. (الأربعة المتبقية: بيركشاير هاثاواي ويونايتد هيلث وإتش سي إيه هيلث كير وأليد يونيفيرسال؛ تفتقر الشركات الثلاث الأخيرة لبصمة لوجستية بارزة، بخلاف بيركشاير هاثاواي الحاضرة لوجستياً عبر شركتها التابعة ماكلين). ونظراً لورود أمازون ويو بي إس وفيديكس ضمن هذه القائمة، فقد أدرجتُ أيضاً عُقَداً مماثلة لخدمة بريد الولايات المتحدة الأميركية.
إذا عرّفنا «العنقود اللوجستي» بأنّه كل تجمع يضم 9 منشآت توزيعية تابعة لكبار أصحاب العمل يعمل فيها على الأقل 400 عامل ضمن حيز مساحته 30 ميلاً مربعاً (بناء على منهجية بدائية، نقر بضعفها، قوامها رسم حدود حول تلك المنشآت بأداة القياس في غوغل)، نجد 10 عناقيد لوجستية في الولايات الأميركية.
حددت الحد الأدنى لعدد العاملين بـ400 عامل كي أستثني (في الغالب لا بالكلية) محطات التوصيل النهائية التابعة لشركة أمازون؛ إذ يغلب وجود هذه المحطات في الأوساط الحضرية بخلاف معظم عقد التوزيع الكبرى. ولمّا كنّا لم ندرج نقاط التوصيل النهائية (متاجر التجزئة) لشركة ولمارت أو هوم ديبو، فقد استقام استبعاد مثيلاتها في أمازون أيضاً. وجاء اختياري لمعادلة «9 منشآت في 30 ميلاً» اختياراً استقرائياً؛ فهذا ما أبانه فحص الخريطة تعريفاً ناجعاً لأضخم العناقيد اللوجستية في الولايات الأميركية. ولا ريب توجد طرائق فحص متعددة لهذه المسألة وتصنيفها؛ البيانات بين أيديكم، وأرحب بكل تجريب فيها.
إنلاند إمباير
تضيق العبارة عن الإحاطة بما تمثله منطقة إنلاند إمباير من ثقلٍ لوجستي للولايات الأميركية؛ إذ إنّ 40% من جملة الواردات المعبأة في حاويات تدخل عبر ميناءي لوس أنجلوس ولونغ بيتش المجاورين، وهناك - في إنلاند إمباير - تُرَتب وتُصنَّف فوضى السلع تلك. تكشف بياناتي عن واردات أمازون في الربع الثالث من العام 2025 أنّ ما يربو على نصف حجم شحناتها الإجمالي (مقاساً بالوحدات المكافئة لعشرين قدماً، وهي وحدة القياس المعيارية لحجم الحاويات في عالم الشحن) قد دخل عبر ميناءي لوس أنجلوس ولونغ بيتش.
يوجد في إنلاند إمباير 3 عناقيد لوجستية بحسب التعريف السابق. سوف أورد لكلّ منها عدد منشآت الشركات فيها، مَشفوعاً بعدد القوة العاملة فيها مجتمعةً.
تؤلف هذه العناقيد الثلاثة - المتقاربة حد التداخل - منطقة إنلاند إمباير في جنوب كاليفورنيا. ففي هذه المساحة البالغة نحو 620 ميلاً مربعاً، والممتدة من تشينو غرباً إلى بومونت شرقاً، ومن سان برناردينو شمالاً إلى پيريس جنوباً، ينشط 69,009 عامل في مراكز التوزيع الكبرى (في الواحد منها أكثر من 400 موظف) والتابعة لكبار أصحاب العمل المذكورين سلفاً. تنفرد أمازون وحدها بـ24 منشأة من هذا الطراز، يعمل فيها 36681 موظفاً؛ وهو ما يقطع بأنّ أمازون غدت اليوم المُشغِّل الأكبر - وبفارق كبير - لعمالة المستودعات في المنطقة.
