الحرب خارج الموسم
أوروبا والغاز وحرب جديدة في فبراير
أحد الآثار التي لا تحظى بالاهتمام الكافي في الحرب التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران يتمثّل في انعكاساتها على الإمدادات العالمية للأسمدة. فقد بدأت أسعار مدخلات الأسمدة الرئيسة، ولا سيما اليوريا، تشهد ارتفاعاً حاداً.
سلّطت الضوء في منشور سابق على الكيفية التي تتشعّب بها الحرب التي تشنّها إسرائيل والولايات المتّحدة على إيران داخل أسواق قد لا تخطر على بال كثيرين، مثل سوق الأسمدة.
تكمن أهمية هذا الأمر لا في أنه يكشف فقط الترابط الخفي للاقتصاد العالمي، بل أيضاً في أنه يذكّرنا باستمرار تأثير العوامل الموسمية في اقتصاد القرن الحادي والعشرين. فما زال إيقاع مواسم الحصاد مهماً، ولا يحدّد وتيرة الزراعة وحدها، بل يضبط كذلك إيقاع الصناعات المرتبطة بها.
وهذا يطرح سؤالاً: إلى جانب الأسمدة، ما الذي يبقى موسمياً في الاقتصاد العالمي؟ ومن يتأثر أيضاً بحرب تقع في شباط/فبراير؟
أحد الأجوبة الواضحة هو قطاع الطاقة عموماً، لا في صورة محاصيل وسعرات حرارية، بل في صورة الهيدروكربونات.
للطقس أهميّة. في الشتاء، ولا سيما في خلال شتاء بارد مثل الذي شهدته أوروبا والولايات المتّحدة للتو، يرتفع استهلاك الطاقة من أجل التدفئة. وحتى الآن، يظلّ البرد تهديداً أكبر لحياة البشر من الحر. وفي الصيف، في المناطق الحارة جداً من العالم، قد يرتفع الطلب أيضاً بسبب التكييف والتبريد. تتقاطع دورتان في الطلب على الغاز في الولايات المتّحدة: الأولى لدى الأسر التي تستخدم الغاز للتدفئة في الشتاء، والثانية في نظام الكهرباء الذي يعتمد على الغاز لتوليد الطاقة اللازمة لتشغيل أجهزة التكييف في الصيف.
لإدارة هذه الذروات وفترات الانخفاض، تحتفظ أنظمة الطاقة بمخزونات وتدير الإنتاج بمرونة. وفي الحالة المثلى، يجري تحسين هذه الآليات بعناية لتأمين قدر كافٍ من الاستقرار من دون كلفة غير ضرورية.
لكن إذا اندلعت حرب في توقيت غير مناسب، وتعطّلت التدفقات الداخلة إلى نظام الطاقة والخارجة منه، فقد تصبح الأمور شديدة التعقيد. نهاية الشتاء لحظة سيئة لمواجهة حرب، لأن مخزونات الطاقة تكون عادة قد تراجعت إلى مستويات منخفضة. وقد علّمت روسيا أوروبا وآسيا هذا الدرس في شباط/فبراير 2022.
سارعت أوروبا في عام 2022 إلى تأمين إمدادات الغاز وإبقاء احتياطياتها عند مستويات كافية. وكانت صدمة الأسعار التي أصابت المستهلكين قاسية ولافتة. وكان من المفترض أن يُستخلص الدرس: المخزونات ضرورية. إذاً، مع حلول عام 2026، أين أصبحنا؟
يا للعجب... لقد فعلوها مرة أخرى!
انخفضت مخزونات الغاز في أوروبا، مرة جديدة، إلى مستويات قياسية. وكما يذكر غافين ماغواير في تقرير نشرته رويترز: «دفعت مجموعة من العوامل، منها قواعد جديدة لتخزين الغاز وارتفاع أسعار الغاز الطبيعي ودرجات حرارة شتوية أعلى من المعتاد وضعف النشاط الاقتصادي الإقليمي، إلى دفع مشغلي مرافق التخزين في أوروبا إلى استنزاف المخزونات إلى مستويات أدنى بكثير من المعدلات الطبيعية هذا الشتاء. كما عزّزت توقعات تسجيل صادرات قياسية من الغاز الطبيعي المسال من دول مثل الولايات المتّحدة وقطر الاعتقاد بأن الأسواق العالمية ستغصّ بالإمدادات طوال عام 2026».
تُظهر بيانات مجموعة بورصات لندن أن مخزونات الغاز الطبيعي في ألمانيا، أكبر مستهلك للغاز في أوروبا، بدأت شهر آذار/مارس عند مستوى لا يتجاوز 27% من القدرة التخزينية، مقارنة بمتوسط يبلغ 64% في الفترة نفسها من العام منذ عام 2023. أما مخزونات الغاز في هولندا، حيث يقع مركز تجارة الغاز الرئيس في أوروبا، فلا تتجاوز نحو 10% من القدرة التخزينية، مقابل متوسط يقارب 48% في مطلع آذار/مارس.