طريق نافتا السريع
ولا عجب إنْ ضمت إنلاند إمباير 3 عناقيد لوجستية من أصل 10، لكن العجب أنّ لمنطقة دالاس فورت وورث العدد نفسه من العناقيد، بيد أنّ لهذا أسبابه المنطقية.
تُمثل منطقة دالاس-فورت وورث المعبر الجوهري لما يُصطلح على تسميته «طريق نافتا السريع»، المنطلق من مدينة لاريدو صعوداً عبر الطريق I-35. تتبوأ المنطقة موقع الوسط في البلاد، يضعها على مسافة لا تتجاوز يومين من القيادة من معظم الأسواق الحضرية الكبرى، فضلاً عن اعتدال مناخها بما يكفل استمرار العمليات من دون تأثر يُذكر بموسم الشتاء. تمتلك شركة بي أن أس أف مركزاً رئيساً للنقل متعدد الوسائط بجوار مطار فيلد فورت وورث ألاينس (المركز الجوي الثاني لشركة أمازون، ولا تسبقه في كثافة حركة الملاحة الجوية إلا قاعدتها الرئيسة في مطار سينسيناتي/شمال كنتاكي الدولي)؛ وتدير شركة يونيون پاسيفيك مركزاً مماثلاً في جنوب دالاس على مقربة من الطريق I-45 (كما يظهر في عنقود دالاس-فورت وورث الأول).
فينيكس وإنديانابوليس وأتلانتا وممفيس
تتوزع بقيةُ العناقيد اللوجستية في غربي مدينة فينيكس وإنديانابوليس في محيط مطارها الدولي، وممفيس في محيط مطارها الدولي، وفي جنوبي أتلانتا. ولعلَّ الأعجب خلو شيكاغو أو جوارِها من مناطق مماثلة؛ رغمَ أنَّ شيكاغو دأبتْ تاريخياً على تمثيلِ العُقدة الرئيسة لتوجيه الشحن في رحلة السلع المستوردة من الغرب نحو الأسواق الكبرى على الساحل الشرقي.
ضيق سوق العمل
ثمة أمران جوهريان يكتسبان أهميةً بالغةً عند قطاع الأعمال والقوى العاملة في هذه المواقع: أولهما، ضيق سوق العمل؛ وثانيهما، الأهمية التشغيلية. فكلما ارتفعت كثافة العاملين الحاليين في مراكز التوزيع وانحسرت فئة العمالة المحتملة في محيط عنقود لوجستي ما، زادت مشقة كبار أصحاب العمل في استقطاب الموظفين بالمستويات والأجور المستهدفة. أما من وجهة نظر العمال، فهذه المعطيات ذاتها تمثّل فرصةً سانحة لتعزيز العمل النقابي.
على سبيل المثال، كلما شرعت أمازون في رصد موقعٍ مرشحٍ لإقامة منشأة توزيعية جديدة، يعكف فريقُ التوظيف لديها على تحليل إمكانية رفد هذا الموقع بالعمالة المطلوبة. ويستلزم ذلك الإحاطة بحجم الخزان البشري الذي ستستقطب منه الشركة موظفيها (بمعنى آخر: المدى الجغرافي والمسافات التي يبدي الأفراد استعداداً لقطعها قيادةً من أجل العمل)، وكذا إحصاء من يتقاضون حالياً أجوراً تقلُّ عن الأجر الذي تعتزم أمازون دفعه، وتحديد نسبة القوى العاملة المحتملة المنخرطة بالفعل في قطاع المستودعات ومستويات أجورهم، ناهيك عن اعتبارات تقنية أخرى كثيرة تضيقُ الظنون عن مجرد تخمينها.
تنزع النقابات والمنظمات المجتمعية ومعاهد السياسات التقدمية إلى تصوير أجور أمازون على أنّها متدنية إلى حد البؤس، بيد أنّها في واقع الأمر محسوبة بدقة بالغة لتزيد بقدرٍ طفيف عن متوسط ما يتقاضاه الأفراد في منطقة بعينها؛ ليتسنى للشركة استيفاء حاجتها من العمالة وفق المستويات المنشودة. فليست غاية أمازون منح عمالها أدنى أجر ممكن، بل تبتغي إحكام السيطرة التامة على مستويات التوظيف في أي وقت تشاء. هذا علمٌ دقيق. في المؤتمر السنوي لبحوث العمليات وعلوم الإدارة، يقدم باحثو أمازون فيضاً من العروض حول توظيف الروبوتات وإدارة المخزون، غير أن جلَّ تلك العروض يتمحور حول «تخطيط القوى العاملة».
لا يملكُ الشخص العادي سِوى تقديم تقديراتٍ أولية بسيطة لحسابات توظيف القوى العاملة إذا ما قُورِن بكيانٍ تقنيٍّ عملاقٍ ومُتطورٍ مثل أمازون؛ ولكن، لِنفترض جدلاً أنَّ عُنقوداً بعينه يستقطبُ عمالهُ من نِطاقٍ يمتدُّ لـ25 ميلاً. إنَّ استقصاءَ عدد الأسر ضمن الرموز البريدية الواقعة في هذا القُطر، مِمَّن يقلُّ دخلُها السنويُّ عن 45 ألف دولارٍ، يعطي تصوراً تقريبياً عن حجم القوة العاملة المحتملة لمراكز توزيعِ هذه الشركات [5]. وبدورهِ، فإنَّ جمعَ إجمالي عدد العاملين في عُنقودٍ ما مع نُظرائهم في المواقعِ الأخرى التابعة لكبارِ أصحاب العملِ الاثني عشر ضمن ذلك النطاق، ثم قسمة الناتج على إجمالي عددِ الأسرِ ذات الدخل الأقل من 45 ألف دولار في النطاق ذاته، يُعطي فكرةً جليَّةً عن مقدار اليد العاملة المتاحة لأصحاب العمل في ذلك العُنقود.
بمقتضى هذه النتائج، من المتوقع أن تجد أيُّ شركةٍ تشرعُ في افتتاح مركز توزيعٍ في إنلاند إمباير أو في محيط مطار ممفيس الدولي (عصب الشحن الجوي الدولي لشركة فيديكس في ممفيس) مشقة في تزويدِ منشآتها بيدٍ عاملة تفوقُ نظيرتَها في غربي فينيكس أو جنوبي أتلانتا. ففي إنلاند إمباير، يكشفُ هذا التقديرُ التقريبيُّ لضيقِ سوقِ العمل جغرافياً في هذا القطاع أنَّ كلَّ عنقودٍ يستوعبُ عمالةً توازي في حجمها ربع إلى ثلث عدد الأسر محدودة الدخل في المنطقة؛ ويهبط هذا التقدير في فينيكس إلى أقلَّ من واحدٍ من عشرة. وبما أنَّ عائلاتٍ كثيرةً تضمُّ بين جنباتِها أكثر من عامل، يظل هذا المقياس في حيز المؤشرات الدَّالَّة ولا يرقى ليكونَ جزماً قاطعاً.
وبطبيعة الحال، ليس هذا كلُّهُ سوى عنصر واحد ضمن تحليل التوظيف؛ إذ يتطلبُ الأمرُ كذلك دقةً أوفى في تحديد النطاق الجغرافيِّ المعنيِّ (ففي بعض المناطق، يقطع العمال مسافاتٍ نائيةً بالسيارة للوصول إلى مقر العمل)، ورصد متوسط الأجر الساعيِّ ووسيطه للقوى العاملة المحتملة، ومعدلات البطالة المحلية، والشواغر الوظيفية، ونسب دوران اليد العاملة، دع عنك عوامل أخرى كثيرة ربما تُؤخذُ في الحسبان. وهي أسئلةٌ يبذلُ كبارُ أصحاب العمل في سبيل تقصِّي إجاباتها قسطاً وافراً من الوقت والمال؛ ومن ثمَّ، فهي تحظى بطبيعة الحال بأهميةٍ بالغة لدى الحركات العمالية المنظمة أيضاً.