أبدت الصناعة الألمانية قلقها، وبدأت إعداد خطط طوارئ تحسباً لحدوث صدمة في الإمدادات. لكن، حتى في 17 شباط/فبراير 2026، وفي خلال اجتماع للجنة الاقتصاد في البوندستاغ دعا إليه حزب الخضر، الذي بات الآن في صفوف المعارضة، أعلنت وزيرة الاقتصاد الألمانية كاترينا رايشه أنها لا ترى سبباً للقلق من انخفاض مستويات مخزون الغاز. فالسوق، في رأيها، قادر على تأمين الإمدادات اللازمة. كما أن ألمانيا تمتلك اليوم عدداً كافياً من محطات استقبال الغاز الطبيعي المسال لضمان الإمداد. وهذه المحطات بدورها جعلت نشاط تخزين الغاز أقل ربحية، ما أدى إلى إغلاق منشآت تخزين كبرى.
ثم، وسط هذا التوازن الهش، تنفجر الحرب التي تشنّها إسرائيل والولايات المتّحدة على إيران، في نهاية شباط/فبراير 2026، بعد أربع سنوات تقريباً على الهجوم الذي شنّه بوتين.
والنتيجة: إغلاق مضيق هرمز، وهو بمثابة الشريان الرئيس لتدفّقات الطاقة نحو جزء كبير من العالم، وذلك في نهاية الشتاء تحديداً، عندما تكون مخزونات الطاقة عند أدنى مستوياتها منذ أعوام.
لا يوجّه إغلاق المضيق ضربة مباشرة مدمّرة لإمدادات الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا، إذ إن نحو 7% فقط من واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال تأتي من قطر.
لكن خروج محطات التصدير القطرية الضخمة من سلسلة الإمداد العالمية يوجّه صدمة إلى سوق الغاز الطبيعي المسال بأكمله، ما يدفع الأسعار إلى الارتفاع في مختلف الأسواق، بما فيها أوروبا.
وما يزيد الأمور سوءاً أن النظر مرة أخرى إلى خريطة واردات الغاز الطبيعي المسال يكشف أن الجزء الأكبر من هذه الواردات، الأكبر حتى من تلك القادمة من الشرق الأوسط، يأتي من روسيا. لا تزال أوروبا لم تفطم نفسها بالكامل عن الغاز الروسي؛ إذ تواصل دول أوروبا الشرقية استيراد الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب الممتدة عبر البحر الأسود، فيما تشتري بقية أوروبا الغاز الروسي في صورة غاز طبيعي مسال.
في 4 آذار/مارس، وربما بصورة غير مفاجئة في ظلّ تشدّد الموقف الأوروبي تجاه العقوبات والتهديد بإنهاء واردات الغاز هذا العام، لوّح بوتين بإمكانية أن توقف روسيا بيع الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا فوراً.
ومع ذلك، ينبغي القول إن صدمة أسعار الغاز حتى الآن تبقى محدودة مقارنة بما شهدته أوروبا في 2021–2022. ويُظهر الرسم البياني أدناه تطوّر أسعار الغاز في خلال فترة تمتد لخمسة أعوام.
لكن مجرّد أن تجد أوروبا نفسها مرة أخرى في هذا الموقف، أي تحت رحمة الكرملين، ليس سوى اعتماد فرضته على نفسها.
واللافت أن بعض الحكومات الأوروبية، ولا سيما الحكومة الألمانية، تدعو فعلياً إلى تعميق الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال. فباسم «أمن الإمدادات« تطالب وزيرة الاقتصاد رايشه ببناء قدرة توليد كهرباء تعمل بالغاز تبلغ 20 غيغاواط. لا شك في أن الغاز ما زال يؤدي دوراً في منظومة الطاقة. لكن الرد الأكثر إقناعاً على هذه الصدمة الجديدة يبدو واضحاً: تسريع بناء قدرات الطاقة الشمسية وتوسيع تخزين الطاقة بالبطاريات.
أحدثت الثورة الصينية في التقنيات الكهربائية الخضراء تحولاً جذرياً في الظروف، حتى بالمقارنة مع صدمة الطاقة التي فجّرتها حرب أوكرانيا عام 2022. فقد بلغت الطاقات المتجددة اليوم حجماً يسمح لها بأن تبدأ فعلياً في تعويض جزء من الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، ولا سيما الغاز.
نُشِر هذا المقال في 5 آذار/مارس 2026 على مدونّة أدم توز، وتُرجِم إلى العربية ونُشِر في «صفر» بموافقة من الكاتب.