الأهمية التشغيلية
تتعلقُ المسألةُ الأخرى المتصلة بهذه العناقيد بأهميَّتِها التشغيلية؛ إذ لا يقعُ احتشادُ كبارِ أصحاب العمل في حيزٍ جغرافيٍّ ضيق إلا لسببٍ أوجبَ هكذا احتشاد.
والسبب يتخلصين في كلمتين «مطارات الشحن»؛ إذ ينفرد عنقود دالاس-فورت وورث الأول وعنقود فينيكس بكونهما الوحيدين اللذين لا يضمان مطار شحن بارز أو يجاورانه مباشرة. ولا عجب أن يسجلا أضعف أسواق عمال المستودعات في الحسابات المذكورة آنفاً؛ إذ تستخدم كبرى شركات اللوجستيات فيهما الحصة الأقل من سوق العمل الإقليمية محدودة الدخل. تتبوأ كافة مطارات الشحن الواقعة في العناقيد الثمانية الأخرى أو المحاذية لها مكانها ضمن قائمة أكبر 25 مطار شحن من حيث وزن الحمولة المنزلة، باستثناء مطار مارش في ريفرسايد؛ إذ أوصدت أمازون أبواب منشآتها هناك مطلع العام الجاري، ولذا قد يفقد هذا العنقود أهليته حين تردنا أرقام مستويات التوظيف الجديدة من إدارة السلامة والصحة المهنية العام المقبل.
تضم هذه العناقيد، كما هو متوقع، منشآت تكتسب أهمية استثنائية عند كبار أصحاب العمل محل الدراسة؛ إذ يبرز فيها مركزا شركة فيديكس الدولي في ممفيس والوطني في إنديانابوليس. يستوعب هذان العنقودان معاً 25574 عاملاً من موظفي فيديكس، أي نحو 7% من إجمالي قوتها العاملة في الولايات المتحدة بأسرها. كما تدير شركة ولمارت مركز توزيع واردات متعدد المواقع (رقم 6060) ضمن عنقود إنلاند إمباير الأول، المستودع الرئيس لكافة السلع المستوردة عبر ميناءي لوس أنجلوس ولونغ بيتش. وبالمثل، يقع أكبر مركزي توزيع لشركة هوم ديبو من حيث كثافة العمالة في عنقودي دالاس-فورت وورث الثاني وأتلانتا؛ ويلبي كلاهما متطلبات قاعدة عريضة من العملاء «المحترفين» من المقاولين والبنائين.
قد يحافظ عنقود إنلاند إمباير الثالث على موقعه في هذه القائمة، حتى مع تخلي أمازون عن مطار مارش، إذ يظهر مركز استلام وتوجيه الشحنات الواردة (ONT8) المحاذي للمطار بمظهر عصب معالجة الواردات الرئيس - أقله في الوقت الحالي - ضمن شبكة السلع القابلة للفرز (وهي السلع التي يقل وزن الواحد منها عن عشرين رطلاً تقريباً). ففي الربع الثاني من العام 2025، وبحسب بيانات بوالص الشحن، استأثر مركز ONT8 بالنصيب الأكبر من واردات أمازون بصفته الجهة المستلمة، سواء من حيث عدد الحاويات النمطية أو القيمة التي ناهزت 519 مليون دولار في خلال ربع واحد. بيد أنّ مراجعة أولية لبيانات الربع الثالث من العام ذاته كشفت عن تراجع حاد في حجم الحاويات لدى المركز، ما يشي باعتزام أمازون تركيز عملياتها في منطقة إنلاند إمباير حول منطقتي سان برناردينو وأونتاريو. وربما استوعب مركز ONT8 في الآونة الأخيرة أحمالاً استثنائية في ظل تفعيل أمازون البطيء لشبكتها الوطنية لاستلام الشحنات وتوجيهها. وقد يعكس هذا الهبوط بدء تصفية العمليات، وهو احتمال بعيد وإنْ ظل ممكناً في قاموس أمازون. يقتضي الجزم بهذا الأمر الإحاطة بما يجري في ريفيرسايد ومورينو ڨالي على نحو أوسع، إذ لو قررت أمازون تصفية مركز ONT8، فلن تقوى أعتى جهود التنظيم العمالي على الوقوف في وجه هذا القرار.
الرؤية العمومية والتفصيلية
يستند التحليل السابق إلى تحديد أملته الضرورة المرحلية؛ إذ توفرت لدي البيانات الخاصة بأصحاب العمل الأحد عشر في القطاع الخاص وخدمة بريد الولايات المتحدة، بفضل الدراسات التعريفية لشبكات التوزيع التي أعددتها سابقاً. يتطلب إجراء تحليل أشمل إدراج أكبر عدد ممكن من كبار تجار التجزئة من أصحاب المستودعات الضخمة، بما في ذلك متاجر السلع الزهيدة، وكوستكو ووالغرينز وغيرها، إضافة إلى كبار مزودي الخدمات اللوجستية للطرف الثالث مثل شركات جي إكس أو ورايدر وإن إف آي. وقد نجد مسوغاً وجيهاً لإلغاء الحد الأدنى لعدد المنشآت والاكتفاء بحصر إجمالي عدد العمال؛ وفي هذه الحالة ستنضم مدينتا لويفيل (التي تضم المركز الجوي الرئيس لشركة يو پي إس بواقع 7830 موظفاً) وسينسيناتي (مركز أمازون الجوي الرئيس بواقع 8631 موظفاً) إلى القائمة، لكن تخرج أتلانتا منها. ولعلنا نحتاج إلى إلغاء حد الـ400 موظف، أو ربما الإبقاء عليه مع إدراج متاجر التجزئة؛ وحينها سيستوفي الكثير من مراكز ولمارت سوبر سنتر معايير الإدراج. وبحسب الروايات التي استقيتها من مقابلات سابقة، فقد سبق لبعض عمال مراكز إنجاز الطلبات في أمازون العمل في قطاع التجزئة لدى ولمارت.
يتيح المضي في أي من هذه السبل فرصة للتحكم بمتغيرات فكرة العنقود اللوجستي وموازين تحليلها؛ وتبرز القيمة الحقيقية لهذا المفهوم حين نقارب هذه الظاهرة الاقتصادية الجوهرية عبر منظورات شتى، إذ لا أبتغي وضع تعريف للعنقود اللوجستي بقدر ما أروم بيان تعريفات نافعة تعين على سبر أغوار شبكات التوزيع المعاصرة وتفكيكها، فتغدو مادةً سائغةً للتحليل الاستقرائي لدى المحللين من خارج أروقة الشركات. ومن خلال ضبط المتغيرات واستجلاء ما يتبدى منها، نتمكن من فرز عقد وعمليات بعينها تشكل عصب سلاسل الإمداد الحديثة، فنضع اليد على العقد الاستراتيجية ونستكشف القوة التفاوضية الضمنية في صميم الاقتصاد اللوجستي المعاصر.
راكمت الشركات الكبرى في عناقيد التصنيع السابقة في الغرب الأوسط والشمال الشرقي سلطة هائلةً، ولَّدَت بدورها القوة المقابلة المتمثلة في العمالة المنظمة؛ إذ احتضنت هذه العناقيد نضالات عمالية صاغت تاريخ القرن العشرين، ورسمت معالم تحالف الصفقة الجديدة، ومهدت الطريق لأزهى عصور الرخاء التي عرفتها الطبقة العاملة في التاريخ الأميركي. لا تحظى التجمعات الاقتصادية في قطاع اللوجستيات اليوم بتقدير كاف لأهميتها السياسية والثقافية، بيد أنّني أرجح أنّه لو استعادت العمالة المنظمة وزناً يقارب ما حازته في الخمسينيات، لغدت نظرتنا إلى منطقة إنلاند إمباير شبيهةً بنظرة النقابيين آنذاك إلى مدينتي أكرون وفلينت.
نُشِر هذا المقال في 20 كانون الأول/ديسمبر 2025 في Phenomenal World، وتُرجِم إلى العربية ونُشِر في موقع «صفر» بموجب اتفاق مع الجهة الناشرة.